النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الصلاة / باب الإمامة
بها) كقوله: إن الله تعالى جسم كالأجسام، وإنكاره صحبة الصديق (فلا يصح الاقتداء به
أصلًا) فليحفظ (وولد الزنا) هذا إن وجد غيرهم وإلا فلا كراهة. بحر بحثاً.
وفي النهر عن المحيط: صلى خلف فاسق أو مبتدع نال فضل الجماعة، وكذا
جسم کالأجسام) و کذا لو لم یقل کالأجسام، وأما لو قال لا کالأجسام فلا یکفر، لأنه لیس
فيه إلا إطلاق لفظ الجسم الموهم للنقص فرفعه بقوله لا كالأجسام، فلم يبق إلا مجرد
الإطلاق وذلك معصية، وتمامه في البحر. قوله: (وإنكاره صحبة الصديق) لما فيه من
تكذيب قوله تعالى- إذ يقول لصاحبه -ح. وفي الفتح عن الخلاصة: ومن أنكر خلافة
الصديق أو عمر فهو كافر اهـ. ولعل المراد إنكار استحقاقهما، فهو مخالف للإجماع الصحابة
لا إنكار وجودها لهما. بحر. وينبغي تقييد الكفر بإنكار الخلافة بما إذا لم يكن عن شبهة
كما مر عن شرح المنية، بخلاف إنكار صحبة الصديق تأمل. قوله: (أصلًا) تأكید، وليس
المراد به في حال كذا ولا في حالة كذا، إذ ليس هنا أحوال ح. قوله: (وولد الزنا) إذ ليس
له أب يربيه ويؤدبه ويعلمه فيغلب عليه الجهل. بحر. أو لنفرة الناس عنه. قوله: (هذا) أي
ما ذكر من كراهة إمامة المذكورين. قوله: (إن وجد غيرهم) أي من هو أحق بالإمامة منهم.
قوله: (بحر بحثاً) قد علمت أنه موافق للمنقول عن الاختيار وغيره. قوله: (نال فضل
الجماعة) أفاد أن الصلاة خلفهما أولی من الانفراد، لکن لا ینال کما ینال خلف تقي ورع،
لحديث ((مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِم تَقيّ فَكَأَنمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيّ)) قال في الحلية: ولم يجده
المخرّجون: نعم أخرج الحكّم في مستدركه مرفوعاً ((إن سركم أن يقبل الله صلاتكم
فلیؤمکم خیارکم، فإنهم وفدکم فیما بینکم وبین ربکم، اهـ.
مَطْلَبٌ فِي إِمَامَةِ الأَمْرَدِ
قوله: (وكذا تكره خلف أمرد) الظاهر أنها تنزيهية أيضاً. والظاهر أيضاً كما قال
الرحمتي إن المراد به الصبيح الوجه لأنه محل الفتنة، وهل يقال هنا أيضاً: إذا كان أعلم القوم
تنتفي الكراهة؟ فإن كانت علة الكراهة خشية الشهوة وهو الأظهر، فلا، وإن كانت غلبة
الجهل أو نفرة الناس من الصلاة خلفه، فنعم، فتأمل. والظاهر أن ذا العذار الصبيح
المشتهى كالأمرد. تأمل.
هذا، وفي حاشية المدني عن الفتاوى العفيفية: سئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن
عيسى المرشدي عن شخص بلغ من السن عشرين سنة وتجاوز حدّ الإنبات ولم ينبت عذاره،
فهل يخرج بذلك عن حد الأمردية وخصوصاً قد نبت له شعرات في ذقنه تؤذن بأنه ليس من
مستديري اللحى، فهل حكمه في الإمامة كالرجال الكاملين أم لا؟ أجاب: سئل العلامة
الشيخ أحمد بن يونس المعروف بابن الشلبي من متأخري علماء الحنفية عن هذه المسألة.

٣٠٢
كتاب الصلاة / باب الإمامة
تکره خلف أمرد وسفیه ومفلوچ، وأبرص شاع برصه، وشارب الخمر وآكل الربا
ونمام، ومراء ومتصنع، ومن أمّ بأجرة. قهستاني. زاد ابن ملك: ومخالف كشافعي؟
لكن في وتر البحر إن تيقن المراعاة لم یکره، أو عدمها لم يصح، إن شك كره(و) يكره
فأجاب بالجواز من غير كراهة، وناهيك به قدوة، والله أعلم. وكذلك سئل عنها المفتي
محمد تاج الدين القلعي فأجاب كذلك اهـ. قوله: (وسفيه) هو الذي لا يحسن التصرّف على
مقتضى الشرع أو العقل كما سيذكره في الحجر ط. قوله: (ومفلوج وأبرص شاع برصه)
وكذلك أعرج يقوم ببعض قدمه، فالاقتداء بغيره أولى. تاتر خانية. وكذا أجذم. بيرجندي.
ومجبوب وحاقن، ومن له يد واحدة. فتاوى الصوفية عن التحفة. والظاهر أن العلة النفرة،
ولذا قيد الأبرص بالشيوع ليكون ظاهراً، ولعدم إمكان إكمال الطهارة أيضاً في المفلوج
والأقطع والمجبوب، ولكراهة صلاة الحاقن: أي ببول ونحوه. قوله: (وشارب الخمر إلى
قوله ومتصنع) تكرار من قول المتن «فاسق) ح.
والنمام: من ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وهي من الكبائر. ويحرم على
الإنسان قبولها. والمرائي: من يقصد أن يراه الناس، سواء تكلف تحسين الطاعات أو لا.
والمتصنع: من يتكلف تحسينها فهو أخص مما قبله ط. قوله: (ومن أمّ بأجرة) بأن استؤجر
ليصلي إماماً سنة أو شهراً بكذا، وليس منه ما شرطه الواقف عليه فإنه صدقة ومعونة له.
رحمتي : أي يشبه الصدقة، ويشبه الأجرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوقف. على أن
المفتى به مذهب المتأخرين من جواز الاستئجار على تعليم القرآن والإمامة والأذان للضرورة؛
بخلاف الاستئجار على التلاوة المجرّدة وبقية الطاعات مما لا ضرورة إليه فإنه لا يجوز أصلًا كما
سنحققه في كتاب الإجارة إن شاء الله تعالى، فافهم. قوله: (لكن في وتر البحر الخ) هذا هو
المعتمد، لأن المحققین جنحوا إلیه، وقواعد المذهب شاهدة علیه، وقال کثیر من المشايخ:
إن كان عادته مراعاة مواضع الخلاف جاز وإلا فلا، ذكره السندي المتقدم ذكرهح.
قلت: وهذا بناء على أن العبرة لرأي المقتدي وهو الأصح، وقيل لرأي الإمام وعليه
جماعة. قال في النهاية: وهو أقيس، وعليه فيصح الاقتداء وإن كان لا يحتاط كما يأتي في
الوتر. قوله: (إن تيقن المراعاة لم يكره الخ) أي المراعاة في الفرائض من شروط وأركان
في تلك الصلاة وإن لم يراع في الواجبات والسنن كما هو ظاهر سياق كلام البحر.
مَطْلَبُ فِي الأَقْتِدَاءِ بِشَافِيٌّ وَنَحْوِهِ هَلْ يُكْرِهُ أَمْ لا؟
وظاهر كلام شرح المنية أيضاً حيث قال: وأما الاقتداء بالمخالف في الفروع كالشافعي
فيجوز ما لم يعلم منه ما يفسد الصلاة على اعتقاد المقتدي عليه الإجماع، إنما اختلف في
الكراهة اهـ. فقيد بالمفسد دون غيره كما ترى. وفي رسالة [الاهتداء في الاقتداء] لمنلا علي
القاري: ذهب عامة مشايخنا إلى الجواز إذا كان يحتاط في موضع الخلاف، وإلا فلا.

٢٠٢
كتاب الصلاة / باب الإمامة
والمعنى أنه يجوز في المراعى بلا كراهة وفي غيره معها. ثم المواضع المهمة
للمراعاة أن يتوضأ من الفصد والحجامة والقيء والرعاف ونحو ذلك، لا فيما هو سنة عنده
مكروه عندنا؛ كرفع اليدين في الانتقالات وجهر البسملة وإخفائها؛ فهذا وأمثاله لا يمكن فيه
الخروج عن عهدة الخلاف، فکلهم يتبع مذهبه ولا يمنع مشربه اهـ.
وفي حاشية الأشباه للخير الرملي: الذي يميل إليه خاطري القول بعدم الكراهة، إذا
لم يتحقق منه مفسداهـ. وبحث المحشي أنه إن علم أنه راعى في الفروض والواجبات
والسنن فلا کرامة، وإن علم ترکھا في الثلاثة لم يصح، وإن لم يدر شيئاً كره، لأن بعض ما
يجب تركه عندنا يسن فعله عنده فالظاهر أن يفعله وإن علم تركها في الأخيرين فقط ينبغي أن
يكره لأنه إذا كره عند احتمال ترك الواجب فعند تحققه بالأولى، وإن علم تركها في الثالث
فقط ينبغي أن يقتدي به، لأن الجماعة واجبة فتقدم على تركه كراهة التنزيه اهـ. وسبقه إلى
نحو ذلك العلامة البيري في رسالته، حيث ادعى أن الانفراد أفضل من الاقتداء به قال: إذ لا
ريب أنه يأتي في صلاته بما تجب الإعادة به عندنا أو تستحب، لكن ردّ عليه ذلك غيره في
رسالة أيضاً وقد أسمعناك ما يؤيد الرد؛ نعم نقل الشيخ خير الدين عن الرملي الشافعي أنه
مشى على كراهة الاقتداء بالمخالف حيث أمكنه غيره، ومع ذلك هي أفضل من الانفراد،
ويحصل له فضل الجماعة، وبه أفتى الرملي الكبير، واعتمده السبكي والإسنوي وغيرهما.
قال الشيخ خير الدين: والحاصل أن عندهم في ذلك اختلافاً، وكل ما كان لهم علة
في الاقتداء بنا صحة وفساداً وأفضلية كان لنا مثله عليهم، وقد سمعت ما اعتمده الرملي
وأفتى به، والفقير أقول مثل قوله فيما يتعلق باقتداء الحنفي بالشافعي، والفقيه المنصف
يسلم ذلك، شعر: [الرمل]
وَأَنَا رَمْلِيُّ فِقْهِ الحَنَفِي لَا مِرَا بَعْدَ أَتَّفَاقِ العَالَمِين اهـ ملخصاً
أي لا جدال بعد اتفاق عالمي المذهبین وهما رملي الحنفية: یعني به نفسه، ورملي
الشافعية رحمهما الله تعالى، فتحصل أن الاقتداء بالمخالف المراعى في الفرائض أفضل من
الانفراد إذا لم يجد غيره، وإلا فالاقتداء بالموافق أفضل.
مَطْلَبُ: إِذَا صَلَّى الشَّافِعِيُّ قَبْلَ الْحَتَفِيّ هَلَّ الأَفْضَلُ
الصَّلَاةُ مَعَ الشَّافِعِيّ أَمْ لَا؟
بقي ما إذا تعددت الجماعات في المسجد وسبقت جماعة الشافعية مع حضور نقل ط
عن رسالة لابن نجيم أن الأفضل الاقتدء بالشافعي، بل يكره التأخير، لأن تكرار الجماعة
في مسجد واحد مكروه عندنا على المعتمد، إلا إذا كانت الجماعة الأولى غير أهل ذلك
المسجد، أو أديت الجماعة على وجه مكروه، لأنه لا يخلو الحنفي حالة صلاة الشافعي،

٣٠٤
كتاب الصلاة / باب الإمامة
تحريماً (تطويل الصلاة) على القوم زائداً على قدر السنة في قراءة وأذكار رضي القوم أو
لا لإطلاق الأمر بالتخفيف. نهر. وفي الشرنبلالية: ظاهر حديث معاذ أنه لا يزيد على
إما أن يشتغل بالرواتب لينتظر الحنفي وذلك منهيّ عنه، لقوله وَله((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَةُ فَلَا
صَلَةً إِلَّ المَكْتُوبَةُ)) وإما أن يجلس وهو مكروه أيضاً لإعراضه عن الجماعة من غير كراهة في
جماعتهم عن المختار اهـ. ونحوه في حاشية المدني عن الشيخ والده الشيخ محمد أكرم
وخاتمة المحققين السيد محمد أمين ميوباد شاه والشيخ إسماعيل الشرواني، فإنهم رجحوا أن
الصلاة مع أول جماعة أفضل. قال: وقال الشيخ عبد الله العفيف في فتاواه العفيفية عن
الشيخ عبد الرحمن المرشدي: وقد كان شيخنا شيخ الإسلام مفتي بلد الله الحرام الشيخ
علي بن جار الله بن ظهيرة الحنفي لا يزال يصلي مع الشافعية عند تقدم جماعتهم، وكنت
أقتدي به في الاقتداء بهم اهـ. وخالفهم العلامة الشيخ إبراهيم البيري بناء على كراهة الاقتداء
بهم لعدم مراعاتهم في الواجبات والسنن، وأن الانفراد أفضل لو لم يدرك إمام مذهبه.
وخالفهم أيضاً العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ ابن الهمام فقال: الاحتياط في عدم
الاقتداء به ولو مراعياً، وكذا العلامة المنلا علي القاري فقال بعد ما قدمناه عنه من عدم كراهة
الاقتداء بهم: ولو كان لكل مذهب إمام كما في زماننا فالأفضل الاقتداء بالموافق، سواء
تقدم أو تأخر على ما استحسنه عامة المسلمين وعمل به جمهور المؤمنين من أهل الحرمين
والقدس ومصر والشام، ولا عبرة بمن شذ منهم اهـ.
والذي يميل إليه القلب عدم كراهة الاقتداء بالمخالف ما لم يكن غير مراع في
الفرائض، لأن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا أئمة مجتهدين وهم يصلون خلف إمام واحد
مع تباين مذاهبهم، وأنه لو انتظر إمام مذهبه بعيداً عن الصفوف لم يكن إعراضاً عن الجماعة
للعلم بأنه يريد جماعة أكمل من هذه الجماعة. وأما كراهة تعدد الجماعة في مسجد واحد
فقد ذكرنا الكلام عليها أول الباب، والله أعلم بالصواب. قوله: (تحريماً) أخذه في البحر من
الأمر بالتخفيف في الحديث الآتي قال: وهو للوجوب إلا لصارف ولإدخال الضرر على
الغير اهـ. وجزم به في النهر. قوله: (زائداً على قدر السنة) عزاه في البحر إلى السراج
والمضمرات. قال: وذكره في الفتح بحثاً، لا كما يتوهمه بعض أئمة فيقرأ يسيراً في الفجر
كغيرها اهـ. قوله: (لإطلاق الأمر بالتخفيف) وهو ما في الصحيحين ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ
لِلنَّاسِ فَلْيُخَفَّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيف وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاء))(١)
وقد تبع الشارح في ذلك صاحب البحر. واعترضه الشيخ إسماعيل بأن تعليل الأمر بما ذكر
يفيد عدم الكراهة إذا رضي القوم: أي إذا كانوا محصورين. ويمكن حمل كلام البحر على غير
المحصورين. تأمل. قوله: (وفي الشرنبلالية الخ) مقابل لقوله ((زائداً على قدر السنة)).
(١) أخرجه البخاري ١٩٩/٢ (٧٠٣) ومسلم ٣٤١/١ (٤٦٧/١٨٣).

٣٠٥
كتاب الصلاة / باب الإمامة
صلاة أضعفهم مطلقاً، ولذا قال الكمال: إلا لضرورة، وصح ((أَنْهُ عَليه الصَّلاةُ والسَّلامُ
قرأْ بالمُعَوِّذَتَيْنْ في الفَجْرِ حينَ سَمِعَ بُكَاءَ صَبيٍّ)) (و) يكره تحريماً (جماعة النساء) ولو في
التراويح في غير صلاة جنازة (لأنها لم تشرع مكررة) فلو انفردن تفوتهن بفراغ إحداهن؛
وحاصله أنه يقرأ بقدر حال القوم مطلقاً: أي ولو دون القدر المسنون، وفيه نظر . أما
أولًا فلأنه مخالف للمنقول عن السراج والمضمرات كما مر؛ وأما ثانياً فلأن القدر المسنون
لا يزيد على صلاة أضعفهم لأنه كان يفعله وَلير مع علمه بأنه يقتدي به الضعيف والسقيم ولا
يتركه إلا وقت الضرورة؛ وأما ثالثاً فلأن قراءة معاذ لما شكاه قومه إلى النبي وَ ﴿ وقال ((أَفْتَّانٌ
أَنْتَ يَا مُعَاذُ))(١) إنما كانت زائدة على القدر المسنون. قال الكمال في الفتح: وقد بحثنا أن
التطويل هو الزيادة على القراءة المسنونة، فإنه وَ لقر نهى عنه وقراءته هي المسنونة، فلا بد من
كون ما نهى عنه غير ما كان دأبه إلا لضرورة، وقراءة معاذ لما قال له وَ ل﴿ ما قال كانت بالبقرة
على ما في مسلم ((أَنَّ مُعَاذاً افْتَتَحَ بِالبَقَرَةِ فَأَنْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَأَنْصَرَفَ))،
وقوله وََّ((إِذَا أَعمَتَ بِالنَّاسِ فَاقْرَأُ ﴿بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس] ﴿وَسَبِّح اسْم رَبِّكَ
الأَعْلَى﴾ [الأعلى ] ﴿وآقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ) لأنهاَ كانت
العشاء، وإن قوم معاذ کان العذر متحققاً فیھم لا کسل منھم، فأمر فیھم بذلك لذلك، كما
ذكر ((أَنَّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرأْ بِالْمُعوِّذَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ (٢)، فَلَمَّا فَرِغَ قَالُوا لَهُ: أَوْجَزْتَ،
قَالَ: سَمِعَتُ بُكَاءَ صَبِيٍّ فَخَشِيتُ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ) اهـ ملخصاً.
فقد ظهر من كلامه أنه لا ينقص عن المسنون إلا لضرورة كقراءته بالمعوذتين لبكاء
الصبي، وظهر من حديث معاذ أنه لا ينقص عن المسنون لضعف الجماعة، لأنه لم يعين له
دون المسنون في صلاة العشاء، بل نهاه عن الزيادة عليه مع تحقق العذر في قومه، فما استظهره
الشرنبلالي من الحديث وحمل عليه كلام الكمال غير ظاهر . نعم ذكر في البحر في باب الوتر
والنوافل عند الكلام على التراويح معزياً إلى المجتبى أن الحسن روى عن الإمام أنه إذا قرأ في
المكتوبة بعد الفاتحة ثلاث آيات فقد أحسن ولم يسئ اهـ. لكنه لا ينافي ما قلنا لأنه أحسن
بقراءة القدر الواجب ولم يسئ: أي لم يصل إلى كراهة شديدة فتأمل. قوله: (ويكره تحريماً)
صرح به في الفتح والبحر قوله: (ولو في التراويح) أفاد أن الكراهة في كل ما تشرع فيه جماعة
الرجال فرضاً أو نفلاً. قوله: (لأنها لم تشرع مكررة الخ) قال في الفتح: واعلم أن جماعتهن لا
تكره في صلاة الجنازة لأنها فريضة وترك التقدم مكروه، فدار الأمر بين فعل المكروه لفعل
(١) أخرجه البخاري ٢/ ٢٠٠ (٧٠٥، ٦١٠٦) ومسلم ٣٣٩/١ (٤٦٥/١٧٨) وأحمد في المسند ٢٩٩/٣ والنسائي ٢/
٩٨، ١٦٨ وابن خزيمة (٦١١، ١٦٣٤) والشافعي كما في البدائع (٣٨٤) والبيهقي ٣/ ٨٥.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٦٧/١ وأحمد ١٤٩/٤ وأبو داود ١٥٢/٢ (١٤٦٢) والنسائي ١٥٨/٢ وابن خزيمة ٢٦٨/١
(٥٣٥) والحاکم ١/ ٢٤٠ والبيهقي ٣٩٤/٢.

٣٠٦
كتاب الصلاة / باب الإمامة
ولو أمت فيها رجالًا لا تعاد لسقوط الفرض بصلاتها إلا إذا استخلفها الإمام وخلفه رجال
ونساء فتفسد صلاة الکل (فإن فعلن تقف الإمام وسطهن) فلو قدمت أثمت إلا الخنثى
فيتقدمهن (كالعراة)
الفرض أو ترك الفرض لتركه فوجب الأول، بخلاف جماعتهن في غيرها - ولو صلين فرادى فقد
تسبق إحداهن فتكون صلاة الباقيات نفلاً والتنفل بها مكروه، فيكون فراغ تلك موجباً لفساد
الفرضية لصلاة الباقيات كتقييد الخامسة بالسجدة لمن ترك القعدة الأخيرة إهـ. ومثله في البحر
وغيره. ومفاده أن جماعتهن في صلاة الجنازة واجبة حيث لم يكن غيرهن، ولعل وجهه
الاحتراز عن فساد فرضية صلاة الباقيات إذا سبقت إحداهن. وفيه أن الرجال لو صلوا منفردين
يلزم فيها مثل ذلك، فيلزم عليه وجوب جماعتهم فيها مع أن المصرح به أن الجماعة فيها غير
واجبة فتأمل. قوله: (لا تعاد) لأنها لو أعيدت لوقعت نفلاً مكروهاً ط. قوله: (بصلاتها) قيد
به، لأن الرجال لم تنعقد صلاتهم ح. قوله: (إلا إذا استخلفها) استثناء من قوله ((لا تعاد)) وهذا
ليس خاصاً بالجنازة بل غيرها مثلها. قوله: (فتفسد صلاة الكل) أما الرجال والإمام فلعدم
صحة اقتداء الرجال بالمرأة، وأما النساء والمقدمة فلأنهن دخلن في تحريمة كاملة، فإذا انتقلن
إلى تحريمة ناقصة لم يجز، كأنهن انتقلن من فرض إلى فرض آخر كما في البحرح. وظاهر
التعليل يقتضي الفساد ولو كنّ نساء خلصاً، أفاده أبو السعود ط. والأظهر التعليل بأن الإمام
یصیر مقتدياً بخليفته فتفسد صلاة من خلفه، بل باستخلافه من لا يصح للإمامة تفسد صلاته،
فكذا من خلفه. رحمتي. قوله: (تقف الإمام) بالمثناة الفوقية، لأن فاعله الإمام هو هنا مؤنث
حقيقي اهـ. وقال منلا علي القاري: يجوز التذكير لأنه مصدر بمعنى المفعول: أي المقتدى
به اهـ. وفي النهر: هو من يؤتمّ به ذكراً كان أو أنثى. وفي بعض النسخ الإمامة، وترك الهاء هو
الصواب لأنه اسم لا وصف اهـ. قوله (وسطهن) في المغرب: الوسط بالتحريك اسم لعين ما
بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالْسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً، ولذا كان ظرفاً،
والأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولًا به الخ. وفي ضياء الحلوم: الوسط بالسكون ظرف مكان،
وبالفتح اسم تقول وسط رأسه دهن بالسكون وفتح الطاء فهذا ظرف، وإذا فتحت السين رفعت
الطاء وقلت وسط رأسه دهن، فهذا اسم اهـ.
قلت: وعليه فيجوز هنا الفتح والسكون، لأنها إذا وقفت في نصف الصف صدق أنها
في الوسط بالسكون وأنها عين الوسط بالتحريك، ويكون نصبه في الأول على الظرفية،
وفي الثاني على الحالية لأنه بمعنى متوسطة فافهم. قوله: (فلو تقدمت) أثمت. أفاد أن
وقوفها وسطهن واجب كما صرح به في الفتح، وأن الصلاة صحيحة، وأنها إذا توسطت لا
تزول الكراهة، وإنما أرشدوا إلى التوسط لأنه أقل كراهية من التقدم كما في السراج. بحر.
قوله: (فیتقدمھن) إذ لو صلی وسطهن فسدت صلاته بمحاذاتهنّ له علی تقدیر ذکورتهح:

٣٠٧
كتاب الصلاة / باب الإمامة
فيتوسطهم إمامهم. ويكره جماعتهم تحريماً فتح (ويكره حضورهن الجماعة) ولو لجمعة
وعيد ووعظ (مطلقاً) ولو عجوزاً ليلًا (على المذهب) المفتى به لفساد الزمان واستثنى
الکمال بحثاً العجائز المتفانیة (کما تکره إمامة الرجل لهن في بیت لیس معهن رجل
غيره ولا محرم منه) كأخته (أو زوجته أو أمته، أما إذا كان معهن واحد ممن ذكر أو أمهن في
المسجد لا) يكره. بحر (ويقف الواحد) ولو صبياً، أما الواحدة فتتأخر (محاذياً) أي
مساوياً (ليمين إمامه) على المذهب، ولا عبرة بالرأس
أي وتفسد صلاتهن أيضاً. قوله: (فيتوسطهم الخ) أشار به إلى أن التشبيه بين العراة والنساء
ليس من كل وجه بل في الانفراد وقيام الإمام في الوسط، وإلا فالعراة يصلون قعوداً وهو
أفضل، والنساء قائمات كما في البحر. قوله: (ولو عجوزاً ليلاً) بيان للإطلاق: أي شابة أو
عجوزاً نهاراً أو ليلاً. قوله: (على المذهب المفتى به) أي مذهب المتأخرين. قال في
البحر: وقد يقال هذه الفتوى التي اعتمدها المتأخرون مخالفة لمذهب الإمام وصاحبيه،
فإنهم نقلوا أن الشابة تمنع مطلقاً اتفاقاً. وأما العجوز فلها حضور الجماعة عند الإمام إلا في
الظهر والعصر والجمعة: أي وعندهما مطلقاً، فالإفتاء بمنع العجائز في الكل مخالف للكل،
فالاعتماد على مذهب الإمام اهـ. قال في النهر: وفيه نظر، بل هو مأخوذ من قول الإمام:
وذلك أنه إنما منعها لقيام الحامل وهو فرط الشهوة بناء على أن الفسقة لا ينتشرون في
المغرب، لأنهم بالطعام مشغولون وفي الفجر والعشاء نائمون، فإذا فرض انتشارهم في هذه
الأوقات لغلبة فسقهم كما في زماننا بل تحرّيهم إياها كان المنع فيها أظهر من الظهر اهـ.
قلت: ولا يخفى ما فيه من التورية اللطيفة. وقال الشيخ إسماعيل: وهو كلام حسن إلى
الغاية. قوله: (واستثنى الكمال الخ) أي مما أفتى به المتأخرون لعدم العلة السابقة فيبقى
الحكم فيه على قول الإمام، فافهم. قوله: (ليس معهن رجل غيره) ظاهره أن الخلوة
بالأجنبية لا تنتفي بوجود امرأة أجنبية أخرى وتنتفي بوجود رجل آخر. تأمل. قوله:
(كأخته) من كلام الشارح كما رأته في عدة نسخ، وكذا بخطه في الخزائن حيث كتبه
بالأسود وأفاد أن المراد بالمحرم ما كان من الرحم، لما قالوا من كراهة الخلوة بالأخت
رضاعاً والصهرة الشابة. تأمل. قوله: (أو زوجته أو أمته) بالرفع عطفاً على رجل أو محرم لا
بالجر عطفاً على أخته -لما علمت أنه ليس من المتن وحينئذ فلا حاجة إلى دعوى تغلب
المحرم، فافهم. قوله: (في المسجد) لعدم تحقق الخلوة فيه، ولذا لو اجتمع بزوجته فيه لا
یعد خلوة کما یأتي. رحمتي. قوله: (أما الواحدة فتتأخر) فلو كان معه رجل أيضاً یقیمه عن
يمينه والمرأة خلفهما ولو رجلان يقيمهما خلفه والمرأة خلفهما. بحر. وتأخر الواحدة محله
إذا اقتدت برجل لا بامرأة مثلها ط عن البرجندي. قوله: (على المذهب) خلاف لما مر عن
محمد من أنه يجعل أصابعه عند عقب الإمام. بحر. ويأمره الإمام بذلك: أي بالوقوف عن

٣٠٨
كتاب الصلاة / باب الإمامة
بل بالقدم، فلو صغيراً فالأصح ما لم يتقدم أكثر قدم المؤتم لا تفسد فلو وقف عن
يساره كرِه (اتفاقاً) وكذا يكره (خلفه على الأصح) لمخالفة السنة
يمينه ولو بعد الشروع أشار إليه بيده لحديث ابن عباس ((أَنَّه قَامَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ)) سراج. قوله: (بل بالقدم) فلو حاذاه بالقدم ووقع سجوده
مقدماً عليه لكون المقتدي أطول من إمامه لا يضر، ومعنى المحاذاة بالقدم: المحاذاة
بعقبه، فلا يضر تقدم أصابع المقتدي على الإمام حيث حاذاه بالعقب ما لم يفحش التفاوت
بین القدمین، حتى لو فحش بحیث تقدم أکثر قدم المقتدي لعظم قدمه لا يصح كما أشار إليه
بقوله ((ما لم يتقدم الخ)) قال في البحر: وأشار المصنف إلى أن العبرة إنما هو للقدم لا
للرأس، فلو كان الإمام أقصر من المقتدي يقع رأس المقتدي قدام الإمام يجوز بعد أن يكون
محاذياً بقدمه أو متأخراً قليلاً، وكذا في محاذاة المرأة كما سيأتي، وإن تفاوتت الأقدام صغراً
و کبراً فالعبرة للساق والکعب، والأصح ما لم يتقدم أکثر قدم المقتدي لا تفسد صلاته كما
في المجتبى انتهى. فما ذكره الشارح ليس مخالفاً لما تقدم كما توهم. رحمتي، فافهم. وفي
القهستاني: هذا في غير المومي، والعبرة في المومي للرأس حتى لو كان رأسه خلف إمامه
ورجلاه قدام رجلیه صح، وعلى العكس لا يصح كما في الزاهدي وغيره، انتهى.
أقول: وينبغي أن لا يكون قوله رأسه خلف إمامه قيداً، بل كذلك إذا ساواه على
قياس ما تقدم. وينبغي أيضاً أن يكون هذا في المومي المقتدي بصحيح أو بيؤم مثله وكان
كل منهما قاعداً أو مستلقياً ورجلاه إلى القبلة؛ أما لو على جنبه فيشترط كون المؤتم
مضطجعاً خلف ظهر إمامه، ولا عبرة للرأس أصلاً.
تنبيه: إفراد القدم في كلام الشارح كغيره يفيد أن المحاذاة تعتبر بواحدة، ولم أره
صريحاً، والظاهر أنه لو كان معتمداً على قدم واحدة فالعبرة لها، ولو على القدمين: فإن
كانت إحداهما محاذية، والأخرى متأخرة، فلا كلام في الصحة، وإن كانت الأخرى متقدمة
فهل يصح نظراً للمحاذية أو لا نظراً للمتقدمة؟ محل نظر. والظاهر الثاني ترجيحاً للحاظر
على المبيح، كما قالوا فيما لو كانت إحدى قوائم الصيد في الحل والأخرى في الحرم،
وقد رأيت فيه في كتب الشافعية اختلاف ترجيح.
فرع: قال في منية المفتي: اقتدى على سطح وقام بحذاء رأس الإمام: ذكر الحلواني
أنه لا يجوز، والسرخسي يجوز.
مَطْلَبُ: هَلِ آَلإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَوْ أَفْحَشُ مِنْهَا؟
قوله: (كره اتفاقاً) الظاهر أن الكراهة تنزيهية لتعليلها في الهداية وغيرها بمخالفة
السنة، ولقوله في الكافي: جاز وأساء، وكذا نقله الزيلعي عن محمد، لكن قدمنا في أول
بحث سنن الصلاة اختلاف عبارتهم في أن الإساءة دون الكراهة أو أفحش منها، ووفقنا بينها

٣٠٩
كتاب الصلاة / باب الإمامة
(والزائد) يقف (خلفه) فلو توسط اثنين كره تنزيهاً وتحريماً لو أكثر، ولو قام واحد بجنب
الإمام وخلفه صف كره إجماعاً (ويصف) أي يصفهم الإمام بأن يأمرهم بذلك. قال
بأنها دون كراهة التحريم، وأفحش من كراهة التنزيه، فراجعه. قوله: (والزائدة خلفه) عدل
تبعاً للوقاية عن قول الكنز: والاثنان خلفه، لأنه غير خاص بالاثنين، بل المراد ما زاد على
الواحد اثنان فأكثر؛ نعم يفهم حكم الأكثر بالأولى. وفي القهستاني: وكيفيته أن يقف
أحدهما بحذائه والآخر بيمينه إذا كان الزائد اثنين، ولو جاء ثالث وقف عن يسار الأول،
والرابع عن يمين الثاني والخامس عن يسار الثالث، وهكذا اهـ. وفيه إشارة إلى أن الزائد لو
جاء بعد الشروع يقوم خلف الإمام ويتأخر المقتدي الأولى، ويأتي تمامه قريباً. قوله: (كره
تنزيهاً) وفي رواية لا يكره والأولى أصح كما في الإمداد. قوله: (وتحريماً لو أكثر) أفاد أن
تقدم الإمام أمام الصف واجب كما أفاده في الهداية والفتح. قوله: (كره إجماعاً) أي للمؤتم،
وليس على الإمام منها شيء، ويتخلص من الكراهة بالقهقرى إلى خلف إن لم يكن المحل
ضيقاً على الظاهر، وانظر هذا مع قولهم: لو كان مع الإمام واحد على الدكان والباقي دونه لا
يكره، وقد تزول المخالفة بأن تكون الثانية موضوعها إذا كان المؤتم خلفه ط.
أقول: لم أر التصريح بالواحد، وإنما صرحوا بكراهة انفراد الإمام على الدكان، ولو
كان معه بعض القوم لا يكره، فيمكن التوفيق بحمل البعض على جماعة من القوم. فلا ينافي
ما هنا. وأيضاً قد صرحوا بكراهة قيام الواحد وحده وإن لم يجد فرجة. تأمل.
تتمة: إذا اقتدى بإمام فجاء آخر يتقدم الإمام موضع سجوده، كذا في مختارات النوازل
وفي القهستاني عن الجلابي أن المقتدي يتأخر عن اليمين إلى خلف إذا جاء آخر اهـ. وفي
الفتح: ولو اقتدى واحد بآخر فجاء ثالث يجذب المقتدي بعد التكبير، ولو جذبه قبل التكبير
لا يضرّه، وقيل يتقدم الإمام اهـ. ومقتضاه أن الثالث يقتدي متأخراً، ومقتضى القول بتقدم
الإمام أنه يقوم بجنب المقتدي الأول .. والذي يظهر أنه ينبغي للمقتدي التأخر إذا جاء ثالث،
فإن تأخر وإلا جذبه الثالث إن لم يخش إفساد صلاته، فإن اقتدى عن يسار الإمام يشير إليهما
بالتأخر، وهو أولى من تقدمه لأنه متبوع، ولأن الاصطفاف خلف الإمام من فعل المقتدين
لا الإمام، فالأولى ثباته في مكانه وتأخر المقتدي؛ ويؤيده ما في الفتح عن صحيح مسلم
قال جابر ((سِرْتُ مَعَ النَِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَقَامَ يُصَلِّي، فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ
عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَ أَبْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِيهِ
جميعاً فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ))(١) اهـ. وهذا كله عند الإمكان، وإلا تعين الممكن. والظاهر
أيضاً أن هذا لم يكن في القعدة الأخيرة وإلا اقتدى الثالث عن يسار الإمام ولا تقدم ولا
تأخر. قوله: (الخلل) هو انفراج ما بين الشيئين. قاموس. وهو على وزن جبل ط. قوله:
(١) أخرجه مسلم ٤/ ٢٣٠٥ من حديث طويل (٣٠١٠) وأبو داود ١/ ١٧١ (٦٣٤).

٣١٠
كتاب الصلاة / باب الإمامة
الشمني: وينبغي أن يأمرهم بأن يتراصوا ويسدوا الخلل ويسوّوا مناكبهم ويقف وسطاً،
وخير صفوف الرجال أولها
(ويقف وسطاً) قال في المعراج: وفي مبسوط بكر: السنة أن يقوم في المحراب ليعتدل
الطرفان، ولو قام في أحد جانبي الصف يكره، ولو كان المسجد الصيفي بجنب الشتوي
وامتلأ المسجد يقوم الإمام في جانب الحائط ليستوي القوم من جانبيه، والأصح ما روي
عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن يقوم بين الساريتين أو في زاوية أو في ناحية المسجد أو إلى
سارية لأنه خلاف عمل الأمة. قال عليه الصلاة والسلام ((تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الخَلَلَ))(١)
ومتى استوى جانباه يقوم عن يمين الإمام إن أمكنه وإن وجد في الصف فرجة سدها وإلا
انتظر حتى يجىء آخر فيقفان خلفه، وإن لم يجئء حتى ركع الإمام يختار أعلم الناس بهذه
المسألة فيجذبه ويقفان خلفه، ولو لم يجد عالماً يقف خلف الصف بحذاء الإمام للضرورة،
ولو وقف منفرداً بغير عذر تصح صلاته عندنا، خلافاً لأحمد اهـ.
مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ قِيَامٍ أَلإِمَامِ فِي غَیر الْمِحرَابِ
تنبيه: يفهم من قوله: أو إلى ساريةَ، كراهة قيام الإمام في غير المحراب، ويؤيده
قوله قبله: السنة أن يقوم في المحراب، وكذا قوله في موضع آخر: السنة أن يقوم الإمام إزاء
وسط الصف؛ ألا ترى أن المحاريب ما نصبت إلا وسط المساجد وهي قد عينت لمقام
الإمام اهـ. والظاهر أن هذا في الإمام الراتب لجماعة كثيرة لئلا يلزم عدم قيامه في الوسط،
فلو لم يلزم ذلك لا يكره. تأمل.
فرع: ذكر في البدائع في بحث الصلاة في الكعبة أن الأفضل للإمام أن يقف في مقام
إبراهيم. قوله: (وخير صفوف الرجال أولها) لأنه روي في الأخبار ((أن الله تعالى إذا أنزل
الرحمة على الجماعة ينزلها أولًا على الإمام، ثم تتجاوز عنه إلى من بحذائه في الصف
الأول، ثم إلى الميامن، ثم إلى المياسر، ثم إلى الصف الثاني)) وتمامه في البحر.
تنبيه: قال في المعراج: الأفضل أن يقف في الصف الآخر إذا خاف إيذاء أحد. قال
عليه الصلاة والسلام: (مَنْ تَرَكَ الصَّفَّ الأَوَّلَ تَافَةَ أَنْ يُؤْذِي مُسْلِماً أُضْعفَ لَهُ أَجْرِ الصَّفِّ
الأَوَّلِ)) وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد، وفي كراهة ترك الصف الأول مع إمكانه خلاف اهـ: أي
لو تركه مع عدم خوف الإيذاء، وهذا لو قبل الشروع؛ فلو شرعوا وفي الصف الأول فرجة له
خرق الصفوف كما سيأتي قريباً.
مَطْلَبٌ فِي جَوَازِ الإِيثَارِ بِالْقُرْبِ
وفي حاشية الأشباه للحموي عن المضمرات عن النصاب: وإن سبق أحد إلى الصف
الأول فدخل رجل أكبر منه سناً أو أهل علم ينبغي أن يتأخر ويقدمه تعظيماً له اهـ. فهذا يفيد
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٠٤.

٣١١
كتاب الصلاة / باب الإمامة
جواز الإيثار بالقرب بلا كراهة، خلافاً للشافعية. وقال في الأشباه: لم أره لأصحابنا: ونقل
العلامة البيري فروعاً تدل على عدم الكراهة، ويدل عليه قوله تعالى - ويؤثرون على أنفسهم
ولو كان بهم خصاصة . وما في صحيح مسلم من (أَنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ أُتِيَ بِشَرَابٍ
فَشَرِبَ مِنْهُ وعَنْ يَمِينِهِ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَهُوَ أَبْنُ عَبَّاسِ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْياخٌ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
والسَّلامُ لِلِغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي فِي أَنْ أَعْطِيَ هَؤْلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلامُ: لَا وَاللّهِ، فَأَعْطَاهُ الغُلامَ))(١) إذ
لا ريب أن مقتضى طلب الإذن مشروعية ذلك بلا كراهة وإن جاز أن يكون غير أفضل اهـ.
أقول: وينبغي تقييد المسألة بما إذا عارض تلك القرية ما هو أفضل منها؛ كاحترام
العلم والأشياخ، كما أفاده الفرع السابق والحديث، فإنهما يدلان على أنه أفضل من القيام
في الصف الأول، ومن إعطاء الإناء لمن له الحق، وهو من على اليمين، فيكون الإيثار
بالقربة انتقالاً من قربة إلى ما هو أفضل منها وهو الاحترام المذكور. أما لو آثره على مكانه
في الصف مثلاً من ليس كذلك يكون أعرض عن القربة بلا داع، وهو خلاف المطلوب
شرعاً، وينبغي أن يحمل عليه ما في النهر من قوله: واعلم أن الشافعية ذكروا أن الإيثار
بالقرب مكروه كما لو كان في الصف الأول، فلما أقيمت آثر به وقواعدنا لا تأباه اهـ.
مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ
تنبيه آخر: قال في البحر في آخر بابَ الجمعة: تكلموا في الصف الأول، قيل هو
خلف الإمام في المقصورة، وقيل ما يلي المقصورة، وبه أخذ الفقيه أبو الليث لأنه يمنع
العامة عن الدخول في المقصورة فلا تتوصل العامة إلى نيل فضيلة الصف الأول اهـ.
أقول: والظاهر أن المقصورة في زمانهم اسم لبيت في داخل الجدار القبلي من
المسجد كان يصلي فيها الأمراء الجمعة ويمنعون الناس من دخولها خوفاً من العدو، فعلى
هذا اختلف في الصف الأول، هل هو ما يلي الإمام من داخلها، أم ما يلي المقصورة من
خارجها؟ فأخذ الفقيه بالثاني توسعة على العامة كي لا تفوتهم الفضيلة، ويعلم منه بالأولى
أن مثل مقصورة دمشق التي هي في وسط المسجد خارج الحائط القبلي يكون الصف ما يلي
الإمام في داخلها وما اتصل به من طرفيها خارجاً عنها من أول الجدار إلى آخره، فلا ينقطع
الصف ببنائها، كما لا ينقطع بالمنبر الذي هو داخلها فيما يظهر، وصرح به الشافعية، وعليه
فلو وقف في الصف الثاني داخلها قبل استكمال الصف الأول من خارجها يكون مكروهاً.
ويؤخذ من تعريف الصف الأول بما هو خلف الإمام: أي لا خلف مقتد آخر أن من قام في
الصف الثاني بحذاء باب المنبر يكون من الصف الأول، لأنه ليس خلف مقتد آخر، والله
(١) أخرجه البخاري (٢٤٥١، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠) ومسلم في الأشربة (١٢٧) وأحمد ٣٣٣/٥ ومالك في الموطأ (٩٢٧)
والطيالسي كما في المنحة (١٦٨١ و٢٤٦١) والبيهقي (٢٨٦/٧).

٣١٢
كتاب الصلاة / باب الإمامة
في غير جنازة، ثم، وثم؛ ولو صلى على رفوف المسجد إن وجد في صحنه مكاناً كره
كقيامه في صف خلف صف فيه فرجة. قلت: وبالكراهة أيضاً صرّح الشافعية. قال
السيوطي في [بسط الكف في إتمام الصف]: وهذا الفعل مفوّت لفضيلة الجماعة الذي
هو التضعيف لا لأصل بركة الجماعة، فتضعيفها غير بركتها، وبركتها هي عود بركة
الکامل منهم على الناقص ا.هـ.
ولو وجد فرجة في الأول لا الثاني له خرق الثاني لتقصيرهم، وفي الحديث ((مَنْ
تعالى أعلم. قوله: (في غير جنازة) أما فيها فآخرها إظهاراً للتواضع لأنهم شفعاء فهو أحرى
بقبول شفاعتهم، ولأن المطلوب فيها تعدد الصفوف، فلو فضل الأول امتنعوا عن التأخر
عند قلتهم. رحمتي. قوله: (ثم وثم) أي ثم الصف الثاني أفضل من الثالث، وفي الجنازة ما
يلي الأخير أفضل مما تقدمه، رحمتي. قوله: (كره) لأن فيه تركاً لإكمال الصفوف. والظاهر
أنه لو صلى فيه المبلغ في مثل يوم الجمعة لأجل أن يصل صوته إلى أطراف المسجد لا
يكره. قوله: (كقيامه في صف الخ) هل الكراهة فيه تنزيهية أو تحريمية، ويرشد إلى الثاني
قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن قطعه قطعه الله)) ط.
بقي ما إذا رأى الفرجة بعدما أحرم، هل يمشي إليها؟ لم أره صريحاً. وظاهر
الإطلاق: نعم، ويفيده مسألة من جذب غيره من الصف كما قدمناه فإنه ينبغي له أن يجيبه
لتنتفي الكراهة عن الجاذب، فمشيه لنفي الكراهة عن نفسه أولى، فتأمل. ثم رأيت في
مفسدات الصلاة من الحلية عن الذخيرة: إن كان في الصف الثاني فرأى فرجة في الأول
فمشى إليها لم تفسد صلاته لأنه مأمور بالمراصّة. قال عليه الصلاة والسلام: ((تَرَاصُّوا في
الصُّفُوفٍ))(١) ولو كان في الصف الثالث تفسد اهـ: أي لأنه عمل كثير. وظاهر التعليل
بالأمر أنه يطلب منه المشي إليها. تأمل.
فائدة: قال في الأشباه: إذا أدرك الإمام راكعاً فشروعه لتحصيل الركعة في الصف
الأخير أفضل من وصل الصف اهـ. أما لو لم يدرك الصف الأخير فلا يقف وحده، بل
يمشي إليه إن كان فيه فرجة، وإن فاتته الركعة كما في آخر شرح المنية معللاً بأن ترك
المكروه أولى من إدراك الفضيلة. تأمل، ويشهد له ((أن أبا بكرة رضي الله عنه ركع دون
الصف ثم دبّ إليه، فقال له وَله: زادك الله حرصاً، ولا تعد)). قوله: (وهذا الفعل مفوت
الخ) هذا مذهب الشافعية، لأن شرط فضيلة الجماعة عندهم أن تؤدى بلا كراهة، وعندنا
ينال التضعيف ويلزمه مقتضى الكراهة أو الحرمة، كما لو صلاها في أرض مغصوبة. رحمتي
ونحوه في ط. قوله: (لتقصيرهم) يفيد أن الكلام فيما إذا شرعوا، وفي القنية: قام في آخر
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٥٣١ والحاكم ١/ ٢١٧ والطبراني في الصغير ١/ ١١٩ وانظر المجمع ٢ / ٩١.

٣١٣
كتاب الصلاة / باب الإمامة
سَدَّ فُرْجَةً غُفِرَ له))(١) وصح ((خِيَارُكُمْ أَلْيِئُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلاةِ))(٢) وبهذا يعلم جهل من
يستمسك عند دخول داخل بجنبه في الصف ويظن أنه رياء كما بسط في البحر، لكن
نقل المصنف وغيره عن القنية وغيرها ما يخالفه، ثم نقل تصحيح عدم الفساد في مسألة
من جذب من الصف فتأخر، فهل ثم فرق؟ فليحرر (الرجال)
صفّ وبين الصفوف مواضع خالية، فللداخل أن يمرّ بين يديه ليصل الصفوف، لأنه أسقط
حرمة نفسه فلا يأثم المارّ بين يديه؛ دل على ما في الفردوس عن ابن عباس عنه وَ لَ﴾ ((مَنْ نَظَرَ
إِلَى فُرْجَةٍ فِي صَفّ فَلْيَسُدَّهَا بِنَفْسِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَمَرَّ مَارٍّ فَلْيَتَخطَّ عَلَى رَقَبَتِهِ فَإِنَّه لا حُرْمَةً
لَهُ))(٣) أي فليتخط المارّ على رقبة من لم يسد الفرجة اهـ. قوله: (ألينكم مناكب في الصلاة)
المعنى: إذا وضع من يريد الدخول في الصف يده على منكب المصلي لان له: ط عن
المناوي. قوله: (كما بسط في البحر) أي نقلًا عن فتح القدير حيث قال: ويظن أن فسحه له
رياء بسبب أن يتحرك لأجله، بل ذاك إعانة على إدراك الفضيلة وإقامة لسد الفرجات المأمور
بها في الصف، والأحاديث في هذا شهيرة كثيرة اهـ. قوله: (لكن نقل المصنف وغيره الخ)
استدراك على ما استنبطه في البحر والفتح من الحديث بأنه مخالف للمنقول في المسألة.
وعبارة المصنف في المنح بعد أن ذكر: لو جذبه آخر فتأخر الأصح لا تفسد صلاته. وفي
القنية: قيل لمصلّ منفرد تقدم فتقدم بأمره أو دخل رجل فرجة الصف فتقدم المصلي حتى
وسع المكان عليه فسدت صلاته، وينبغي أن يمكث ساعة ثم يتقدم برأي نفسه، وعلله في
شرح القدوري بأنه امتثال لغير أمر الله تعالی.
أقول: ما تقدم من تصحيح صلاة من تأخر ربما يفيد تصحيح عدم الفساد في مسألة
القنية، لأنه مع تأخره بجذبه لا تفسد صلاته، ولم يفصل بين كون ذلك بأمره أم لا، إلا أن
يحمل على ما إذا تأخر لا بأمره فتكون مسألة أخرى، فتأمل اهـ كلام المصنف.
وحاصله أنه لا فرق بين المسألتين إلا أن يدعي حمل الأولى على ما إذا تأخر بمجرد
الجذب بدون أمر، والثانية على ما إذا فسخ له بأمره، فتفسد في الثانية لأنه امتثل أمر
المخلوق وهو فعل مناف للصلاة، بخلاف الأولى. قوله: (فهل ثم فرق) قد علمت من كلام
المصنف أنه لو تأخر بدون أمر فيهما فلا فرق بينهما ويكون التصحيح وارداً فيهما، وإن تأخر
بالأمر في إحداهما فهناك فرق وهو إجابته أمر المخلوق فيكون موضوع المسألتين مختلفاً.
هذا، وقد ذكر الشرنبلالي في شرح الوهبانية ما مر عن القنية وشروح القدوري، ثم
رده بأن امتثاله إنما هو لأمر رسول الله وَ﴿ فلا يضر اهـ. لكن لا يخفى أنه تبقى المخالفة بين
(١) أخرجه الطبراني كما في المجمع (٩١/٢) وانظر سنن ابن ماجة (٩٩٥) وأحمد ٨٩/٦ وابن أبي شيبة ١/ ٣٨٠.
(٢) أخرجه أبو داود ١/ ٤٣٥ (٦٧٢) وابن خزيمة ٣/ ٢٩ (١٥٦٦) والبيهقي ٣/ ١٠١.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ١٥٠، ١١٣ وانظر المجمع ٢/ ٩٥.

٣١٤
كتاب الصلاة / باب الإمامة
ظاهره يعمّ العبد (ثم الصبيان) ظاهره تعددهم، فلو واحداً دخل الصف (ثم الخنائى، ثم
النساء) قالوا: الصفوف الممكنة اثنا عشر، لكن لا يلزم صحة كلها لمعاملة الخنائى
بالأضرّ (وإذا حاذته) ولو بعضو واحد،
الفرعين ظاهرة، وكأن الشارح لم يجزم بصحة الفرق الذي أبداه المصنف، فلذا قال:
فليحرر، وجزم في مكروهات الصلاة وفي مفسداتها بما في القنية تبعاً لشرح المنية. وقال
ط: لو قيل بالتفصيل بين كونه امتثل أمر الشارع فلا تفسد وبين كونه امتثل أمر الداخل مراعاة
لخاطره من غير نظر لأمر الشارع فتفسد، لكان حسناً. قوله: (ظاهره يعم العبيد) أشار به
إلى أن البلوغ مقدم على الحرية لقوله ﴿(لِيَلِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَخْلَامِ وَالنُّهَى))(١) أي
البالغون، خلافاً لما نقله ابن أمير حاج حيث قدم الصبيان الأحرار على العبيد البالغين اهـح
عن البحر؛ نعم يقدم البالغ الحرّ على البالغ العبد؛ والصبيّ الحر على الصبي العبد،
والحرة البالغة على الأمة البالغة، والصبية الحرة على الصبية الأمة. بحر. قوله: (فلو
واحداً دخل الصف) ذكره في البحر بحثاً، قال: وكذا لو كان المقتدي رجلاً وصبياً يصفّهما
خلفه لحديث أنس ((فَصَفَفْتُ أَنَا وَأَلْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا))(٢) وهذا بخلاف المرأة
الواحدة فإنها تتأخر مطلقاً كالمتعددات للحديث المذكور. قوله: (اثنا عشر) لأن المقتدي
إما ذكر أو أنثى أو خنثى، وعلى كلّ فإما بالغ أو لا، وعلى كل فإما حر أو لا اهـح. فيقدم
الأحرار البالغون ثم صبيانهم، ثم العبيد البالغون ثم صبيانهم، ثم الأحرار الخنائى الكبار ثم
صغارهم، ثم الأرقاء الخنائى الكبار ثم صغارهم، ثم الحرائر الكبار ثم صغارهن، ثم الإماء
الكبار ثم صغارهن كما في الحلية. قوله: (لكن لا يلزم الخ) جواب عما نقلناه عن الحلية
من جعل الخنائى أربعة صفوف، لأن المراد بيان الصفوف الممكنة على الترتيب المذكور
في المتن وإن لم يصح كلها، لما في الإمداد من أنه لا تصح محاذاة الخنثى مثله، ولا تأخره
عنه لاحتمال أنوثة المتقدم وأحد المتحاذيين، ثم قال: فيشترط أن تكون الخنائى صفاً
واحداً بين كل اثنين فرجة أو حائل ليمنع المحاذاة، وهذا مما من الله بالتنبيه له اهـ. فما ذكره
الشارح جواب لا اعتراض، فافهم، وقد ظهر أن الصفوف الصحيحة تسعة، لكن ذكرج أنه
سيأتي اشتراط التكليف في إفساد صلاة من حاذته امرأة، والخنثى كالمرأة في الإمداد،
والتقدم في حكم المحاذاة بل هو من أفرادها كما في البحر، حينئذ فلا يشترط جعل الخناثى
صفاً واحداً، إلا إذا كانوا بالغين فيجعلهم صفاً واحداً، الأحرار والعبيد سواء بشرط الفرجة
أو الحائل. أما الصبيان منهم فيجعل أحرارهم صفاً آخر ثم أرقاءهم صفاً ثالثاً ترجيحاً
للحرية، لانعدام الفساد بمحاذاة بعضهم لبعض أو بالتقدم، بخلاف البالغين منهم؛ وعليه
فتكون الصفوف أحد عشر، هذا حاصل ما ذكره المحشي، فافهم.
(١) مسلم ١/ ٣٢٣ (١٢٣ / ٤٣٢).
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٢١٢ (٧٢٧).
.

٣١٥
كتاب الصلاة / باب الإمامة
وخصه الزيلعي بالساق والکعب
أقول: وقد صرح في القنية بأن اقتداء الخنثى بمثله في روايتان، وأن رواية الجواز
استحسان لا قیاس اهـ. ويلزم من رواية الجواز أنه لا تفسد صلاته بمحاذاته لمثله ولا بتقدمه
عليه بالغاً أو غيره، وعلى هذا فلا حاجة إلى ما مرّ عن الإمداد، نعم جزم الشارح فيما سيأتي
تبعاً للبحر برواية عدم الجواز، فتأمل. قوله: (وخصه الزيلعي الخ) حيث قال: المعتبر في
المحاذاة الساق والكعب في الأصح، وبعضهم اعتبر القدم اهـ. فعلى قول البعض لو
تأخرت عن الرجل ببعض القدم تفسد وإن کان ساقها و کعبها متأخراً عن ساقه و کعبه، وعلى
الأصح لا تفسد وإن كان بعض قدمها محاذياً لبعض قدمه بأن كان أصابع قدمها عند كعبه
مثلاً: تأمل.
هذا، ومقتضى قوله ((وخصه الزيلعي)) أن قوله ((ولو بعضو واحد)) خارج عما ذكره
الزيلعي فيكون قولاً ثالثاً في المسألة كما فهمه في البحر. وظاهر كلام الزيلعي أنه ليس في
المسألة قول ثالث وإلا لذكره، بل المراد بالعضو من المرأة قدمها، ومن الرجل أيّ عضو
كان على ما صرح به في النهاية؛ ونصه: شرطنا المحاذاة مطلقاً لتتناول كل الأعضاء أو
بعضها، فإنه ذكر في الخلاصة محالاً على فوائد القاضي أبي علي النسفي رحمه الله تعالى:
المحاذاة أن يحاذي عضو منها عضواً من الرجل، حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل
بحذائها أسفل منها، إن كان يحاذي الرجل شيئاً منها تفسد صلاته، وإنما عين هذه الصورة
لتكون قدم المرأة محاذية للرجل، لأن المراد بقوله أن يحاذي عضو منها هو قدم المرأة لا
غير، فإن محاذاة غير قدمها لشيء من الرجل لا يوجب فساد صلاته، نص على هذا في فتاوى
الإمام قاضيخان في أواسط فصل من يصح الاقتداء به ومن لا يصح. وقال: المرأة إذا صلت
مع زوجها في البیت، إن کان قدمها بحذاء قدم الزوج لا تجوز صلاتهما بالجماعة، وإن كان
قدماها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة تقع رأس المرأة في السجود قبل رأس الزوج جازت
صلاتهما لأن العبرة للقدم؛ ألا ترى أن صيد الحرم إذا كان رجلاه خارج الحرم ورأسه في
الحرم يحل أخذه، وإن كان على العكس لا يحل؟ انتهى كلام النهاية. ونقله في السراج
وأقره؛ وفي القهستاني: المحاذاة أن تسوى قدم المرأة شيئاً من أعضاء الرجل، فالقدم
مأخوذ في مفهومه على ما نقل عن المطرزي؛ فمساواة غير قدمها لعضوه غير مفسدة اهـ.
فقد ثبت بما ذكرناه وجود المحاذاة بالقدم في مسألة الظلة المذكورة خلافاً لما زعمه في
البحر، وأنه لا فرق بين التعبير بالعضو وبالقدم، خلافاً لما زعمه في البحر أيضاً، وأنه لو
اقتدت به متأخرة عنه بقدمها صحت صلاتهما، وإن لزم منه محاذاة بعض أعضائها لقدمه أو
غيره في حالة الركوع أو السجود، لأن المانع ليس محاذاة أيّ عضو منها لأيّ عضو منه، ولا
محاذاة قدمه لأي عضو منها. بل المانع محاذاة قدمها فقط لأيّ عضو منه.
تنبيه: اعترض في البحر تفسير المحاذاة بما ذكر هنا الزيلعي بأنه قاصر لأنه لا يشمل

٣١٦
كتاب الصلاة / باب الإمامة
(امرأة) ولو أمة (مشتهاة) حالًا كبنت تسع مطلقاً وثمان وسبع لو ضخمة، أو ماضياً
کعجوز (ولا حائل بینھما) أقله قدر ذراع في غلظ أصبع، أو فرجة تسع رجلاً
التقدم، وقد صرحوا بأن المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثة إذا وقفت في الصف، من عن
يمينها، ومن عن يسارها، ومن خلفها؛ فالتفسير الصحيح للمحاذاة ما في المجتبى:
المحاذاة المفسدة أن تقوم بجنب الرجل من غير حائل أو قدامه اهـ. وأجاب في النهر بأن
المرأة إنما تفسد صلاة من خلفها إذا كان محاذياً لها، كما قيده به الزيلعي، وذكره في السراج
أيضاً، وصرح به الحاكم الشهيد في كافيه اهـ. ويأتي تمامه قريباً. قوله: (امرأة) مفهومه أن
محاذاة الخنثى المشكل لا تفسد، وبه صرح في التاتر خانية. قوله: (ولو أمة) ومثلها الخنثى
كما قدمناه عن الإمدادح، ولا وجه للمبالغة بالأمة ولعلها ولو أمّه، بهاء الضمير ط. وعبارته
في الخزائن: ولو محرمه أو زوجته، وخرج به الأمرداه. قوله: (كبنت تسع مطلقاً) يفسره
لاحقه. قال في البحر: واختلفوا في حد المشتهاة، وصحح الزيلعي وغيره أنه لا اعتبار
بالسن من السبع على ما قيل أو التسع، وإنما المعتبر أن تصلح للجماع بأن تكون عبلة
ضخمة. والعبلة: المرأة التامة الخلق اهـ. فكلام الشارح غير معتمد، لأنه قد يوجد
خصوصاً في هذا الزمان بنت تسع لا تطيق الوطء ط. قوله: (أو فرجة تسع رجلًا) معطوف
على حائل لكنه منون ولو وصفه بالجملة اهـح. وفي معراج الدراية: لو كان بينهما فرجة
تسع الرجل أو أسطوانة، قيل لا تفسد، وكذا إذا قامت أمامه وبينهما هذه الفرجة اهـ.
واستشكله في البحر بما اتفقوا على نقله عن أصحابنا، من أن المرأة تفسد صلاة رجلين
من جانبيها، واحد عن يمينها، وواحد عن يسارها، وكذا المرأتان والثلاث - وكذا تفسد صلاة
من خلفها، فالواحدة تفسد من خلفها صلاة رجل، ولو كانتا اثنتين فصلاة رجلين، ولو ثلاثاً
فصلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف، ولو كنّ صفاً بين الرجال والإمام لا يصح اقتداء الرجال،
قال: ووجه إشكاله أن الرجل الذي هو خلفها أو الصف الذي هو خلفهن بينه وبينها فرجة قدر
مقام الرجل، وقد جعلوا الفرجة كالحائل فيمن عن جانبها أو خلفها، فتعين أن يحمل على ما إذا
كان خلفها من غير فرجة محاذياً لها بحيث لا يكون بينه وبينها قدر مقام رجل، ولهذا قال في
السراج: ولو قامت وسط الصف صلاة واحد عن يمينها وواحد عن يسارها وواحد خلفها
بحذائها دون الباقين، فقد شرط أن يكون من خلفها محاذياً لها للاحتراز عن وجود الفرجة،
وكذا صرح به الزيلعي والحاكم الشهيد اهـ ملخصاً. وقدمنا نحوه قريباً عن النهر. وأفاد في
النهر أيضاً أن اشتراط المحاذاة للفساد ليس شرطاً خاصاً بتقدم المرأة الواحدة، بل الصف من
النساء كذلك، أي فحيث لم يحاذهن صفوف الرجال فلا فساد.
والحاصل أن المراد من إفساد صلاة من خلفها أن يكون محاذياً لها من خلفها: أي بأن
يكون مسامتاً لها غير منحرف عنها يمنة أو يسرة قدر مقام الرجل لا مطلق كونه خلفها، ومراد
البحر من تعين الحمل على المحاذاة ما ذكرنا، وليس مراده بالمحاذاة ما فهمه المحشي من

٣١٧
كتاب الصلاة / باب الإمامة
(في صلاة) وإن لم تتحد كنيتها ظهراً بمصلى عصر على الصحيح. سراج. فإنه يصح
نفلاً على المذهب. بحر. وسيجيء (مطلقة) خرج الجنازة (مشتركة) فمحاذاة المصلية
لمصلّ لیس في صلاتها مكروهة لا مفسد(١) فتح
قيام الرجل خلفها، بأن يكون وجهه إلى ظهرها قريباً منها بحيث لا يكون بينه وبينها قدر
مقام الرجل، لأن مرادهم أنها تفسد صلاة رجل من الصف الذي خلفها، ولا بد من وجود
فرجة بين الصفين أكثر من قدر مقام الرجل، وهذا منشأ الإشكال . وقد استشهد صاحب
البحر على جوابه بعبارة السراج وغيرها مما فيه التصريح بالصفوف، فعلم أن مراده اشتراط
محاذاتها لمن خلفها في الصف المتأخر، فيتعين حملها على ما ذكرناه، وإلا لزم أن لا يفسد
الصف سوى صلاة صف واحد من الرجال، ولا الثلاث سوى صلاة ثلاثة رجال من الصف
الذي خلفهن فقط دون باقي الصفوف، فافهم. قوله: (في صلاة وإن لم تتحد) أشار إلى
تعميم الصلاة بما ذكره القهستاني بقوله: فريضة أو نافلة، واجبة أو سنة: أي تطوّع، أو
فريضة في حق الإمام تطوّع في حق المقتدين. قال: وفيه إشارة إلى أن محاذاة المجنونة لا
تفسد، لأن صلاتها ليست بصلاة في الحقيقة قوله: (على الصحيح) متعلق بمحذوف تقديره
فسدت صلاتهما اهـح. وهذا بناء على قولهما: إنه لا يبطل أصل الصلاة ببطلان وصفها،
فإذا لم تصح صلاتها ظهراً صحت نفلاً، فهي متحدة من حيث أصل الصلاة وإن زاد عليها
الإمام بوصف الفرضية، فقوله ((وإن لم تتحد)) يعني صورة باعتبار نيتها. وأما على قول محمد
بأنه يبطل الأصل ببطلان الوصف فلا تفسد صلاة من حاذته لأنها ليست بمصلية، وقد جعله
في البحر خلاف المذهب، وسيأتي الكلام فيه. وأما ما في المنح من قوله: إنه مفرع على
بقاء أصل الصلاة عند فساد الاقتداء، فكأنه سبق قلم لأن الاقتداء صحيح، وإنما فسدت
نيتها الفرضية وبقي اقتداؤها في أصل صلاة الإمام وهو النفل وإن زاد عليها الإمام بوصف
الفرضية كما قلنا. أفاده الرحمتي. قوله: (وسيجيئٌ) أي في قوله: وإذا فسد الاقتداء لا يصح
بشروعه في صلاة نفسه. قوله: (مطلقة) وهي ما عهد مناجاة للرب سبحانه وتعالى، وهي
ذات الركوع والسجود، أو الإيماء للعذر. بحر. قوله: (خرج الجنازة) وكذا سجدة التلاوة،
كما في شرح المنية وغيره. وينبغي إخراجها بقوله ((في صلاة)) وينبغي إلحاق سجدة الشكر
بها، وكذا سجود السهو لعدم تحقق المحاذاة فيه بالقدم والساق حالة القيام. تأمل. قوله:
(فمحاذاة الخ) الأولى ذكره بعد قوله (تحريمة)) كما فعل في شرح المنية، لأن الاحتراز عن
هذه الصورة بتقييد الاشتراك بالتحريمة كما سنذكره، لا بمطلق الاشتراك، وإلا فالاشتراك
في اتحاد الصلاة مثلاً موجود فيها. قوله: (ليس في صلاتها) بأن صليا منفردين أو مقتدياً
أحدهما بإمام لم يقتد به الآخر. شرح المنية. قوله: (مكروهة) الظاهر أنها تحريمية لأنها مظنة
(١) في ط (مكروهة لا مفسد) كذا بالأصل. وفي بعض النسخ (مكروه لا مفسد) والأولى زيادة التاء.

٣١٨
كتاب الصلاة / باب الإمامة
(تحريمة) وإن سبقت ببعضها (وأداء) ولو حكماً كلاحقين بعد فراغ الإمام. بخلاف
المسبوقین
الشهوة والكراهة على الطارئ ط. قلت: وفي معراج الدراية: وذكر شيخ الإسلام مكان
الكراهة الإساءة والكراهة أفحش اهـ. قوله: (تحريمة) الاشتراك في التحريمة أن تبني صلاتها
على صلاة من حاذته أو على صلاة إمام من حاذته. بحر. وعلمت محترزه بما ذكرناه آنفاً.
قوله: (وإن سبقت ببعضها) أي الصلاة، فلا يشترط أن تدرك أوّل الصلاة في الصبح، بل لو
سبقها بركعة أو ركعتين فحاذته فيما أدركت تفسد عليه. بحر. وسواء كبّت قبل المحاذي
أو معه أو بعده ح. قوله: (وأداء) بأن يكون أحدهما إماماً للآخر، أو يكون لهما إمام فيما
يؤديانه حقيقة كالمدرك، أو حكماً كاللاحق ح، والأولى أن يقول وتأدية، لئلا يتوهم مقابلته
للقضاء مع أنها تفسد في كل صلاة. نهر.
وأورد صدر الشريعة هنا شيئين:
أحدهما: أن ذكر الأداء يغني عن التحريمة، إذ لا توجد الشركة في الأداء بدون الشركة
في التحريمة.
ثانيهما: أن الشركة في التحريمة غير شرط، فإن الإمام إذا استخلف رجلاً فاقتدت
المرأة بالخليفة وحاذت رجلا ممن اقتدى بالإمام الأول فسدت صلاة الرجل، مع أنه لا شركة
بينهما في التحريمة. وأجاب في النهر عن الأول، بأنهم ذكروا الشركة في التحريمة، لأن
الشركة في الأداء تتوقف عليها. وفرق بين التنصيص على الشيء وبين كونه لازماً لشيء.
وأجاب عنه أيضاً في شرح المنية بأنه احتراز عما لو اقتدى كل منهما بإمام غير الذي اقتدى به
الآخر في صلاة واحدة لأنهما اشتركا أداء، لأنه صدق عليهما أن لهما إماماً فيما يؤديانه،
لکنهما لم يشتركا تحريمة اهـ.
أقول: وفيه نظر. لأن المراد أن يكون لهما إمام واحد تأمل. وأجيب عن الثاني بأن
الشركة ثابتة بين الإمام والمأموم تقديراً بناء على أن تحريمة الخليفة مبنية على تحريمة الإمام
الأول فتحصل المشاركة بينهما تحریمة،. قوله: (كلاحقين) أي أحدهما امرأة، فلو حاذته في
حال الأداء فسدت صلاته ولو بعد فراغ الإمام لاشتراكهما في الصلاة أداء حكماً. قوله:
(بخلاف المسبوقين) محترز قوله ((وأداء)) فإنهما وإن اشتركا تحريمة لم يشتركا أداء، لأن
المسبوق المنفرد فيما يقضي إلا في مسائل ليست هذه منها، كما سيأتي، ومثله لو كان أحدهما
مسبوقاً والآخر لاحقاً كما أفادهح. وأما لو كانا مسبوقين لاحقين، فقال في الفتح: فيه
تفصيل، فإنهما لو اقتديا في الثالثة فأحدثا فذهبا فتوضاً ثم حاذته في القضاء، إن كان في الأولى
أو الثانية وهي الثالثة والرابعة للإمام تفسد لوجود الشركة فيهما لأنهما فيهما لاحقان، وإن
حاذته في الثالثة والرابعة فلا، لعدمها لأنهما مسبوقان، وهذا بناء على أن اللاحق المسبوق

٣١٩
كتاب الصلاة / باب الإمامة
والمحاذاة في الطريق (واتحدت الجهة) فلو اختلفت كما في جوف الكعبة وليلة مظلمة
فلا فساد (فسدت صلاته) لو مكلفاً، وإلا لا (إن نوى) الإمام وقت شروعه لا بعده
يقضي وجوباً أوّلاً لما لحق به ثم ما سبق به، وباعتباره تفسد وإن صح عكسه عندنا خلافاً
لزفر اهـ. قال في النهر: وينبغي أنه إن نوى قضاء ما سبق به أولا أن ينعكس حكم المسألة اهـ.
قوله: (والمحاذاة في الطريق) معطوف على المسبوقين: أي لا تفسد أيضاً إذا حاذته في
الطريق للطهارة فيما إذا سبقهما الحدث في الأصح، لأنهما غير مشتغلين بالقضاء بل بإصلاح
الصلاة لا بحقيقتها وإن كانا في حرمتها، إذ حقيقتها قيام وقراءة الخ، وليس شيء من ذلك ثابتاً
فلم توجد الشرکة أداء، وتمامه في الفتح. قوله: (کما في جوف الكعبة) قید به، إذ لا تمکن
المحاذاة مع اختلاف الجهة في خارجها، فافهم. قوله: (وليلة مظلمة) بأن صلیا بالتحري کل
منهما إلى جهة. قوله: (فسدت صلاته) جواب قوله «وإذا حاذته)) أي فسدت صلاته دونها إن لم
يكن إماماً. نهر. فلو كان إماماً فسدت صلاة الجميع، إلا إذا أشار إليها بالتأخير كما يأتي. قال
في البحر: وأشار بقوله («فسدت صلاته)) إلى أنها لو اقتدت به مقارنة لتكبيره، محاذية له وقد نوى
إمامتها لم تنعقد تحريمته، وهو الصحيح كما في الخانية، لأن المفسد للصلاة إذا قارن الشروع
منع من الانعقاد. قوله: (لو مكلفاً) لأن فساد صلاة الرجل لكونه هو المخاطب بتأخيرها، فإذا
لم يؤخرها فقد ترك فرض المقام. قال في الفتح: وفيه أي في هذا التعليل إشارة إلى اشتراط
العقل والبلوغ، فإن الخطاب إنما يتعلق بأفعال المكلفين؛ كذا في بعض شروح الجامع، فلا
تفسد صلاة الصبيّ بالمحاذاة على هذا اهـ. قوله: (إن نوى إمامتها) قال في البحر: هذا القيد
مستغنى عنه بذكر الاشتراك السابق. وأقول: غير خاف أنه لا يفهم منه اشتراط النية وإن استلزمه
بعد العلم بذلك. نهر. قوله: (لا بعده) ظاهره أن صلاتها مع المحاذي صحيحة في هذه
الصورة؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء ط.
أقول: وفي القنية رامزاً إلى شرف الأئمة: ونية الإمام إمامة النساء، تعتبر وقت
الشروع لا بعده أهـ. وظاهره أن ذلك شرط في صحة اقتدائهن، فلو نوى إمامة المرأة بعد
شروعه لم يصح اقتداؤها فلا تفسد صلاة من حاذته. تأمل قوله: (على الظاهر) هو استظهار
من صاحب البحر بعد حكايته روايتين في المسألة ويؤيده أن الفارسي في شرحه على
تلخيص الجامع حكى الاشتراط بقيل قوله: (عملت نيته) فلا تفسد المستثناة ولا غير المعينة
لعدم صحة اقتدائهما قوله: (فسدت صلاتها) ظاهره أنها لا تصير شارعة في الفرض ولا في
نفل أيضاً. وحكي في القنية في الثاني روايتين: أي بناء على ما سيأتي، من أنه إذا فسد
الاقتداء هل يصح شروعه في صلاة نفسه أم لا، وسيأتي الكلام عليه.
تنبيه: ظاهر إطلاقه أنه لا تصح صلاتها بلانية الإمام إمامتها في الجمعة والعيدين أيضاً،
فالنية شرط فيهما أيضاً. قال في النهر: وبه قال كثير، إلا أن الأكثر على عدمه فيهما، وهو

٣٢٠
كتاب الصلاة / باب الإمامة
(إمامتها) وإن لم تكن حاضرة على الظاهر، ولو نوى امرأة معينة أو النساء إلا هذه عملت
نيته (وإلا) ينوها (فسدت صلاتها) كما لو أشار إليها بالتأخير فلم تتأخر لتركها فرض
المقام. فتح. وشرطوا كونها عاقلة، وكونهما في مكان واحد في ركن كامل، فالشروط
عشرة (ومحاذاة الأمرد الصبيح) المشتهى (لا يفسدها على المذهب) تضعيف لما في
الأصح كما في الخلاصة؛ وجعل الزيلعي الأكثر على الاشتراط، وأجمعوا على عدمه في
الجنازة ا هـ. وظاهر عود الضمير في صلاتها على المرأة المحاذية: أي لإمام أو لمقتد أنها لو
اقتدت غير محاذية لأحد صح اقتداؤها وإن لم ينوها، إلا إذا نفى إمامة النساء كما في القهستاني،
وحينئذ فلا يشترط لصحة اقتداء المرأة نية الإمام إمامتها إلا إذا كانت محاذية، وإلا فلا يشترط؛
وقدم المصنف في بحث النية أن فيه اختلافاً، وقدمنا هناك عن الحلية أنه يشترط أن لا تتقدم بعد
وتحاذي أحداً من إمام أو مأموم، فإن تقدمت وحاذت لا يبقى اقتداؤها ولاتتم صلاتها اهـ.
وذكر في النهاية هنا أن هذا قول أبي حنيفة الأول. وظاهره أن قوله الأخير اشتراط النية مطلقاً،
والعمل على المتأخر كما لا يخفى، ولهذا أطلق في متن المختار قوله؛ ولا تدخل المرأة في
صلاة الرجال إلا أن ينويها الإمام؛ ومثله في متن المجمع. قوله: (كما لو أشار إليها بالتأخير
الخ) قال في الفتح: وفي الذخيرة والمحيط : إذا حاذته بعدما شرع ونوى إمامتها فلا يمكنه
التأخير بالتقدم خطوة أو خطوتين للكراهة في ذلك، فتأخيرها بالإشارة وما أشبه ذلك، فإذا فعل
فقد أخر فیلزمها التأخر، فإن لم تفعل فقد تركت حينئذ فرض المقام فتفسد صلاتها دونه ا هـ.
واستفید من قوله بعد ما شرع، أنها لو حضرت قبل شروعه ونوی إمامتها محاذيا لها
وقد أشار إليها بالتأخر تفسد صلاته، فالإشارة بالتأخر إنما تنفع إذا حضرت بعد الشروع ناوياً
إمامتها. قال ط: والظاهر أن الإمام ليس بقيدا. هـ: أي فلو حاذت المقتدي بعد الشروع
وأشار إليها بالتأخر ولم تتأخر فسدت صلاتها دونه، وينبغي أن يعد هذا في الشروط، بأن
يقال: ولم يشر إليها بالتأخر إذا حضرت بعد شروعه، وينبغي أن يكون هذا في المرأة
البالغة، أما غيرها فغير مكلفة بفرضية المقام. تأمل. قوله: (وشرطوا كونها عاقلة) مستغنى
عنه بقوله في صلاة، لأن المجنونة لا تنعقد صلاتها. نهر. وقدمناه عن القهستاني. قوله:
(وكونهما في مكان واحد) حتى لو كان أحدهما على دكان علوّ قامة والآخر على الأرض لا
تفسد صلاته. شرح المنية. وهذا وإن كان معلوماً من المحاذاة إلا أن المشايخ ذكروه
إيضاحاً. نهر عن المعراج. قوله: (في ركن كامل) أي في أداء ركن بالفعل عند محمد. وعند
أبي يوسف مقدار الركن. والذي في الخانية المحاذاة مفسدة قلّت أو كثرت. قال في
البحر: وظاهر إطلاق المصنف اختياره. قوله: (فالشروط عشرة) بل أکثر بزيادة ما قدمه من
كون الذي حاذته مكلفاً وبزيادة ما قدمناه من عدم الإشارة إليها بالتأخر إذا حضرت بعد
شروعه. قوله: (والصبيح المشتهى) إنما قيد بذلك لأنه محل الخلاف، وإلا فغيره لا يفسد