النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
کتاب الصلاة
ولا يسقط بعدمها الوجوب، وكذا قال ﴿ ((خْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ الله على العِبَاد))(٣) اهـ.
وأما الذي ذكره البرهان الحلبي في شرح المنية فهو قوله: والجواب أن يقال: كما استقرّ
الأمر على أن الصلوات خمس، فكذا استقر الأمر على أن للوجوب أسباباً وشروطاً لا يوجد
بدونها، وقولك شرعاً عاماً الخ، إن أردت أنه عام على كل من وجد في حقه شروط
الوجوب وأسبابه سلمناه، ولا يفيدك لعدم بعض ذلك في حق من ذكر، وإن أردت أنه عام
لكل فرد من أفراد المكلفين في كل فرد من أفراد الأيام مطلقاً فهو ظاهر البطلان فإن الحائض
لو طهرت بعد طلوع الشمس لم يكن الواجب عليها في ذلك اليوم إلا أربع صلوات، وبعد
خروج وقت الظهر لم يجب عليها في ذلك اليوم إلا ثلاث صلوات وهكذا، ولم يقل أحد إنه
إذا طهرت في بعض اليوم أو في أكثره مثلًا يجب عليها تمام صلوات اليوم والليلة لأجل أن
الصلوات فرضت على كل مكلف.
فإن قلت: تخلف الوجوب في حقها لفقد شرطه وهو الطهارة من الحيض. قلنا لك:
كذلك تخلف الوجوب في حق هؤلاء لفقد شرطه وسببه وهو الوقت، وأظهر من ذلك الكافر
إذا أسلم بعد فوات وقت أو أكثر من اليوم مع أن عدم الشرط وهو الإسلام في حقه مضاف
إلیه لتقصيره بخلاف هؤلاء، ولم يقل أحد يجب عليه تمام صلوات ذلك اليوم لافتراض
الصلوات خمساً على كل مكلف في كل يوم وليلة، والقياس على ما في حديث الدجال غير
صحيح لأنه لا مدخل للقياس في وضع الأسباب؛ ولئن سلم فإنما هو فيما لا يكون على
خلاف القياس، والحديث ورد على خلاف القياس، فقد نقل الشيخ أكمل الدين في شرح
المشارق عن القاضي عياض أنه قال: هذا حکم مخصوص بذلك الزمان شرّعه لنا صاحب
الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة واكتفينا بالصلوات
الخمس اهـ. ولئن سلم القياس فلا بد من المساواة، ولا مساواة، فإن ما نحن فيه لم يوجد
زمان یقدر للعشاء فیه وقت خاص. والمفاد من الحدیث أنه یقدر لکل صلاة وقت خاص بها
ليس هو وقتاً لصلاة أخرى، بل لا يدخل وقت ما بعدها قبل مضيّ وقتها المقدّر لها، وإذا
مضی صارت قضاء كما في سائر الأيام، فكأن الزوال وصيرورة الظل مثلًا أو مثلین وغروب
الشمس وغيبوبة الشفق وطلوع الفجر موجودة في أجزاء ذلك الزمان تقديراً بحكم الشرع،
ولا كذلك هنا، إذ الزمان الموجود إما وقت للمغرب في حقهم أو وقت للفجر بالإجماع
فكيف يصح القياس؟ وعلم بما ذكرنا عدم الفرق بين من قطعت يداه أو رجلاه من المرفقين
والكعبين وبين هذه المسألة كما ذكره البقالي، ولذا سلمه الإمام الحلواني ورجع إليه مع أنه
الخصم فيه إنصافاً منه، وذلك لأن الغسل سقط ثم لعدم شرطه لأن المحال شروط، فكذا
هنا سقطت الصلاة لعدم شرطها بل وسببها أيضاً، وكما لم يقم هناك دليل بجعل ما وراء

٢٢
كتاب الصلاة
ولا یساعده حدیث الدجال لأنه وإن وجب
المرفق إلى الإبط وما فوق الكعب بمقدار القدم خلفاً عنه في وجوب الغسل، كذلك لم يرد
دليل يجعل جزءاً من وقت المغرب أو من وقت الفجر أو منهما خلفاً عن وقت العشاء؛ وكما
أن الصلوات خمس بالإجماع على المكلفين، كذا فرائض الوضوء على المكلفين لا تنقص عن
أربع بالإجماع، لكن لا بد من وجود جميع أسباب الوجوب وشرائطه في جميع ذلك، فليتأمل
المنصف، والله سبحانه وتعالى الموفق اهـ. كلام البرهان الحلبي. وقد كرّ عليه الفاضل
المحشي بالنقض، وانتصر للمحقق بما يطول؛ فمن جملة ذلك أنه قال: إن ما فعلناه ليس من
باب القياس بل من باب الإلحاق دلالة، وقول البرهان الحلبي: إن ما نحن فيه لم يوجد
زمان يقدر للعشاء فيه وقت خاص ممنوع، وذلك لأن من يقدر يجعل لكل صلاة وقتاً يختص
بها لا یشارکھا فیه غیرھا اهـ.
أقول: لا يخفى أن القائلين بالوجوب عندنا لم يجعلوا لتلك الصلاة وقتاً خاصاً بها
بحيث يكون فعلها فيه أداء وخارجها(١) قضاء كما هو في أيام الدجال، لأن الحلواني قال
بوجوبها قضاء، والبرهان الكبير قال: لا ينوي القضاء لعدم وقت الأداء، وبه صرح في الفتح
أيضاً، فأين الإلحاق دلالة مع عدم المساواة؟ فلو كان بطريق الإلحاق أو القیاس لجعلوا لها
وقتاً خاصاً بها تكون فيه أداء، وإنما قدروه موجوداً لإيجاب فعلها بعد الفجر، وليس معنى
التقدير ما قاله الشافعية كما علمت، وإلا لزم كونها فيه أداء، وقد علمت قول الزيلعي: إنه
لم يقل به أحد: أي بكونها أداء، لأنه لا يبقى وقت العشاء بعد الفجر.
والأحسن في الجواب عن المحقق الكمال ابن الهمام أنه لم یذکر حديث الدجال
ليقيس عليه مسألتنا أو يلحقها به دلالة، وإنما ذكره دليلاً على افتراض الصلوات الخمس
وإن لم يوجد السبب افتراضاً عاماً، لأن قوله: ((وما روى)) معطوف على قوله: ((ما تواطأت
علیه أخبار الإسراء، وما أورده علیه من عدم الاقتراض على الحائض والکافر یجاب عنه بما
قاله المحشي من ورود النص بإخراجهما من العموم.
هذا، وقد أقرّ ما ذكره المحقق تلميذاه العلامتان المحققان ابن أمير حاج والشيخ قاسم.
والحاصل أنهما قولان مصححان، ويتأيد القول بالوجوب بأنه قال به إمام مجتهد وهو
الإمام الشافعي كما نقله في الحلية عن المتولي عنه. قوله: (ولا يساعده) الضمير راجع إلى
ما ذكره الكمال ح. قوله: (حديث الدجال) هو ما قدمناه في كلام الكمال. قال الإسنوي:
فيستثنى هذا اليوم مما ذكر في المواقيت، ويقاس اليومان التاليان له. قال الرملي في شرح
المنهاج: ويجري ذلك فيما لو مكثت الشمس عند قوم مدة اهـ. ح. قال في إمداد الفتاح:
(١) في ط (قوله وخارجها) هكذا بخطه، لعل الأصوب ((وخارجه)) أي الوقت.

٢٣
كتاب الصلاة
أكثر من ثلاثمائة ظهر مثلاً قبل الزوال ليس كمسألتنا، لأن المفقود فيه العلامة لا الزمان؛
وأما فيها فقد فقد الأمران.
قلت: وكذلك يقدر لجميع الآجال كالصوم والزكاة والحج والعدة وآجال البيع والسلم
والإجارة وينظر ابتداء اليوم فيقدر كل فصل من الفصول الأربعة بحسب ما يكون كل يوم من
الزيادة والنقص، كذا في كتب الأئمة الشافعية، ونحن نقول بمثله، إذ أصل التقدير مقول به
إجماعاً في الصلوات اهـ.
مَطْلَبٌ فِي طُلُوعٍ الشَّمسِ من مَغْرِبِهِا
تنبيه: ورد في حديث مرفوع ((أَنَّ الشَّمسَ إذا طَلَعَتْ من مَغْرِبها تَسيرُ إلى وسَطِ السَّماء
ثمَّ تَرْجِعُ ثمّ بعدَ ذلكَ تَطْلَئُ من المشرقِ گعادتها». قال الرملي الشافعي في شرح المنهاج.
وبه يعلم أنه يدخل وقت الظهر برجوعها؛ لأنه بمنزلة زوالها، ووقت العصر إذا صار ظل
كل شيء مثله، والمغرب بغروبها. وفي هذا الحديث أن ليلة طلوعها من مغربها تطول بقدر
ثلاث ليال، لكن ذلك لا يعرف إلا بعد مضيها لانبهامها على الناس، فحينئذ قياس ما مر أنه
يلزم قضاء الخمس، لأن الزائد ليلتان فيقدران عن يوم وليلة وواجبهما الخمس اهـ. قوله:
(لأنه وإن وجب) علة لعدم المساعدة ح. قوله: (أكثر من ثلاثمائة ظهر الخ) فيه أن الوارد أن
اليوم كسنة فما قبل الزوال نحو نصف سنة ولا يتكرّر فيه الظهر هذا العدد، فالمناسب تعبير
الکمال بما مر من قوله: فقد وجب أکثر من ثلاثمائة عصر قبل صيرورة الظل مثلاً أو مثلین،
لكنه ظاهر في المثلين لأنه قريب من خمسة أسداس النهار، بخلاف المثل، والأظهر قوله في
الشرنبلالية: وإن وجب أكثر من ثلاثمائة عشاء مثلاً قبل طلوع الفجر. قوله: (مثلاً) أي إن
الصبح والعصر والمغرب والعشاء والوتر كذلك ح. قوله: (فيه) أي في حديث الدجال.
قوله: (وأما فيها) أي في مسألتنا. وفي بعض النسخ فيهما: أي في العشاء والوتر. قوله:
(فقد فقد الأمران) أي العلامة، وهي غيبوبة الشفق قبل الفجر والزمان المعلم، وهو ما تقع
الصلاة فيه أداء ضرورة أن الزمان الموجود قبل الفجر هو زمان المغرب وبعده زمان الصبح
فلم يوجد الزمان الخاص بالعشاء، وليس المراد فقد أصل الزمان كما لا يخفى؛ نعم إذا قلنا
بالتقدير هنا يكون الزمان موجوداً تقديراً كما في يوم الدجال، فلا يرد على المحقق، والله
تعالى أعلم.
تتمة: لم أر من تعرّض عندنا لحكم صومهم فيما إذا كان يطلع الفجر عندهم كما
تغيب الشمس أو بعده بزمان لا يقدر فيه الصائم على أكل ما يقيم بنيته، ولا يمكن أن يقال
بوجوب موالاة الصوم عليهم، لأنه يؤدي إلى الهلاك. فإن قلنا بوجوب الصوم يلزم القول
بالتقدير، وهل يقدر ليلهم بأقرب البلاد إليهم كما قاله الشافعية هنا أيضاً، أم يقدر لهم بما
يسع الأكل والشرب، أم يجب عليهم القضاء فقط دون الأداء؟ كل محتمل، فليتأمل. ولا

٢٤
كتاب الصلاة
(والمستحب) للرجل (الابتداء) في الفجر (بإسفار والختم به) هو المختار بحيث
يرتل أربعين آية ثم يعيده بطهارة لو فسد. وقيل يؤخر جداً لأن الفساد موهوم (إلا لحاج
بمزدلفة) فالتغليس أفضل كمرأة مطلقاً، وفي غير الفجر الأفضل لها انتظار فراغ
الجماعة (وتأخير ظهر الصيف) بحيث يمشي في الظل (مطلقاً) كذا في المجمع وغيره:
أي بلا اشتراط شدة حرّ وحرارة بلد وقصد جماعة،
يمكن القول هنا بعدم الوجوب أصلاً كالعشاء عند القائل به فيها، لأن علة عدم الوجوب فيها
عند القائل به عدم السبب، وفي الصوم قد وجد السبب وهو شهود جزء من الشهر وطلوع
فجر كل يوم، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم. قوله: (للرجل) يأتي محترزه. قوله: (في
الفجر) أي صلاة الفرض. وفي صلاة السنة قولان كما يأتي للشارح ط. قوله: (بإسفار) أي
في وقت ظهور النور وانكشاف الظلمة؛ سمي به لأنه يسفر: أي يكشف عن الأشياء خلافاً
للأئمة الثلاثة، لقوله عليه الصلاة والسلام ((أُسفِرُوا بالفَجْرِ فإنَّه أَعْظمُ للأجْرِ)) رواه الترمذي
وحسنه وروى الطحاوي بإسناد صحيح ((ما اجتمع. أصحاب رسول الله تَّلير على شيء ما
اجتمعوا على التنوير بالفجر)) وتمامه في شرح المنية وغيرها. قوله: (أربعين آية) أي إلى
ستين. قوله: (ثم يعيد بطهارة) أي يعيد الفجر: أي صلاته مع ترتيل القراءة المذكورة ويعيد
الطهارة لو فسد بفسادها أو ظهر فساده بعدمها ناسياً.
والحاصل أن حدّ الإسفار أن يمكنه إعادة الطهارة ولو من حدث أكبر كما في النهر
والقهستاني وإعادة الصلاة على الحالة الأولى قبل الشمس. قوله: (وقيل يؤخر جداً) قال
في البحر: وهو ظاهر إطلاق الكتاب: أي الكنز، لكن لا يؤخرها بحيث يقع الشك في
طلوع الشمس اهـ. لكن في القهستاني الأصح الأول ح. قوله: (مطلقاً) أي ولو في غير
مزدلفة لبناء حالهن على الستر وهو في الظلام أتم. قوله: (وتأخير ظهر الصيف) سيذكر أنه
يلحق به الخريف، وسنذكر ما يخالفه. قوله: (بحيث يمشي في الظل) عبارة البحر والنهر
وغيرهما: وحده أن يصلي قبل المثل وهي أولى لما أن مثل حيطان مصر يحدث الظل فيها
سريعاً لعلوّها ح. وقد يقال: إن اعتبار المشي في الظل بيان لأول ذلك الوقت المستحب،
وما في البحر وغيره بيان لمنتهاه. وفي ط عن الحموي عن الخزانة: الوقت المكروه في
الظهر أن يدخل في حدّ الاختلاف، وإذا أخره حتى صار ظل كل شيء مثله فقد دخل في حد
الاختلاف. قوله: (أي بلا اشتراط الخ) تفسير للإطلاق. وعبارة ابن ملك في شرح
المجمع: أي سواء كان يصلي الظهر وحده أو بجماعة اهـ: أي لرواية البخاري ((كانَ وَل﴿ إِذا
اشْتَدَّ البْدُ بَكَّرَ بالصَّلاةِ، وإِذَا اشتدَّ الحرَّ أَبْرَدَ بالصَّلاةِ»(١) والمراد الظهر، وقوله وَله((إِنَّ شِدَّةَ
(١) أخرجه البخاري ١٥/٢ (٥٣٣، ٥٣٦) ومسلم ٤٣٠/١ (٦١٥/١٨٠.
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ١٨ (٥٣٨).

٢٥
كتاب الصلاة
وما في الجوهرة وغيرها من اشتراط ذلك منظور فيه (وجمعة كظهر أصلًا واستحباباً) في
الزمانين لأنها خلفه (و) تأخير (عصر) صيفاً وشتاءً
الحَرٌ مِنْ فيحِ جَهَنَّمَ، فإِذَا اشْتَدَّ فَأَبْرِدُوا بالصَّلاةِ) متفق عليه(٢)، وليس فيه تفصيل، وتمامه
في الزيلعي وغيره. قوله: (وما في الجوهرة وغيرها) كالسراج حيث قال فيهما: وإنما
يستحبّ الإبراد بثلاثة شرائط: أن يصلي بجماعة في مسجد جماعة، وأن يكون في البلاد
الحارة وأن يكون في شدة الحر. وقال الشافعي: إن صلى في بيته قدمها، وإن في المسجد
بجماعة أخرها اهـ. قوله: (منظور فيه) تبع في التنظير فيه صاحب البحر اعتماداً على
الإطلاق. وأورد المحشي عليه: ما لو كان في موضع تقام الجماعة فيه في أول الوقت
فقط، فإنه لو قلنا يستحب له التأخير يلزم ترك الجماعة التي يعاقب على تركها على المشهور
لأجل المستحب والقواعد تأباه، ويدل له کراهتهم تأخیر العشاء إلى ما زاد على النصف،
وعللوه بتقليل الجماعة، ففي مسألتنا ينبغي أن يكون التأخير حراماً حيث تحقق فوت
الجماعة اهـ. ونقل بعضهم مثله عن شرح نظم الكنز للشيخ موسى الطرابلسي وقال: على
أنه صرح صاحب البحر فيما تقدم أنه لو شرع في الصلاة مع نجاسة قدر الدرهم وخشي فوت
الجماعة يمضي على صلاته اهـ: أي مع أن إزالتها مسنونة أو واجبة ولم تترك الجماعة
لأجلها.
أقول: قد یجاب بأن قول البحر: لا فرق بين أن يصلي بجماعة أو لا، معناه أنه یندب
له التأخير سواء أراد أن يصلي بجماعة أو مفرداً بأن کان لا تتیسر له الجماعة، وليس فيه ما
يقتضي أنه يؤخر وإن لزم فوت الجماعة كما لا يخفى، فالتنظير في كلام الجوهرة والسراج
في محله، لأن ما ذكراه من الشروط الثلاثة هي مذهب الشافعية، صرحوا بها في كتبهم؛ نعم
ذكر شراح الهداية وغيرهم في باب التيمم أن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل، إلا إذا
تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة، ولهذا كان أولى للنساء أن يصلين في
أول الوقت لأنهن لا يخرجن إلى الجماعة، كذا في مبسوطي شمس الأئمة وفخر الإسلام
اهـ. والمتبادر منه أنه إذا لم يقصد الصلاة بالجماعة لا يستحب له التأخير هنا، إذ ليس فيه
فضیلة، لکن اعترضهم هناك صاحب غاية البيان بأن أئمتنا صرحوا باستحباب تأخیر بعض
الصلوات بلا اشتراط جماعة، وأن ما ذكروه في التيمم مفهوم والصريح مقدم علیه، وقدمنا
الكلام عليه ثم فراجعه. قوله: (أصلا) أي من جهة أصل وقت الجواز، وما وقع في آخره
من الخلاف. قوله: (واستحباباً في الزمانين) أي الشتاء والصيف ح، لكن جزم في الأشباه
من فن الأحكام أنه لا يسن لها الإبراد. وفي جامع الفتاوى القارئ الهداية: قيل إنه مشروع
لأنها تؤدى في وقت الظهر وتقوم مقامه. وقال الجمهور: ليس بمشروع لأنها تقام بجمع
عظيم، فتأخيرها مفض إلى الحرج، ولا كذلك الظهر وموافقة الخلف لأصله من كل وجه

٢٦
كتاب الصلاة
توسعة للنوافل (ما لم يتغير ذكاء) بأن لا تحار العين فيها في الأصح (و) تأخير (عشاء إلى
ثلث الليل) قيده في الخانية وغيرها بالشتاء، أما الصیف فیندب تعجیلها (فإن أخرها إلى
ما زاد علی النصف) کره لتقلیل الجماعة، أما إلیه فمباح(و)
ليس بشرط اهـ. قوله: (لأنها خلفه) علمت جوابه. على أن القول الثاني وهو المشهور أنها
فرض مستقل آكد من الظهر. قوله: (توسعة للنوافل) أي لكرامتها بعد صلاة العصر. وقال
الإمام الطحاوي بعد ذكره ما روي في التأخير والتعجيل: لم نجد في هذه الآثار مما صححت
إلا ما يدل على تأخير العصر، ولم نجد ما يدل منها على التعجيل إلا ما عارضه غيره
فاستحیینا التأخير؛ ولو خلينا النظر لکان تعجيل الصلوات كلها أفضل، ولكن اتباع ما روي
عن رسول الله ګے مما تواترت به الأخبار أولى، وقد روي عن أصحابه ما يدل عليه ثم ساق
ذلك، وتمامه في الحلية. قوله: (في الأصح) صححه في الهداية وغيرها. وفي الظهيرية إن
أمكنه إطالة النظر فقد تغيرت وعليه الفتوى. وفي النصاب وغيره: وبه نأخذ، وهو قول
أئمتنا الثلاثة ومشايخ بلخ وغيرهم، كذا في الفتاوى الصوفية، وفيها: وينبغي أن لا يؤخر
تأخيراً لا يمكن المسبوق قضاء ما فاته اهـ. وقيل حدّ التغير أن يبقى للغروب أقل من رمح،
وقيل أن يتغير الشعاع على الحيطان كما في الجوهرة. ابن عبد الرزاق. قوله: (وتأخير
عشاء) أطلقه، وظاهر ما في الهداية التقييد بعدم فوت الجماعة، ويؤخذ من كلام المصنف
في مسألة يوم الغيم. شرنبلالية. قوله: (إلى ثلث الليل) كذا في الكنز والمختار والخلاصة
وغيرها. وعبارة القدوري: إلى ما قبل ثلث الليل، وهما روايتان كما في الشرنبلالية عن
البرهان، فلا حاجة إلى التوفيق بما في البحر ولا بما في الدرر. قوله: (قيده في الخانية
الخ) وفي الهداية: وقيل في الصيف يعجل كي لا تتقلل الجماعة. قوله: (كره) أي تحريماً
كما يأتي تقييده في المتن، أو تنزيهاً وهو الأظهر كما نذكره عن الحلية. قوله: (لتقليل
الجماعة) يفيد أن المصلي في بيته يؤخرها لعدم الجماعة في حقه. تأمل رملي: أي لو
أخرها لا يكره. قوله: (أما إليه فمباح) أي أما تأخيرها إلى النصف فمباح لتعارض دليل
الندب وهو قطع السمر المنهي، ودليل الكراهة وهو تقليل الجماعة فثبتت الإباحة كما أفاده
في الهداية وغيرها. قلت: لكن نقل في الحلية عن خزانة الأكمل استحباب التأخير إلى
النصف وقال: إنه الأوجه دليلاً الأحاديث الصحيحة وساقها، وقال: اختاره أكثر أهل العلم
من أصحاب النبي والقر والتابعين وغيرهم كما ذكره الترمذي اهـ.
[تنبيه]: أشرنا إلى أن علة استحباب التأخير في العشاء هي قطع السمر المنهي عنه
وهو الكلام بعدها، قال في البرهان: ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لنهي النبي #
(١) أخرجه أحمد ٣٧٩/١ وأبو نعيم في الحلية ١٢١/٤ والبيهقي في السنن الكبرى ٤٥٢/١ وهو عند
الترمذي (١٢٦، ١٦٩، ٢٧٣) والطبراني في الكبير ٢٦٨/١٠.

٢٧
كتاب الصلاة
أخر (العصر إلی اصفرار ذكاء) فلو شرع فيه قبل التغیر فمده إليه لا یکره (و) أخر
(المغرب إلى اشتباك النجوم) أي كثرتها (كره) أي التأخير لا الفعل، لأنه مأمور به
(تحریماً) إلا بعذر کسفر، وكونه علی أکل
عنهما إلا حديثاً في خير، لقوله ،َله ((لا سَمَرَ بعد الصَّلاة)(١) يعني العشاء الأخيرة ((إلَّ لأحد
رَجُلَيْنِ: مُصَلِّ أَوْ مُسَافٍ)) وفي رواية ((أَو عَرَّسَ)) اهـ. وقال الطحاوي: إنما كره النوم قبلها
لمن خشي عليه فوت وقتها أو فوت الجماعة فيها، وأما من وكل نفسه إلى من يوقظه فيباح
له النوم اهـ. وقال الزيلعي: وإنما كره الحديث بعدها لأنه ربما يؤدي إلى اللغو أو إلى
تفويت الصبح أو قيام الليل لمن له عادة به، وإذا كان لحاجة مهمة فلا بأس، وكذا قراءة
القرآن والذكر وحكايات الصالحين والفقه والحديث مع الضيف اهـ. والمعنى فيه أن يكون
اختتام الصحيفة بالعبادة، كما جعل ابتداؤها بها ليمحى ما بينهما من الزلات، ولذا كره
الكلام قبل صلاة الفجر، وتمامه في الإمداد.
ويؤخذ من كلام الزيلعي أنه لو كان لحاجة لا يكره وإن خشي فوت الصبح، لأنه ليسَ
في النَّومِ تَفْريطٌ، وإنَّما التّفْريطُ على من أَخْرَجَ الصَّلاةَ عِن وَقْتِها كما في حديث مُسْلِمٍ(١)؛
نعم لو غلب على ظنه تفويت الصبح لا يحل لأنه يكون تفريطاً. تأمل. قوله: (وأخر العصر)
معطوف على فعل الشرط، والمراد باصفرار ذكاء تغيرها بالمعنى السابق. قوله: (فيه) أي
في العصر بمعنى صلاته. قوله: (لا يكره) لأن الاحتراز عن الكراهة مع الإقبال على الصلاة
متعذر فجعل عفواً. بحر. قوله: (إلى اشتباك النجوم) هو الأصح. وفي رواية: لا يكره ما
لم يغب الشفق. بحر: أي الشفق الأحمر لأنه وقت مختلف فيه فيقع في الشك. وفي الحلية
بعد كلام: والظاهر أن السنة فعل المغرب فوراً وبعده مباح إلى اشتباك النجوم فيكره بلا عذر
اهـ. قلت: أي يكره تحريماً، والظاهر أنه أراد بالمباح ما لا يمنع فلا ينافي كراهة التنزيه،
ويأتي تمامه قريباً. قوله: (أي کثرتها) قال في الحلية: واشتباکها أن يظهر صغارها وكبارها
حتى لا يخفى منها شيء، فهو عبارة عن كثرتها وانضمام بعضها إلى بعض اهـ. قوله: (كره)
يرجع إلى المسائل الثلاثة قبله ط. قوله: (أي التأخير لا الفعل) فيه كلام يأتي. قوله:
(تحريماً) كذا في البحر عن القنية، لكن في الحلية أن كلام الطحاوي يشير إلى أن الكراهة
في تأخير العشاء تنزيهياً وهو الأظهر اهـ. قوله: (إلا بعذر الخ) ظاهره رجوعه إلى الثلاثة
أيضاً لكن ذكر في الإمداد في تأخير العصر إلى الاصفرار عن المعراج أنه لا يباح التأخير
لمرض وسفر اهـ. ومثله في الحلية، واقتصر في الإمداد وغيره على ذكره الاستثناء في
المغرب، وعبارته: إلا من عذر كسفر ومرض وحضور مائدة أو غیم اهـ.
(١) أخرجه مسلم عن أبي قتادة ١/ ٤٧٣ (٦٨١/٣١١.

٢٨
كتاب الصلاة
(و) تأخير (الوتر إلى آخر الليل لواثق بالانتباه) وإلا فقبل النوم، فإن أفاق وصلی نوافل
والحال أنه صلى الوتر أول الليل فإنه الأفضل.
(والمستحبّ تعجیل ظهپشتاء) يلحق به الربيع، وبالصیف الخريف (و) تعجيل
(عصر وعشاء يوم غیم، و) تعجيل
قلت: وينبغي عدم الكراهة في تأخير العشاء لمن هو في ركب الحاج؛ ثم إن للمسافر
والمريض تأخير المغرب للجمع بينها وبين العشاء فعلًا كما في الحلية وغيرها: أي بأن
تصلي في آخر وقتها والعشاء في أول وقتها، وهو محمل ما روي من جمعه وله بينهما سفراً
كما يأتي. قوله: (وكونه على أكل) أي لكراهة الصلاة مع حضور طعام تميل إليه نفسه،
ولحديث (إِذَا أُقيمتِ الصَّلاةُ وحضرَ أُلعشاء فَأَبْدَؤُوا بالعشاء))(١) رواه الشيخان. قوله:
(وتأخير الوتر الخ) أي يستحب تأخيره، لقوله وله(مَنْ خَافَ أَنْ لا يُوتِرَ من آخر اللَّيلِ فَلْيُوتِرْ
أَوَّلَهُ، ومَنْ طَمعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُونِرْ آخِرَ اللّيلِ، فإِنَّ صلاةَ آخرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ وذلكَ أَفْضَلُ»
رواه مسلم والترمذي وغيرهما وتمامه في الحلية (٢). وفي الصحيحين ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلَائِكُمْ
وِتْراً»(٣) والأمر للندب بدليل ما قبله. بحر. قوله: (فإن فاق الخ)(٤) أي إذا أوتر قبل النوم ثم
استيقظ يصلي ما كتب له، ولا كراهة فيه بل هو مندوب، ولا يعيد الوتر، لكن فاته الأفضل
المفاد بحدیث الصحیحین. إمداد.
ولا يقال: إن من لم يثق بالانتباه فالتعجيل في حقه أفضل كما في الخانية، فإذا انتبه
بعد ما عجل يتنفل ولا تفوته الأفضلية. لأنا نقول: المراد بالأفضلية في الحديث السابق هي
المترتبة على ختم الصلاة بالوتر وقد، فاتت، والتي حصلها هي أفضلية التعجيل عند خوف
الفوات على التأخير، فافهم وتأمل. قوله: (يلحق به الربيع الخ) قاله في البحر بحثاً، وقال:
لم أره. وتعقبه في الإمداد بما في مجمع الروايات من أنه كذلك في الربيع والخريف، يعجل
بها إذا زالت الشمس، فبحث البحر مخالف للمنقول. قوله: (يوم غيم) أي لئلا يقع العصر في
التغير وتقل الجماعة في العشاء على احتمال المطر والطين. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه
يندب التأخير في كل الأوقات، واختاره الإتقاني وفي شرح المجمع ودرر البحار والضياء أنه
الأحوط لجواز الأداء بعد الوقت لا قبله: أي وفي تعجيله احتمال وقوعه قبله. وقد يجاب بأن
(١) أخرجه البخاري (٥٤٦٥) وعبد الرزاق في المصنف (٢١٨٤) والطبراني في الصغير ٢/ ٩٤ و ٩٠ والطحاوي في
المشكل ٢/ ٤٠٢.
(٢) مسلم ٥٢٠/١ (١٦٢- ١٦٣/ ٧٥٥) وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٢ والبيهقي في السنن الكبرى ٣٥/٣.
(٣) البخاري ٤٨٨/٢ (٩٩٨) مسلم ٥١٧/١ (٧٥١/١٥١).
(٤) في ط (قوله فإن فاق إلخ) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح (أفاق) بالهمزة، وهو الصواب الموافق لما في
المصباح والقاموس.

٢٩
كتاب الصلاة
(مغرب مطلقاً) وتأخيره قدر رکعتین یکرہ تنزيهاً (وتأخير غیرهما فیه) هذا في دیار یکثر
شتاؤها ويقل رعاية أوقاتها، أما في ديارنا فيراعى الحكم الأول
المراد بالتعجيل تأخيرهما قليلاً بعد العلم بدخول الوقت، ولهذا قال في الحلية: المستحب
تقديمهما يوم غيم على وقتهما المستحب يوم غيره. تأمل. قوله: (مطلقاً) أي شتاء وصيفاً،
وليس المراد من الإطلاق يوم غيم، ألا وإن أوهمته عبارته لأنه غير المنصوص عليه ط.
قوله: (يكره تنزيهاً) أفاد أن المراد بالتعجيل أن لا يفصل بين الأذان والإقامة بغير جلسة أو
سكتة على الخلاف، وأن ما في القنية من استثناء التأخير القليل محمول على ما دون
الركعتين، وأن الزائد على القليل إلى اشتباك النجوم مكروه تنزيهاً، وما بعده تحريماً إلا بعذر
كما مر قال في شرح المنية: والذي اقتضته الأخبار كراهة التأخير إلى ظهور النجم وما قبله
مسكوت عنه، فهو على الإباحة وإن كان المستحب التعجيل اهـ. ونحوه ما قدمناه عن الحلية
وما في النهر من أن ما في الحلية مبني على خلاف الأصح: أي المذكور في المبتغى بقوله:
يكره تأخير المغرب في رواية. وفي أخرى: لا، ما لم يغب الشفق. والأصح الأول إلا لعذر
اهـ. فيه نظر لأن الظاهر أن المراد بالأصح التأخير إلى ظهور النجم أو إلى غيبوبة الشفق، فلا
ينافي أنه إلى ما قبل ذلك مكروه تنزيهاً لترك المستحب وهو التعجيل. تأمل. قوله: (وتأخير
غيرهما فيه) أي في يوم غيم يؤخر الفجر كباقي الأيام، ويؤخر الظهر والمغرب بحيث يتيقن
وقوعهما بعد الوقت قبل مجيء الوقت المكروه كما في الإمداد. قال في النهر: أما الفجر
فلتكثير الجماعة، وأما غيره فلمخافة الوقوع قبل الوقت. قوله: (هذا) أي ما ذكر من التعجيل
في يوم غيم والتأخير فيه. قوله: (ويقل رعاية أوقاتها) أي بعدم ظهور الشمس أو التوقيت
بالساعات الفلكية ونحو ذلك ط. قوله: (فيراعى الحكم الأول) أي المتقدم، وهو تأخير
العصر مطلقاً والعشاء إلى ثلث الليل وتعجيل ظهر الشتاء الخ. قال أبو السعود: وهذا البحث
للعيني، وأقرّه صاحب النهر ط.
مَطْلَبٌ: يُشْتَرَطُ العِلْمُ بِدُخُولِ الوَقْتِ
تتمة: يشترط لصحة الصلاة دخول الوقت واعتماد دخوله كما في نور الإيضاح
وغيره؛ فلو شك في دخول وقت العبادة فأتى بها فبان أنه فعلها في الوقت لم يجزه كما في
الأشباه في بحث النية، ويكفي في ذلك أذان الواحد لو عدلًا، وإلا تحرّى وبنى على غالب
ظنه، لما صرح به أئمتنا من أنه يقبل قول العدل في الديانات؛ كالإخبار بجهة القبلة والطهارة
والنجاسة والحل والحرمة، حتى لو أخبره ثقة ولو عبداً أو أمة، أو محدوداً في قذف بنجاسة
الماء، أو حل الطعام وحرمته قبل ولو فاسقاً، أو مستوراً یحکم رأيه في صدقه أو كذبه ويعمل
به، لأن غالب الرأي بمنزلة اليقين، بخلاف خبر الذمي حيث لا يقبل اهـ. ومثله الصبيّ
والمعتوه العاقلان في الأصح، ولا يخفى أن الإخبار عن دخول الوقت من العبادات، فيجري

٣٠
كتاب الصلاة
وحكم الأذان كالصلاة تعجيلً وتأخيراً (وكره) تحريماً، وكل ما لا يجوز مكروه (صلاة)
مطلقاً (ولو) قضاء أو واجبة أو نفلاً أو (على جنازة وسجدة تلاوة وسهو) لا شكر. قنية
(مع شروق) إلا العوام
فيه هذا التفصيل؛ والله تعالى أعلم. ثم رأيت في كتاب القول من [ .... ] عن معين
الحكام ما نصه: المؤذن يكفي إخباره بدخول الوقت إذا كان بالغاً عاقلاً عالماً بالأوقات
مسلماً ذكراً ويعتمد على قوله اهـ. وفي صيام القهستاني: وأما الإفطار فلا يجوز بقول واحد
بل بالمثنى. وظاهر الجواب أنه لا بأس به إذا كان عدلاً صدقه الخ. قوله: (وحكم الأذان
كالصلاة الخ) لأنه سنة لها فيتبعها. قوله: (وكره الخ) أورد أن بعض الصلوات لا تنعقد في
هذه الأوقات فلا يناسبه التعبير بالكراهة. وأجاب عنه في شرح المنية تبعاً للفتح بجوابين،
حيث قال: استعمل الكراهة هنا بالمعنى اللغوي فيشمل عدم الجواز وغيره مما هو مطلوب
العدم، أو هو بالمعنى العرفي، والمراد كراهة التحريم لما عرف من أن النهي الظني الثبوت
غير المصروف عن مقتضاه يفيد كراهة التحريم؛ وإن كان قطعي الثبوت فالتحريم وهو في
مقابلة الفرض في الرتبة وكراهة التحريم في رتبة الواجب والتنزيه في رتبة المندوب؛ والنهي
الوارد هنا من الأول فكان الثابت به كراهة التحريم، وهي إن كانت لنقصان في الوقت منعت
الصحة فيما سببه كامل وإلا أفادت الصحة مع الإساءة اهـ. وقد أشار الشارح إلى الجوابين
مقدماً الثاني منهما على الأول. قوله: (مطلقاً) فسره بما بعده. قوله: (أو على جنازة) أي
إذا حضرت في ذلك الوقت وكذا قوله ((وسجدة تلاوة)) أي إذا تليت فيه وإلا فلا كراهة كما
سيذكره الشارح. قوله: (وسجدة تلاوة) منصوب عطفاً على الجار والمجرور الذي هو خبر
كان المقدرة ح. والأحسن رفعه عطفاً على صلاة نائب فاعل كره ليكون مقابلاً للصلاة، لأن
سجدة التلاوة ليست صلاة حقيقية، فافهم. قوله: (وسهو) حتى لو سها في صلاة الصبح أو
في قضاء فائتة بعد العصر فطلعت الشمس أو احمرّت عقب السلام سقط عنه سجود السهو؛
لأنه لجبر النقصان المتمكن في الصلاة؛ فجری مجری القضاء وقد وجب کاملاً فلا يتأدى في
ناقص. حلية. قوله: (لا شكر. قنية) هذا مذكور في غير محله، والمناسب ذكره عقب قوله
الآتي ((وسجدة تلاوة)) لأن عبارة القنية يكره أن يسجد شكراً بعد الصلاة في الوقت الذي
یکره فيه النفل ولا یکره في غيره اهـ.
وفي النهر أن سجدة الشكر لنعمة سابقة ينبغي أن تصح أخذاً من قولهم لأنها وجبت
كاملة، وهذه لم تجب اهـ. فتحصل من كلام النهر مع كلام القنية أنها تصح مع الكراهة: أي
لأنها في حكم النافلة. ثم قال في النهر عن المعراج: وأما ما يفعل عقب الصلاة من السجدة
فمكروه إجماعاً، لأن العوامّ يعتقدون أنها واجبة أو سنة اهـ: أي وكل جائز أدى إلى اعتقاد
ذلك كره. قوله: (مع شروق) وما دامت العين لا تحار فيها فهي في حكم الشروق كما تقدم

٣١
كتاب الصلاة
فلا يمنعون من فعلها لأنهم يتركونها. والأداء الجائز عند البعض أولى من الترك كما في
القنية وغيرها (واستواء) إلا يوم الجمعة على قول الثاني المصحح المعتمد، كذا في
الأشباه.
في الغروب أنه الأصح کما في البحر ح.
أقول: ينبغي تصحيح ما نقلوه عن الأصل للإمام محمد من أنه ما لم ترتفع الشمس قدر
رمح فهي في حكم الطلوع، لأن أصحاب المتون مشوا عليه في صلاة العيد حيث جعلوا
أول وقتها من الارتفاع، ولذا جزم به هنا في الفيض ونور الإيضاح. قوله: (فلا يمنعون من
فعلها) أفاد أن المستثنى المنع لا الحكم بعدم الصحة عندنا، فالاستثناء منقطع والضمير
للصلاة والمراد بها صلاة الصبح. قوله: (عند البعض) أي بعض المجتهدين كالإمام الشافعي
هنا. قوله: (كما في القنية وغيرها) وعزاه صاحب المصفى إلى الإمام حميد الدين عن شيخه
الإمام المحبوبي وإلى شمس الأئمة الحلواني، وعزاه في القنية إلى الحلواني والنسفي،
فسقط ما قيل: إن صاحب القنية بناه على مذهب المعتزلة من أن العامي له الخیار من کل
مذهب ما يهواه. والصحيح عندنا أن الحق واحد؛ وأن تتبع الرخص فسق اهـ. قوله:
(واستواء) التعبير به أولى من التعبير بوقت الزوال، لأن وقت الزوال لا تكره فيه الصلاة
إجماعاً. بحر عن النحلية: أي لأنه يدخل به وقت الظهر كما مر. وفي شرح النقاية
للبرجندي: وقد وقع في عبارات الفقهاء أن الوقت المكروه هو عند انتصاف النهار إلى أن
تزول الشمس، ولا يخفى أن زوال الشمس إنما هو عقيب انتصاف النهار بلا فصل، وفي هذا
القدر من الزمان لا يمكن أداء صلاة فيه، فلعل المراد أنه لا تجوز الصلاة بحيث يقع جزء منها
في هذا الزمان؛ أو المراد بالنهار الشرعي، وهو من أول طلوع الصبح إلى غروب الشمس،
وعلى هذا یکون نصف النهار قبل الزوال بزمان يعتد به اهـ. إسماعيل ونوح وحموي.
وفي القنية: واختلف في وقت الكراهة عند الزوال؛ فقيل من نصف النهار إلى الزوال
الرواية أبي سعيد عن النبي وَ﴿ («أَنَّه نَهى عن الصَّلاةِ نِصْفَ النَّهارِ حتَّى تَزُولَ الشَّمسُ))(١).
قال ركن الدين الصباغي: وما أحسن هذا لأن النهي عن الصلاة فيه يعتمد تصوّرها فيه اهـ.
وعزا في القهستاني القول بأن المراد انتصاف النهار العرفي إلى أئمة ما رواه النهر، وبأن
المراد انتصاف النهر الشرعي وهو الضحوة الكبرى إلى الزوال إلى أئمة خوارزم. قوله: (إلا
يوم الجمعة) لما رواه الشافعي في مسنده ((نهي عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس
إلا يوم الجمعة)) قال الحافظ ابن حجر: في إسناده انقطاع، وذكر البيهقي له شواهد ضعيفة
(١) الشافعي في مسنده ١٣٩/١ (٤٠٨) وانظر التمهيد لابن عبد البر ١٩/٤ والبيهقي ٢/ ٤٦٤ وانظر التلخيص ١/
١٨٨.

٣٢
كتاب الصلاة
ونقل الحلبي عن الحاوي أن عليه الفتوى (وغروب، إلا عصر يومه) فلا يكره فعله
إذا ضمت قوي اهـ. قوله: (المصحح المعتمد) اعترض بأن المتون والشروح على خلافه.
قوله: (ونقل الحلبي) أي صاحب الحلية العلامة المحقق ابن أمير حاج عن الحاوي: أي
الحاوي القدسي كما رأيته فيه، لكن شرّاح الهداية انتصروا لقول الإمام. وأجابوا عن
الحديث المذكور بأحاديث النهي عن الصلاة وقت الاستواء فإنها محرمة. وأجاب في الفتح
بحمل المطلق على المقيد، وظاهره ترجيح قول أبي يوسف، ووافقه في الحلية كما في
البحر، لكن لم يعوّل عليه في شرح المنية والإمداد، على أن هذا ليس من المواضع التي
يحمل فيها المطلق على المقيد كما يعلم من كتب الأصول. وأيضاً فإن حديث النهي صحيح
رواه مسلم وغيره فيقدم بصحته، واتفاق الأئمة على العمل به وكونه حاظراً، ولذا منع
علماؤنا عن سنة الوضوء وتحية المسجد وركعتي الطواف ونحو ذلك، فإن الحاظر مقدم
على المبيح.
تنبيه: علم مما قررناه المنع عندنا وإن لم أره مما ذكره الشافعية من إياحة الصلاة في
الأوقات المكروهة في حرم مكة استدلالاً بالحديث الصحيح ((يا بَني عبد مَنّافٍ لا تَمْنَعُوا
أَحداً طافَ بهذا البيتِ وصلَّى أَيَّةَ ساعةٍ شاء مِنْ لَيْلِ أَو نَارٍ))(١) فهو مقيد عندنا بغير أوقات
الكراهة، لما علمته من منع علمائنا عن ركعتي الطواف فيها وإن جوّزوا نفس الطواف فيها،
خلافاً لمالك كما صرح به في شرحه اللباب، والله أعلم. ثم رأيت المسألة عندنا، قال في
الضياء ما نصه: وقد قال أصحابنا: إن الصلاة في هذه الأوقات ممنوع منها بمكة وغيرها اهـ.
ورأيت في البدائع أيضاً ما نصه: وما ورد من النهي إلا بمكة شاذّ لا يقبل في معارضة
المشهور، وكذا رواية استثناء يوم الجمعة غريب فلا يجوز تخصيص المشهور به اهـ. ولله
الحمد. قوله: (وغروب) أراد به التغير كما صرح به في الخانية حيث قال: عند احمرار
الشمس إلى أن تغيب. بحر وقهستاني. قوله: (إلا عصر يومه) قيد به لأن عصر أمسه لا
يجوز وقت التغير لثبوته في الذمة كاملاً، لاستناد السببية فيه إلى جميع الوقت كما مر. قوله:
(فلا يكره فعله) لأنه لا يستقيم إثبات الكراهة للشيء مع الأمر به؛ وقيل الأداء أيضاً مكروه
اهـ. كافي النسفي.
والحاصل أنهم اختلفوا في أن الكراهة في التأخير فقط دون الأداء أو فيهما، فقيل
بالأول ونسبه في المحيط والإيضاح إلى مشايخنا، وقيل بالثاني وعليه مشى الطحاوي
والتحفة والبدائع والحاوي وغيرها على أنه المذهب بلا حكاية خلاف، وهو الأوجه
(١) أخرجه الشافعي في المسند ٥٧/١ (١٧٠) وأحمد ٨١٠/٤ مسند جبير بن مطعم والدارمي ٢/ ٧٠ وأبو داود ٢/
٤٤٩ (١٨٩٤) والترمذي ٣/ ٢٢٠ (٨٦٨) وقال حسن صحيح والنسائي ٢٨٤/١ وابن ماجة ١/ ٣٩٨ (١٢٥٤)
وابن حبان ٣/ ٧٠ (١٥٤٥) والحاكم ٤٤٨/١.

٣٣
كتاب الصلاة
لأدائه كما وجب بخلاف الفجر، والأحاديث تعارضت فتساقطت كما بسطه صدر
الشريعة.
لحديث مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول ((تِلكَ صلاةُ
المُنافِقِ؛ تَجِلِسُ يَرْقُبُ الشّمْسَ حتَّى إذا كانَتْ بينَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ قامَ يَنْقرُ أَربَعاً لا يَذْكُرُ الله
فيها إلَّ قليلاً)) اهـ. حلية؛ وتبعه في البحر. ولا يخفى أن كلام الشارح ماش على الأول لا
الثاني، فافهم. قال في القنية: ويستوفي سنة القراءة لأن الكراهة في التأخير لا في الوقت
اهـ. قوله: (لأدائه كما وجب) لأن السبب هو الجزء الذي يتصل به الأداء، وهو هنا ناقص
فقد وجب ناقصاً فيؤدى كذلك. وأما عصر أمسه فقد وجب كاملاً، لأن السبب فيه جميع
الوقت حيث لم يحصل الأداء في جزء منه، لكن الصحيح الذي عليه المحققون أنه لا نقصان
في ذلك الجزء نفسه بل في الأداء فيه لما فيه من التشبه بعبدة الشمس، ولما كان الأداء
واجباً فیه تحمل ذلك النقصان؛ أما إذا لم يؤد فیه والحال أنه لا نقص في الوقت أصلاً وجب
الكامل، ولهذا كان الصحيح وجوب القضاء في كامل على من بلغ أو أسلم في ناقص ولم
يصلّ فیه كما تقدم.
والحاصل كما في الفتح أن معنى نقصان الوقت نقصان ما اتصل به من فعل الأركان
المستلزم التشبه بالكفار، فالوقت لا نقص فيه، بل هو كغيره من الأوقات إنما النقص في
الأركان فلا يتأدى بها ما وجب كاملاً، وهذا أيضاً مؤيد للقول بأن الكراهة في التأخير
والأداء خلاف ما مشى عليه الشارح، وما ذكره في النهر بحثاً لبعض الطلبة مذكور مع جوابه
في شرح المنية وغيره، وأوضحناه فيما علقناه على البحر. قوله: (بخلاف الفجر الخ) أي
فإنه لا يؤدي فجر يومه وقت الطلوع، لأن وقت الفجر كله كامل فوجبت كاملة، فتبطل بطرقّ
الطلوع الذي هو وقت فساد.
قال في البحر: فإن قيل: روى الجماعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صل﴾ (مَنْ
أَذْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قبلَ أَن تَغْرِبَ الشَّمسُ فقدْ أَدْرَكَهَا، وَمَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قبلَ أَنْ
تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَذْرَكَ الصُّبْحَ)) (١) أجيب بأن التعارض لما وقع بينه وبين النهي عن الصلاة
في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، فرجحنا حكم هذا الحديث
في صلاة العصر وحكم النهي في صلاة الفجر، كذا في شرح النقاية اهـ.
على أن الإمام الطحاوي قال: إن الحديث منسوخ بالنصوص الناهية، وادعى أن
العصر يبطل أيضاً كالفجر وإلا لزم العمل ببعض الحديث وترك بعضه بمجرد قولنا طرأ
ناقص على كامل في الفجر، بخلاف عصر يومه مع أن النقص قارن العصر ابتداء والفجر بقاء
(١) أخرجه البخاري ٢/ ٥٦(٥٧٩) ومسلم ١/ ٤٢٤ (٦٠٨/١٦٣.

٣٤
كتاب الصلاة
(وينعقد نفل بشروع فيها) بكراهة التحريم (لا) ينعقد (الفرض) وما هو ملحق به
كواجب لعينه كوتر (وسجدة تلاوة، وصلاة جنازة تليت) الآية (في كامل وحضرت)
فيبطل فيهما. وأجاب في البرهان بأن هذا الوقت سبب لوجوب العصر حتى يجب على من
أسلم أو بلغ فيه، ويستحيل أن يكون سبباً للوجوب ولا يصح الأداء فيه، وتمامه في حاشية
نوح. قوله: (وينعقد نفل الخ) لما كان قوله وكره شاملًا للمكروه حقيقة والممنوع أتى بهذه
الجملة بياناً لما أجمله ط.
واعلم أن ما يسمى صلاة ولو توسعاً إما فرض أو واجب أو نفل، والأول عملي
وقطعي، فالعملي الوتر، والقطعي كفاية وعين؛ فالكفاية صلاة الجنازة، والعين المكتوبات
الخمس والجمعة والسجدة الصلبية؛ والواجب إما لعينه، وهو ما لا يتوقف وجوبه على فعل
العبد، أو لغيره وهو ما يتوقف عليه؛ فالأول الوتر فإنه يسمى واجباً كما يسمى فرضاً عملياً
وصلاة العيدين وسجدة التلاوة، والثاني سجدتا السهو وركعتا الطواف وقضاء نفل أفسده
والمنذور، والنفل سنة مؤكدة وغير مؤكدة.
واعلم أن الأوقات المكروهة نوعان: الأول الشروق والاستواء والغروب. والثاني ما
بين الفجر والشمس، وما بين صلاة العصر إلى الاصفرار؛ فالنوع الأول لا ينعقد فيه شيء
من الصلوات التي ذكرناها إذا شرع بها فيه، وتبطل إن طرأ عليها، إلا صلاة جنازة حضرت
فيها، وسجدة تليت آيتها فيها، وعصر يومه، والنفل، والنذر المقيد بها، وقضاء ما شرع به
فيها ثم أفسده؛ فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلًا في الأولى منها، ومع الكراهة التنزيهية في
الثانية، والتحريمية في الثالثة، وكذا في البواقي، لكن مع وجوب القطع والقضاء في وقت
غير مكروه. والنوع الثاني ينعقد فيه جميع الصلوات التي ذكرناها من غير كراهة إلا النفل
الواجب لغيره فإنه ينعقد مع الكراهة، فيجب القطع والقضاء في وقت غير مكروه اهـ. ح.
مع بعض تغيير. قوله: (لا ينعقد الفرض) أشار إلى ما في الخانية من نواقض الوضوء حيث
قال: لو شرع في فريضة عند الطلوع أو الغروب سوى عصر يومه لم يكن داخلً في الصلاة،
فلا تنتقض طهارته بالقهقهة، بخلاف ما لو شرع في التطوّع اهـ. قوله: (كواجب) عبارة
القهستاني: كالفرائض والواجبات الفائتة، فقيد بالفائتة احترازاً عما وجب فيها كالتلاوة
والجنازة. بقي لو شرع في صلاة العيد هل يكون داخلً في الصلاة نفلاً أم لا تنعقد أصلاً؟
الظاهر الأول، وسيصرح به في بابها، لأن وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح فقبل وقتها لم
تجب فتكون نفلاً. تأمل. قوله: (لعينه) هذا التقييد غير صحيح، فإنه يقتضي أن الواجب
لغيره ينعقد في هذه الأوقات، وليس كذلك كما صرّح به في البحر والقهستاني والنهر خلافاً
لما في نور الإيضاح. أفاده ح. قوله: (وسجدة تلاوة الخ) معطوف على ((وتر)) في عبارة
الشارح، وأصله الرفع في عبارة المتن عطفاً على الفرض. قال الشارح في الخزائن:

٣٥
كتاب الصلاة
الجنازة (قبل) لوجوبه كاملاً فلا يتأدى ناقصاً، فلو وجبتا فيها لم يكره فعلهما: أي
تحريماً. وفي التحفة: الأفضل أن لا تؤخر الجنازة.
(وصح) مع الکرامة (تطوّع بدأ به فيها ونذر أداء فيها) وقد نذره فيها (وقضاء
تطوع بدأ به فيها فأفسده لوجوبه ناقصاً) ثم ظاهر الرواية وجوب القطع والقضاء في كامل
كما في البحر. وفيه عن البغية: الصلاة فيها على النبي وَه# أفضل من قراءة القرآن وكأنه
لأنها من أركان الصلاة، فالأولى ترك ما كان ركناً لها.
وسجود السهو كالتلاوة، فيتركه لو دخل وقت الكراهة اهـ. وقدمناه. قوله: (وصلاة جنازة)
فيه أنها تصح مع الكراهة كما في البحر عن الإسبيجابي وأقرّه في النهر اهـ. ح.
قلت: لكن ما مشى عليه المصنف هو الموافق لما قدمناه عن ح في الضابط وللتعليل
الآتي، وهو ظاهر الكنز والملتقى والزيلعي وبه صرح في الوافي وشرح المجمع والنقاية
وغيرها. قوله: (فلو وجبتا فيها) أي بأن تليت الآية في تلك الأوقات أو حضرت فيها
الجنازة. قوله: (أو تحريماً) أفاد ثبوت الكراهة التنزيهية. قوله: (وفي التحفة الخ) هو
كالاستدراك على مفهوم قوله ((أي تحريماً)) فإنه إذا كان الأفضل عدم التأخير في الجنازة فلا
كراهة أصلاً، وما في التحفة أقرّه في البحر والنهر والفتح والمعراج لحديث («ثَلاثٌ لا
يُؤخَّرْنَ: منها الجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ))(١) وقال في شرح المنية: والفرق بينها وبين سجدة
التلاوة ظاهر، لأن التعجيل فيها مطلوب مطلقاً إلا لمانع؛ وحضورها في وقت مباح مانع من
الصلاة عليها في وقت مكروه، بخلاف حضورها في وقت مكروه وبخلاف سجدة التلاوة،
لأن التعجيل لا يستحب فيها مطلقاً اهـ: أي بل يستحب في وقت مباح فقط، فثبتت كراهة .
التنزيه في سجدة التلاوة دون صلاة الجنازة. قوله: (وصح تطوّع بدأ به فیھا) تكرار محض
من قوله ((وينعقد نفل بشروع فيها)) اهـ. ح وقد يجاب بأن المراد أنه يصح أداؤه فيها ويخرج به
عن العهدة مع الكراهة، وما مر بيان لأصل الانعقاد وصحة الشروع فيه بحيث لو قهقه
انتقض وضوءه، بخلاف الفرض كما قدمناه عن الخانية: تأمل. قوله: (وقد نذره فيها) أي
والحال أنه قد نذر إيقاعه فيها: أي في هذه الأوقات الثلاثة: أي في أحدها، أما لو نذره
مطلقاً فلا يصح أداؤه فيها. قوله: (لوجوبه) أي ما ذكر من المسائل الثلاثة. قوله: (كما في
البحر) وقال أيضاً: وقول الزيلعي: والأفضل أن يصلي في غيره، ضعيف. قوله: (عن
البغية) بضم الباء الموحدة وكسرها: الشيء المبتغى: أي المطلوب، وهو هنا علم كتاب هو
مختصر القنية، ذكره في البحر في باب شروط الصلاة ح. قوله: (الصلاة فيها) أي في
الأوقات الثلاثة، وكالصلاة الدعاء والتسبيح كما هو في البحر عن البغية. قوله: (وكأنه الخ)
(١) أخرجه الترمذي (١٠٧٥) والحاكم ٢/ ٦٢ والبخاري في التاريخ ١٧٧/١ والخطيب في التاريخ ١٧٠/٨.

٣٦
كتاب الصلاة
(و کره نفل) قصداً ولو تحية مسجد (و كل ما كان واجباً) لا لعينه بل (لغيره) وهو ما
یتوقف وجوبه على فعله (کمنذور وركعتي طواف) وسجدتي سهو (والذي شرع فيه)
من كلام البحر. قوله: (فالأولى) أي فالأفضل ليوافق كلام البغية، فإن مفاده أنه لا كراهة
أصلاً، لأن ترك الفاضل لا كراهة فيه. قوله: (وكره نفل الخ) شروع في النوع الثاني من
نوعي الأوقات المكروهة وفيما يكره فيها، والكراهة هنا تحريمية أيضاً كما صرح به في
الحلية، ولذا عبر في الخانية والخلاصة بعدم الجواز، والمراد عدم الحل لا عدم الصحة
کما لا يخفى. قوله: (قصداً) احترز به عما لو صلى تطوّعاً في آخر الليل، فلما صلى ركعة
طلع الفجر فإن الأفضل إتمامها، لأن وقوعه في التطوع بعد الفجر لا عن قصد ولا ينوبان
عن سنة الفجر على الأصل. قوله: (ولو تحية مسجد) أشار به إلى أنه لا فرق بین ما له سبب
أو لا كما في البحر، خلافاً للشافعي فیما له سبب كالرواتب وتحية المسجد ط. قوله: (وكل
ما كان واجباً الخ) أي كان ملحقاً بالنفل، بأن ثبت وجوبه بعارض بعد ما كان نفلاً. قوله:
(على فعله) أي فعل العبد، والأولى إظهاره مثلا المنذور يتوقف على النذر وركعتا الطواف
على الطواف وسجدتا السهو على ترك الواجب الذي هو من جهته اهـ. ط.
ويرد عليه سجود التلاوة فإنه يتوقف وجوبه على التلاوة. وأجاب في الفتح بأن
وجوبه في التحقيق معلق بالسماع لا بالاستماع ولا بالتلاوة، وذلك ليس فعلاً من المكلف
بل وصف خلقي فيه، بخلاف النذر والطواف والشروع فإنها فعله ولولاه لكانت الصلاة نفلاً
اهـ. قال في شرح المنية: لكن الصحيح أن سبب الوجوب في حق التالي التلاوة دون
السماع، وإلا لزم عدم الوجوب على الأصم بتلاوته اهـ. ونحوه في البحر.
وقد يجاب بأنه وإن كان بفعله لكنه ليس أصله نقلًا، لأن التنفل بالسجدة غير مشروع،
فكانت واجبة بإيجاب الله تعالى لا بالتزام العبد، وتمامه في شرح المنية. قوله: (وركعتي
طواف) ظاهره ولو کان الطواف في ذلك الوقت المکروه ولم أره صريحاً، ويدل عليه ما
أخرجه الطحاوي في شرح الآثار عن معاذ بن عفراء («أنه طاف بعد العصر أو بعد صلاة
الصبح ولم يصل، فسئل عن ذلك، فقال: نهى رسول الله # عن صلاة بعد الصبح حتى
تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)) ثم رأيته مصرّحاً به في الحلية
وشرح اللباب. قوله: (وسجدتي سهو) أقول: تبع فيه صاحب المجتبى، ولم يظهر لي
معناه هل هو على إطلاقه أو مقيد ببعض الصلوات، فإنه لا وجه لكراهة سجود السهو فيما
لو صلى الفجر أو العصر وسها فيهما، وكذا لو قضى بعدهما فائتة وسها فيها فإنه إذا حل له
أداء تلك الصلاة كيف لا يحل له سجود السهو الواجب فيها؟ ولعله اشتبه النوع الثاني من
الأوقات بالنوع الأول، فإن ذکر سجود السهو نحو النوع الأول صحیح وقد مر، بخلاف
ذكره هنا، إلا أن يقال: إنه مقيد ببعض الصلوات وهي التي تكره في هذا النوع كالنفل

٣٧
كتاب الصلاة
في وقت مستحب أو مكروه (ثم أفسده و) لو سنة الفجر (بعد صلاة فجر و) صلاة (عصر)
ولو المجموعة بعرفة (لا) يكره (قضاء فائتة و) لو وتراً أو (سجدة تلاوة وصلاة جنازة
وكذا) الحکم من کرامة نفل وواجب لغيره لا فرض وواجب لعینه (بعد طلوع فجر سوى
سنته) لشغل الوقت به تقديراً، حتى لو نوى تطوعاً كان سنة الفجر بلا تعيين (وقبل) صلاة
والواجب لغيره، فكما يكره فعلها يكره سجود السهو فيها، ثم رأيت الرحمتي جزم بأن ذلك
سهو، فتأمل وراجع. قوله: (ولو سنة الفجر) أي ولو كان الذي شرع فيه ثم أفسده سنة
الفجر فإنه لا يجوز على الأصح، وما قيل من الحيل مردود كما سيأتي. قوله: (بعد صلاة
فجر وعصر) متعلق بقوله ((وكره) أي وكره نفل الخ بعد صلاة فجر وعصر: أي إلى ما قبيل
الطلوع، والتغير بقرينة قوله السابق ((لا ينعقد الفرض الخ)) ولذا قال الزيلعي هنا: المراد بما
بعد العصر قبل تغير الشمس، وأما بعده فلا يجوز فيه القضاء أيضاً وإن كان قبل أن يصلي
العصر اهـ. قوله: (ولو المجموعة بعرفة) عزاه في المعراج إلى المجتبى. وفي القنية إلى
مجد الأئمة الترجماني وظهير الدين المرغيناني، وذكره في الحلية بحثاً، وقال: لم أره صريحاً
وتبعه في البحر. قوله: (ولو وتراً) لأنه على قوله واجب يفوت الجواز بفوته، وهو معنى
الفرض العملي، وعلى قولهما سنة مخالفة لغيرها من السنن، ولذا قالا: لا تصح من قعود،
وعن هذا قال في القنية: الوتر يقضى بعد الفجر بالإجماع بخلاف سائر السنن. قوله: (أو
سجدة تلاوة) لوجوبها بإيجابه تعالى لا بفعل العبد كما علمته فلم تكن في معنى النفل. قوله:
(لشغل الوقت به) أي بالفجر: أي بصلانه، ففي العبارة استخدام. ط: أي لأن المراد
بالفجر الزمن لا الصلاة، ثم هذا علة لقوله ((وكره) وفيه جواب عما أورده من أن قوله (وَالآز ((لا
صَلَةَ بعدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بعدَ الفَجْرِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)) رواه
الشيخان(١) يعمّ النفل وغيره وجوابه أن النهي هنا لنقصان في الوقت بل ليصير الوقت
كالمشغول بالفرض فلم يجز النفل، ولا ما ألحق به مما ثبت وجوبه بعارض بعد ما كان نفلاً
دون الفرائض وما في معناها بخلاف النهي عن الأوقات الثلاثة فإنه لمعنى في الوقت وهو
كونه منسوباً للشيطان فيؤثر في الفرائض والنوافل وتمامه في شروح الهداية. قوله: (حتى لو
نوى الخ) تفريع على ما ذكره من التعليل: أي وإذا كان المقصود كون الوقت مشغولًا
بالفرض تقديراً وسنته تابعة له، فإذا تطوّع انصرف تطوعه إلى سنته لئلا يكون آتياً بالمنھيّ
عنه، فتأمل. قوله: (بلا تعيين) لأن الصحيح المعتمد عدم اشتراطه في السنن الرواتب،
وأنها تصح بنية النفل وبمطلق النية؛ فلو تهجد بركعتين يظن بقاء الليل فتبين أنهما بعد الفجر
كانتا عن السنة على الصحيح فلا يصليها بعده، للكراهة. أشباه. قوله: (وقبل صلاة مغرب)
(١) عن حديث أبي سعيد الخدري البخاري ٢/ ٦١ (٥٨٦) ومسلم ١/ ٥٦٧ (٨٢٧/٢٨٨).

٣٨
كتاب الصلاة
(مغرب) لكراهة تأخيره إلا يسيراً (وعند خروج إمام) من الحجرة أو قيامه للصعود إن لم
يكن له حجرة (لخطبة) ما، وسيجيء أنها عشر (إلى تمام صلاته) بخلاف فائتة فإنها لا
عليه أكثر أهل العلم، منهم أصحابنا ومالك، وأحد الوجهين عن الشافعي، لما ثبت في
الصحيحين وغيرهما مما يفيد أنه # كان يواظب على صلاة المغرب بأصحابه عقب
الغروب، ولقول ابن عمر رضي الله عنهما ((ما رأيتُ أحداً على عهدٍ رسول الله الفول
يُصلِّیھما» رواه أبو داود وسكت عنه، والمنذري في مختصره وإسناده حسن. وروی محمد عن
أبي حنيفة عن حماد أنه سأل إبراهيم النخعي عن الصلاة قبل المغرب، قال: فنهى عنها،
وقال: إن رسول الله : ﴿ وأبا بكر وعمر لم يكونوا يصلونها. وقال القاضي أبو بكر بن
العربي: اختلف الصحابة في ذلك ولم يفعله أحد بعدهم؛ فهذا يعارض ما روي من فعل
الصحابة ومن أمره # بصلاتهما، لأنه إذا اتفق الناس على ترك العمل بالحديث المرفوع لا
يجوز العمل به لأنه دليل ضعفه على ما عرف في موضعه، ولو كان ذلك مشتهراً بين الصحابة
لما خفي على ابن عمر، أو يحمل ذلك على أنه كان قبل الأمر بتعجيل المغرب، وتمامه في
شرحي المنية وغيرهما. قوله: (لكراهة تأخيره) الأولى تأخيرها: أي الصلاة، وقوله ((إلا
يسيراً» أفاد أنه ما دون صلاة ركعتين بقدر جلسة، وقدمنا أن الزائد عليه مكروه تنزيهاً ما لم
تشتبك النجوم، وأفاد في الفتح وأقره في الحلية والبحر أن صلاة ركعتين إذا تجوّز فيها لا
تزيد على اليسير فيباح فعلهما، وقد أطال في تحقيق ذلك في الفتح في باب الوتر والنوافل.
تنبيه: يجوز قضاء الفائتة وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة فى هذا الوقت بلا كراهة،
ويبدأ بصلاة المغرب ثم بالجنازة ثم بالسنة، ولعله لبيان الأفضلية. وفي الحلية: الفتوى
على تأخير صلاة الجنازة عن سنة الجمعة، فعلى هذا تؤخر عن سنة المغرب لأنها آكد اهـ.
بحر. وصرح في الحاوي القدسي بكراهة المنذورة وقضاء ما أفسده والفائتة لغير صاحب
ترتيب، وهو تقييد حسن، ويقي ركعتا الطواف فتكره أيضاً كما صرح به في الحلية، ويفهم
من كلام المصنف أيضاً، فإن قوله ((وقبل صلاة مغرب)) معطوف على قوله ((بعد طلوع فجر))
فيكره في الثاني جميع ما يكره في الأول؛ نعم صرح في شرح اللباب أنه لو طاف بعد صلاة
العصر يصلي ركعتيه قبل سنة المغرب كالجنازة. قوله: (وعند خروج إمام) لحديث
الصحيحين وغيرهما ((إذا قلت لصاحبك انصت والإمام يخطب فقد لغوت)) فإذا نهي عن الأمر
بالمعروف وهو فرض فما ظنك بالنفل؟ وهذا قول الجمهور من أهل العلم كما قاله ابن بطال
منهم أصحابنا ومالك، وذكره ابن أبي شيبة عن عمر وعثمان وعليّ وابن عباس وغيرهم من
التابعين، فما روي مما يدل على الجواز كان قبل التحريم فلا يعارض أدلة المنع، وتمام
الأدلة في شرحي المنية وغيرهما، ثم هذا معطوف على ما قبله فيكره فيه ما يكره فيه كما
بينا. قوله: (لخطبة ما) أتى بـ((ما)) لتعميم الخطبة، وشمل ما إذا كان ذلك قبلها وبعدها،

٣٩
كتاب الصلاة
تكره، وقيدها المصنف في الجمعة بواجبة الترتيب، وإلا فيكره، وبه يحصل التوفيق
بين كلامي النهاية والصدر (وكذا بكره تطوّع عند إقامة صلاة مكتوبة) أي إقامة إمام مذهبه
سواء أمسك الخطيب عنها أم لا. بحر. قوله: (وسيجيء أنها عشر) أي في باب العيدين،
وهي: خطبة جمعة وفطر وأضحى، وثلاث خطب الحج، وختم ونكاح، واستسقاء
وكسوف، والمراد تعداد الخطب المشروعة في الجملة، وإلا فخطبة الكسوف مذهب
الشافعي، والظاهر عدم كراهة التنفل فيها عند الإمام لعدم مشروعيتها عنده، وبه صرح في
الحلية، وكذا خطبة الاستسقاء مذهب الصاحبين، فيقال فيها كذلك وقد يجاب بما في
القهستاني حيث نقل رواية عن الإمام بمشروعية خطبة الكسوف، ولعل من ذكرها كالخانية
وغيرها جنح إلى هذه الرواية، فصح كونها عشراً عندنا، ولا يخفى أن قوله ((خروج إمام من
الحجرة وقيامه للصلاة)) قيد فيما يناسبه منها وهو ما عدا خطبة النكاح وخطبة ختم القرآن،
فافهم. وعلة الكراهة في الجميع تفويت لاستماع الواجب فيها كما صرّح به في المجتبى.
قوله: (وقيدها) أي قيد الفائتة التي لا تكره حال الخطبة ط. قوله: (بين كلامي النهاية
والصدر) فإن صدر الشريعة يقول: تكره الفائتة، وصاحب النهاية يقول: لا تكره كما في
شرح المصنف ح. قوله: (عند إقامة صلاة مكتوبة) أطلقها مع أنه قيدها في الخانية
والخلاصة، وأقره في الفتح وغيره من الشراح بيوم الجمعة، وتبعهم في شرح المنية وقال:
وأما في غير الجمعة فلا يكره بمجرد الأخذ بالإقامة ما لم يشرع الإمام في الصلاة ويعلم أنه
يدركه في الركعة الأولى وكان غير مخالط للصف بلا حائل. والفرق أنه في الجمعة لكثرة
الاجتماع لا يمكن غالباً بلا مخالطة للصف اهـ. ملخصاً. وسيأتي في باب إدراك الفريضة.
مَطْلَبٌ في تَكْرَارِ الجَمَاعَةِ والاقْتِدَاء بالمخالفِ
قوله: (أي إقامة إمام مذهبه) قال الشارح في هامش الخزائن: نص على هذا مولانا
منلا علي شيخ القراء بالمسجد الحرام في شرحه على لباب المناسك اهـ. وهو مبني على
أنه لا يكره تكرار الجماعة في مسجد واحد، وسيذكر في الأذان، وكذا في باب الإمامة ما
يخالفه وقد ألف جماعة من العلماء رسائل في كراهة ما يفعل في الحرمين الشريفين وغيرهما
من تعداد الأئمة والجماعات، وصرحوا بأن الصلاة مع أول إمام أفضل، ومنهم صاحب
المنسك المشهور العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ المحقق ابن الهمام.
فقد نقل عن العلامة الخير الرملي في باب الإمامة أن بعض مشايخنا سنة إحدى
وخمسين وخمسمائة أنكر ذلك منهم الشريف الغزنوي، وأن بعض المالكية في سنة خمسين
وخمسمائة أفتى بمنع ذلك على المذاهب الأربعة، ونقل عن جماعة من علماء المذاهب إنكار
ذلك أيضاً اهـ. لكن ألف العلامة الشيخ إبراهيم البيري شارح الأشباه رسالة سماها [الأقوال
المرضية] أثبت فيها الجواز وكراهة الاقتداء بالمخالف، لأنه وإن راعى مواضع الخلاف لا

٤٠
كتاب الصلاة
لحديث ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (إلا سنة فجر إن لم يخف فوت جماعتها)
ولو بإدراك تشهدها، فإن خاف ترکها أصلاً، وما ذكر من الحيل مردود؛ و کذا يكره غیر
المكتوبة عند ضيق الوقت (وقبل صلاة العيدين مطلقاً، وبعدها بمسجد لا ببيت) في
يترك ما يلزم من تركه مكروه مذهبه: كالجهر بالبسملة، والتأمين، ورفع اليدين، وجلسة
الاستراحة، والصلاة على النبي ◌َّقه في القعدة الأولى، ورؤيته السلام الثاني سنة، وغير
ذلك مما تجب فيه الإعادة عندنا أو تستحب؛ وكذا ألف العلامة الشيخ علي القاري رسالة
سماها [الاهتداء في الاقتداء] أثبت فيها الجواز، لكن نفى فيها كراهة الاقتداء بالمخالف إذا
راعى في الشروط والأركان فقط، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى في باب الإمامة. قوله:
(لحديث الخ) رواه مسلم وغيره. قال ط: ويستثنى من عمومه الفائتة واجبة الترتيب فإنها
تصلى مع الإقامة. قوله: (إلا سنة فجر) لما روى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود أنه دخل
المسجد وأقيمت الصلاة فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى أسطوانة وذلك بمحضر
حذيفة وأبي موسى، ومثله عن عمر وأبي الدرداء وابن عباس وابن عمر كما أسنده الحافظ
الطحاوي في شرح الآثار، ومثله عن الحسن ومسروق والشعبي. شرح المنية. قوله: (ولو
بإدراك تشهدها) مشى في هذا على ما اعتمده المصنف والشرنبلالي تبعاً للبحر، لكن ضعفه
في النهر، واختار ظاهر المذهب من أنه لا يصلي السنة إلا إذا علم أنه يدرك ركعة، وسيأتي
في باب إدراك الفريضة ح. قلت: وسنذكر هناك تقوية ما اعتمده المصنف عن ابن الهمام
وغيره. قوله: (تركها أصلاً) أي لا يقضيها قبل الطلوع ولا بعده، لأنها لا تقضي إلا مع
الفرض إذا فات، وقضى قبل زوال يومها ح. قوله: (وما ذكر من الحيل) وهي أن يشرع فيها
فيقطعها قبل الطلوع، أو يشرع فيها ثم يشرع في الفرض من غير قطعها ثم يقضيها قبل
الطلوع.
ورده من وجهين: الأول أن الأمر بالشروع للقطع قبيح شرعاً وفي كل منهما قطع.
والثاني أن فيه فعل الواجب لغيره في وقت الفجر وأنه مكروه كما تقدم ح. قوله: (وكذا
يكره غير المكتوبة) أل فيه للعهد: أي المكتوبة الوقتية، فشملت الكراهة النفل والواجب
والفائتة ولو كان بينها وبين الوقتية ترتيب، وكذلك أل في الوقت للعهد: أي الوقت المعهود
الكامل وهو المستحب، لما سيأتي في باب قضاء الفوائت من أن الترتيب يسقط بضيق
الوقت المستحب؛ ولو قال: وكذا يكره غير الوقتية عند ضيق الوقت المستحب لكان
أولى، أفاده ح.
تنبيه: رأيت بخط الشارح في هامش الخزائن ((ولو تنفل ظاناً سعة الوقت ثم ظهر أنه
إن أتم شفعاً يفوت الفرض لا يقطع كما لو تنفل ثم خرج الخطيب، كذا في آخر شرح
المنية" اهـ. فتأمل. قوله: (مطلقاً) أي سواء كان في المسجد أو في البيت بقرينة التفصيل