النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب الصلاة / باب الأذان يعاد (أذان امرأة ومجنون ومعتوه وسكران وصبيّ لا يعقل) لا إقامتهم لما مر، ويجب استقبالهما لموت مؤذن وغشيه وخرسه وحصره، ولا ملقن وذهابه للوضوء لسبق حدث. خلاصة، لكن عبر في السراج بيندب، وجزم المصنف بعدم صحة أذان مجنون ومعتوه وصبيّ لا يعقل. قلت: وكافر وفاسق لعدم قبول قوله في الديانات. زاد القهستاني: والفاجر والراكب والقاعد والماشي والمنحرف عن القبلة. وعلل الوجوب في الكل بأنه غير معتدّ به، والندب بأنه معتدّ به إلا أنه ناقص، قال وهو الأصح كما في التمرتاشي. قوله: (لما مر) أي من قوله «لمشروعية تكراره)). قوله: (لموت مؤذن) لم يقل ومقيم، لأن المؤذن هو المقيم شرعاً كما يأتي، فافهم قوله: (وغشيه) بضم الغين وسكون الشين المعجمتين: تعطل القوى المحركة والحاسة لضعف القلب من الجوع وغيره كما قدمناه في الوضوء عن القهستاني ح. قوله: (وحصره) مصدر من باب فرح: العيّ في المنطق ح عن القاموس. قوله: (ولا ملقن) الواو للحال ح. قوله: (وذهابه للوضوء) لكن الأولى أن يتممهما ثم يتوضأ، لأن ابتداءهما مع الحدث جائز فالبناء أولى. بدائع. قوله: (خلاصة) ونحوه في الخانية. قال في الفتح: فإن حمل الوجوب على ظاهره احتيج إلى الفرق بین نفس الأذان فإنه سنة استقباله بعد الشروع فيه. وقد يقال فيه: إذا شرع فيه ثم قطع تبادر إلى ظن السامعين أن قطعه للخطأ فينتظرون الأذان الحق وقد تفوت بذلك الصلاة، إلا أن هذا يقتضي وجوب الإعادة فيمن مرّ أنه يعاد أذانهم إلا الجنب: أي لعدم الاعتماد على قولهم، ولو قال قائل فيهم: إن علم الناس حالهم وجبت وإلا !ستحبت ليقع فعل الأذان معتبراً وعلى وجه السنة لم يبعد، وعكسه في الخمسة المذكورة في الخلاصة اهـ. أقول: يظهر لي أن المراد بالوجوب اللزوم في تحصيل سنة الأذان، وأن المراد أنه إذا عرض للمؤذن ما يمنعه عن الإتمام وأراد آخر أن يؤذن يلزمه استقبال الأذان من أوله إن أراد إقامة سنة الأذان، فلو بنى على ما مضى من أذان الأول لم يصح، فلذا قال في الخانية: لو عجز عن الإتمام استقبل غيره اهـ: أي لئلا يكون آتياً ببعض الأذان. قوله: (وجزم المصنف إلخ) أي حيث قال فيما مر ((قيدنا بالمراهق)) لأن أذان الصبيّ الذي لا يعقل غير صحيح کالمجنون والمعتوه اهفافهم، وهذا ذکره في البحر بحثاً فترجح عند المصنف فجزم به، ويؤيده ما في شرح المنية من أنه يجب إعادة أذان السكران والمجنون والصبيّ غير العاقل، لعدم حصول المقصود، لعدم الاعتماد على قولهم اهـ. قوله: (قلت وكافر وفاسق) ذكر الفاسق هنا غير مناسب؛ لأن صاحب البحر جعل العقل والإسلام شرط صحة، والعدالة والذكورة والطهارة شرط كمال. وقال: فأذان الفاسق والمرأة والجنب صحيح، ثم قال: وينبغي أن لا يصح أذان الفاسق بالنسبة إلى قبول خبره والاعتماد عليه: أي لأنه لا يقبل قوله ٦٢ كتاب الصلاة / باب الأذان في الأمور الدينية فلم يوجد الإعلام كما ذكره الزيلعي. وحاصله أنه يصح أذان الفاسق وإن لم يحصل به الإعلام: أي الاعتماد على قبول قوله في دخول الوقت، بخلاف الكافر وغير العاقل فلا يصح أصلاً، فتسوية الشارح بين الكافر والفاسق غير مناسبة. ثم اعلم أنه ذكر في الحاوي القدسي من سنن الـ رذن: كونه رجلاً عاقلاً، صالحاً، عالماً بالسنن والأوقات، مواظباً عليه، محتسباً، ثقة متطهراً مستقبلاً، وذكر نحوه في الإمداد؛ ومقتضاه أن العقل غير شرط لصحة الأذان فيصح أذان غير العاقل كالمجنون والمعتوه والسكران، كما يصح أذان الفاسق والمرأة والجنب، ويدل عليه ما في البدائع من أنه يكره أذان المجنون والسكران، وأن الأحب إعادته في ظاهر الرواية، وأنه يكره أذان المرأة والصبيّ العاقل، ويجزي حتى لا يعاد لحصول المقصود وهو الإعلام. وروي عن الإمام أنه تستحب إعادة أذان المرأة اهـ. وعلى هذه الرواية مشى الزيلعي. وذكر في البدائع أيضاً أن أذان الصبيّ الذي لا يعقل لا يجزي ويعاد، لأن ما يصدر لا عن عقل لا يعتدّ به كصوت الطيور اهـ. فحصلت المنافاة بين ما جزم به المصنف تبعاً للبحر، وكذا ما قدمناه عن شرح المنية من عدم صحة أذان غير العاقل كالمجنون والمعتوه والسكران، وبين ما في الحاوي والبدائع من صحة أذان الكل سوى صبيّ لا يعقل. والذي يظهر لي في التوفيق: هو أن المقصود الأصلي من الأذان في الشرع الإعلام بدخول أوقات الصلاة ثم صار من شعار الإسلام في كل بلدة أو ناحية من البلاد الواسعة على ما مر، فمن حيث الإعلام بدخول الوقت وقبول قوله لا بد من الإسلام والعقل والبلوغ والعدالة؛ وقدمنا قبل هذا الباب عن [معين الحكام] ما نصه: المؤذن يكفي إخباره بدخول الوقت إذا كان بالغاً عاقلاً عالماً بالأوقات مسلماً ذكراً ويعتمد على قوله اهـ. والظاهر أن قوله ذكراً غير قيد لقبول خبر المرأة. فحينئذ يقال: إذا اتصف المؤذن بهذه الصفات يصح أذانه، وإلا فلا يصح من حيث الاعتماد عليه في دخول الوقت، وقدمنا أيضاً قبل هذا الباب أنه في الفاسق والمستور يحكم رأيه في صدقه وكذبه ويعمل به، بخلاف الكافر والصبيّ والمعتوه فإنه لا يقبل أصلاً. وأما من حيث إقامة الشعار النافية للإثم عن أهل البلدة فيصح أذان الكل سوى الصبي الذي لا يعقل، لأن من سمعه لا يعلم أنه مؤذن بل يظنه يلعب، بخلاف الصبيّ العاقل لأنه قريب من الرجال، ولذا عبر عنه الشارح بالمراهق، وكذا المرأة فإن بعض الرجال قد يشبه صوته صوت المراهق والمرأة، فإذا أذن المراهق أو المرأة وسمعه السامع يعتدّ به. وكذا المجنون أو المعتوه أو السكران فإنه رجل من الرجال، فإذا أذن على الكيفية المشروعة قامت به الشعيرة، لأنه إذا سمعه غير العالم بحاله يعده مؤذناً، وكذا الكافر فباعتبار هذه الحيثية صارت الشروط المذكورة كلها شروط كمال، لأن المؤذن ٦٣ كتاب الصلاة / باب الأذان (وكره تركهما) معاً (لمسافر) ولو منفرداً (وكذا تركها) لا تركه لحضور الرفقة (بخلاف مصلّ) ولو بجماعة (في بيته بمصر) أو قرية لها مسجد؛ فلا يكره تركهما إذا أذان الحي یکفیه (أو) مصل (في مسجد بعد صلاة جماعة فيه) بل يكره فعلهما الكامل هو الذي تقام بأذانه الشعيرة ويحصل به الإعلام، فيعاد أذان الكل ندباً على الأصح كما قدمناه عن القهستاني. ثم الظاهر أن الإعادة إنما هي في المؤذن الراتب، أما لو حضر جماعة عالمون بدخول الوقت وأذن لهم فاسق أو صبيّ يعقل لا يكره ولا يعاد أصلاً لحصول المقصود. تأمل. تنبيه: يؤخذ مما قدمناه من أنه لا يحصل الإعلام من غير العدل ولا يقبل قوله. أنه لا يجوز الاعتماد على المبلغ الفاسق خلف الإمام كما نبه عليه بعض الشافعية، فتنبه لهذه الدقيقة، والله أعلم. قوله: (لمسافر) أي سفراً لغوياً أو شرعياً كما في أبي السعود ط. قوله: (ولو منفرداً) لأنه إن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه. رواه عبد الرزاق. وبهذا ونحوه عرف أن المقصود من الأذان لم ينحصر في الإعلام، بل كل منه ومن الإعلان بهذا الذكر نشراً لذكر الله ودينه في أرضه، وتذكيراً لعباده من الجن والإنس الذين لا يرى شخصھم في الفلوات. فتح. وفي تعبير الشارح بالمنفرد إشارة إلى أنه لا يعطى له حكم الإمام من كل وجه، ولذا قال في التاتر خانية عن الفتاوى والعتابية: ولو أذن وأقام في الصحراء وهو منفرد فحكمه حكم المنفرد في أنه يجمع بين التسميع والتحميد، وكذا في الجهر والمخافتة اهـ. قوله: (لا تركه) الظاهر أن المراد نفي الكراهة الموجبة للإساءة، وإلا فقد صرح في الكنز بعد ذلك بندبه للمسافر وللمصلي في بيته في المصر. قال في البحر: ليكون الأداء على هيئة الجماعة اهـ. ولما علمت من أنه ليس المقصود منه الإعلام فقط قوله: (لحضور الرفقة) أي إن كان ثم جماعة، وإلا فالأمر أظهر. قوله: (ولو بجماعة) وعن أبي حنيفة: لو اكتفوا بأذان الناس أجزأهم وقد أساؤوا، ففرّق بين الواحد والجماعة في هذه الرواية. بحر. قوله: (في بيته) أي فيما يتعلق بالبلد من الدار والكرم وغيرهما. قهستاني. وفي التفاريق: وإن كان في كرم أو ضيعة يكتفي بأذان القرية أو البلدة إن كان قريباً وإلا فلا. وحدّ القرب أن يبلغ الأذان إليه منها اهـ إسماعيل. والظاهر أنه لا يشترط سماعه بالفعل. تأمل قوله: (لها مسجد) أي فيه أذان وإقامة، وإلا فحكمه کالمسافر. صدر الشريعة. قوله: (إذ أذان الحي يكفيه) لأن أذان المحلة وإقامتها كأذانه وإقامته، لأن المؤذن نائب أهل المصر كلهم كما يشير إليه ابن مسعود حين صلى بعلقمة والأسود بغير أذان ولا إقامة، حيث قال: أذان الحيّ يكفينا، وممن رواه سبط ابن الجوزي. فتح: أي فيكون قد صلى بهما حكماً، بخلاف المسافر فإنه صلى بدونهما حقيقة وحكماً لأن المكان الذي هو فيه لم يؤذن فيه أصلاً لتلك الصلاة. كافي. وظاهره أنه يكفيه أذان الحيّ وإقامته ٦٤ كتاب الصلاة / باب الأذان وتكرار الجماعة إلا في مسجد على طريق فلا بأس بذلك، جوهرة (أقام غير من أذن بغييته) أي المؤذن (لا يكره مطلقاً) وإن بحضوره کره إن لحقه وحشة، کما کره مشيه في وإن كانت صلاته في آخر الوقت. تأمل. وقد علمت تصريح الكنز بندبه للمسافر وللمصلي في بيته في المصر، فالمقصود من كفاية أذان الحي نفي الكراهة المؤثمة. قال في البحر: ومفهومه أنه لو لم يؤذنوا في الحي یکره ترکهما للمصلي في بيته، وبه صرح في المجتبى، وأنه لو أذن بعض المسافرين سقط عن الباقين كما لا يخفى قوله: (وتكرار الجماعة) لما روى عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه ((أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لِيُصْلِحَ بَيْنْ الأَنْصَارِ فَرَجَعَ وَقَدْ صَلَّى فِي المَسْجِدِ بِجَمَاعَةٍ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِلِ بَعْضٍ أَهْلِهِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ جَاعَةً)) ولو لم يكره تكرار الجماعة في المسجد لصلى فيه. وروي عن أنس (أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إِذَا فَاتَتْهُمُ الجَمَاعَةُ فِي المَسْجِدِ صَلَّوا فِي المَسْجِدِ فُرَادَى)) ولأن التكرار يؤدي إلى تقليل الجماعة، لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يتعجلون فتكثر، وإلا تأخروا اهـ بدائع. وحينئذ فلو دخل جماعة المسجد بعدما صلى أهله فيه فإنهم يصلون وحداناً، وهو ظاهر الرواية. ظهيرية. وفي آخر شرح المنية: وعن أبي حنيفة لو كانت الجماعة أكثر من ثلاثة يكره التكرار، وإلا فلا. وعن أبي يوسف: إذا لم تكن على الهيئة الأولى لا تكره، وإلا تكره وهو الصحيح، وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة، كذا في البزازية اهـ. وفي التاترخانية عن الولوالجية: وبه نأخذ، وسيأتي في باب الإمامة إن شاء الله تعالى لهذه المسألة زيادة كلام. قوله: (إلا في مسجد على طريق) هو ما ليس له إمام ومؤذن راتب فلا يكره التكرار فيه بأذان وإقامة، بل هو الأفضل. خانية. قوله: (فلا بأس بذلك) الأولى حذفه لما علمت أنه الأفضل، فافهم. قوله: (جوهرة) لم أره فيها وإنما ذكره في السراج. قوله: (مطلقاً) أي لحقه وحشة أو لا قوله: (كره إن لحقه وحشة) أي بأن لم يرض به، وهذا اختيار خواهر زاده، ومشى عليه في الدرر والخانية، لكن في الخلاصة: إن لم يرض به يكره، وجواب الرواية أنه لا بأس به مطلقاً اهـ. قلت: وبه صرح الإمام الطحاوي في مجمع الآثار معزياً إلى أئمتنا الثلاثة. وقال في البحر: ويدل عليه إطلاق قول المجمع: ولا نكرهها من غيره، فما في شرحه لابن ملك من أنه لو حضر ولم یرض یکره اتفاقاً فیه نظر اهـ. وکذا يدل عليه إطلاق الكافي معللاً بأن کل واحد ذكر، فلا بأس بأن يأتي بكل واحد رجل آخر، ولكن الأفضل أن يكون المؤذن هو المقيم اهـ: أي لحديث ((مَنْ أَذِّنَ فَهُوَ يُقِيمُ))(١) وتمامه في حاشية نوح. قوله: (كما كره الخ) ذكره في روضة الناطفي. (١) أخرجه أحمد ١٦٩/٤ في مسند زياد الصدائي وأبو داود ٣٥٢/١ (٥١٤) والترمذي ٣٨٣/١ (١٩٩) وابن ماجه ١/ ٢٣٧ (٧١٧) والبيهقي في السنن الکبری ١/ ٣٩٩. ٦٥ كتاب الصلاة / باب الأذان إقامته (ويجيب) وجوباً، وقال الحلواني ندباً، والواجب الإجابة بالقدم (من سمع الأذان) ولو جنباً لا حائضاً ونفساء واختلفوا عند إتمامها: أي عند: قد قامت الصلاة؛ فقيل يتمها ماشياً، وقيل في مكانه إماماً كان المؤذن أو غيره، وهو الأصح كما في البدائع. وقصر في السراج الخلاف على ما إذا كان إماماً، فلو غيره يتمها في موضع البداءة بلا خلاف. نهر. قوله: (وقال الحلواني ندباً الخ) أي قال الحلواني: إن الإجابة باللسان مندوبة والواجبة هي الإجابة بالقدم. قال في النهر: وقوله بوجوب الإجابة بالقدم مشكل، لأنه يلزم عليه وجوب الأداء في أول الوقت وفي المسجد، إذ لا معنى لإيجاب الذهاب دون الصلاة. وما في شهادات المجتبى: سمع الأذان وانتظر الإقامة في بيته لا تقبل شهادته مخرج على قوله کما لا يخفى، وقد سألت شيخنا الأخ(١) عن هذا فلم ييد جواباً اهـ. مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةٍ تَكْرَارِ الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ أقول وبالله التوفيق: ما قاله الإمام الحلواني مبني على ما كان في زمن السلف من صلاة الجماعة مرة واحدة وعدم تكرارها کما هو في زمنه ®# وزمن الخلفاء بعده، وقد علمت أن تكرارها مكروه في ظاهر الرواية إلا في رواية عن الإمام ورواية عن أبي يوسف كما قدمناه قريباً، وسيأتي أن الراجح عند أهل المذهب وجوب الجماعة وأنه يأثم بتفويتها اتفاقاً. وحينئذ يجب السعي بالقدم لا لأجل الأداء في أول الوقت أو في المسجد، بل لأجل إقامة الجماعة، وإلا لزم فوتها أصلاً أو تكرارها في مسجد إن وجد جماعة أخرى، وكل منهما مكروه فلذا قال بوجوب الإجابة بالقدم. لا یقال: یمکنه أن يجمع بأهله في بيته: فلا يلزم شيء من المحذورین. لأنا نقول: إن مذهب الإمام الحلواني أنه بذلك لا ينال ثواب الجماعة وأنه يكون بدعة ومكروهاً بلا عذر؛ نعم قد علمت أن الصحيح أنه لا يكره تكرار الجماعة إذا لم تكن على الهيئة الأولى، وسيأتي في الإمامة أن الأصح أنه لو جمع بأهله لا يكره وينال فضيلة الجماعة لكن جماعة المسجد أفضل، فاغتنم هذا التحرير الفريد، ويأتي له قريباً بعض مزيد. قوله: (من سمع الأذان) يفهم منه أنه لو لم يسمع لصمم أو لبعد أنه لا يجيب، وهو ظاهر الحديث الآتي ((إذا سَمِعْتُمُ الأَذَانَ)) حيث علق على السماع، وقد صرح بعض الشافعية بأنه الظاهر، وبأنه يجيب في جميعه إذا لم يسمع إلا بعضه. قوله: (ولو جنباً) لأن إجابة المؤذن لیست بأذان. بحر عن الخلاصة. قوله: (لا حائضاً ونفساء) لأنهما ليسا من أهل الإجابة بالفعل فكذا بالقول. (١) في ط (قوله شيخنا الأخ) المراد بشيخه أخوه الشيخ زين بن نجيم صاحب البحر. ٦٦ كتاب الصلاة / باب الأذان وسامع خطبة وفي صلاة جنازة وجماع، ومستراح وأكل وتعليم علم وتعلمه، بخلاف قرآن (بأن بقول) بلسانه (کمقالته) إن سمع المسنون منه، وهو ما کان عربیاً لا لحن فیه، ولو تكرر أجاب الأول (إلا في الحبعلتين) إمداد: أي بخلاف الجنب فإنه مخاطب بالصلاة، ولأن حدثه أخف من الحيض والنفاس لإمكان إزالته سريعاً. قوله: (وسامع خطبة) أيّ خطبة كانت ط، وهذا وما بعده معطوف على قوله ((حائضاً)). قوله: (وفي صلاة جنازة) سقط من بعض النسخ لفظ ((صلاة)) موافقاً لما في البحر عن المجتبى، وعبارة الإمداد: وصلاة ولو جنازة. قوله: (ومستراح) أي بيت الخلاء. قوله: (وتعليم علم) أي شرعي فيما يظهر، ولذا عبر في الجوهرة بقراءة الفقه. قوله: (بخلاف قرآن) لأنه لا يفوت. جوهرة. ولعله لأن تكرار القراءة إنما هو للأجر فلا يفوت بالإجابة، بخلاف التعلم؛ فعلى هذا لو يقرأ تعليماً أو تعلماً لا يقطع. سائحاني. تنبيه: هل يجيب بعد الفراغ من هذه المذكورات أم لا؟ ينبغي أنه إن لم يطل الفصل فنعم، وإن طال فلا، أخذاً مما يأتي، لكن صرح في الفيض بأنه لو سلم على المؤذن أو المصلي أو القارئ أو الخطيب فعن أبي حنيفة لا يلزمه الرد بعد الفراغ، بل يرد في نفسه. وعن محمد: يرد بعده. وعن أبي يوسف: لا يرد مطلقاً، هو الصحيح. وأجمعوا أن المتغوّط لا يلزمه مطلقاً اهـ تأمل. قوله: (كمقالته) أي مثلها في القول لا في الصفة من رفع صوت ونحوه. قوله: (إن سمع المسنون منه) الظاهر أن المراد ما كان مسنوناً جمیعه، فـ ((من)) لبيان الجنس لا للتبعيض، فلو كان بعض كلماته غير عربيّ أو ملحوناً لا تجب عليه الإجابة في الباقي، لأنه حينئذ لیس آذاناً مسنوناً، کما لو کان کله کذلك، أو کان قبل الوقت، أو من جنب أو امرأة. ويحتمل أن المراد ما کان مسنوناً من أفراد كلماته، فیجیب المسنون منها دون غيره، وهو بعيد. تأمل. لأنه يستلزم استماعه والإصغاء إليه. وقد ذكر في البحر أنهم صرحوا بأنه لا يحل سماع المؤذن إذا لحن كالقارئ، وقدمنا أنه لا يصح بالفارسية وإن علم أنه أذان في الأصح. بقي هل يجيب أذان غير الصلاة كالأذان للمولود؟ لم أره لأئمتنا، والظاهر نعم، ولذا يلتفت في حيعليه كما مر، وهو ظاهر الحديث، إلا أن يقال: إن ((أل)) فيه للعهد: وهل يجيب الترجيع إذا سمعه من شافعي بناء على اعتقاده أنه سنة؟ محل تردد كما تردد بعض الشافعية فيمن سمع الإقامة من حنفيّ يثنيها، واستوجه بعضهم أنه لا يجيب في الزيادة كما لو زاد في الأذان تكبيراً، لكن قياسه على الزيادة فيه نظر، لأنه لا قائل بها، بخلاف ما نحن فيه فإنه مجتهد فيه. تأمل. قوله: (ولو تكرر) أي بأن أذن واحد بعد واحد، أما لو سمعهم في آن واحد من جهات فسيأتي. قوله: (أجاب الأول) سواء كان مؤذن مسجده أو غيره. بحر عن ٦٧ كتاب الصلاة / باب الأذان فيحوقل (وفي: الصلاة خير من النوم) فيقول: صدقت وبررت. ويندب القيام عند سماع الأذان. بزازية. ولم يذكر هل يستمر إلى فراغه أو يجلس ولو لم يجبه حتى فرغ لم أره. وينبغي تداركه إن قصر الفصل، ويدعو عند فراغه بالوسيلة لرسول الله القوي الفتح بحثاً .. ويفيده ما في البحر أيضاً عن التفاريق: إذا كان في المسجد أكثر من مؤذن أذنوا واحداً بعد واحد، فالحرمة للأول اهـ. لكنه يحتمل أن يكون مبنياً على أن الإجابة بالقدم، أو على أن تكراره في مسجد واحد يوجب أن يكون الثاني غير مسنون، بخلاف ما إذا كان من محلات مختلفة. تأمل. ويظهر لي إجابة الكل بالقول لتعدد السبب وهو السماع كما اعتمده بعض الشافعية. قوله: (فيحوقل) أي يقول ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) وزاد في عمدة المفتي ((ما شاء الله كان)) وخير بينهما في الكافي. وفصل في المحيط بأن يأتي بالحوقلة مكان الصلاة، وبالمشيئة مكان الفلاح. إسماعيل. والمختار الأول نوح أفندي. ثم إن الإتيان بالحوقلة وإن خالف ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام ((فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» لکنه ورد فيه حديث مفسر لذلك رواه مسلم، واختار في الفتح الجمع بينهما عملاً بالأحاديث، قال: فإنه ورد في بعضها صريحاً ((إِذَا قَال حَيّ عَلَى الصَّلاَةِ قَالَ حَيّ عَلَى الصَّلاةِ إلخ)) وقولهم إنه يشبه الاستهزاء لا يتم، إذ لا مانع من اعتباره مجيباً بهما داعياً نفسه مخاطباً لها، وقد رأينا من مشايخ السلوك من كان يجمع بينهما فيدعو نفسه ثم يتبرأ من الحول والقوة ليعمل بالحديثين، وقد أطال في ذلك وأقره في البحر والنهر وغيرهما. قلت: وهو مذهب سلطان العارفين سيدي محيي الدين، نص عليه في الفتوحات المكية. قوله: (فيقول صدقت وبررت) بكسر الراء الأولى وحكي فتحها أي صرت ذا بر: أي خير كثير، قيل يقوله للمناسبة، ولورود خبر فيه. وردّ بأنه غير معروف. وأجيب بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. ونقل الشيخ إسماعيل عن شرح الطحاوي زيادة ((وبالحق نطقت)). قوله: (بزازية) كذا نقله في النهر ولم أره فيها. فلتراجع نسخة أخرى؛ نعم رأيت فيها سمع وهو يمشي، فالأفضل أن يقف للإجابة ليكون في مكان واحد اهـ. قوله: (ولم يذكر الخ) هو لصاحب النهر. قلت: ويحتمل أن يراد بالقيام الإجابة بالقدم. وقد أخرج السيوطي عن أبي نعيم في الحلية بسند فيه مقال ((إذا سمعتم النداء فقوموا فإنها عزمة من الله)) قال شارحه المناوي: أي اسعوا إلى الصلاة، أو المراد بالنداء الإقامة. والعزمة بالفتح: الأمر. قوله: (لم أره الخ) البحث لصاحب البحر، وصرح به ابن حجر في شرح المنهاج، حیث قال: فلو سكت حتى فرغ كل الأذان ثم أجاب قبل فاصل طويل كفى في أصل سنة الإجابة كما هو ظاهر اهـ. واستفید من هذا أن المجیب لا يسبق المؤذن بل یعقب کل جملة منه بجملة منه. قال في الفتح: وفي حديث عمر بن أبي أمامة التنصيص على ذلك اهـ. ٦٨ كتاب الصلاة / باب الأذان (ولو كان في المسجد حين سمعه ليس عليه الإجابة، ولو كان خارجه أجاب) بالمشي إليه (بالقدم، ولو أجاب باللسان لا به لا يكون مجيئاً) وهذا (بناء على أن الإجابة المطلوبة بقدمه لا بلسانه) كما هو قول الحلواني، وعليه (فيقطع قراءة القرآن لو) كان يقرأ قلت: وظاهره أنه لا تكفي المقارنة، لأن الجواب يعقب الكلام، بخلاف متابعة المقتدي للإمام الخ. قوله: (ويدعو إلخ) أي بعد أن يصلي على النبي *، لما رواه مسلم وغيره ((إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّه مَنْ صَلَّىٍ عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ بِهِا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تُبْتَغَى إِلَّ لِعَبْدِ مُؤْمِنٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشِفَاعَةُ)). وروى البخاري وغيره(١) ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النَّدَاءِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَأَبَعَنْهُ مَقَآَماً محمُودَا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ))(٢) وزاد البيهقي في آخره ((إِنَّكَ لَا تخْلِفُ المِيعَادَ) وتمامه في الإمداد والفتح. قال ابن حجر في شرح المنهاج: وزيادة: والدرجة الرفيعة، وختمه: بيا أرحم الراحمين، لا أصل لهما اهـ. تتمة: يستحب أن يقال عند سماع الأولى من الشهادة: صلى الله عليك يا رسول الله، وعند الثانية منها: قرّت عيني بك يا رسول الله، ثم يقول: اللهم متعني بالسمع والبصر بعد وضع ظفري الإبهامين على العينين فإنه عليه السلام يكون قائداً له إلى الجنة، كذا في كنز العباد اهـ قهستاني: ونحوه في الفتاوى الصوفية. وفي كتاب الفردوس ((من قبل ظفري إبهامه عند سماع أشهد أن محمداً رسول الله في الأذان أنا قائده ومدخله في صفوف الجنة). وتمامه في حواشي البحر للرملي عن المقاصد الحسنة للسخاوي، وذکر ذلك الجراحي وأطال، ثم قال: ولم يصح في المرفوع من كل هذا شيء. ونقل بعضهم أن القهستاني كتب على هامش نسخته أن هذا مختص بالأذان، وأما في الإقامة فلم يوجد بعد الاستقصاء التام والتتبع. قوله: (ولو كان في المسجد الخ) هو مقابل قوله ((بأن يقول كمقالته)) ط. قوله: (أجاب بالمشي إليه) أي لئلا تفوته الجماعة فيأثم كما قررناه آنفاً. فافهم قوله: (وهذا) راجع إلى قوله ((ولو كان في المسجد الخ))ح. قوله: (المطلوبة) أي طلب إيجاب كما قدمه. قوله: (لا بلسانه) أي لأن الإجابة به مندوبة على هذا القول كما مر. قوله: (فيقطع قراءة القرآن) الظاهر أن المراد المسارعة للإجابة وعدم القعود لأجل القراءة لإخلال القعود بالسعي الواجب، وإلا فلا مانع من القراءة ماشياً، إلا أن يراد يقطعها ندباً للإجابة (١) أخرجه البخاري ٢/ ٧٧ (٦٠٣) ومسلم ٢٨٦/١ (٣٧٨/٣). (١) البخاري ٢/ ٨٧ (٦٠٩). ٦٩ كتاب الصلاة / باب الأذان (بمنزله، ويجيب) لو أذان مسجده كما يأتي (ولو بمسجد لا) لأنه أجاب بالحضور، وهذا متفرع على قول الحلواني، وأما عندنا فيقطع ويجيب بلسانه مطلقاً، والظاهر وجوبها باللسان لظاهر الأمر في حديث ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)) كما باللسان أيضاً، لكن لا يناسبه التفريع ولا قوله ((ولو بمسجد لا)) لما علمت من أن الحلواني قائل بندبها باللسان، فافهم قوله: (ويجيب) أي بالقدم. قوله: (ولو أذان مسجده كما يأتي) أي عن التاترخانية، وهذا ساقط من بعض النسخ. قوله: (ولو بمسجد لا) أي لا يجيب قطعها بالمعنى الذي ذكرناه آنفاً، فلا ينافي ما قدمه من أن إجابة اللسان مندوبة عند الحلواني، فافهم. قوله: (وهذا متفرّع على قول الحلواني) تكرار محض مع قوله ((وعليه فيقطع الخ)، ط. قوله: (والظاهر وجوبها باللسان الخ) كذا قاله في فتح القدير معللًا بأنه لم تظهر قرينة تصرف الأمر عن الوجوب. ونازعه في شرح المنية بما في آخر الحديث، من قوله عليه الصلاة والسلام «ثم صلوا عليّ فإن من صلى عليّ الخ)) لأن مثله من الترغيبات في الثواب يستعمل في المستحب غالباً اهـ. أقول: فيه نظر، لأن ما ذكر إنما هو للصلاة وسؤال الوسيلة لإجابة المدعي وجوبها، والقرآن في النظم لا يوجد القرآن في الحكم كما تقرر في الأصول، نعم أخرج الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه [شرح الآثار] بسنده إلى عبد الله رضي الله عنه قال ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ فَسَمِعَ مُنَادِياً وَهوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبُرُ اللَّهُ أَكْبُرُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: عَلَى الْفِطْرَةِ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: خَرَجَ مِنَ النَّار)) فابتدرناه فإذا صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها، قال أبو جعفر: فهذا رسول الله ﴿ قال غير ما قال المنادي، فدل أن الأمر للاستحباب والندب کأمره بالدعاء في أدبار الصلوات ونحوه اهـ. فهذه قرينة صارفة للأمر عن الوجوب، وبه تأيد ما صرح به جماعة من أصحابنا، من عدم وجوب الإجابة باللسان وأنها مسحبة. وهذا ظاهر في ترجيح قول الحلواني، وعليه مشى في الخانية والفيض، ويدل عليه قوله وَّه ((إِذا سَمِعْتَ النّدَاءَ فَأَجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ)) وفي رواية ((فأجب وعليك السكينة)) ويكفي في ترجيحه الأدلة على وجوب الجماعة، فإنك علمت أن قول الحلواني مبني على أن الإجابة لقصد الجماعة. والذي ينبغي تحريره في هذا المحل أن الإجابة باللسان مستحبة، وأن الإجابة بالقدم واجبة إن لزم من تركها تفويت الجماعة، وإلا بأن أمكنه إقامتها بجماعة ثانية في المسجد أو بيته لا تجب، بل تستحب مراعاة لأول الوقت والجماعة الكثيرة في المسجد بلا تكرار، هذا ما ظهر لي. قوله: (بأنه) متعلق بقوّاه، ولو قال: وفرع عليه في النهر بأنه على الأول الخ لكان أولی ط. أقول: نعم قواه في النهر بما أورده على قول الحلواني من الإشكال بلزوم الأداء في 6 رد الممتزج وجه ى 1 ٧٠ كتاب الصلاة / باب الأذان بسط في البحر، وأقره المصنف، وقوّاه في النهر ناقلاً عن المحيط وغيره؛ بأنه على الأول لا يردّ السلام ولا يسلم ولا يقرأ بل يقطعها ويجيب، ولا يشتغل بغير الإجابة. قال: وينبغي أن لا يجيب بلسانه اتفاقاً في الأذان بين يدي الخطيب؛ وأن يجيب بقدمه اتفاقاً في الأذان الأول يوم الجمعة لوجوب السعي بالنص. وفي التاتر خانية إنما يجيب أول الوقت وفي المسجد، وقد علمت اندفاعه. قوله: (على الأول) أي القول بوجوب الإجابة باللسان. قوله: (لا يرد السلام) لم أره في النهر، وإنما رأيته في البحر. وقال في المعراج: وفي التحفة: وينبغي للسامع أن لا يتكلم ولا يشتغل بشيء في حالة الأذان والإقامة ولا يرد السلام أيضاً، لأن الكل يخل بالنظم اهـ. أقول: يظهر من هذا أن قوله ((لا يرد السلام)) ليس للوجوب، وأنه يتفرع على القولين، وإلا لزم وجوب ذلك في الإقامة مع أن أصل إجابة الإقامة مستحبة كما يأتي فضلاً عن وجوب ما ذكر فيها، لأنه لا ينافي الإجابة، فإنه يمكن أن يجيب ثم يرد السلام، أو يسلم مثلاً عند سكتات المؤذن، لكنه لا ينبغي لأنه يخل بالنظم، لأن المشروع إجابة لا حشو فيها، ولعله، إنما لم يجب ردّ السلام وإن قلنا إنه لا ينافي الإجابة أو قلنا بعدم وجوبها، لأن السلام عليه في هذه الحالة غير مشروع كالسلام على القارئ والمؤذن، فلذا لم يجب رده كما قدمناه. قوله: (قال) أي في النهر. قوله: (إنما يجيب أذان مسجده) أي بالقدم، وهو متفرع على قول الحلواني كما أشار إليه الشارح سابقاً بقوله ((كما يأتي) ط. قوله: (قال إجابة أذان مسجده بالفعل) قال في الفتح: وهذا ليس مما نحن فيه، إذ مقصود السائل، أي مؤذن یجیب باللسان استحباباً أو وجوباً، والذي ينبغي إجابة الأول سواء كان مؤذن مسجده أو غیره، فإن سمعهم معاً أجاب معتبراً کون إجابته لمؤذن مسجده، ولو لم یعتبر ذلك جاز، وإنما فيه مخالفة الأولى اهـ ملخصاً. أقول: والظاهر أن عدول الإمام ظهير الدين إلى ما قال من باب أسلوب الحكيم ميلاً منه إلى مذهب الحلواني، ثم رأيت الرحمتي أجاب بذلك. قوله: (إجماعاً) قيد لقوله ((ندباً) أي إن القائلين بإجابتها أجمعوا على الندب ولم يقل أحد منهم بالوجوب كما قيل في الأذان، فلا ينافي قوله ((وقيل لا)) فافهم. قوله (ويقول الخ) أي كما رواه أبو داود بزيادة ((مادامت السموات والأرض وجعلني من صالحي أهلها)). قوله: (وبه جزم الشمني) حيث قال: ومن سمع الإقامة لا يجيب، ولا بأس أن يشتغل بالدعاء اهـ. ويمكن حمله على نفي الوجوب بدليل قول الخلاصة: ليس عليه جواب الإقامة أو المراد إذا سمع قد قامت الصلاة لا يجيب بلفظها، أفاده الشيخ إسماعيل. قوله: (وينبغي) البحث لصاحب النهر. أقول: قال في آخر شرح المنية: أقام المؤذن ولم يصل الإمام ركعتي الفجر يصليهما ولا تعاد الإقامة، لأن تكرارها غیر مشروع إذا لم يقطعها قاطع من کلام کثیر أو عمل کثیر مما ٧١ كتاب الصلاة / باب الأذان أذان مسجده. وسئل ظهير الدين عمن سمعه في آن من جهات ماذا يجب عليه؟ قال: إجابة أذان مسجده بالفعل (ويجيب الإقامة) ندباً إجماعاً (كالأذان) ويقول عند: قد قامت الصلاة: أقامها الله وأدامها (وقيل لا) يجيبها، وبه جزم الشمني. (فروع) صلى السنة بعد الإقامة أو حضر الإمام بعدها لا يعيدها. بزازية. وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما یعد قاطعاً کأكل أن تعاد. دخل المسجد والمؤذن يقيم قعد إلى قيام الإمام في مصلاه. رئيس المحلة لا ينتظر ما لم يكن شريراً والوقت متسع. یکره له أن يؤذن في مسجدین. به ولاية الأذان والإقامة لباني المسجد مطلقاً، وكذا الإمامة لو عدلاً. الأفضل كون الإمام هو المؤذن. وفي الضياء ((أنه عليه الصلاة والسلام أذّن في. سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر)) وقد حققناه في الخزائن. يقطع المجلس في سجدة التلاوة اهـ. قوله: (قعد) ويكره له الانتظار قائماً، ولكن يقعد ثم يقوم إذا بلغ المؤذن حيّ على الفلاح انتهى هندية عن المضمرات. قوله: (في مسجدين) لأنه إذا صلى في المسجد الأول يكون متنفلاً بالأذان في المسجد الثاني، والتنفل بالأذان غير مشروع، ولأن الأذان للمكتوبة وهو في المسجد الثاني يصلي النافلة، فلا ينبغي أن يدعو الناس إلى المكتوبة وهو لا يساعدهم فيها اهـ بدائع. قوله: (مطلقاً) أي عدلاً أو لا. وفي الأشباه: ولد الباني وعشيرته أولى من غيرهم اهـ، وسيجيء في الوقف أن القوم إذا عينوا مؤذناً وإماماً وكان أصلح مما نصبه الباني فهو أولى، وذكره في الفتح عن النوازل وأقره اهـمدني. مَطْلَبُ: هَلْ بَاشَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَذَانَ بِتَفْسِهِ؟ قوله: (الأفضل الخ) أي لقول عمر رضي الله عنه: لولا الخليفي لأذنت: أي مع الإمامة كما قدمناه. وفي السراج أن أبا حنيفة كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه. قوله: (وقد حققناه في الخزائن) حيث قال بعد ما هنا: هذا، وفي شرح البخاري لابن حجر [ ..... ] ومما يكثر السؤال عنه: هل باشر النبي * الأذان بنفسه؟ وقد أخرج الترمذي ((أنه عليه الضلاة والسلام أذن في سفر وصلی بأصحابه» وجزم به النووي وقوّاه، ولکن وجد في مسند أحمد من هذا الوجه ((فأمر بلالاً فأذن)) فعلم أن في رواية الترمذي اختصاراً، وأن معنى قوله، أذن: أمر بلالاً، كما يقال: أعطى الخليفة العالم الفلاني كذا، وإنما باشر العطاء غيره اهـ. ٧٢ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة بَابُ شُرُوطِ الصَّلَّةٍ هي ثلاثة أنواع: شرط انعقاد: كنية، وتحريمة، ووقت، وخطبة. وشرط دوام، كطهارة وستر عورة، واستقبال قبلة. وشرط بقاء، فلا يشترط فيه تقدم ولا مقارنة بابتداء الصلاة وهو القراءة، فإنه رکن في نفسه شرط في غيره بَابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ أي شروط جوازها وصحتها، لا شروط الوجوب: كالتكليف والقدرة والوقت، ولا شرط الوجود كالقدرة المقارنة للفعل، والمراد أيضاً الشروط الشرعية لا العقلية، كالحياة للعلم ولا الجعلية كدخول الدار المعلق به الطلاق قوله: (هي ثلاثة أنواع الخ) كذا قرره في السراج. وبيان ذلك أن شرط الانعقاد ما يشترط وجوده في ابتداء الصلاة متقدماً عليها أو مقارناً لها سواء استمر إلى آخرها أم لا، فالوقت والخطبة متقدمان عليها، والنية والتحريمة مقارنان لها. وأما شرط الدوام فهو ما يشترط وجوده في ابتداء الصلاة مستمراً إلى آخرها. وأما شرط البقاء فقد فسره في السراج بما يشترط وجوده حالة البقاء ولا يشترط فيه التقدم ولا المقارنة اهـ: أي فقد يوجد فيه التقدم والمقارنة، وقد لا يوجد. ولا يخفى أن هذه الأقسام متداخلة وبينها عموم وخصوص مطلق، فتجتمع في الطهارة والستر والاستقبال، فإنها من حيث اشتراط وجودها في ابتداء الصلاة شرط انعقاد، ومن حيث اشتراط دوامها أيضاً شرط دوام، ومن حيث اشتراط وجودها في حالة البقاء شرط بقاء؛ وتجتمع أيضاً في الوقت بالنسبة إلى صلاة الصبح والجمعة والعيدين فإنه يشترط في ابتدائها وانتهائها وحالة البقاء، حتى لو خرج قبل تمامها بطلت. وينفرد شرط الانعقاد عن شرط الدوام وعن شرط البقاء في الوقت بالنسبة إلى بقية الصلوات فإنه شرط انعقاد فقط، إذ لا يشترط دوامه ولا وجوده حالة البقاء، وينفرد شرط البقاء في القراءة فإنه يحدث في أثنائها ويستمر إلى انتهائها، ومثلها رعاية الترتيب في فعل غير مكرر كالقعدة الأخيرة، حتى لو تذكر سجدة صلبية أو تلاوية فأتى بها بعد القعدة لزمه إعادتها. قوله: (فإنه ركن في نفسه الخ) كذا في القهستاني. واعترض بأن الركن ما كان داخل الماهية، والشرط ما كان خارجها عنها وبينهما تناف، ولا وجه لتخصيص كونه شرطاً في غيره بسبب وجوده في كل الأركان تقديراً، لأن كل ركن كذلك؛ نعم قسموا الركن إلى أصلي وزائد، وهو ما قد يسقط بلا ضرورة، ومثلوا له بالقرءاة فإنها تسقط عن المقتدي فسميت ركناً في حالة، وزائداً في حالة أخرى، لأن الصلاة ماهية اعتبارية فيجوز أن يعتبرها الشارع تارة بأركان وأخرى بأقل منها. ٧٣ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة لوجوده في كل الأركان تقديراً، ولذا لم يجز استخلاف الأمي. ثم الشرط لغة: العلامة اللازمة. وشرعاً: ما يتوقف عليه الشيء ولا يدخل فيه (هي) ستة (طهارة بدنه) أي جسده لدخول الأطراف في الجسد دون البدن فليحفظ (من حدث) بنوعيه، وقدمه لأنه أغلظ (وخبث) مانع كذلك (وثوبه) وكذا ما يتحرك بحركته قوله: (لوجوده) أي القراءة وذكر باعتبار الشرط، وهو علة لكونه شرطاً ط. قوله: (لم يجز استخلاف الأمي) أي ولو في التشهد لعدم وجود الشرط فيه. ولا يقال: إنه مفقود في المأموم، لأنه موجود حكماً، لأن قراءة الإمام له قراءة ط. قوله: (ثم الشرط الخ) أي بالسكون وجمعه شروط، وأما بالفتح فجمعه أشراط ومنه . فقد جاء أشراطها - وقد فسر الأول في القاموس بإلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، والثاني بالعلامة؛ ومقتضاه أن الأول لا يفسر لغة بالعلامة وهو ظاهر الصحاح أيضاً، والمنقول في كتب الفقه عن اللغة خلافه، ولعل الفقهاء وقفوا على تفسيره بذلك، وبعضهم عبر بالشرائط، واعترض بأنه جمع شريطة: وهي مشقوقة الأذن. ووقع في النهر(١) هنا وهم فاجتنبه. قوله: (ولا يدخل فيه) اعلم أن المتعلق بالشيء إما أن يكون داخلاً في ماهيته فيسمى ركناً كالركوع في الصلاة، أو خارجاً عنه؛ فإما أن يؤثر فيه كعقد النكاح للحل فيسمى علة، أو لا يؤثر؛ فإما أن يكون موصلاً إليه في الجملة كالوقت فيسمى سبباً، أو لا يوصل إليه، فإما أن يتوقف الشيء عليه كالوضوء للصلاة فيسمى شرطاً، أو لا يتوقف كالأذان فيسمى علامة كما بسطه البرجندي، فكان عليه أن يزيد ولا يؤثر فيه ولا يوصل إليه في الجملة. إسماعيل. قوله: (هي ستة) ذكر القهستاني أنها أكثر من عشرة: فإن منها القراءة على ما مر، وتقديمها على الركوع، والركوع على السجود، ومراعاة مقام الإمام والمقتدي، وعدم تذكر الفائتة لذي ترتيب، وعدم محاذاة امرأة اهـ. قلت: وكذا منها الوقت كما مر. قال في الإمداد: وقد ترك ذكره في عدة من المعتبرات كالقدوري والمختار والهداية والكنز مع ذكرهم له أول كتاب الصلاة، وكان ينبغي لهم ذكره هنا ليتنبه المتعلم على أنه من الشروط كما في مقدمة أبي الليث ومنية المصلي، وكذا يشترط اعتقاد دخوله، فلو شك لم تصح صلاته وإن ظهر أنه قد دخل اهـ. قوله: (لدخول الأطراف الخ) علة لتفسير البدن بالجسد تفسير مراد، لأن البدن اسم لما سوى الرأس والأطراف كاليدين والرجلين. قوله: (لأنه أغلظ) لأنه ليس له قليل يعفي عنه بخلاف الخبث. قال ط: وإنما صرف الماء الكافي لأحدهما للخبث لأجل تحصيل الطهارتين: المائية في الخبث، والترابية في الحدث. قوله: (كذلك) أي بنوعيه: وهما الغليظة والخفيفة ح. قوله: (وثوبه) أراد ما لابس البدن، فدخل القلنسوة والخفّ والنعل ط عن الحموي. قوله: (وكذا ما) أي شيء متصل به يتحرك (١) أخرجه مسلم في البر والصلة (١٩٨٦) والترمذي (٢٥٦٦) وأحمد ٢٦/٢ وأبو نعيم في الحلية ٣١٨/٣. ٧٤ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة أو یعد حاملاً له کھبی علیه نجس إن لم يستمسك بنفسه منع، وإلا لا، کجنب وكلب إن شدّ فمه في الأصح (ومكانه) بحركته كمنديل طرفه على عنقه وفي الآخر نجاسة مانعة إن تحرك موضع النجاسة بحركات الصلاة منع وإلا لا، بخلاف ما لم يتصل كبساط طرفه نجس وموضع الوقوف والجبهة فلا يمنع مطلقاً، أفاده ح عن الشرنبلالي. قوله: (كصبيّ) أي وكسقف وظلة وخيمة نجسة تصيب رأسه إذا وقف. قوله: (إن لم يستمسك) الأولى حذف إن وجوابها لأنه تمثيل للمحمول، فحق التعبير أن يقول: كصبي عليه نجس لا يستمسك بنفسه ط. قوله: (وإلا لا) أي وإن كان يستمسك بنفسه لا يمنع، لأن حمل النجاسة حينئذ ينسب إليه لا إلى المصلي. قوله: (كجنب) تنظير لا تمثيل، أي فإن الجنابة أيضاً تنسب إلى المحمول لا إلى المصلي، ولو كان تمثيلاً للزم اشتراط أن يكون الجنب مستمسكاً بنفسه بأن لا يكون زمناً مثلاً مع أنه غير نجس حقيقة، فلو حمل المصلي جنباً لا يمنع صلاته مطلقاً، لأن نجاسته حكمية فافهم. قوله: (وكلب إن شد فمه) لو قال: وكلب إن لم يسل منه ما يمنع الصلاة لكان أولى، لأنه لو علم عدم السيلان أو سال منه دون القدر المانع لا يبطل الصلاة وإن لم يشد فمه، أفاده ح، وقدمنا نحوه قبيل فصل البئر عن الحلية، ويؤيده ما في البحر عن الظهيرية: لو جلس على المصلى صبيّ ثوبه نجس وهو يستمسك بنفسه أو حمام نجس جازت صلاته، لأن الذي على المصلى مستعمل للنجس، فلم يصر المصلي حاملً النجاسة اهـ. أقول: والظاهر أن مسألة الکلب مبنية على أرجح التصحیحین، من أنه ليس بنجس العين، بل هو طاهر الظاهر كغيره من الحيوانات، سوى الخنزير فلا ينجس إلا بالموت، ونجاسة باطنه في معدنها فلا يظهر حكمها كنجاسة باطن المصلي؛ كما لو صلى حاملاً بيضة مذرة صار محها(١) دماً جاز، لأنه في معدنه، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو حمل قارورة مضمومة(٢) فيها بول فلا تجوز صلاته لأنه في غير معدنه كما في البحر عن المحيط. قوله: (في الأصح) ردّ لمن يقول بمنع الصلاة مطلقاً كما في البحر، وكأنه مبني على نجاسة عينه اهـح. قوله: (ومكانه) فلا تمنع النجاسة في طرف البساط ولو صغيراً في الأصح: ولو كان رقيقاً وبسطه على موضع نجس، إن صلح ساتراً للعورة تجوز الصلاة كما في البحر عن الخلاصة. وفي القنية: لو صلى على زجاج يصف ما تحته قالوا جميعاً يجوز اهـ. وأما لو صلى على لبنة أو آجرة أو خشبة غليظة أو ثوب مخيط مضرب أو غير مضرب فسيأتي الكلام عليه (١) في ط (قوله محها) المح بالضم وبالحاء المهملة: خالص كل شيء. وصفرة البيض كالمحة. أو ما في البيض كله. (٢) في ط (قوله مضمومة) هذا بخطه بالضاد المعجمة، وصوابه بالصاد المهملة: أي مسدودة، كما يؤخذ من القاموس. ٧٥ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة أي موضع قدميه أو إحداهما إن رفع الأخرى، وموضع سجوده اتفاقاً في الأصح، لا موضع يديه وركبتيه على الظاهر إلا إذا سجد على كفه كما سيجيء (من الثاني) أي الخبث، لقوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ فبدنه ومكانه أولى لأنهما ألزم (و) الرابع (ستر عورته) ووجوبه عام ولو في الخلوة على الصحیح، إلا لغرض صحیح، وله لبس ثوب في باب مفسدات الصلاة إن شاء الله تعالى. قوله: (أي موضع قدميه) هذا باتفاق الروايات. بحر. وأفاد أنه لو كانت تقع ثيابه على أرض نجسة عند السجود لا يضرّ. قوله: (إن رفع الأخرى) أي التي تحتها نجاسة مانعة. قوله: (اتفاقاً في الأصح) وفي رواية عن الإمام: لا يشترط طهارة موضع السجود اهـ. ح: أي بناء على رواية جواز الاقتصار على الأنف في السجود، فلا يشترط طهارة موضع الأنف، لأنه أقل من الدرهم كما في شرح المنية، لكن لو سجد على نجس. فعندهما تفسد الصلاة، وعند أبي يوسف تفسد السجدة، فإذا أعادها على طاهر صحت عنده لا عندهما، والأولى ظاهر الرواية كما في الحلية. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية كما في البحر، لكن قال في منية المصلي: قال في العيون: هذه رواية شاذة اهـ. وفي البحر: واختار أبو الليث أن صلاته تفسد، وصححه في العيون اهـ. وفي النهر: وهو المناسب لإطلاق عامة المتون، وأيده بكلام الخانية. قلت: وصححه في متن المواهب ونور الإيضاح والمنية وغيرها، فكان عليه المعوّل. وقال في شرح المنية: وهو الصحيح لأن اتصال العضو بالنجاسة بمنزلة حملها وإن كان وضع ذلك العضو ليس بفرض. قوله: (إلا إذا سجد على كفه) فيشترط طهارة ما تحته لأنه موضع يده، بل لأنه موضع السجودط: أي كما إذا سجد على كمه وتحته نجاسة. قوله: (كما سيجيء) أي في سنن الصلاة ح. قوله: (من الثاني) زيادة توضيح. قال في النهر: ولم يذكره في الكنز، لأن طهارة الثوب والمكان من حدث لا يخطر ببال، ولذا قدم قوله ((من حدث وخبث)) إذ لو أخره لاقتضى أن يكون قيداً في الكل اهـ. قوله: (لأنهما ألزم) أي أشد ملازمة للمصلي من الثوب، لأنه یمکن أن يصلي بدونه. مَطْلَبٌ فِي سَتْ الْعَوْرَةِ قوله: (والرابع ستر عورته) أي ولو بما لا يحل لبسه كثوب حرير وإن أثم بلا عذر، كالصلاة في الأرض المغصوبة، وسيذكر شروط الستر والساتر. قوله: (ووجوبه عام) أي في الصلاة وخارجها. قوله: (ولو في الخلوة) أي إذا كان خارج الصلاة يجب الستر بحضرة الناس إجماعاً وفي الخلوة على الصحيح. وأما لو صلى في الخلوة عرياناً ولو في بيت مظلم وله ثوب طاهر لا يجوز إجماعاً كما في البحر. ثم إن الظاهر أن المراد بما يجب ستره في الخلوة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة فقط، حتى أن المرأة لا يجب عليها ستر ما عدا ٧٦ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة نجس في غير صلاة (وهي للرجل ما تحت سرّته إلى ما تحت ركبته) وشرط أحمد ستر أحد منكبيه أيضاً. وعن مالك: هي القبل والدبر فقط (وما هو عورة منه عورة من الأمة) ولو خنثى أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد (مع ظهرها وبطنها؛ و) ذلك وإن كان عورة، يدل عليه ما في باب الكراهية من القنية، حيث قال: وفي غريب الرواية يرخص للمرأة كشف الرأس في منزلها وحدها، فأولى لها لبس خمار رقيق يصف ما تحته عند محارمها اهـ. لكن هذا ظاهر فيما يحل نظره للمحارم، أما غيره كبطنها وظهرها هل يجب ستره في الخلوة؟ محل نظر، وظاهر الإطلاق نعم، فتأمل. قوله: (على الصحيح) لأنه تعالی وإن کان یری المستور کما یری المکشوف لکنه یری المکشوف تاركاً للأدب والمستور متأدباً، وهذا الأدب واجب مراعاته عند القدرة عليه. هذا، وما ذكره الزيلعي من أن عامتهم لم يشترطوا الستر عن نفسه فذاك في الصلاة كما يأتي بيانه عند ذكر المصنف له، فليس فيه تصحيح لخلاف ما هنا، فافهم. قوله: (إلا لغرض صحيح) كتغوّط واستنجاء. وحكي في القنية أقوالاً إلا في تجرّده للاغتسال منفرداً: منها أنه يكره، ومنها أنه يعذر إن شاء الله، ومنها لا بأس به، ومنها يجوز في المدة اليسيرة، ومنها يجوز في بيت الحمام الصغير. قوله: (وله لبس ثوب نجس إلخ) نقله في البحر عن المبسوط؛ ثم ذكر أنه في البغية تلخيص القنية ذكر فيه خلافاً. قال ط: ولم يتعرض لحكم تلويثه بالنجاسة. والظاهر أنه مكروه لأنه اشتغال بما لا يفيد؛ وإذا كان مفسداً للثوب حرم، وما في ح لا يعول عليه اهـ. وقد مر في الاستنجاء كراهته بخرقة متقومة فبالثوب أولى، فتلويثه بلا حاجة أشد في الأولوية. قوله: (للرجل) احتراز عن المرأة الأمة والحرة، وعن الصبي كما سيأتي. قوله: (ما تحت سرته) هو ما تحت الخط الذي يمر بالسرة ويدور على محيط بدنه بحيث يكون بعده عن مواقعه في جميع جوانبه على السواء، كذا في البرجندي اهـ. إسماعيل؛ فالسرة ليست من العورة. درر. قوله: (إلى ما تحت ركبته) نادماً، لما قيل: إن تحت من الظروف التي لا تتصرف حموي، فالركبة من العورة لرواية الدارقطني، ((ما تحت السرة إلى الركبة من العورة)) لكنه محتمل، والاحتياط في دخول الركبة، ولحديث عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َ﴿ (الرُّكْبَةُ مِنَ العَوْرَةِ»(١) وتمامه في شرح المينة. قوله: (وشرط أحمد إلخ) هو شرط عنده في صلاة الفرض لرواية الصحيحين ((لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ)) وعندنا ستر المنكبين مستحب. قوله: (ولو خنثى) قال في النهر: الخنثى المشكل الرقيق كالأمة، والحرّ كالحرة. قوله: (أو مكاتبة) ومثلها المستسعاة التي أعتق بعضها عند الإمام ح. قوله: (مع ظهرها وبطنها) البطن: ما لان من القدم، والظهر: ما (١) أخرجه الدارقطني ٢٣١/١. ٧٧ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة أما (جنبها) فتبع لهما، ولو أعتقها مصلية، إن استترت كما قدرت صحت، وإلا لأعلمت بعتقه أولًا على المذهب. قال: إن صليت صلاة صحيحة فأنت حرّة قبلها فصلت بلا قناع ينبغي إلغاء القبلية ووقوع العتق كما رجحوه في الطلاق الدوري (وللحرة) ولو خثی (جميع بدنها) حتی شعرها يقابله من المؤخر، كذا في الخزائن. وقال الرحمتي: الظهر: ما قابل البطن من تحت الصدر إلى السرة. جوهرة: أي فما حاذى الصدر ليس من الظهر الذي هو عورة اهـ. ومقتضى هذا أن الصدر وما قابله من الخلف ليس من العورة، وأن الثدي أيضاً غير عورة؛ وسيأتي في الحظر والإباحة أنه يجوز أن ينظر من أمة غيره ما ينظر من محرمه، ولا شبهة أنه يجوز النظر إلى صدر محرمة وثديها، فلا يكون عورة منها ولا من الأمة، ومقتضى ذلك أنه لا يكون عورة في الصلاة أيضاً، لكن في التاترخانية: لو صلت الأمة ورأسها مكشوف جازت بالاتفاق، ولو صلت وصدرها وثديها مكشوف لا يكوز عند أكثر مشايخنا اهـ. وقد يقال: إن صدر الأمة عورة في الصلاة لا خارجها، لكنه مخالف للمذكور في عامة الكتب من الاقتصار على ذكر البطن والظهر. وقد مر تفسيرهما، ولا يخفى أن الصدر غيرهما فينبغي أن يكون المعتمد أنه ليس بعورة مطلقاً. قوله: (وأما جنبها) مجرور في المتن، فجعله الشارح بإدخال ((أما)) مرفوعاً على أنه مبتدأ وحينئذ فهو مفرد لا مثنى كما في بعض النسخ، وإلا لقال الشارح: وأما جنباها اهـح. قوله: (فتبع لهما) قال في القنية: الجنب تبع البطن، ثم رمز وقال: الأوجه أن ما يلي البطن تبع له، وما يلي الظهر تبع له اهـ. وقصد الشارح إصلاح عبارة المتن، فإن ظاهرها يشعر بأن الجنب عضو مستقل مع أنه تبع لغيره وتظهر ثمرة ذلك فيما يأتي، لكن ذكر في القنية أيضاً قبل ما مر: لو رفعت يديها للشروع في الصلاة فانكشف من كميها ربع بطنها أو جنبها لا يصح شروعها اهـ. ومقتضاه أن الجنب عضو مستقل، فهو قول آخر إلا أن تكون ((أو)) بمعنى الواو. تأمل. قوله: (كما قدرت) أي فوراً قبل أداء ركن بعمل قليل؛ وقيد بالقدرة، إذ لو عجزت عن الستر لم تبطل صلاتها كما في البحر. قوله: (وإلا) بأن سترت بعمل كثير أو بعد ركن لا تصح صلاتها. بحر. قوله: (على المذهب) ردّ على الزيلعي تبعاً للظهيرية حيث قيد الفساد بأداء ركن بعد العلم بالعتق، فإن كثيراً من فروع المذهب من نظائر هذه المسألة تدل على عدم اشتراط العلم كما بسطه في البحر. قوله: (ينبغي الخ) أصل البحث لصاحب البحر، وأقره علیه أخوه صاحب النهر. قوله: (كما رجحوه في الطلاق الدوري) وهو أن يقول لامرأته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً، فإذا نجز عليها طلاقاً فقد وجد الشرط فیقع الثلاث قبله، ووقوعها قبله يقتضي عدم وقوعه، فالقول بوقوعه باطل، فإذا ألغينا القبلية صار كأنه قال: إن طلقتك فأنت طالق ثلاثاً، فإذا طلق وقع عليها واحدة بتنجيزه وثنتان من الثلاث بتعليقه ح. قوله: (حتى شعرها) بالرفع عطفاً ٧٨ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة النازل في الأصح (خلا الوجه والكفين) فظهر الكف عورة على المذهب (والقدمين) على المعتمد، وصوتها على الراجح، على جميع ح. قوله: (النازل) أي عن الرأس، بأن جاوز الأذن، وقيد به إذ لا خلاف فيما على الرأس. قوله: (في الأصح) صححه في الهداية والمحيط والكافي وغيرها، وصحح في الخانية خلافه مع تصحيحه لحرمة النظر إليه، وهو رواية المنتقى، واختاره الصدر الشهيد، والأول أصح وأحوط كما في الحلية عن شرح الجامع لفخر الإسلام، وعليه الفتوى كما في المعراج. قوله: (فظهر الكف عورة) قال في معراج الدراية ما نصه: اعترض بأن استثناء الكف لا يدل على أن ظهر الكف عورة، لأن الكف لغة يتناول الظاهر والباطن، ولهذا يقال: ظهر الكف(١) وأجيب بأن الكف عرفاً واستعمالً لا يتناول ظهره اهـ. فظهر أن التفريع مبني على الاستعمال العرفي لا اللغوي، فافهم. قوله: (على المذهب) أي ظاهر الرواية. وفي مخلفات قاضيخان وغيرها أنه ليس بعورة. وأيده في شرح المنية بثلاثة أوجه، وقال: فكان هو الأصح وإن كان غير ظاهر الرواية. وكذا أيده في الحلية، وقال: مشى عليه في المحيط وشرح الجامع لقاضيخان اهـ. واعتمده الشرنبلالي في الإمداد. قوله: (على المعتمد) أي من أقوال ثلاثة مصححة، ثانيها عورة مطلقاً، ثالثها عورة خارج الصلاة لا فيها. أقول: ولم يتعرض لظهر القدم. وفي القهستاني عن الخلاصة: اختلفت الروايات في بطن القدم اهـ. وظاهره أنه لا خلاف في ظاهره. ثم رأيت في مقدمة المحقق ابن الهمام المسماة بزاد الفقير قال بعد تصحيح إن انكشاف ربع القدم مانع: ولو انكشف ظهر قدمها لم تفسد، وعزاه المصنف التمرتاشي في شرحه المسمى إعانة الحقير إلى الخلاصة. ثم نقل عن الخلاصة عن المحيط أن في باطن القدم روايتين، وأن الأصح أنه عورة، ثم قال: أقول: فاستفيد من كلام الخلاصة أن الخلاف إنما هو في باطن القدم؛ وأما ظاهره فليس بعورة بلا خلاف، ولهذا جزم المصنف بعدم الفساد بانكشافه، لكن في كلام العلامة قاسم إشارة إلى أن الخلاف ثابت فيه أيضاً، فإنه قال بعد نقله: إن الصحيح أن انكشاف ربع القدم يمنع الصلاة، قال: لأن ظهر القدم محل الزينة المنهيّ عن إيدائها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يخفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور/ ٣١] اهـ كلام المصنف. قوله: (وصوتها) معطوف على المستثنى: يعني أنه ليس بعورة ح. قوله: (على الراجح) عبارة البحر عن الحلية أنه الأشبه. وفي النهر: وهو الذي ينبغي اعتماده. ومقابله ما في النوال: نغمة المرأة عورة، وتعلمها القرآن من المرأة أحب. قال عليه الصلاة والسلام ((التّسْبِيحُ للِرِّجَالِ، (١) في ط (قوله ولهذا يقال ظهر الكف) أي بالإضافة إلى الكف، وجعل بعضهم الإضافة دليلاً على أنه ليس من الکف؟ إذلو کان من الکف لزم إضافة الجزء إلی کله، وفيه نظر، لأنه يقال: رأس زید وید زید. ٧٩ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة وذراعيها على المرجوح (وتمنع) المرأة الشابة (من كشف الوجه بين الرجال) لا لأنه عورة بل (لخوف الفتنة) كمسه وإن أمن الشهوة، لأنه أغلظ، ولذا ثبت به حرمة المصاهرة كما يأتي في الحظر (ولا يجوز النظر إليه بشهوة وَالتَّصْفِيقُ لِلنَّسَاء))(١) فلا يحسن أن يسمعها الرجل اهـ. وفي الكافي: ولا تلبي جهراً لأن صوتها عورة، ومشى عليه في المحيط في باب الأذان. بحر. قال في الفتح: وعلى هذا لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهاً، ولهذا منعها عليه الصلاة والسلام من التسبيح بالصوت لإعلام الإمام بسهوه إلى التصفيق اهـ. وأقره البرهان الحلبي في شرح المنية الكبير، وكذا في الإمداد؛ ثم نقل عن خط العلامة المقدسي: ذكر الإمام أبو العباس القرطبي في كتابه في السماع: ولا يظن من لا فطنة عنده أنا إذا قلنا صوت المرأة عورة أنا نريد بذلك كلامها، لأن ذلك ليس بصحيح، فإنا نجيز الكلام مع النساء للأجانب ومحاورتهن عند الحاجة إلى ذلك، ولا نجيز لهن رفع أصواتهن ولا تمطيطها ولا تليينها وتقطيعها، لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن وتحريك الشهوات منهم، ومن هذا لم يجز أن تؤذن المرأة اهـ. قلت: ويشير إلى هذا تعبير النوازل بالنغمة. قوله: (وذراعيها) معطوف على المستثنى ح. قوله: (على المرجوح) قال في المعراج عن المبسوط: وفي الذراع روايتان، والأصح أنها عورة اهـ. قال في البحر: وصحح بعضهم أنه عورة في الصلاة لا خارجها، والمذهب ما في المتون لأنه ظاهر الرواية. قوله: (وتمنع المرأة الخ) أي تنهى عنه وإن لم يكن عورة. قوله: (بل لخوف الفتنة) أي الفجور بها. قاموس. أو الشهوة. والمعنى تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة، لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة. قوله: (كمسه) أي كما يمنع الرجل من مس وجهها وكفها وإن أمن الشهوة الخ. قال الشارح في الحظر والإباحة: وهذا في الشابة، أما العجوز التي لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ومس يدها إن أمن اهـ. ثم كان المناسب في التعبير ذكر مسألة المس بعد مسألة النظر، بأن يقول: ولا يجوز النظر إليه بشهوة كمسه وإن أمن الشهوة الخ، لأن كلَّ من النظر والمس مما يمنع الرجل عنه، والكلام فيما تمنع هي عنه. قوله: (لأنه أغلظ) أي من النظر، وهو علة لمنع المس عند أمن الشهوة: أي بخلاف النظر فإنه عند الأمن لا يمنع ط. قوله: (ثبت به) أي بالمس المقارن الشهوة، بخلاف النظر لغير الفرج الداخل، فلا تثبت به حرمة المصاهرة مطلقاً ط. قوله: (ولا يجوز النظر إليه بشهوة) أي إلا لحاجة كقاض أو شاهد (١) أخرجه البخاري ٧٧/٣(١٢٠٣) ومسلم ٣١٨/١(١٠٦/ ٤٢٢) وأبو داود (٩٣٩، ٩٤٤) والنسائي في السھو باب ١٥، ١٦ والترمذي (٣٦٩) وابن ماجة (١٠٣٤، ١٠٣٥) وأحمد ٢٦١/٢، ٣٧٦ والطيالسي كما في المنحة رقم (٤٩٩) وابن خزيمة (٨٩٤) والطبراني في الكبير ٢٣٦/٦ والشافعي كما في البدائع (٢٩٤) والبيهقي ٢٤٦/٢. ٨٠ كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة كوجه أمرد) فإنه يحرم النظر إلى وجهها ووجه الأمرد إذا شك في الشهوة، أما بدونها بحكم أو يشهد عليها لا لتحتمل الشهادة، وكخاطب يريد نكاحها فينظر ولو عن شهوة بنية السنة لا قضاء الشهوة، وكذا مريد شرائها أو مداواتها إلى موضع المرض بقدر الضرورة كما سيأتي في الحظر، والتقييد بالشهوة يفيد جوازه بدونها، لكن سيأتي في الحظر تقييده بالضرورة، وظاهره الكراهة بلا حاجة داعية. قال في التاترخانية: وفي شرح الكرخي النظر إلى وجه الأجنبية الحرّة ليس بحرام، ولكنه يكره لغير حاجة اهـ. قوله: (بشهوة) لم أر تفسيرها هنا، والمذكور في المصاهرة أنه فيمن ينتشر بالانتشار أو زيادته إن كان موجوداً، وفي المرأة والفاني بميل القلب. والذي تفيده عبارة مسكين في الحظر أنها ميل القلب مطلقاً، ولعله الأنسب هنا اهـ. قلت: يؤيده ما في القول المعتبر في بيان النظر لسيدي عبد الغني: بيان الشهوة التي هنا مناط الحرمة أن يتحرّك قلب الإنسان ويميل بطبعه إلى اللذة، وربما انتشرت آلته إن کثر ذلك الميلان؛ وعدم الشهوة أن لا يتحرك قلبه إلى شيء من ذلك بمنزلة من نظر إلى ابنه الصبيح الوجه وابنته الحسناء اهـ. وسيأتي تمام الكلام على ذلك في كتاب الحظر والإباحة. مَطْلَبٌ فِي النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الأَمْرَدِ قوله: (کوجه أمرد) هو الشاب الذي طرّ شاربه ولم تنبت لحيته. قاموس. قال في الملتقط: الغلام إذا بلغ مبلغ الرجال ولم یکن صبیحاً فحكمه حكم الرجال، وإن كان صبيحاً فحكمه حكم النساء، وهو عورة من فرقه إلى قدمه. قال السيد الإمام أبو القاسم: يعني لا يحل النظر إليه عن شهوة. وأما الخلوة والنظر إليه لا عن شهوة لا بأس به، ولهذا لم یؤمر بالنقاب اهـ. أقول: وهذا شامل لمن نبت عذاره، بل بعض الفسقة يفضله على الأمرد خالي العذار .. والظاهر أن طرور الشارب وبلوغه مبلغ الرجال غير قيد، بل هو بيان لغايته وأن ابتداءه من حين بلوغه سناً تشتهيه النساء، أو لو كان صغيرة لاشتهيت فيه للرجال، والمراد من كونه صبيحاً أن يكون جميلاً بحسب طبع الناظر ولو كان أسود، لأن الحسن يختلف باختلاف الطبائع. ويستفاد من تشبيه وجه المرأة بوجه الأمرد أن حرمة النظر إليه بشهوة أعظم إثماً لأن خشية الفتنة به أعظم منها، ولأنه لا يحل بحال، بخلاف المرأة كما قالوا في الزنى واللواطة، ولذا بالغ السلف في التنفير منهم وسموهم ((الأنتان)) لاستقذارهم شرعاً. قال بعضهم: قال ابن القطان: أجمعوا على أنه يحرم النظر إلى غير الملتحي بقصد التلذذ بالنظر وتمتع البصر بمحاسنه. وأجمعوا على جوازه بغير قصد اللذة والناظر مع ذلك آمن الفتنة. قوله: (فإنه يحرم إلخ) أتى بالفاء لأنه دليل على المتن، لأنه إذا حرم مع الشك في