النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
وقيل يتم، وقد يكرّر كلمة الشهادة (واكتفى) المفترض (فيما بعد الأوليين بالفاتحة)
فإنها سنة على الظاهر، ولو زاد لا بأس به (وهو خير بين قراءة) الفاتحة، وصحح العيني
وجوبها (وتسبيح ثلاثاً) وسكوت قدرها، وفي النهاية قدر تسبيحة، فلا يكون مسيئاً
بالسكوت (على المذهب) لثبوت التخيير عن عليّ وابن مسعود،
السكوت كما لا يخفى اهـ. ومثله في الحلية. قوله: (وقيل يكرر كلمة الشهادة) كذا في
شرح المنية. والذي في البحر والحلية والذخيرة: يكرر التشهد. تأمل. قوله: (واكتفى
المفترض) قید به لأنه یأتی قریباً. قوله: (ولو زاد لا بأس) أي لو ضم إليها سورة لا بأس به،
لأن القراءة في الأخريين مشروعة من غير تقدير، والاقتصار على الفاتحة مسنون لا واجب،
فكان الضم خلاف الأولى وذلك لا ينافي المشروعية، والإباحة بمعنى عدم الإثم في الفعل
والترك كما قدمناه في أوائل بحث الواجبات، وبه اندفع ما أورده في النهر هنا على البحر من
دعوى المنافاة. قوله: (وصحح العيني وجوبها) هذا مقابل ظاهر الرواية، وهو رواية الحسن
عن الإمام وصححهما ابن الهمام أيضاً من حيث الدليل، ومشى عليها في المنية فأوجب
سجود السهو بترك قراءتها والإساءة بتركها عمداً، لكن الأصح عمده لتعارض الأخبار كما
في المجتبى، واعتمده في الحلية. قوله: (وسكوت قدرها) أي قدر ثلاث تسبيحات.
قوله: (وفي النهاية قدر تسبيحة) قال شيخنا: وهو أليق بالأصول. حلية: أي لأن ركن
القيام يحصل بها لما مرّ أن الركنية تتعلق بالأدنى. قوله: (فلا يكون مسيئاً بالسكوت على
المذهب إلخ) اعلم أنهم اتفقوا في ظاهر الرواية على أن قراءة الفاتحة أفضل، وعلى أنه لو
اقتصر على التسبيح لا يكون مسيئاً، وأما لو سكت فصرح في المحيط بالإساءة وقال: لأن
القراءة فيهما شرعت على سبيل الذكر والثناء، ولهذا تعينت الفاتحة للقراءة لأن كلها ذكر
وثناء؛ وإن سكت عمداً أساء لترك السنة، ولو ساهياً لا سهو عليه؛ وصرح غيره بالتخيير بين
الثلاثة في ظاهر الرواية وعدم الإساءة بالسكوت. قال في البدائع: والصحيح جواب ظاهر
الرواية، لما روينا عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقولان: المصلي
بالخيار في الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سكت، وإن شاء سبح، وهذا باب لا يدرك
بالقياس، فالمروي عنهما كالمروي عن النبي وقراهـ. وفي الخانية: وعليه الاعتماد. وفي
الذخيرة: هو الصحيح من الرواية. ورجح ذلك في الحلية بما لا مزيد عليه فارجع إليه.
والحاصل أن عند صاحب المحيط يكره السكوت لترك سنة القراءة، فالقراءة عنده
سنة، لكن لما شرعت على وجه الذكر حصلت السنة بالتسبيح، فيخير بينهما وهو ما مشى
عليه المصنف؛ فالقراءة أفضل بالنظر إلى التسبيح، وسنة بالنظر إلى السكوت، حتى لو
سبح ترك الأفضل، ولو سكت أساء لترك السنة وما يقوم مقامها. وأما عند غير صاحب
المحيط فلا يكره السكوت، لثبوت التخيير بين الثلاثة، فصارت القراءة أفضل بالنظر إلى

٢٢٢
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
وهو الصارف للمواظبة عن الوجوب (ويفعل في القعود الثاني) الافتراش (كالأول
وتشهد) أيضاً (وصلى على النبي (18) وصح زيادة في العالمين
التسبيح. وإلى السكوت، فقد اتفق الكل على أفضلية القراءة، وإنما اختلفوا في سنيتها بناء
على كراهة السكوت وعدمها، وقد علمت أن الصحيح المعتمد التخيير بين الثلاثة، وبه
تعلم ما فيعبارة الشارح حيث قال أولًا: إن الفاتحة سنة على الظاهر، فإنه مبني على ما في
المحيط؛ ثم مشى على خلافه حيث اعتمد التخيير بين الثلاثة، فزاد على المصنف السكوت
وقال: إنه لا يكون مسيئاً به، فاغتنم هذا التحرير الفريد، وما نقلته عن البدائع والذخيرة
والخانية رأيته فيها وفي غيرها، وذكرت نصوصها فيما علقته على البحر، فلا تعتمد على ما
نقل عنها مخالفاً لذلك، فافهم.
ثم اعلم أن اتفاقهم على أفضلية الفاتحة لا ينافي التخيير، إذ لا مانع من التخيير بين
الفاضل والأفضل كالحلق مع التقصير.
تنبيه ظاهر كلام المتون وغيرها أن الفاتحة مقروءة على وجه القرآن. وفي القهستاني
قال علماؤنا: إنها تقرأ بنية الثناء لا القراءة اهـ. ونقل في المجتبى عن شمس الأئمة أنه
الصحيح، لكن في النهاية(١) قال: وعن أبي يوسف يسبح ولا يسكت، وإذا قرأ الفاتحة فعلى
وجه الثناء لا القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين اهـ. وفي الحلية: لكن قدمنا أن الصواب
أن الفاتحة لا تخرج عن القرآنية بالنية. قوله: (وهو الصارف إلخ) حاصله أن حديث
الصحيحين عن أبي قتادة: ((أَنْه صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي
الرّكْعَتَيْنِ الأَوّلِيَينِ بِفَاتِةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنُ، وَفِي الرّكْعَتَينِ الأَخِيَرَتَيْنْ بِفَاتِةِ الْكِتَابِ)» يفيد
المواظبة على ذلك، وهي بلا ترك دليل الوجوب، والجواب أن التخيير المرويّ صارف لها
عن الوجوب، لأن له حكم المرفوع: كما قدمناه، وبهذا يرد على العيني وابن الهمام. قوله:
(الافتراش) إنما خصه بالذكر للإشارة إلى نفي القول بالتورك كما هو مذهب الشافعي، وإلا
فأحكام القعود لا تختص بذلك كما مر، فافهم. قوله: (وصلى على النبي وَ﴾) قال في شرح
المنية: والمختار في صفتها ما في الكفاية والفنية والمجتبى، قال: سئل محمد عن الصلاة
على النبي ◌َ* فقال: يقول: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحمَّدٍ كَمَا صَلَيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مَحَمَّد وعَلَى آلٍ مُحمَّدٍ كَما بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وَعَلَى آلَ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حميدٌ مِيدٌ)) وهي الموافقة لما في الصحيحين وغيرهما. قوله: (وصح
زيادة في العالمین) أي مرة واحدة بعد قوله كما باركت إلخ. وأما بعد قوله كما صليت فلم
(١) في ط (قوله لكن في النهاية قال إلخ) استدراك على ما تقدم، فإنه يفيد أن قراءة الفاتحة بنية الثناء هو المذهب،
فاستدرك عليه بأنه ذکر في النهاية أنه رواية عن أبي يوسف.
:

٢٢٣
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
وتكرار ((إنك حميد مجيد) وعدم كراهة الترحم ولو ابتداء. وندب السيادة، لأن زيادة
تثبت. قال في الحلية: وفي إفصاح ابن هبيرة حكاية الصلاة المذكورة عن محمد بزيادة في
العالمين بعد قوله كما باركت، وهو في رواية مالك ومسلم وأبي داود وغيرهم. وفي نسخة
من الإفصاح زيادة في العالمين بعد كما صليت أيضاً، وهي مذكورة في بعض أحاديث هذا
الباب، لكن لا يحضرني الآن من رواها من الصحابة ولا من خرجها من الحفاظ ولا ثبوتها
في نفس الأمر اهـ. وأشار الشارح إلى هذا حيث عبر بالزيادة لا بالتكرار، فافهم. قوله:
(وتكرار إنك حميد مجيد) استدراك على ما نقله الزيلعي وغيره عن محمد في كيفية الصلاة
المذكورة من الاقتصار على إنك حميد مجيد مرة في آخرها فقط، مع أنه في الذخيرة نقلها عن
محمد مكررة، وتقدم أنها في الصحیح کذلك.
مَطْلَبٌ فِي جَوَازِ الَّحم عَلَى النَّبِيِّ أَيْتِدَاءٌ
قوله: (وعدم كراهة الترحم) عطف على فاعل صح؛ ومفاده أنه لم يصح ندبه لعدم
ثبوته في صلاة التشهد، ولذا قال في شرح المنية: والإتيان بما في الأحاديث الصحيحة
أولى. وقال في الفيض: فالأولى تركه احتياطاً. وفي شرح المنهاج الرملي قال النووي في
الأذكار: وزيادة ((وارحم محمد وآل محمداً كما رحمت على إبراهيم» بدعة. واعترض بورودها
في عدة أحايث صحح الحاكم بعضها ((وترحم على محمد)) ورده بعض محققي أهل الحديث
بأن ما وقع للحاكم وهم، وبأنها وإن كانت ضعيفة لكنها شديدة الضعف فلا يعمل بها،
ويؤيده قول أبي زرعة وهو من أئمة الفن بعد أن ساق تلك الأحاديث وبين ضعفها؛ ولعل
المنع أرجح لضعف الأحاديث في ذلك: أي لشدة ضعفها.
وبما تقرر علم أن سبب الإنكار كون الدعاء بالرحمة لم يثبت هنا من طریق يعتد به،
والباب باب اتباع، لا ما قاله ابن عبد البرّ وغيره من أنه لا يدعى له وَله بلفظ الرحمة، فإن أراد
النافي امتناع ذلك مطلقاً فالأحاديث الصحيحة صريحة في رده، فقد صح في سائر روايات
التشهد ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) وصح أنه وَله أقرّ من قال ((ارحمني وارحم
محمداً) ولم ينكر عليه سوى قوله ((ولا ترحم معنا أحداً)) وحصولها لا يمنع طلبها له كالصلاة
والوسيلة والمقام المحمود، لما فيه من عود الفائدة له في بزيادة ترقيه التي لا نهاية لها
والداعي بزيادة ثوابه على ذلك اهـ.
والحاصل أن الترحم بعد التشهد لم يثبت وإن كان قد ثبت في غيره، فكان جائزاً في
نفسه. قوله: (ولو ابتداء) أي من غير تبعيته لصلاة أو سلام. وذكر في البحر والحلية أن
الكراهة في الابتداء متفق عليها وتعقبه في النهر بأن عبارة الزيلعي في آخر الكتاب تقتضي أن
الخلاف في الكل، فإنه قال: اختلفوا في الترحم على النبي وَلغربأن يقول: اللهم ارحم

٢٢٤
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه، ذكره الرملي الشافعي وغيره؛
وما نقل: لا تسودوني في الصلاة فكذب، وقولهم لا تسيدوني بالياء لحن أيضاً
والصواب بالواو؛ وخص إبراهيم لسلامه علينا، أو لأنه سمانا المسلمين، أو لأن
محمداً. قال بعضهم: لا يجوز لأنه ليس فيه ما يدل على التعظيم كالصلاة. وقال بعضهم:
يجوز، لأنه عليه الصلاة والسلام كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله تعالى، واختاره
السرخسي لوروده في الأثر ولا عتب على من اتبع. وقال أبو جعفر: وأنا أقول وارحم محمداً
للتوارث في بلاد المسلمين. واستدل بعضهم على ذلك بتفسيرهم الصلاة بالرحمة؛ واللفظان
إذا استويا في الدلالة صح قيام أحدهما مقام الآخر، ولذا أقرّ عليه الصلاة والسلام الأعرابي
على قوله ((اللهم ارحمني ومحمداً) اهـ فافهم. قوله: (ذكره الرملي الشافعي) أي في شرحه
على منهاج النووي. ونصه: والأفضل الإتيان بلفظ السيادة كما قاله ابن ظهيرية، وصرح به
جمع، وبه أفتى الشارح، لأن فيه الإتيان بما أمرنا به، وزيادة الإخبار بالواقع الذي هو أدب،
فهو أفضل من تركه وإن تردد في أفضليته الإسنوي. وأما حديث لا تسيدوني في الصلاة،
فباطل لا أصل له، كما قاله بعض متأخري الحفاظ، وقول الطوسي إنها مبطلة غلط اهـ.
واعترض بأن هذا مخالف لمذهبنا لما مر من قول الإمام من أنه لو زاد في تشهده أو
نقص فيه كان مكروهاً.
قلت: فيه نظر؛ فإن الصلاة زائدة على التشهد ليست منه؛ نعم ينبغي على هذا عدم
ذكرها في ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) وأنه يأتي بها مع إبراهيم عليه السلام. قوله:
(لحن أيضاً) أي مع كونه كذباً. قوله: (والصواب بالواو) لأنه واوي العين من ساد يسود؛
قال الشاعر:
وَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ ورَاثَةٍ أَبَّى اللهُ أَنْ أَسْمُو بِأُمِّ وَلَا أَبٍ
مَطْلَبُ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّشْبِيهِ فِي كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
قوله: (وخص إبراهيم إلخ) جواب عن سؤال تقدير: لم خص التشبيه بإبراهيم دون
غيره من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام؟ فأجاب بثلاثة أجوبة :
الأول: أنه سلم علينا ليلة المعراج حيث قال ((أبلغ أمتك مني السلام)).
والثاني: أنه سمانا المسلمين كما أخبرنا عنه تعالى بقوله ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ
قَبْلُ﴾ [الحج ٧٨] أي بقوله - ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمِينٍ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَكَ﴾
[البقرة] والعرب من ذريته وذرية إسماعيل عليهما السلام، فقصدنا إظهار فضله مجازاة على
هذين الفعلين منه.
والثالث: أن المطلوب صلاة يتخذ الله تعالى بها نبينا﴿ خليلاً كما اتخذ إبراهيم عليه.

٢٢٥
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
المطلوب صلاة يتخذه بها خليلاً، وعلى الأخير فالتشبيه ظاهر أو راجع لآل محمد، أو
المشبه به قد يكون أدنى مثل- مثل نوره كمشكاة - (وهي فرض) عملاً بالأمر في شعبان
السلام خليلاً، وقد استجاب الله تعالى دعاء عباده؛ فاتخذه الله تعالى خليلاً أيضاً؛ ففي
حديث الصحيحين: ((ولكن صاحبكم خليل الرحمن).
وأجيب بأجوبة أخر: منها أن ذلك لأبوته، والتشبيه في الفضائل بالآباء مرغوب فيه،
ولرفعة شأنه في الرسل، وكونه أفضل بقية الأنبياء على الراجح، ولموافقتنا إياه في معالم
الملة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبِرَاهِيمَ﴾ ولدوام ذكره الجميل المشار إليه بقوله
تعالى: ﴿وَأَجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء ٨٤] وللأمر بالاقتداء به في قوله
تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل ١٢٣]. قوله: (وعلى الأخير إلخ) أي الوجه
الثالث، وهذا أيضاً جواب عن السؤال المشهور الذي يورده العلماء قديماً وحديثاً. وهو:
أن القاعدة أن المشبه به في الغالب يكون أعلى من المشبه في وجه الشبه مع أن القدر
الحاصل من الصلاة والبركة لنبينا وَ * ولآله أعلى من الحاصل لإبراهيم عليه السلام وآله
بدلالة رواية النسائي ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَواتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ
سَيِئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَّهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ))(١) ولم يرد في حق إبراهيم أو غيره مثل ذلك.
والجواب أن المراد صلاة خاصة يكون بها نبينا و# خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً،
أو التشبيه راجع لقولنا ((وعلى آل محمد)) أو أن هذا من غير الغالب، فإن المشبه به قد يكون
مساوياً للمشبه أو أدنى منه لكنه يكون أوضح لكونه حسياً مشاهداً، أو لكونه مشهوراً في
وجه الشبه، فالأول نحو ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور ٣٥] وأين يقع نور المشكاة من نوره
تعالى؟ والثاني كما هنا، فإن تعظيم إبراهيم وآله بالصلاة عليهم واضح بين أهل الملل،
فحسن التشبيه لذلك، ويؤيده ختم هذا الطلب بقوله: في العالمين، وتمامه في الحلية.
وأجيب بأجوبة أخر: من أحسنها أن التشبيه في أصل الصلاة لا في القدر كما في قوله
تعالى ﴿وَإِنَّ أَوْحَينا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَينا إِلَى نُوحٍ﴾ و﴿كُتِبَ عَلَيكم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣] ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ﴾ وفائدة التشبيه تأكيد الطلب:
أي كما صليت على إبراهيم فصلّ على محمد الذي هو أفضل منه، وقيل الكاف للتعليل.
قوله: (عملاً) مفعول لأجله لا تمييز: أي قلنا بفرضيتها لأجل العمل بالأمر القطعي الثبوت
والدلالة، فهي فرض علماً وعملاً لا عملً فقط كالوتر. وأما ما قاله ابن جرير الطبري من أن
الأمر للاستحباب، وادعى القاضي عياض الإجماع عليه فهو خلاف الإجماع، كما ذكره
(١) أخرجه النسائي في السهو باب(٥٥).

٢٢٦
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
ثاني الهجرة (مرة واحدة) اتفاقاً (في العمر) فلو بلغ في صلاته نابت عن الفرض. نهر
بحثاً. وفي المجتبى: لا يجب على النبي ويلي أن يصلي على نفسه (واختلف) الطحاوي
الفاسي في شرح دلائل الخيرات. قوله: (ثاني الهجرة) وقيل ليلة الإسراء ط. قوله: (مرة
واحدة اتفاقاً) والخلاف فيما زاد إنما هو في الوجوب كما يأتي أفاده ح. قوله: (فلو بلغ في
صلاته إلخ) أي بلغ بالسن وإلا بطلت، على أن عبارة النهر هكذا: لو صلى في أول بلوغه
صلاة أجزاته الصلاة في تشهده عن الفرض ووقعت فرضاً، ولم أر من نبه على هذا، وقد مر
نظيره في الابتداء بغسل اليدين اهـ: أي حيث ينوب الغسل المسنون عن غسل الجنابة أو
الوضوء.
أقول: ورأيت التصريح بذلك في المنبع شرح المجمع، حيث قال: وقال أصحابنا:
هي فرض العمر إما في الصلاة أو في خارجها اهـ. ومثله في شرح درر البحار والذخيرة.
قال ح: بقي ما إذا صلى في القعدة الأولى أو في أثناء أفعال الصلاة ولم يصل في
القعدة، فالذي يظهر أنه يكون مؤدياً للفرض وإن أثم كالصلاة في الأرض المغصوبة اهـ.
لكن ذكر الرحمتي عن العلامة النحريري أن المكلف لا يخرج عن الفرض إلا بنيته فلا بد أن
يصلي بنية أدائها عنه لأنها فريضة، كما قالوا: من شروط النية في الفرض تعين النية له،
حتى لو صلى ركعتين بعد الفجر لا يسقط بها الفرض ما لم ينوه اهـ.
أقول: وفيه نظر لما علمت أنها فرض العمر: أي يفترض فعلها في العمر مرة كحجة
الإسلام، وما كان كذلك فالشرط القصد إلى فعله، فيصح وإن لم ينو الفرضية لتعينه بنفسه،
كالحج الفرض يصح وإن لم يعين الفرضية، وقد صرحوا أيضاً بأن الإسلام يصح بلانية:
أي لأنه فريضة العمر، فالقياس على صلاة الفجر قياس مع الفارق، فتدبر.
مَطْلَبُ: لَا يُحِبُ عَلَيهِ أَنْ يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: (لا يجب على النبي # أن يصلي على نفسه) لأنه غير مراد بخطاب ((صلوا))
ولا داخل تحت ضمیره، كما هو المتبادر من ترکیب۔ صلوا علیه - وقال في النھر: لا يجب
عليه بناء على أن - يَا أَيُّا الَّذِينَ آمَنُوا - لا يتناول الرسولِ وَه، بخلاف- يَا أَيُّهَا النَّاسُ -يَا
عِبادِي - کما عرف في الأصول اهـ.
والحكمة فيه والله تعالى أعلم أنها دعاء، وكل شخص مجبول على الدعاء لنفسه وطلب
الخير لها، فلم يكن فيه كلفة، والإيجاب من خطاب التكليف لا يكون إلا فيما فيه كلفة ومشقة
على النفس ومنافرة لطبعها، ليتحقق الابتلاء كما قرّر في الأصول. أما قوله تعالى:
﴿آدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] ونحوه، فليس المراد به الإيجاب، ولذلك ورد في
الحديث القدسي ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين)) ح ملخصاً.

٢٢٧
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
والكرخي (في وجوبها) على السامع الذاكر (كلما ذكر) صلى الله عليه وسلم
(والمختار) عند الطحاوي (تكراره) أي الوجوب (كثما ذكر) ولو اتحد المجلس في
الأصح
مَطْلَبٌ فِي وُجُوبٍ الصَّلَةِ عَلَيهِ كُلَّمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ الصَّلَةُ وَالسَّلَامُ
قوله: (في وجوبها) أي وجوب الصلاة عليه وهو، ولم يذكر السلام؛ لأن المراد بقوله
تعالى ﴿وسلموا﴾ أي لقضائه كما في النهاية عن مبسوط شيخ الإسلام: أي فالمراد بالسلام
الانقياد، وعزاه القهستاني إلى الأكثرين. قوله: (والذاكر) أي ذاكر اسمه الشريف ◌َ﴾ ابتداء
لا في ضمن الصلاة عليه كما صرح به في شرح المجمع، وفيه كلام سيأتي. قوله: (عند
الطحاوي) قيد به؛ لأن المختار في المذهب الاستحباب، وتبع الطحاوي جماعة من
الجنفية، والحليمي(١) وجماعة من الشافعية، وحكي عن اللخمي من المالكية وابن بطة(٢)
من الحنابلة. وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، كذا في شرح الفاسي على
الدلائل، ويأتي أنه المعتمد. قوله: (تكراره: أي الوجوب) قيد الكرماني في شرح مقدمة
أبي الليث وجوب التكرار عند الطحاوي بكونه على سبيل الكفاية لا العين، وقال: فإذا
صلى عليه بعضهم يسقط عن الباقين، لحصول المقصود وهو تعظيمه وإظهار شرفه عند ذكر
اسمهِ * اهـ. وتمامه في ح. قوله: (في الأصح) صححه الزاهدي في المجتبى، لكن
صحح في الكافي وجوب الصلاة مرة في کل مجلس كسجود التلاوة حیث قال في باب
التلاوة: وهو كمن سمع اسمه عليه الصلاة والسلام مراراً لم تلزمه الصلاة إلا مرة في
الصحيح، لأن تكرار اسمه ﴿ لحفظ سنته التي بها قوام الشريعة، فلو وجبت الصلاة بكل
مرة لأفضى إلى الحرج، غير أنه يندب تكرار الصلاة بخلاف السجود، والتشميت كالصلاة،
وقیل یجب التشميت في کل مرة إلى الثلاث اهـ.
وحاصله أن الوجوب يتداخل في المجلس فيكتفى بمرة للحرج كما في السجود. إلا
أنه يندب تكرار الصلاة في المجلس الواحد، بخلاف السجود. وما ذكره في الكافي نقله
صاحب المجمع في شرحه عن شرح فخر الإسلام على الجامع الکبیر جازماً به، لكن بدون
(١) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي، أبو عبد الله الحليمي البخاري، ولد سنة ٣٣٨، قال الحاكم:
. أوحد الشافعيين بما وراء النهر وأنظرهم وآدبهم، وكان مقدماً، فاضلاً كبيراً، له مصنفات مفيدة ينقل منها الحافظ
البيهقي كثيراً، ومن تصانيفه: ((شعب الإيمان))، وهو كتاب جليل فيه مسائل فقهية وغيرها تتعلق بأصول الإيمان،
وآيات الساعة، وأحوال القيامة. مات في سنة ٤٠٣.
انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١٧٨/١، المنتظم ٢٦٤/٧، تذكرة الحفاظ ٣٠١٠/٣.
(٢) عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبري، المعروف بابن بطة: عالم بالحديث، فقيه من كبار
الحنابلة، له أكثر من مائة كتاب. منها ((السنن)) و((التفرد والعزلة)) و((الإنكار على من قضى بكتب الصحف
( الأولى)). توفي سنة ٣٨٧. انظر: هدية ١/ ٦٥٠، كشف ٦٣٢، الأعلام ٤/ ١٩٧.

٢٢٨
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
لا، لأن الأمر يقتضي التكرار، بل لأنه تعلق وجوبها بسبب متكرر وهو الذكر، فيتكرر
بتكرره وتصير ديناً بالترك، فتقضى لأنها حق عبد كالتشميت،
لفظ التصحيح، وأنت خبير بأن تصحيح الزاهدي لا يعارض تصحيح النسفي صاحب
الكافي، على أن الزاهدي خالف نفسه حيث قال في كراهية القنية: وقيل يكفي في
المجلس مرة كسجدة التلاوة، وبه يفتى اهـ. وأورد الشارح في الخزائن أن الذي يظهر أن ما
في الكافي مبني على قول الكرخي اهـ. وهذا غير ظاهر، لأنه يلزم منه أن يكون الكرخي
قائلًا بوجوب التكرار كلما ذكر، إلا فى المجلس المتحد فيجب مرة واحدة، وأنه لا يبقى
الخلاف بينه وبين الطحاوي إلا فيما إذا اتحد المجلس، والمنقول خلافه. وأورد ابن ملك
في شرح المجمع أن التداخل يوجد في حق الله تعالى والصلاة على النبي ◌َّر حقه اهـ. وقد
يمنع بأن الوجوب حق الله تعالى لأن المصلي ينوي امتثال الأمر.
مَطْلَبْ: هَلْ نَفْعُ الصَّلَةِ عَائِدٌ لِلِمُصَلِي، أَمْ لَهُ وَلِلِمُصَلَّى عَلَيهِ؟
على أن المختار عند جماعة منهم أبو العباس المبرّد(١) وأبو بكر بن العربي: أن نفع
الصلاة غير عائد له ** بل للمصلي فقط، وكذا قال السنوسي في شرح وسطاء: إن
المقصود بها التقرّب إلى الله تعالى لا كسائر الأدعية التي يقصد بها نفع المدعو له اهـ. وذهب
القشيري والقرطبي إلى أن النفع لهما، وعلى كل من القولين فهي عبادة يتقرب بها إلى الله
تعالى، والعبادة لا تكون حق عبد؛ ولو سلم أنها حق عبد فيسقط الوجوب للحرج كما مر،
لأن الحرج ساقط بالنص، ولا حرج في إبقاء الندب. وقد جزم بهذا القول أيضاً المحقق ابن
الهمام في زاد الفقير فقال: مقتضى الدليل افتراضها في العمر مرة، وإيجابها كلما ذكر، إلا أن
يتحد المجلس فيستحب التكرار بالتكرار، فعليك به اتفقت الأقوال أو اختلفت اهـ. فقد
اتضح لك أن المعتمد ما في الكافي. وسمعت قول القنية: إنه به يفتى، وأنت خبير بأن
الفتوى آكد ألفاظ التصحيح.
فرع: السلام يجزي عن الصلاة على النبي لر. هندية عن الغرائب. قوله: (لا لأن
الأمر إلخ) مرتبط بقوله ((والمختار تكراره إلخ)) وهو جواب عن سؤال. تقريره أن قوله
تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيهِ﴾ [الأحزاب ٥٦] أمر. والأصل أن الأمر عندنا لا يقتضي التكرار ولا
يحتمله. والجواب أن التكرار لم يجب بالآية، وإلا كان فرضاً وخالف الأصل المذكور،
وإنما وجب بأحاديث الوعيد الآتية الدالة على سببية الذكر للوجوب والوجوب يتكرر بتكرار
سببه. قوله: (لأنها حق عبد) علمت آنفاً ما فيه. قوله: (كالتشميت) ظاهره أنه يقضى
(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد: إمام العربية ببغداد في زمنه. من كتبه
((الكامل)) و ((المذكر والمؤنث)) و((شرح لامية العرب)) و((إعراب القرآن)) توفي ببغداد سنة ٢٨٦.
انظر: بغية الوعاة ١١٦، وفيات الأعيان ٤٩٥/١، الأعلام ١٤٤/٧.
!

٢٢٩
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
بخلاف ذكره تعالى (والمذهب استحبابه) أي التكرار وعليه الفتوى، والمعتمد من
المذهب قول الطحاوي، كذا ذكره الباقاني تبعاً لما صححه الحلبي وغيره، ورجحه في
البحر بأحادیث الوعيد:
كالصلاة وحرره نقلًا، وقدمنا عن الكافي أنه كالصلاة يجب في المجلس مرة، وقيل إلى
ثلاث، ومثله في الفتح والبحر. وفي شرح تلخيص الجامع: الأصح أنه إن زاد على الثلاث
لا يشمته، وإنما يجب التشميت إذا حمد العاطس، وسيأتي تمام الكلام عليه في باب الحظر
والإباحة إن شاء الله تعالى. قوله: (بخلاف ذكره تعالی) أي فإنه لا یقضی إذا فات، لأنه حق
الرب تعالى كما يفهم من تعليل الشارح في مقابله. وفيه أنه لا يلزم من كونه حقه تعالى أنه
لا يقضى بدليل الصوم ونحوه ح. قال الزاهدي: وفي النظم إذا تكرّر اسم الله تعالى في
مجلس واحد أو في مجالس يجب لكل مجلس ثناء على حدة، ولو تركه لا يبقى ديناً عليه، وكذا
في الصلاة على النبي وَلته، لكن لو تركها تبقى ديناً عليه لأنه لا يخلو من تجدد نعم الله تعالى
الموجبة للثناء، فلا يكون وقت للقضاء كقضاء الفاتحة في الأخريين، بخلاف الصلاة على
النبي ◌َّراهـ شرح المنية.
وحاصله أنه لما كان ثناء الله تعالی واجباً كل وقت لا يمكن أن يقع ما يفعله ثانياً قضاء
عما تركه، أو لا، لأن الشيء في محله لا يمكن أن يضايقه غيره عليه.
واعترضه في البحر، بأن جميع الأوقات وإن كان وقتاً للأداء لكن ليس مطالباً بالأداء
لأنه رخص له في الترك اهـ: أي وإذا لم يكن مطالباً بالأداء يجعل ما يأتي به قضاء لأجل
تفريغ ذمته، لكن قد يقال: إذا كان الترك رخصة يكون عدمه عزيمة، وإذا أتى بالعزيمة يكون
آتياً بالواجب عليه ويكون أداء، لأنه الواجب عليه كالمسافر يرخص به الإفطار، فإذا صام
يكون آتياً بالعزيمة وإن لم ينو الفرض . ومثله قراءة الفاتحة في الأخريين من الفرض الرباعي
يرخص له في تركها، وإذا قرأها لا تقع قضاء عما فاته في الأوليين. قوله: (وعليه الفتوى)
عزاه في الشرنبلالية إلى شرح المجمع. وفي الخزائن ورجحه السرخسي بأنه المختار
للفتوى، وجعله ابن الساعاتي(١) قول عامة العلماء اهـ. قوله: (والمعتمد من المذهب قول
الطحاوي) قال في الخزائن: وصححه في التحفة وغيرها، وجعله في الحاوي قول الأكثر.
وفي شرح المنية أنه الأصح المختار. وقال العيني في شرح المجمع: وهو مذهبي. وقال
الباقاني: وهو المعتمد من المذهب، ورجحه في البحر قوله: (ورجحه في البحر) أي تبعاً
(١) أبو العباس أحمد بن الساعاتي البغدادي، البعلبكي الأصل المنعوت مظفر الدين، المعروف بابن الساعاتي، سكن
بغداد زمناً طويلاً ونشأ بها، وأبوه هو الشخص الذي عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية ببغداد وكان
إماماً كبيراً علامة زمانه، ومن تصانيفه (مجمع البحرين)). انظر: تاج التراجم (٦)، أعلام الأخيار (٤٧٩)، الطبقات
السنية (٢٥٢).

٢٣٠
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
كرغم وإبعاد وشقاء وبخل وجفاء؛ ثم قال: فتكون فرضاً في العمر وواجباً كلما ذكر
على الصحيح، وحراماً عند فتح التاجر متاعه ونحوه، وسنة في الصلاة، ومستحبة في
لابن أمير حاج عن التحفة والمحيط الرضوي ح. قوله: (کرغم وإبعاد وشقاء) أخرج کثیرون
بسند رجاله ثقات، ومن ثم قال الحاكم في المستدرك: صحيح الإسناد عن كعب بن عجرة
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله له((أَحَضُرُوا المِثْبَرَ فَحَضَرْنَا، فَلَمَّا أَرْتَقَى دَرَجةٌ قَالَ:
آمِين، ثُمَّ أَرْتَقَى الثَّانِيَةَ وَقَالَ: آمِين، ثُمَّ ارْتَقَى الثَّالِثَةَ وَقَالَ: آمِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللّهِ قَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ شَيْئاً مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ، فَقَالَ: إنَّ جِبِرِيلَ عَرَضَ عَلَيَّ فَقَالَ: بَعُدَ مَنْ
أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْلَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ؛ فَلمَّا رَقِيتُ)) أي يكسر القاف الثانية ((قَالَ: بَعْدَ مَنْ
ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ؛ فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبُوَّيهِ
الكِبرُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، قُلْتُ: أَمِينَ))(١) وفي رواية ((فَلَمْ يُصَلّ عَلَيكَ فَأَبْعَدَهُ اللّهُ)) وفي
أخرى صححها الحاكم ((رَغْمَ أَنْف رَجُلٍ) وفي أخرى سندها حسن ((شَقِيَ عَبْدٌ ذُكِرْت عَندَهُ
فَلَمْ يُصَلّ عَلَيكَ)) من الدرّ المنضود لابن حجر. قوله: (وبخل وجفاء) أي في قوله عليه
الصلاة والسلام ((البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ» رواه الترمذي وقال: حسن
صحِيح. شرح المنية. وقوله عليه الصلاة والسلام ((مِنَ الجَفَاءِ أَن أُذْكَرَ عِنْدَ الرَّجُلِ فَلا
يُصَلَّي عَلَيَّ)) رواه السيوطي في الجامع الصغير.
قوله: (وحراماً إلخ) الظاهر أن المراد به كراهة التحريم، لما في كراهية الفتاوى
الهندية: إذا فتح التاجر الثوب فسبح الله تعالى أو صلى على النبي * يريد به إعلام
المشتري جودة ثوبه فذلك مكروه، وكذا الحارس لأنه يأخذ لذلك ثمناً، وكذا الفقاعي: إذا
قال ذلك عند فتح فقاعه علی قصد ترويجه وتحسینہ یآثم، وعن هذا یمنع إذا قدم واحد من
العظماء إلى مجلس فسبح أو صلى على النبي وَل﴿ إعلاماً بقدومه حتى يفرج له الناس أو
يقوموا له يأثم اهـ. قوله: (وسنة في الصلاة) أي في قعود أخير مطلقاً، وكذا في قعود أول
في النوافل غير الرواتب. تأمل. وفي صلاة الجنازة.
مَطْلَبُ: نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَسْتِخْبَابِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاضِعَ
قوله: (ومستحبة في كل أوقات الإمكان) أي حيث لا مانع. ونص العلماء على
استحبابها في مواضع: یوم الجمعة، ولیلتها، وزید یوم السبت والأحد والخمیس، ولما
ورد في كل من الثلاثة، وعند الصباح والمساء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند
زيارة قبره الشريف *، وعند الصفا والمروة، وفي خطبة الجمعة وغيرها، وعقب إجابة
المؤذن، وعند الإقامة، وأول الدعاء وأوسطه وآخره، وعقب دعاء القنوت، وعند الفراغ
(١) أخرجه البخاري في التاريخ ٧/ ٢٢٠ والسيوطي في الدر ١٨٥/١ ومن حديث أبي هريرة.
أخرجه الترمذي ٥/ ٥٥٠ (٣٥٤٥) وأحمد ٢٥٤/٢ والحاكم ٥٩٤/١ والبغوي في شرح السنة بتحقيقنا ٢٨٦/٢.

٢٣١
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
كل أوقات الإمكان، ومكروهة في صلاة غير تشهد أخير؛ فلذا استثنى في النهر من قول
الطحاوي ما في تشهد أول وضمن صلاة عليه لئلا يتسلسل بل خصه في درر البحار بغير
من التلبية، وعند الاجتماع والافتراق، وعند الوضوء، وعند طنين الأذن، وعند نسيان
الشيء، وعند الوعظ ونشر العلوم، وعند قراءة الحديث ابتداء وانتهاء، وعند كتابة السؤال
والفتيا، ولكل مصنف ودارس ومدرس وخطيب وخاطب ومتزوّج ومزوّج. وفي الرسائل:
وبين يدي سائر الأمور المهمة، وعند ذكر أو سماع اسمه و # أو كتابته عند من لا يقول
بوجوبها، كذا في شرح الفاسي على دلائل الخيرات ملخصاً، وغالبها منصوص عليه في
كتبنا. قوله: (ومكروهة في صلاة غير تشهد أخير) أي وغير قنوت وتر فإنها مشروعة في آخره
كما في البحر، فالأولى استثناؤه أيضاً ح، وكذا في غير صلاة الجنازة فتسن فيها.
مَطْلَبٌ: فِي المَوَاضِعِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تنبيه تكره الصلاة عليه * في سبعة مواضع: الجماع، وحاجة الإنسان، وشهرة
المبيع، والعثرة، والتعجب، والذبح، والعطاس على خلاف في الثلاثة الأخيرة. شرح
الدلائل. ونص على الثلاثة عندنا في الشرعة فقال: ولا يذكره عند العطاس، ولا عند ذبح
الذبيحة، ولا عند التعجب. قوله: (فلذا استثنى في النهر إلخ) أقول: يستثنى أيضاً ما لو
ذكره أو سمعه في القراءة أو وقت الخطبة لوجوب الإنصات والاستماع فيهما. وفي كراهية
الفتاوى الهندية: ولو سمع اسم النبي ول﴿ وهو يقرأ لا يجب أن يصلي، وإن فعل ذلك بعد
فراغه من القرآن فهو حسن، كذا في الينابيع، ولو قرأ القرآن فمرّ على اسم نبي فقراءة القرآن
على تأليفه ونظمه أفضل من الصلاة على النبي ◌َّهر في ذلك الوقت، فإن فرغ ففعل فهو
أفضل وإلا فلا شيء عليه، كذا في الملتقط اهـ. قوله: (ما في تشهد أول) أي في غير
النوافل، فإنه وإن ذكر فيه اسمه وله فالصلاة فيه تكره تحريماً فضلاً عن الوجوب. قوله: (لئلا
يتسلسل) علة للثاني: أي لأن الصلاة عليه لا تخلو من ذكره، فلو قلنا بوجوبها استدعت
صلاة أخرى وهلم جراً، وفيه حرج. وأما علة الأول فهي ما ذكره في قوله: ((ولهذا استثنى))
أي ولكراهتها في تشهد غير أخير استثنى الخ، وبه علم أن قوله ((وضمن)) بالجر عطفاً على
تشهد مع قطع النظر عن علته بدليل العلة الثانية فإنها للثاني فقط، وإلا لقال: ولئلا يتسلسل
بالعطف على العلة الأولى، وبدليل أن العلة الأولى لا تصلح للحكم الثاني. قوله: (بل
خصه في درر البحار إلخ) أي خص قول الطحاوي بالوجوب بما عدا الذاكر، دفعاً لما أورده
بعضهم على الطحاوي من استلزام التسلسل، لأن الصلاة عليه لا تخلو عن ذكره.
وحاصل الجواب تخصيص الوجوب على السامع فقط، لأن أحاديث الوعيد المارة
تفيد ذلك، فإن لفظ ((البخيل من ذكرت عنده)) لا يشمل الذاكر، لأن ((من)) الموصولة بمعنى
الشخص الذي وقع الذكر في حضرته فيستدعي أن يكون الذاكر غيره، وإلا لقيل من ذكرني،

٢٣٢
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
الذاكر لحديث ((مَنْ ذُكِرْتُ عِندَهُ فَلْيَحْفَظْ)) وإزعاج الأعضاء برفع الصوت جهل، وإنما
هي دعاء له، والدعاء يكون بين الجهر والمخافتة، كذا اعتمده الباجي في كنز العفاة،
وحرّر أنها قد ترد ككلمة التوحيد مع أنها أعظم منها وأفضل؛ لحديث الأصبهاني وغيره
وأجاب ح بأن الذاكر داخل بدلالة المساواة، وقد يدفع بأن المقصود من الصلاة عليه واله
تعظيمه، والذاكر له لا يذكره إلا في مقام التعظيم، فلا تلزمه الصلاة، بل تلزم السامع لئلا
يخل بالتعظيم من كل وجه. تأمل. لكن هذا يشمل الذاكر ابتداء أو في ضمن الصلاة
عليه وَ*، وبه صرح في غرر الأفكار شرح درر البحار، فهو قول آخر مخالف لما مشى عليه
الشارح أولاً من الوجوب على الذاكر والسامع، وبه صرح ابن الساعاتي في شرحه على
مجمعه، ولما مشى عليه ابن ملك في شرح المجمع، وتبعه المصنف في شرحه على زاد
الفقير من تخصيصه الوجوب على الذاكر بالذاكر ابتداء لا في ضمن الصلاة عليه وَطاهر. ويظهر
لي أن هذا أقرب، ولا حاجة في دفع التسلسل إلى تعميم الذاكر، ثم هذا كله مبني على
تكرار الوجوب في المجلس الواحد، وقدمنا ترجيح التداخل والاكتفاء بمرة، وعليه فإيراد
التسلسل من أصله مدفوع. قوله: (وإزعاج الأعضاء) قال في الهندية: رفع الصوت عند
سماع القرآن والوعظ مكروه، وما يفعله الذين يدعون الوجد والمحبة لا أصل له، ويمنع
الصوفية من رفع الصوت وتخريق الثياب، كذا في السراجية اهـ. قوله: (وحرر أنها قد ترد)
أي لا تقبل. والقبول ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء كترتيب الثواب على
الطاعة، ولا يلزم من استيفاء الطاعة شروطها وأركانها القبول كما صرح به في الولوالجية،
قال: لأن القبول له شرط صعب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾
[المائدة ٢٧] أي فيتوقف على صدق العزيمة، وبعد ذلك يتفضل المولى تعالى بالثواب
على من يشاء بمحض فضله لا بإيجاب عليه تعالى، لأن العبد إنما يعمل لنفسه والله غنيّ عن
العالمين؛ نعم حيث وعد سبحانه وتعالى بالثواب على الطاعة ونحو الألم، حتى الشوكة
يشاكها بمحض فضله تعالى لا بد من وجوده لوعده الصادق. قال تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ
عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] وعلى هذا فعدم القبول لبعض الأعمال إنما هو لعدم
استيفاء شروط القبول: كعدم الخشوع في نحو الصلاة، أو عدم حفظ الجوارح في الصوم،
أو عدم طيب المال في الزكاة والحج، أو عدم الإخلاص مطلقاً، ونحو ذلك من العوارض.
وعلى هذا فمعنى أن الصلاة على النبي پے قد ترد عدم إثابة العبد علیھا لعارض کاستعمالها
على محرم كما مر، أو لإتيانه بها من قلب غافل أو لرياء وسمعة؛ كما أن كلمة التوحيد التي
هي أفضل منها لو أتى بها نفاقاً أو رياء لا تقبل. وأما إذا خلت من هذه العوارض ونحوها
فالظاهر القبول حتماً إنجازاً للوعد الصادق كغيرها من الطاعات، وكل ذلك بفضل الله
تعالى، لكن وقع في كلام كثيرين ما يقتضي القبول مطلقاً؛ ففي شرح المجمع لمصنفه أن

٢٣٣
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
عن أنس قال: قال رسول الله وَ﴾ ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً واحِدَةً فَتُقُبِّلَتْ مِنْهُ مَحَا الله عَنْهُ
ذُنُوبَ ثَمانينَ سَنَة))(١) فقيد المأمول بالقبول (ودعا) بالعربية
تقديم الصلاة عليه وير على الدعاء أقرب إلى الإجابة لما بعدها من الدعاء، فإن الكريم لا
يستجيب بعض الدعاء ويرد بعضه اهـ. ومثله في شرحه لابن ملك وغيره. وقال الفاسي في
شرح الدلائل: قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي في شرح الألفية: الصلاة على رسول الله ولميل
مجابة على القطع، فإذا اقترن بها السؤال شفعت بفضل الله تعالى فيه فقبل، وهذا المعنى
مذكور عن بعض السلف الصالح.
واستشكل كلامه هذا الشيخ السنوسي وغيره، ولم يجدوا له مستنداً وقالوا: وإن لم
يكن له قطع فلا مرية في غلبة الظن وقوة الرجاء اهـ.
وذكر في الفصل الأول من دلائل الخيرات: قال أبو سليمان الداراني: من أراد أن
يسأل الله حاجته فليكثر بالصلاة على النبي وتلقي ثم يسأل الله حاجته، وليختم بالصلاة على
النبي وَّر، فإن الله يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما اهـ.
مَطْلَبْ فِي أَنَّ الصَّلَةِ عَلَى النَِّيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُرَدُّ أَمْ لَا؟
قال الفاسي في شرحه: ومن تمام كلام أبي سليمان عند بعضهم: وكل الأعمال فيها
المقبول والمردود إلا الصلاة على النبي وَلقر فإنها مقبولة غير مردودة. وروى الباجي عن ابن
عباس: إذا دعوت الله عز وجل فاجعل في دعائك الصلاة على النبي ◌َّو فإن الصلاة عليه
مقبولة، والله سبحانه أكرم من أن يقبل بعضاً ويرد بعضاً، ثم ذكر نحوه عن الشيخ أبي طالب
المكي وحجة الإسلام الغزالي. وقال العراقي: لم أجده مرفوعاً، وإنما هو موقوف على
أبي الدرداء. ومن أراد الزيادة على ذلك فليرجع إلى شرح الدلائل.
والذي يظهر من ذلك أن المراد بقبولها قطعاً أنها لا ترد أصلاً مع أن كلمة الشهادة قد
ترد فلذا استشكله السنوسي وغيره. والذي ينبغي حمل كلام السلف عليه أنه لما كانت الصلاة
دعاء والدعاء منه المقبول ومنه المردود، وأن الله تعالى قد يجيب السائل بعين ما دعاه وقد
يجيبه بغيره لمقتضى حكمته خرجت الصلاة من عموم الدعاء، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللّهَ
وَمَلَائِّكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النُّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦] بلفظ المضارع المفيد للاستمرار التجددي مع
الافتتاح بالجملة الاسمية المفيدة للتوكيد وابتدائها بإن لزيادة التوكيد، وهذا دليل على أنه
سبحانه لا يزال مصلياً على رسوله وَ﴿، ثم امتنّ سبحانه على عباده المؤمنين حيث أمرهم
بالصلاة أيضاً ليحصل لهم بذلك زيادة فضل وشرف، وإلا فالنبي وَّله مستغن بصلاة ربه
سبحانه وتعالى عليه، فيكون دعاء المؤمن بطلب الصلاة من ربه تعالى مقبولاً قطعاً: أي
(١) أخرجه الحاكم ١١/٤ وابن أبي شيبة ١٢ / ١٣٢.

٢٣٤
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
وحرم بغيرها. نهر،
مجاباً لإخباره سبحانه وتعالى بأنه يصلي عليه. بخلاف سائر أنواع الدعاء وغيره من
العبادات، وليس في هذا ما يقتضي أن المؤمن يثاب عليها أو لا يثاب، بل معناه أن هذا
الطلب والدعاء مقبول غير مردود. وأما الثواب فهو مشروط بعدم العوارض كما قدمناه،
فعلم أنه لا إشكال في كلام السلف، وأن له سنداً قوياً وهو: إخباره تعالى الذي لا ريب فيه،
فاغتنم هذا التحرير العظيم الذي هو من فيض الفتاح العليم، ثم رأيت الرحمتي ذكر نحوه.
قوله: (فقيد المأمول) أي قيد الثواب الذي يؤمله العبد ويرجوه، وهو هنا محو الذنوب
بالقبول: أي المتوقف على صدق العزيمة وعدم الموانع، وقد علمت أن هذا لا ینافي كون
هذا الدعاء مجاباً قطعاً.
مَطْلَبٌ فِي الدُّعَاءِ بِغَيرِ الْعَرَبِيّةِ
قوله: (وحرم بغيرها) أقول: نقله في النهر عن الإمام القرافي المالكي معللاً باحتماله
على ما ينافي التعظيم. ثم رأيت العلامة اللقاني المالكي نقل في شرحه الكبير على منظومته
المسماة جوهرة التوحيد كلام القرافي، وقيد الأعجمية بالمجهولة المدلول أخذاً من تعليله
بجواز اشتمالها على ما ينافي جلال الربوبية، ثم قال: واحترزنا بذلك عما إذا علم مدلولها،
فيجوز استعماله مطلقاً في الصلاة وغيرها، لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
[البقرة ٣١] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّ بِلَسانٍ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] اهـ. لكن المنقول عندنا
الكراهة؛ فقد قال في غرر الأفكار شرح درر البحار في هذا المحل: وكره الدعاء بالعجمية،
لأن عمر نهى عن رطانة الأعاجم اهـ. والرطانة كما في القاموس: الكلام بالأعجمية،
ورأيت في الولوالجية في بحث التكبير بالفارسية أن التكبير عبادة لله تعالى، والله تعالى لا
يحب غير العربية، ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب إلى الإجابة، فلا يقع غيرها من الألسن
في الرضا والمحبة لها موقع كلام العرب اهـ. وظاهر التعليل أن الدعاء بغير العربية خلاف
الأولى، وأن الكراهة فيه تنزيهية.
هذا، وقد تقدم أول الفصل أن الإمام رجع إلى قولهما بعدم جواز الصلاة بالقراءة
بالفارسية إلا عند العجز عن العربية.
وأما صحة الشروع بالفارسية وكذا جميع أذكار الصلاة فهي على الخلاف؛ فعنده تصح
الصلاة بها مطلقاً خلافاً لهما كما حققه الشارح هناك. والظاهر أن الصحة عنده لا تنفي
الكراهة، وقد صرحوا بها في الشروع.
وأما بقية أذكار الصلاة فلم أر من صرح فيها بالكراهة سوى ما تقدم، ولا يبعد أن يكون
الدعاء بالفارسية مكروهاً تحريماً في الصلاة وتنزيهاً خارجها، فليتأمل وليراجع. قوله: (لنفسه

٢٣٥
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
لنفسه وأبويه وأستاذه المؤمنين.
ويحرم سؤال العافية مدى الدهر، أو خير الدارين ودفع شرهما، أو المستحيلات
العادية كنزول المائدة، قيل والشرعية.
وأبويه وأستاذه المؤمنين) احترز به عما إذا كانوا كفاراً فإنه لا يجوز الدعاء لهم بالمغفرة كما
يأتي، بخلاف ما لو دعا لهم بالهداية والتوفيق لو كانوا أحياء، وكان ينبغي أن يزيد: ولجميع
المؤمنين والمؤمنات، كما فعل في المنية لأن السنة التعميم، لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ
لِذَتْبِكَ وَلِلِمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩] وللحديث ((مَنْ صَلَّى صَلَةٌ لَمْ يَدْعُ فِيهَا
لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ فَهِيَ خِدَاجٌ)) كما في البحر، ولخبر المستغفري ((مَا مِنْ دُعَاءِ أَحَبَّ إلَى
اللّهِ مِنْ قَوْلِ العَبْدِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّةٍ مُحمَّدٍ مَغْفِرَةَ عَامَّةً)) وفي رواية ((أَنَه صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ
سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: وَيُحِكَ لَوْ عَمَّمْتَ لَاسْتُجِيبَ لَكَ) وفي أخرى ((أنه
ضَرَبَ مِنْكِبَ مَنْ قَالَ أَغْفِرْ لِي وَأَرحِمِي، ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَمِّمْ فِي دُعَائِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ الخَاصّ
وَالعَامِّ كَمَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ)) وفي البحر عن الحاوي القدسي: من سنن القعدة الأخيرة
الدعاء بما شاء من صلاح الدين والدنيا لنفسه ولوالديه وأستاذه وجميع المؤمنين اهـ. قال:
وهو يفيد أنه لو قال: اللهم اغفر لي ولوالديّ وأستاذي، لا تفسد مع أن الأستاذ ليس في
القرآن، فيقتضي عدم الفساد في اللهم اغفر لزيد. قوله: (ويحرم سؤال العافية مدى الدهر،
إلى قوله: والحق) هو أيضاً من كلام القرافي المالكي، نقله عنه في النهر، ونقله أيضاً العلامة
اللقاني في شرح جوهرة التوحيد فقال: الثاني من المحرم أن يسأل المستحيلات العادية
وليس نبياً ولا ولياً في الحال: كسؤال الاستغناء عن التنفس في الهواء ليأمن الاختناق، أو
العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه وحواسه أبداً، إذ دلت العادة على استحالة ذلك، أو
ولداً من غير جماع، أو ثمار من غير أشجار، وكذا قوله: اللهم أعطني خير الدنيا والآخرة لأنه
محال،، فلا بد من أن يراد الخصوص بغیر منازل الأنبياء ومراتب الملائكة، ولا بد أن يدركه
بعض الشرور ولو سكرات الموت ووحشة القبر، فكله حرام. الثالث: أن يطلب نفي أمر دل
السمع على نفيه، كقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] الخ، مع أنه
عليه الصلاة والسلام قال ((رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسَيَانُ وَمَا أَسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ) فهي مرفوعة،
فيكون تحصيل الحاصل وهو سوء أدب، مثل: أوجب علينا الصلاة والزكاة، إلا أن يريد
بالخطإ العمد وبما لا يطاق الرزايا والمحن فيجوز اهـ ملخصاً. قال اللقاني: وردّ هذا بعضهم
بما قدمناه عن العزّ بن عبد السلام من أنه يجوز الدعاء بما علمت السلامة منه اهـ، ولذا قال
الشارح: قيل والشرعية: أي لأن أحسن الدعاء ما ورد في القرآن والسنة، ومنه ﴿رَبَّنَا لَا
تُؤاخِذْنَا﴾ الآية فكيف ينهى عنه، ولو كان الدعاء بتحصيل الحاصل منهياً لما ساغ الدعاء
بالصلاة على النبي *، ولا الدعاء له بالوسيلة، ولا بقول المؤمن ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ

٢٣٦
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
والحق حرمة الدعاء بالمغفرة للكافر لا لكل المؤمنين كل ذنوبهم. بحر
· المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] ولا بلعن الشياطين والكافرين، ونحو ذلك مما فيه إظهار العجز
والعبودية: أو الرغبة بحبّ النبيّ وَ ﴿ أو حب الدين، أو النفرة عن فعل الكافرين ونحوهم .
بخلاف قول الرجل: اللهم اجعلني رجلاً ونحوه مما لا فائدة فيه، أو ما فيه تحكم على الله
تعالى كطلب ما ليس أهلاً لنيله، أو ما كان مستحيلاً فإنه من الاعتداء في الدعاء، وقد قال الله
تعالى: ﴿أَدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنه لَا يُحُبَّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف ٥٥] وروي عن
عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض
عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بنيّ سل الله الجنة وتعوّذ به من النار، فإني سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول ((سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ».
مَطْلَبْ فِي الدُّعَاءِ المُحرَّمِ
قوله: (والحق الخ) رد على الإمام القرافي ومن تبعه حيث قال: إن الدعاء بالمغفرة
للكافر كفر لطلبه تكذيب الله تعالى فيما أخبر به، وإن الدعاء لجميع المؤمنين بمغفرة جميع
ذنوبهم حرام، لأن فيه تكذيباً للأحاديث الصحيحة المصرّحة بأنه لا بد من تعذيب طائفة من
المؤمنين بالنار بذنوبهم وخروجهم منها بشفاعة أو بغيرها؛ وليس بكفر للفرق بين تكذيب
خبر الآحاد والقطعي؛ ووافقه على الأول صاحب الحلية المحقق ابن أمير حاج، وخالفه في
الثاني وحقق ذلك بأنه مبني على مسألة شهيرة، وهي أنه هل يجوز الخلف في الوعيد؟
فظاهر ما في المواقف والمقاصد أن الأشاعرة قائلون بجوازه، لأنه لا يعد نقصاً بل جوداً
وكرماً. وصرح التفتازاني وغيره بأن المحققين على عدم جوازه، وصرح النسفي بأنه
الصحيح لاستحالته عليه تعالى، لقوله ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدّل القول لديّ﴾
[ق ٢٨، ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يخِلِفَ اللّه وَعْدَهُ﴾ أي وعيده، وإنما يمدح به العباد
خاصة، فهذا الدعاء يجوز على الأول لا الثاني.
مَطْلَبْ فِي خُلْفِ الوَعيدِ وحُكْمِ الدُّعَاءِ بِالمَغْفِرَةِ لِلِكَافِرِ وَلِجَميعِ الْمُؤْمِنِينَ
والأشبه ترجح جواز الخلف في الوعيد في حق المسلمين خاصة دون الكفار توفيقاً
بين أدلة المانعين المتقدمة وأدلة المثبتين التي من نصها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ١١٦] وقوله، عن إبراهيم ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِي وَلِوَ الِدَيَّ
وَالمُؤْمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ [إبراهيم ٤١] وأمر به نبينا وَ لَّ بقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ
لِذَتْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ فعله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح ابن حبان ((أَنه
صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهَا وَمَا تأخّرَ، مَا أُسَرَّتْ وَمَا
أَعْلَنَتْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهَا لَّدُعَائي لأُمتِي فِي كُلِّ صَلَاةٍ) وحاصل هذا القول: جواز التخصيص
لما دل عليه اللفظ بوضعه اللغوي من العموم في نصوص الوعيد، ولا ينافي النصوص

٢٣٧
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
(بالأدعية المذكورة في القرآن والسنة، لا بما يشبه كلام الناس) اضطرب فيه كلامهم ولا
سيما المصنف؛ والمختار كما قاله الحلبي أن ما هو في القرآن أو في الحديث لا يفسد،
الصحيحة المصرّحة بأن من المؤمنين من يدخل النار ويعاقب فيها على ذنوبه، لأن الغرض
جواز مغفرة جميع الذنوب لجميع المؤمنين لا الجزم بوقوعها للجميع، وجواز الدعاء بها
مبني على جواز وقوعها، لا على الجزم بوقوعها، هذا خلاصة ما أطال به في الحلية.
وحاصله أن ما دل من النصوص على عدم جواز خلف الوعيد مخصوص بغير
المؤمنين، أما في حق المؤمنين فهو جائز عقلاً، فيجوز الدعاء بشمول المغفرة لهم وإن كان
غير واقع للنصوص الصحيحة المصرّحة بأنه لا بد من تعذيب طائفة منهم، وجواز الدعاء
يبتني على الجواز عقلًا، لكن يرد عليه أن ما ثبت بالنصوص الصريحة لا يجوز عدمه شرعاً.
وقد نقل اللقاني عن الأبي والنووي انعقاد الإجماع على أنه لا بد من نفوذ الوعيد في طائفة من
العصاة، وإذا كان كذلك يكون الدعاء به مثل قولنا: اللهم لا توجب علينا الصوم والصلاة،
وأيضاً يلزم منه جواز الدعاء بالمغفرة لمن مات كافراً أيضاً: إلا أن يقال: إنما جاز الدعاء
للمؤمنين بذلك إظهاراً لفرط الشفقة على إخوانه، بخلاف الكافرين، وبخلاف لا توجب
علينا الصوم لقبح الدعاء لأعداء الله تعالى ورسوله ◌َل# وإظهار التضجر من الطاعة، فيكون
عاصياً بذلك لا كافراً على ما اختاره في البحر، وقال: إنه الحق، وتبعه الشارح، لكنه مبني
على جواز العفو عن الشرك عقلًا، وعليه يبتني القول بجواز الخلف في الوعيد، وقد علمت
أن الصحيح خلافه، فالدعاء به كفر لعدم جوازه عقلاً ولا القول بجواز الخلف في الوعيد،
وقد علمت أن الصحيح خلافه، فالدعاء به كفر لعدم جوازه عقلً ولا شرعاً ولتكذيبه
النصوص القطعية، بخلاف الدعاء للمؤمنين كما علمت، فالحق ما في الحلية على الوجه
الذي نقلناه عنها، لا على ما نقله ح، فافهم. قوله: (ودعا بالأدعية المذكورة في القرآن
والسنة) عدل عن قول الكنز بما يشبه القرآن، لأن القرآن معجز لا يشبهه شيء. وأجاب في
البحر بأنه أطلق المشابهة لإرادته نفس الدعاء لا قراءة القرآن اهـ. ومفاده أنه لا ينوي القراءة.
وفي المعراج أول الباب: وتكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بإجماع الأئمة
الأربعة، لقوله عليه الصلاة والسلام ((نهيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً) رواه مسلم اهـ.
تأمل.
هذا، وقد ذكر في الإمداد في بحث السنن جملة من الأدعية المأثورة، فيكفي سهولة
مراجعتها عن ذكرها هنا.
تتمة ينبغي أن يدعو في صلاته بدعاء محفوظ، وأما في غيرها فينبغي أن يدعو بما
يحضره، ولا يستظهر الدعاء لأن حفظه يذهب برقة القلب. هندية عن المحيط. واستظهاره:
حفظه عن ظهر قلبه. قوله: (لا يفسد) أي مطلقاً، سواء استحال طلبه من العباد كاغفر لي،

٢٣٨
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
وما ليس في أحدهما إن استحال طلبه من الخلق لا يفسد، وإلا يفسد لو قبل قدر التشهد،
وإلا تتم به ما لم يتذكر سجدة فلا تفسد بسؤال المغفرة مطلقاً ولو لعمي أو لعمرو، وكذا
الرزق ما لم يقيده بمال ونحوه لاستعماله في العباد مجازاً (ثم يسلم عن يمينه ويساره)
أو لاكارزقني من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. وفيه ردّ على الفضلي في اختياره
الفساد بما ليس في القرآن مطلقاً، وعلى ما في الخلاصة من تقييده عدم الفساد بالمستحيل
من العباد بما إذا كان مأثوراً، وهو مبني على قول الفضلي. قال في النهر: والمذهب
الإطلاق. قوله: (إن استحال طلبه من الخلق) كاغفر لعمي أو لعمرو فلا يفسد وإن لم يكن
في القرآن، خلافاً للفضلي. قوله: (وإلا يفسد) مثل: اللهم ارزقني بقلا وقثاء وعدساً
وبصلًا، فتفسد الصلاة لوجود القاطع المانع من إعادتها وهو الدعاء المذكور، بخلاف
التلاوية والسهوية لأنه لا تتوقف صحة الصلاة على سجودهما، فتتم الصلاة به، وإن لم
يسجدهما لأنهما واجبتان، والصلبية ركن، بل لو سجدهما فهو لغو لأنه بعد قطع الصلاة،
كما لو سلم وهو ذاكر لسجدة تلاوية أو سهوية تمت صلاته لخروجه منها بعد تمام الأركان.
وأما قولهم: إن التلاوية كالصلبية في أنها ترفع القعدة والتشهد، فذاك فيما إذا فعلهما قبل
خروجه من الصلاة بسلام أو كلام، بخلاف ما نحن فيه؛ فذكر التلاوية هنا خطأ صريح كما
نبه عليه الرحمتي، فافهم. قوله: (فلا تفسد الخ) تفريع على المختار السابق. قوله: (مطلقاً)
أي سواء كان في القرآن كاغفر لي، أو لا كاغفر لعمي أو لعمرو، لأن المغفرة يستحيل طلبها
(من العباد. ومن يغفر الذنوب إلا الله - وما في الظهيرية من الفساد به اتفاقاً مؤول باتفاق من
اختار قول الفضلي، أو ممنوع بدليل ما في المجتبى، وفي أقربائي وأعمامي اختلاف
المشایخ، وتمامه في البحر والنهر. قوله: (و کذا الرزق) أي لا يفسد إذا قيده بما يستحيل
من العباد كارزقني الحج أو رؤيتك، بخلاف فلانة، وجعل هذا التفصيل في الخلاصة هو
الأصح. وفي النهر: وهذا التخريج ينبغي اعتماده اهـ. قلت: وكذا لو أطلقه لأنه في القرآن
﴿وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرِ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة ١١٤] وجعل في الهداية ارزقني مفسداً لقولهم:
رزق الأمير الجند. قال في الفتح: ورجح عدم الفساد لأن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى
ونسبته إلى الأمير مجاز. قال في شرح المنية: لأن الرزق عند أهل السنة ما يكون غذاء
للحيوان وليس في وسع المخلوق إلا إيصال سببه كالمال، ولذا لو قيده به فقال ارزقني مالاً
تفسد بلا خلاف، وعليه فأكرمني أو أنعم عليّ ينبغي أن يفسد، إذ يقال: أكرم فلان فلاناً
وأنعم عليه، إلا أنه في المحيط ذكر عن الأصل أنه لا يفسد لأن معناه في القرآن ﴿إِذَا مَا
أَبْتَلاهُ فَأَكْرَمَهُ(١) وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر ١٥] وكذا لو قال: فامددني بمال، لا يفسد، وأما قوله:
(١) في ط (قوله إذا ما ابتلاه فأكرمه إلخ) هكذا بخطه، والتلاوة ﴿إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه﴾.

٢٣٩
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
حتى يرى بياض خده؛ ولو عكس سلم عن يمينه فقط، ولو تلقاء وجهه سلم عن يساره
أخرى، ولو نسي اليسار أتى به ما لم يستدبر القبلة في الأصح، وتنقطع به التحريمة
بتسلیمة واحدة. برهان. وقدمر.
وفي التاترخانية: ما شرع في الصلاة مثنى فللواحد حكم المثنى، فيحصل
التحليل بسلام واحد كما يحصل بالمثنى، وتتقيد الركعة بسجدة واحدة كما تتقيد
بسجدتين (مع الإمام) إن أتم التشهد كما مر.
ولا يخرج المؤتم
أصلح أمري، فبالنظر إلى إطلاق الأمر يستحيل طلبه من العباد اهـ. ملخصاً.
تنبيه في البحر عن فتاوى الحجة: لو قال: اللهم العن الظالمين، لا يقطع صلاته،
ولو قال: اللهم العن فلاناً: يعني ظالمه، يقطع الصلاة اهـ: أي لأنه دعاء بمحرم وإن
استحال من العباد فصار كلاماً، أو لأنه غير مستحيل بدليل ﴿فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ
وَالنَّاسِ أَجْعِينَ﴾ [البقرة ١٦١] وأما اللعنة على الظالمين فهي في القرآن، فافهم. قوله:
(حتى يرى بياض خده) أي حتى يراه من يصلي خلفه، أفاده ح. وفي البدائع: يسن أن يبالغ
في تحويل الوجه في التسليمتين، ويسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره
حتى يرى بياض خده الأيسر. قوله: (ولو عكس) بأن سلم عن يساره أولاً عامداً أو ناسياً.
بحر. قوله: (فقط) أي فلا يعيد التسليم عن يساره. قوله: (ما لم يستدبر القبلة) أي أو
يتكلم. بحر. قوله: (في الأصح) مقابله ما في البحر من أنه يأتي به ما لم يخرج من
المسجد: أي وإن استدبر القبلة. وعدل عنه الشارح لما في القنية من أن الصحيح الأول،
وعبر الشارح بالأصح بدل الصحيح، والخطب فيه سهل. قوله: (وقد مر) أي في
الواجبات، حيث قال: وتنقضي قدوة بالأول قبل عليكم على المشهور عندنا خلافاً للتكملة
اهـ: أي فلا يصح الاقتداء به بعدها لانقضاء حكم الصلاة، وهذا في غير الساهي، أما هو إذا
سجد له بعد السلام يعود إلى حرمتها ط. قوله: (مثنى) أي اثنتين وإن لم يتكرر فإنه يطلق
على هذا كثيراً، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْكْجِوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أو يراد التكرار
باعتبار تعدد الصلوات، ثم الذي شرع فيها مثنى مع الموالاة السلام والسجود ط. وأما القيام
والركوع فإنه وإن تكرر في الصلاة إلا أنه مع الفاصل، وليس بمراد هنا. قوله: (وتتقيد
الركعة بسجدة) حتى لو سها في الفرض فقام قبل القعود الأخير يبطل فرضه إذا قيد الركعة
بسجدة. قوله: (إن أتم) أي المؤتم، لأن متابعة الإمام في السلام وإن كانت واجبة فليست
بأولى من تمام الواجب الذي هو فيه ح. وهل إتمام التشهد واجب أو أولى؟ قدمنا الكلام
فيه فيما مر عند قول المصنف ((ولو رفع الإمام رأسه قبل أن يتم المأموم التسبيحات)).
قوله: (ولا يخرج المؤتم) أي عن حرمة الصلاة فعليه أن يسلم؛ حتى لو قهقه قبله انتقض

٢٤٠
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
بنحو سلام الإمام بل بقهقهته وحدثه عمداً لانتفاء حرمتها فلا يسلم؛ ولو أتمه قبل إمامه
فتكلم جاز وكره، فلو عرض مناف تفسد صلاة الإمام فقط (كالتحريمة) مع الإمام.
وقالا: الأفضل فيهما بعده (قائلاً السلام عليكم ورحمة الله)
وضوءه، وهذا عندهما خلافاً لمحمد. قوله: (بنحو سلام الإمام الخ) أي مما هو متمم لها لا
مفسد، فإنه لو سلم بعد القعدة أو تكلم انتهت صلاته ولم تفسد، بخلاف القهقهة أو الحدث
العمد لانتفاء حرمة الصلاة به لأنه مفسد للجزء الملاقي له من صلاة الإمام، فيفسد مقابله
من صلاة المؤتم، لكنه إن كان مدركاً فقد حصل المفسد بعد تمام الأركان فلا يضره
كالإمام، بخلاف اللاحق أو المسبوق. قوله: (عمداً) أما لو كان بلا صنعة فله أن يبني
فيتوضأ ثم يسلم ويتبعه المؤتم. قوله: (فلا يسلم) أي الإمام أو المؤتم به لخروجه منها
اتفاقاً؛ حتى لو قهقه المؤتم لا تنتقض طهارته. قوله: (ولو أتمه الخ) أي لو أتم المؤتم
التشهد، بأن أسرع فيه وفرغ منه قبل إتمام إمامه فأتى بما يخرجه من الصلاة كسلام أو كلام أو
قيام جاز: أي صحت صلاته لحصوله بعد تمام الأركان، لأن الإمام وإن لم يكن أتم التشهد
لكنه قعد قدره، لأن المفروض من القعدة قدر أسرع ما يكون من قراءة التشهد وقد حصل،
وإنما کره للمؤتم ذلك لتر که متابعة الإمام بلا عذر، فلو به کخوف حدث أو خروج وقت
جمعة أو مرور مارّ بين يديه فلا كراهة، كما سيأتي قبيل باب الاستخلاف. قوله: (فلو عرض
مناف) أي بغير صنعه كالمسائل الاثني عشرية، وإلا بأن قهقه أو أحدث عمداً فلا تفسد صلاة
الإمام أيضاً كما مر. قوله: (تفسد صلاة الإمام فقط) أي لا صلاة المأموم، لأنه لما تكلم
خرج عن صلاة الإمام قبل عروض المنافي لها. قوله: (مع الإمام) متعلق بالتحريمة، فإن
المراد بها هنا المصدر: أي كما يحرم مع الإمام، وإنما جعل التحريمة مشبهاً بها، لأن المعية
فيها رواية واحدة عن الإمام، بخلاف السلام فإن فيه روايتين عنه، أصحهما المعية ح.
قوله: (وقالا الأفضل فيهما بعده) أفاده أن خلاف الصاحبين في الأفضلية وهو الصحيح.
نهر. وقيل في الجواز حتى لا يصح الشروع بالمقارنة في إحدى الروايتين عن أبي يوسف
ويكون مسيئاً عند محمد كما في البدائع. وفي القهستاني: وقال السرخسي: إن قوله أدق
وأجود، وقولهما أرفق وأحوط. وفي عون المرزوي: المختار للفتوى في صحة الشروع
قوله وفي الأفضلية قولهما اهـ. وفي التاترخانية عن المنتقى: المقارنة على قوله كمقارنة
حلقة الخاتم والأصبع. والبعدية على قولهما أن يوصل المقتدي همزة الله براء أكبر.
مَطْلَبٌ فِي وَقْتِ إِذْرَاكِ فَضِيلَةِ الانْتِتَاحِ
وتظهر فائدة الخلاف في وقت إدراك فضيلة تكبيرة الافتتاح؛ فعنده بالمقارنة،
وعندهما إذا كبر في وقت الثناء، وقيل بالشروع قبل قراءة ثلاث آيات لو كان المقتدي
حاضراً، وقيل سبع لو غائباً، وقيل بإدراك الركعة الأولى، وهذا أوسع وهو الصحيح اهـ.