النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
فلم يجز على متخذ من زجاج وخشب أو حديد (وهو جائز) فالغسل أفضل إلا لتهمة فهو
أفضل، بل ينبغي وجوبه علی من ليس معه إلا ما يكفيه، أو خاف فوت وقت أو وقوف
الحوائج التي تلزم لأغلب الناس، وفي حالة السفر يعتبر مدته.
ويقرب منه ما اعتبره الشافعية من التقدير بمتابعة المشي للمقيم يوماً وليلة وللمسافر
ثلاثة أيام ولياليها اعتباراً بمدة المسح، لكن قد يقال: لما ثبت أن هذا الخف صالح للمسح
عليه للمقيم قطع النظر عن حالة السفر، لأن المسافر في الغالب يكون راكباً ولا يزيد مشيه
غالباً على مقدار الفرسخ، فالأظهر اعتبار الفرسخ في حقهما، ومحمل قول من قال مسافة
السفر على السفر اللغوي دون الشرعي كما يشير إليه كلام القهستاني السابق. تأمل.
تنبيه: المتبادر من كلامهم أن المراد من صلوحه لقطع المسافة أن يصلح لذلك بنفسه
من غیر لبس المداس فوقه، فإنه قد یرق أسفله ویمشي به فوق المداس أياماً وهو بحيث لو
مشى به وحده فرسخاً تخرق قدر المانع، فعلى الشخص أن يتفقده ويعمل به بغلبة ظنه.
وقد وقع اضطراب بين بعض العصريين في هذه المسألة، والظاهر ما قدمته وهو
الأحوط أيضاً، وقد تأيد ذلك عندي برؤيا رأيت فيها النبي وَ﴿ بعد تحرير هذا المحل بأيام
فسألته عن ذلك، فأجابني ول# بأنه إذا رقّ الخف قدر ثلاث أصابع منع المسح، وكان ذلك
في ذي القعدة سنة ١٢٣٤ ولله الحمد، ثم رأيت التصريح بذلك في كتب الشافعية. قوله:
(فلم يجز الخ) وكذا لو لفّ على رجله خرقة ضعيفة لم يجز المسح، لأنه لا تنقطع به مسافة
السفرا. هـ. سراج عن الإيضاح. قوله: (فالغسل أفضل) وجه التفريع أنه لو كان المسح
أفضل لكان المناسب أن يقول: وهو مستحب، فعدوله إلى قوله ((وهو جائز)) يفيد أن الغسل
أفضل منه لأنه أشق على البدن. قوله: (إلا لتهمة) أي لنفيها عنه، لأن الروافض والخوارج
لا يرونه، وإنما يرون المسح على الرجل فإذا مسح الخف انتفت التهمة، بخلاف ما إذا
غسل فإن الروافض قد يغسلون تقية ويجعلون الغسل قائماً مقام المسح فيشتبه الحال في
الغسل فيتهم، أفاده ح.
ثم إن ما ذكره الشارح نقله القهستاني عن الكرماني، ثم قال: لكن في المضمرات
وغيره أن الغسل أفضل، وهو الصحيح كما في الزاهدي ا. هـ.
وفي البحر عن التوشيح، وهذا مذهبنا، وبه قال الشافعي ومالك: وقال الرستغفني
من أصحابنا: المسح أفضل، وهو أصح الروايتين عن أحمد، إما لنفي التهمة، أو للعمل
بقراءة الجر، وتمامه فيه. قوله: (بل ينبغي الخ) أصل البحث لصاحب البحر، فإنه نقل ذلك
عن كتب الشافعية، ثم قال: وقواعدنا لا تأباه. قوله: (إلا ما يكفيه) أي يكفي المسح فقط،
بأن كان لو غسل به رجليه لا يكفيه للوضوء، ولو توضأ به ومسح كفاه. قوله: (أو خاف)
عطف على صلة من. قوله: (أو وقوف) أي إنه إذا غسل رجليه يدرك الصلاة، لكن يخاف

٤٤٢
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
عرفة. بحر. وفي القهستاني أنه رخصة مسقطة للعزيمة، ولهذا لو صبّ الماء في خفه
فوت الوقوف بعرفة، وإذا مسح يدركهما جميعاً يجب المسح، بل لو كان بحيث لو صلى فاته
الوقوف قدم الوقوف للمشقة كما في النهر، لكنه أحد قولين حكاهما العمادي في مناسكه.
قوله: (رخصة)(١) هي ما بني على أعذار العباد، ويقابلها العزيمة، وهي ما كان أصلها غير
مبني على أعذار العباد، وهو الأصح في تعريفهما. بحر. قوله: (مسقطة للعزيمة) أي
مسقطة لمشروعيتها، فلا تبقى العزيمة مشروعة، فإذا أراد تحصين العزيمة مع بقاء سبب
الرخصة يأثم، لكنه قد لا يتأتى له تحصيلها، كما إذا نوى الظهر أربعاً في السفر فإنه لا يتأتى
له جعل الأربعة فرضاً، بل الفرض الأوليان إذا قعد القعدة الأولى، وإثمه حينئذ لبناء النفل
على الفرض، وقد يتأتى له تحصليها كغسل الرجلين ما دام متخففاً، أفاده ح عن شيخه
السيد. ثم قال: واحترز بقوله ((مسقطة)) عن رخصة الترفيه، فإن العزيمة تبقى فيها مشروعة
(١) الرخصة لغة التسهيل في الأمر والتيسير. يقال: رخص الشارع لنا في كذا ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً إذا يسره
وسهله. وفلان يترخص في الأمر أي لم يستقص، واصطلاحاً الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، وذلك
كرخصة جمع الصلاة، فإنها حكم ثبت على خلاف في الدليل الدال على وجوب أداء الصلاة في أوقاتها المحددة لنا
شرعاً، وذلك الدليل هو قوله. عليه الصلاة والسلام -: ((أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت
الشمس)). الحديث. فبين فيه وقت كل صلاة من الصلوات الخمس، وقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وقد
ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه جمع الصلاة في السفر على خلاف هذا الدليل لعذر هو المشقة التي تلحق المسافر،
فيكون جمع الصلاة في السفر رخصة شرعية لصدق حد الرخصة الشرعية عليه، وقوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية. دل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة جواز
المسح على الخفين بدلاً عن غسل الرجلين في الوضوء لمشقة النزع لكل وضوء كما تقدم، فيكون المسح على
الخفين رخصة شرعية لصدق حد الرخصة الشرعية عليه، وقد صرحت الأحاديث الصحيحة بأن المسح على
الخفين رخصة للمسافر والمقيم كما في حديث ابني خزيمة، وحبان أن النبي # أرخص للمسافر ثلاثة أيام
ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما، فقوله أرخص صريح في أنه رخصة والمتبادر
منه المعنى الشرعي للرخصة لا المعنى اللغوي، وخالف بعض العلماء، وقال إن المسح على الخفين رخصة
لغوية، لأنه لا يصدق عليه حد الرخصة الشرعية، وشبهه في ذلك أن كل من لبس الخف الشرعي المستوفي لشروط
المسح يجوز له المسح عليه مطلقاً، أي سواء شق عليه النزع لكل وضوء أم لا، وسواء أكان في حاجة إلى لبسه أم
لا)) حتى الزمن الذي لا يمشي، والمرأة الملازمة بيتها يجوز لها المسح عليه فهو جائز، وإن لم يكن هناك عذر،
والرخصة الشرعية إنما تكون لعذر، فليس برخصة شرعية، وما ورد من الأحاديث المصرحة بأنه رخصة فقد حملها
على الرخصة اللغوية لذلك، وقال: ((إن أرخص في الحديث معناه يسر وسهل، والحق أنه رخصة شرعية، ودعوى
أن حد الرخصة الشرعية لا يصدق عليه ممنوع. بل هو صادق عليه، فإن جواز المسح وإجزاءه حكم ثبت بالأحاديث
الصحيحة على خلاف الدليل الدال على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، أو هو آية الوضوء، لعذر كما بينا، ولا
زالت دلالتها باقية لم تفسخ، وذلك العذر هو المشقة التي تحصل من النزع لكل وضوء مع الحاجة إلى لبس الخفين
لوقاية الرجلين. وكونه جائزاً، وإن لم يكن عذر لا يمنع من صدق حد الرخصة الشرعية عليه، لأن المعتبر في
المشقة. وجودها غالباً، فلا يلزم وجودها بالفعل مع كل شخص. كما هي الحال في غيرها من الرخص، فإن مشقة
السفر مثلاً بالنسبة لرخص القصر والجمع والفطر ليست متحققة في كل مسافر كما لا يخفى مع أنها رخص باتفاق،
وبهذا تبين أنه رخصة شرعية. أنظر أحكام المسح على الخفين للأستاذ محمد سيد أحمد.

٤٤٣
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
بنية الغسل ينبغي أن يصير آثماً
مع بقاء سبب الرخصة كالصوم في السفر. قوله: (ينبغي أن يصير آئماً) أي لما علمت من أن
العزيمة لم تبق مشروعة ما دام متخففاً. بخلاف ما إذا نزع وغسل لزوال سبب الرخصة.
هذا وقد بحث العلامة الزيلعي في جعلهم المسح رخصة إسقاط بأن المنصوص عليه
في عامة الكتب أنه لو خاض ماء بخفه فانغسل أكثر قدميه بطل المسح؛ وكذا لو تكلف
غسلهما من غير نزع أجزأه عن الغسل حتى لا يبطل بمضي المدة، قال: فعلم أن العزيمة
مشروعة مع الخف (١)١ هـ.
(١) مذهب الشافعية جواز المسح على الخف الشرعي لمن لبسه بشرطه بدلاً عن غسل الرجلين في الوضوء، وعليه
الصحابة والجمهور، وبه قال عامة الفقهاء، وبه قال مالك في رواية عنه، وروى الشافعي عنه أنه قال: يكره ذلك،
وقالت الشيعة والخوارج وأبو بكر بن داود الظاهري لا يجوز، وهو رواية ابن أبي ذؤيب عن مالك أنه أبطل المسح
على الخفين في آخر أيامه، ويدل لنا أولًا: إجماع من يعتد في الإجماع على جواز المسح على الخفين، سواء كان
لحاجة أو لغيرها حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها، والزمن الذي لا يمشي، فخلاف الشيعة والخوارج لا يعتد به،
فقد نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال : - ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن کل من روی
عنه منهم إنكاره فقد روى عنه إثباته. وقال: ليس في المسح على الخفين اختلاف هو جائز اهـ. وقال جماعات من
السلف نحو ذلك. أو قال ابن عبد البر لا أعلم من روى عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك مع أن
الروايات الصحيحة مصرحة عنه بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف
المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقاً.
ثانيهما: للمسافر دون المقيم.
وثانياً: السنة المروية من الطرق المختلفة بالأسانيد الصحيحة المتواترة معنى أن رسول الله 8* مسح على خفيه،
وترخيصه فیه، واتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه .
فمن ذلك أولًا ما ثبت في الصحيحين عن جرير البجلي - رضي الله تعالى عنه - قال: رأيت رسول الله ێز، يمسح
على الخفين. ورواه أبو داود، وزاد في روايته قالوا لجرير: إنما كان هذا قبل نزول المائدة، فقال جرير: وما
أسلمت إلا بعدها، وكان إسلام جرير متأخراً جداً .
قال الأذرعي: كان إسلامه في العاشرة من الهجرة رضي الله عنه اهـ.
وفي سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم. رحمه الله .قال: ما سمعت في المسح على الخفين حديثاً أحسن من حديث
جرير.
وثانياً: ما ثبت فيهما أيضاً من رواية المغيرة أن النبي # مسح على الخفين في غزوة تبوك، وهي من آخر
أيامه ، وقد اتفق العلماء على أن آية الوضوء المذكورة في المائدة نزلت قبل غزوة تبوك بمدة، والأحاديث الدالة
على مشروعية المسح على الخفين كثيرة متواترة معنى، قال الحافظ في الفتح: وقد صرح جمع من الحفاظ بأن
المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فبلغوا الثمانين ومنهم العشرة المبشرة بالجنة، وقال الحسن
البصري: حدثني بالمسح على الخفين سبعون بدرياً، يعني أن بعضهم شافهه، وبعضهم روي له عنه، لأن الحسن
لم يلق سبعين بدرياً. وقال النووي في شرح مسلم: وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة،
وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة، وقال: ليس في قلبي من المسح على الخف شيء،
وقال النخعي: من رغب عن المسح على الخفين فقد رغب عن سنة محمد ولار، وقال الإمام أبو حنيفة، - رضي الله
تعالى عنه - ما قلت بالمسح على الخف إلا أنه جاء، مثل ضوء النهار، وأخاف الكفر على من أنكره وبه قال عامة
الفقهاء. إلى غير ذلك من عبارات المحدثين الدالة على تواتره.
وثالثاً: قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ على قراءة الجر، فقد استدل به بعض الفقهاء على جواز المسح =

٤٤٤
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
= على الخفين جمعاً بينها وبين الأدلة الموجبة لغسل الرجلين، وتحديده بالكعبين مع الاتفاق على عدم استيعاب الخف
بالمسح لبيان محل الإجزاء لا للاستيعاب.
ورابعاً: أن الخف تدعو الحاجة إلى لبسه، وفي نزعه لكل وضوء مشقة، فجاز المسح عليه كالجبائر للاتفاق على
جواز المسح علیھما.
واستدل المانعون أولاً. بقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين، فكانت هذه الآية موجبة لتطهير الأعضاء الأربعة، فلم يجز العدول عنها إلى حائل دونها لما فيه من ترك
الأمر بها.
والجواب عنه من وجهين:
الأول: أنها وإن أوجبت غسل الرجلين فالسنة جاءت بالرخصة في المسح على الخفين، وكانت الآية دالة على
غسل الرجلين، إذا ظهرتا، والسنة واردة في المسح على الخفين إذا لبسا فقولكم: فلم يجز العدول عنها إلى حائل
دونها لما فيه من ترك الأمر بها. ممنوع؛ لأن ذلك تخصيص لا نسخ.
بيان إن الذين آمنوا في الآية الشريفة عام يشمل اللابس للخف، وغير اللابس له، والعام يحتمل خروج بعض أفراده
عن تناول الحكم له، فاحتمل خروج لابس الخف عن توجه إيجاب غسل الرجلين بعينه له، وقد بين الإجماع والسنة
المتواترة الصحيحة الصريحة في أن النبي # كان يمسح على الخفين بعد نزول هذه الآية کما في خبري جرير
والمغيرة المتقدمین، وخروج لابس الخف وعدم توجه إيجاب الغسل بعينه له، فثبت خروجه وأنه من باب
التخصيص، وليس فيه ترك الأمر بالآية. كما أن هذا العام نفسه كان شاملً للمحدث وغيره، فلما صلى النبي #
بوضوء واحد صلاتين فأكثر علم أن غير المحدث (وهو المتوضئ) لا يجب عليه الوضوء بل يجوز له التجديد، ولم
یکن هذا من قبیل النسخ بل تخصيص للآية كذلك.
والثاني: أن في الآية قراءتين: النصب. والجر فتحمل قراءة النصب على الغسل إذا كانتا ظاهرتين - وتحمل قراءة
الجر على المسح إذا كانتا في الخفين، فتكون الآية باختلاف القراءتين دالة على الأمرين.
وثانياً: بما روي عن النبي آ﴾ أنه توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ومسح برأسه، وغسل رجليه، وقال: هذا وضوء لا
يقبل الله الصلاة إلا به، فكان هذا الخبر مانعاً من قبول الصلاة بالمسح على الخفين لأنه ليس يمثل وضوءه.
والجواب عنههو: أنه محمول على أول الإسلام قبل الرخصة في المسح على الخفين. على أنه قال ذلك، وهو
طاهر القدمين. ومن كان طاهر القدمين لم يجزه المسح على الخفين.
وثالثاً: بما روي أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه سأل أبا مسعود البدري عن المسح على الخفين، فقال أبو
مسعود: رأيت رسول الله ﴿﴿ يمسح عليهما . فقال له علي: أكان ذلك قبل سورة المائدة أو بعدها، فسكت أبو
مسعود، قالوا: فكان علي يرى ذلك منسوخاً بسورة المائدة:
والجواب عنه من وجوه:
الأول أن الرواية الثانية عن علي بالمسح على الخفين تمنع صحة هذا الحديث، فقد روي في صحيح مسلم وغيره
عن شريح بن هانئٌ قال: سألت عائشة- رضي الله عنها - عن المسح على الخفين، فقالت سل علياً، فإنه أعلم بهذا
مني. كان يسافر مع رسول الله #، فسألته، فقال: قال رسول الله ﴾ر: ((للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم
یوم ولیلة).
والثاني: أنه إنما سأله استخباراً عن زمان المسح لا إنكاراً له.
والثالث: أنه إنما سأله ليظهر في الناس قلة ضبطه، وضعف حزمه، وسوء فهمه، لأن أبا مسعود كان ممن توقف عن
بيعته.
ورابعاً: بما روي عن عائشة أنها أنكرت المسح على الخفين، وقالت: «لأن تقطع رجلاي بالموس أحب إلي من
المسح على الخفین)، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنها لم تنكر المسح على الخفين، وإنما كرهت بذلك السفر المحوج إلى المسح عليهما، وقالت: لأن
تقطع رجلاي فلا أسافر أحب إلي من السفر الذي أمسح فيه على الخفين.

٤٤٥
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
ودفعه في الفتح بمنع صحة هذا الفرع، لاتفاقهم على أن الخف اعتبر شرعاً مانعاً
سراية الحدث إلى القدم فتبقى القدم على طهارتها ويحل الحدث بالخف فيزال بالمسح.
فیکون غسل الرجل في الخف وعدمه سواء في أنه لم يزل به الحدث لأنه في غیر محله.
واعترض أيضاً الدرر على الزيلعي مع تسليم صحة الفرع المذكور بما أشار إليه
الشارح من أن المشروعية في قولهم: إن المسح رخصة مسقطة لمشروعية العزيمة، ليس
المراد بها الصحة كما فهمه الزيلعي فاعترضهم بالفرع المذكور، وإنما المراد بها الجواز
المترتب عليه الثواب، فالمتخفف ما دام متخففاً لا يجوز له الغسل، حتى إذا تكلف وغسل
بلا نزع أثم، وإن أجزأه عن الغسل، وإذا نزع وزال الترخص صار الغسل مشروعاً يثاب
عليه، وقد انتصر البرهان الحلبي في شرحه على المنية للإمام الزيلعي. وأجاب عما في
الفتح والدرر، وبينا ما في كلامه من النظر فيما علقناه على البحر.
والحاصل أن ما ذكره الزيلعي من الفرع المذكور تبعاً لعامة الكتب مسلم، بل صححه
غير واحد كما سيذكره الشارح في النواقض. وما ذكره في الفتح من منع صحته موافق لما
نقله الزاهدي وغيره، واستظهره في السراج؛ ومشى عليه المصنف فيما سيأتي، ويأتي
= وثانيهما: أن إنكارها مع ثبوت السنة واشتهارها، وعمل الصحابة بها مرفوع ليس فيه دليل.
وخامساً: بما قد روي أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه، فأنكر
عليه، والجواب عنه أن سعداً قال لابن عمر حين أنكر عليه: سل أباك: فسأله فقال: أصاب السنة.
وسادساً: بما قدروي عن جابر بن يزيد الجعفي أنه قال: لم يختلف أهل بيت رسول الله 8# - في ثلاثة أشياء:
أحدها: أن لا يقولوا في أبي بكر وعمر إلا خيراً.
والثاني: ألا يمسحوا على الخفين.
والثالث: أن يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم والجواب عنه أن جابراً ضعيف، ومتروك الحديث، وقد مسح علي،
وابن عباس، وهما من أهل بيت رسول الله ﴿، على أنه روي عنه أنه قال: ((وأن تمسحوا على الخفين))، فروي
عنهم أي عن أهل بيت رسول الله جوازه، فتكون هذه الرواية هي الصحيحة عنه لموافقتها السنة الصحيحة،
والإجماع على جواز المسح عليهما ..
وسابعاً . قالوا: ولأنكم أنكرتم المسح على الرجلين، وذلك أقرب إلى تطهيرهما من المسح على الخفين، فكيف
وأنتم تنكرون ما هو أيسر وأقرب تستجيزون ارتكاب ما هو أعظم وأبعد؟ !. والجواب عنه. هو أنه اعتراض على
السنة في الموضعین، ومنتقض بالمسح على الجبائر، فإنه يجوز باتفاق.
وثامناً . قالوا: ولأنه لما امتنع من أراد الوضوء من سائر الأعضاء أي باقيها أن يمسح على حائل دونها امتنع مثله في
الرجلين فلا يجوز له أن يمسح على حائل دونهما، والجواب عنه هو أن السنة استثنت الرجلين في جواز الانتقال من
غسلهما إلى المسح على الخفين. دون سائر الأعضاء، ولا يقاس مخصوص على منصوص.
وتاسبعاً . قالوا: ولأن غسل الرجلين قد يجب في غسل الجنابة كوجوبه من الوضوء، فلما لم يجز في الجنابة أن يعدل
إلى مسح الخفين بدلاً من غسلهما كذلك في الوضوء. ينظر المسح على الخفين. محمد سيد أحمد نيل الأوطار ١/
٢١٩.

٤٤٦
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
(بسنة مشهورة) فمنكره مبتدع، وعلى رأي الثاني كافر. وفي التحفة ثبوته بالإجماع، بل
بالتواتر، رواته أكثر من ثمانين منهم العشرة. قهستاني. وقيل بالكتاب، وردّ بأنه غير
مغياً بالكعبین إجماعاً، فالجر بالجوار (لمحدث)
الكلام عليه فافهم. قوله: (بسنة) متعلق بقوله ((جائز)) وهي لغة: الطريقة والعادة.
واصطلاحاً في العبادات: النافلة، وفي الأدلة وهو المراد هنا: ما روي عنه وَ ل# قولا أو فعلاً
أو تقريراً لأمر عاينه، والمسح روي قولاً وفعلاً.
مَطْلَبْ : تَعْرِيفُ الحَديثِ المَشْهُورِ
قوله: (مشهورة) المشهور في أصول الحديث: ما يرويه أكثر من اثنين في كل طبقة
من طبقات الرواة ولم يصل إلى حد التواتر. وفي أصول الفقه: ما يكون من الآحاد في
العصر الأول: أي عصر الصحابة، ثم ينقله في العصر الثاني وما بعده قوم لا يتوهم
تواطؤهم على الكذب، فإن كان كذلك في العصر الأول أيضاً فهو المتواتر، وإن لم يكن
كذلك في العصر الثاني أيضاً فهو الآحاد. وبه علم أن المشهور عند الأصوليين قسيم
للآحاد والمتواتر. وأما عند المحدثين فهو قسم من الآحاد، وهو ما لم يبلغ رتبة التواتر.
والذي وقع الخلاف في تبديع منكره أو تكفيره هو المشهور المصطلح عند
الأصوليين لا عند المحدثين، فافهم. قوله: (وعلى رأي الثاني كافر) أي بناء على جعله
المشهور قسماً من المتواتر، لكن قال في التحرير: والحق الاتفاق على عدم الإكفار بإنكار
المشهور الآحادية أصله، فلم يكن تكذيباً له عليه الصلاة والسلام، بل ضلالة لتخطئة
المجتهدين. قوله: (وفي التحفة) أي للإمام محمد السمر قندي التي شرحها تلميذه الكاشاني
بشرح عظيم سماه البدائع. قوله: (بالإجماع) ولا عبرة بخلاف الرافضة. وأما من لم يره كابن
عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم فقد صح رجوعه ح. قوله: (بل بالتواتر الخ)
ليس هذا من عبارة التحفة، بل عزاه القهستاني إلى ابن حجر.
ثم الظاهر أن هذا بناء على أن ذلك العدد يفيد اليقين والعلم الضروري، ويرفع تهمة
الكذب بالكلية، وكأن الإمام توقف في إفادته ذلك أو لم يثبت عنده هذا العدد، ولذا قال:
أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز
التواتر. قوله: (رواته) أي من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. قوله: (وقيل بالكتاب) أي
بقراءة الجرّ في. وأرجلكم - بناء على إرادة المسح بها، لعطفها على الممسوح جمعاً بينها
وبين قراءة النصب المراد بها الغسل لعطفها على المغسول. قوله: (فالجرّ بالجوار) أي كما
في قوله تعالى: ﴿عذاب يوم محيط﴾ ﴿وحور عين﴾ المعطوف على- ولدان مخلدون- لا
على - أكواب - إذ لا يطوف عليهم الولدان بالحور، ونظيره في القرآن والشعر كثير، فهو في

٤٤٧
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
ظاهره عدم جوازه لمجدد الوضوء، إلا أن يقال: لما حصل له القربة بذلك صار كأنه
محدث (لا لجنب) وحائض، والمنفي لا يلزم تصويره، وفيه أن النفي الشرعي يفتقر إلى
المعنى معطوف على المنصوب، وإنما عدل عن النصب للتنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في
صبّ الماء عليهما ويغسلا غسلاً خفيفاً شبيهاً بالمسح كما في الدرر وغيره. قوله:
(لمحدث) متعلق بقوله ((جائز))، وشمل المرأة كما سيصرح به في غرر الأفكار: والمحدث
حقيقة عرفية فيمن أصابه حدث يوجب الوضوء. قوله: (ظاهره الخ) البحث والجواب
للقهستاني.
وأقول: قد يقال إن جوازه المجدد الوضوء تعلم بالأولى، لأن ما رفع الحدث
الحقيقي يحصل به تجديد الطهارة بالأولى، على أن قوله ((لا لجنب)) يدل بالمقابلة على أن
المحدث احتراز عن الجنب فقط. تأمل.
مَطْلَبْ: إِعْرَابُ قَوْلِهِمْ إِلَّ أَنْ يُقَالَ
قوله: (إلا أن يقال) استثناء مفرغ من أعم الظروف؛ لأن المصادر قد تقع ظروفاً، نحو
آتيك طلوع الفجر: أي وقت طلوعه، والمصدر المنسبك هنا من هذا القبيل، فالمعنى
ظاهره ما ذكر في جميع الأوقات إلا وقت قولنا لما حصل الخ، كذا أفاده المحقق صدر
الشريعة في أوائل التوضيح. قوله: (والمنفي لا يلزم تصويره) أي لا يلزم أن يجعل له صورة
يمكن حصولها في الذهن. قوله: (وفيه الخ) البحث للقهستاني.
بيانه أن النفي الشرعي: أي الذي استفيد من الشرع يتوقف على إمكان تصوّر ما نفي
به عقلاً، وإلا لم يكن مستفاداً من الشرع بل من العقل، كقولنا: لا تجتمع الحركة مع
السكون، وصوّروا له صوراً: منها لو تيمم الجنب ثم لبس الخف ثم أحدث ووجد ماء
يكفي للوضوء فقط لا يمسح، لأن الجنابة سرت إلى القدمين والتيمم ليس طهارة كاملة،
ومثله الحائض إذا انقطع دمها. واعترضه في المجتبى بأن ما ذكر غير صحيح، لأن الجنابة
لا تعود على الأصح اهـ.
أقول: أي لا تعود إلى أعضاء الوضوء ولا غيرها، لأنه لم يقدر على الماء الكافي
والجنابة لا تتجزأ، فهو محدث حقيقة لا جنب، وليس الكلام فيه؛ فاعتراض البحر على
المجتبى بأنه عاد جنباً برؤية الماء غير وارد كما لا يخفى، فالصحيح في تصويره ما في
المجتبى فيما إذا توضأ ولبس ثم أجنب ليس له أن يشدّ خفيه فوق الكعبين ثم يغتسل ويمسح
اهـ. أو يغتسل قاعداً واضعاً رجليه على شيء مرتفع ثم يمسح ومثله الحائض. ولكن لا
يتأتى إلا على قول أبي يوسف من أن أقل الحيض عنده يومان وأكثر الثالث، فإذا كانت
المرأة مسافرة وتوضأت ابتداء مدة السفر ولبست الخف ثم حاضت هذا المقدار فقد بقي من
المدة نحو خمس ساعات فلا يجوز لها أن تمسح فيها، وأما على قولهما فلا يتصوّر، لأن أقل

٤٤٨
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
إثبات عقلي، ثم ظاهر جوازه مسح مغتسل جمعة ونحوه، وليس كذلك على ما في
المبسوط، ولا يبعد أن يجعل في حكمه، فالأحسن لمتوضئء لا لمغتسل.
والسنة أن يخطه (خطوطاً بأصابع) يد (مفرجة) قليلاً (يبدأ من) قبل (أصابع رجله)
متوجهاً (إلى أصل الساق) ومحله (على ظاهر خفيه) من رؤوس أصابعه
مدة الحيض ثلاثة أيام فتنقضي فيها مدة المسح كما أوضحه في البحر ولم يذكر النفساء.
وصورتها كما في البحر أنها لبست على طهارة ثم نفست وانقطع قبل ثلاثة مسافرة أو
قبل يوم وليلة مقيمة. قوله: (ثم ظاهره) أي ظاهر قوله ((لا لجنب)) ثم هذا الكلام الخ
للقهستاني. قوله: (وليس كذلك الخ) عبارة القهستاني: وينبغي أن لا يجوز على ما في
المبسوط ا. هـ. ومفاده أنه في المبسوط ذكره بلفظ ينبغي لا على سبيل الجزم فلذا قوّاه
بقوله (ولا يبعد)) وإلا لم يحتج إلى ذلك. قوله: (ولا يبعد الخ) أي لا يبعد أن يجعل غسل
الجمعة في حكم غسل الجنابة، يعني أن كلام المبسوط غير بعيدا. هـ. ح. ووجهه أن
ماهية الغسل المسنون هي ماهية غسل الجنابة، وهي غسل جميع ما يمكن غسله من البدن؛
فقوله ((لا لجنب)) نفي لمشروعية المسح في الغسل سواء كان عن جنابة أو غيرها؛ كما أن
إثبات مشروعيته للمحدث هو إثبات لمشروعيته في الوضوء سواء كان عن حدث أو غيره،
لأن ماهية الوضوء في حقهما واحدة أركاناً وسنناً كما قلنا في الغسل. قوله: (فالأحسن الخ)
أي الأحسن تعبير المصنف بذلك ليشمل المتوضئ مجدد الوضوء، والمغتسل مغتسل
الجمعة، والعيد بلا تأويل في العبارة. قوله: (والسنة الخ) أفاد أن إظهار الخطوط ليس
بشرط وهو ظاهر الرواية، بل هو شرط السنة في المسح.
وكيفيته كما ذكره قاضيخان في شرح الجامع الصغير أن يضع أصابع يده اليمنى على
مقدم خفه الأيمن، وأصابع يده اليسرى على مقدم خفه الأيسر من قبل الأصابع، فإذا
تمكنت الأصابع يمدها حتى ينتهي إلى أصل الساق فوق الكعبين، لأن الكعبين يلحقهما
فرض الغسل ويلحقهما سنة المسح، وإن وضع الكفين مع الأصابع كان أحسن، هكذا روي
عن محمدا. هـ. بحر.
أقول: وظاهره أن التيامن فيه غير مسنون كما في مسح الأذنين. وفي الحلية:
والمستحب أن يمسح بباطن اليد لا بظاهرها. قوله: (قليلاً) ذكره في البحر عن الخلاصة.
قوله: (ومحله) زاده على المتن، ليعلم أن ذلك شرط. قوله: (علی ظاهر خفیه) قید به، إذ
لا يجوز المسح على الباطن والعقب والساق. درر. قوله: (من رؤوس أصابعه) ظاهره أن
الأصابع لها دخل في محل المسح، حتى لو مسح عليها صح إن حصل قدر الفرض.
وذكر في البحر أنه مفاد ما في الكنز وغيره من المتون والشروح؛ وعلى ما في أكثر

٤٤٩
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
إلى معقد الشراك؛ ويستحبّ الجمع بين ظاهر وباطن طاهر،
الفتاوى لا يجوز لأنهم قالوا: وتفسير المسح أن يمسح على ظاهر قدمه ما بين أطراف
الأصابع إلى الساق، فهذا يفيد أن الأصابع غير داخلة في المحلية، وبه صرّح في الخانية،
فليتنبه لذلك ا. هـ. ملخصاً.
واعترضه في النهر بأن ما في الفتاوى يفيد دخولها، لأن أطرافها أواخرها: أي
رؤوسها، يوافقه قول المبتغى: ظهر القدم من رؤوس الأصابع إلى معقد الشراك.
أقول: وما في النهر هو ما فهمه في الحلية من عبارة الفتاوی فقال: إن مؤدی رؤوس
الأصابع وما بين أطراف الأصابع واحد، لأن أطرافها هي رؤوسها، ثم قال: نعم في
الذخيرة: وتفسير المسح على الخفين أن يمسح على ظهر قدميه ما بين الأصابع إلى الساق.
وعن الحسن عن أبي حنيفة: المسح على ظهر قدميه من أطراف الأصابع إلى الساق اهـ.
فالأصابع على ما ذكره في الذخيرة أولا غير داخلة في المحلية؛ وعليه ما في شرح
الطحاوي: لو مسح موضع الأصابع لا يجوز، وبه صرح في الخانية، وعلى رواية الحسن
داخلة، ويظهر أنها الأولى، ويشهد لها حديث جابر المروي في الأوسط للطبراني من
((أنه ﴾ مسح من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرّة، وفرج بين أصابعه)) فلذا مشى عليها
أصحاب الفتاوی ا هـ.
أقول: والحاصل أن في المسألة اختلاف الرواية، وحيث كانت رواية الدخول هي
المفاد من عبارات المتون والشروح، وكذا من أكثر الفتاوى كما علمت كان الاعتماد عليها
أولى، فلذا اختارها الشارح تبعاً للنهر والحلية، فافهم. قوله: (إلى معقد الشراك) أي
المحل الذي يعقد عليه شراك النعل بالكسر: أي سيره، فالمراد به المفصل الذي في وسط
القدم ويسمى كعباً، ومنه قولهم في الإحرام: يقطع الخفين أسفل من الكعبين، ثم إن قوله
(من رؤوس أصابعه إلى معقد الشراك)) هو عبارة المبتغى كما قدمناه، والمراد به بيان محل
الفرض اللازم، وإلا فالسنة أن ينتهي إلى أصل الساق كما قدمناه عن شرح الجامع، فلا
مخالفة بينهما كما لا يخفى، فافهم. قوله: (ويستحب الجمع الخ) المراد بالباطن أسفل مما
يلي الأرض لا ما يلي البشرة كما حققه في شرح المنية، خلافاً لما في الفتح.
هذا وما ذكره الشارح تبع فيه صاحب النهر، حيث قال: لكن يستحب عندنا الجمع
بين الظاهر والباطن في المسح، إلا إذا كان على باطنه نجاسة، كذا في البدائع ا. هـ.
وأقول: الذي رأيته في نسختي البدائع نقله عن الشافعي، فإنه قال: وعن الشافعي أنه
لو اقتصر على الباطن لا يجوز، والمستحب عنده الجمع الخ، فضمير الغيبة راجع إلى
الشافعي، وهكذا رأيته في التاتر خانية.

٤٥٠
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
(أو جرموقيه) ولو فوق خفّ أو لفافة،
وقال في الحلية: المذهب عند أصحابنا أن ما سوى ظهر القدم من الخف ليس
بمحل للمسح لا فرضاً ولا سنة، وبه قال أحمد.
وقال الشافعي: يسن مسحهما. وقال في البحر وفي المحيط: ولا يسن مسح باطن
الخف مع ظاهره خلافاً للشافعي، لأن السنة شرعت مكملة للفرائض، والإكمال إنما يتحقق
في محل الفرض لا في غيره اهـ. وفي غيره نفي الاستحباب وهو المرادأ هـ. كلام البحر:
أي وفي غير المحيط قال: لا يستحب، وهو المراد من قول المحيط: لا يسن.
وفي معراج الدراية: السنة عند الشافعي ومالك مسح أعلى الخف وأسفله، لما روي
أنه * مسح أعلى الخف وأسفله وعندنا وأحمد لا مدخل لأسفله في المسح، لحديث عليّ
رضي الله عنه: ((لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح عليه من ظاهره، وقد
رأيت رسول الله وي يمسح على الخفين على ظاهرهما)) رواه أبو داود وأحمد والترمذي،
وقال: حديث حسن صحيح، وما رواه الشافعي شاذٌ لا يعارض هذا مع أنه ضعفه أهل
الحديث، ولهذا قيل: إنه يحمل على الاستحباب إن ثبت. وعن بعض مشايخنا: يستحب
الجمع ا. هـ.
فقط ظهر أن استحباب الجمع قول لبعض مشايخنا، لا كما نقله في النهر من أنه
المذهب، فتنبه لذلك ولله الحمد. قوله: (أو جرموقيه) بضم الجيم: جلد يلبس فوق
الخف لحفظه من الطين وغيره على المشهور. قهستاني. ويقال له الموق، وليس غيره كما
أفاده في البحر. قوله: (ولو فوق خف) أفاد جواز المسح عليهما منفردين أيضاً، وهذا لو
كانا من جلد، فلو من کرباس لا يجوز ولو فوق الخف إلا أن يصل بلل المسح إلى الخف؛
ثم الشرط بأن يكونا بحيث لو انفردا يصح مسحهما، حتى لو كان بهما خرق مانع لا يجوز
المسح عليهما. سراج؛ وأن يلبسهما قبل أن يمسح على الخفين وقبل أن يحدث، فلو كان
مسح على الخفين أو أحدث بعد لبسهما، ثم لبس الجرموقين لا يجوز المسح عليهما اتفاقاً،
لأنهما حينئذ لا يكونان تبعاً للخف صرح بهذا الشرط في السراج وشروح المجمع ومنية
المصلي وغيرها، ومقتضاه أنه لو توضأ ثم لبس الخف ثم جدد الوضوء قبل الحدث ومسح
على الخف ثم لبس الجرموق لا يجوز له المسح لاستقرار الحكم على الخف فلا يصير
الجرموق تبعاً .
وعبارة الشارح في الخزائن: وهذا إذا كانا صالحين للمسح أو رقيقين ينفذ إلى الخف
قدر الفرض ولم يكن أحدث ولا مسح على خفيه قبل ما أحدث، ذكره ابن الكمال وابن
ملك ا. هـ. هذا وفي البحر: والخف على الخف كالجرموق عندنا في سائر أحكامه.
خلاصة قوله: (أو لفافة) أي سواء كانت ملفوفة على الرجل تحت الخف أو كانت مخيطة

٤٥١
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
ولا اعتبار بما في فتاوى الشاذي، لأنه رجل مجهول لا يقلد فيما خالف النقول، (أو
جوربيه) ولو من غزل أو شعر (الثخينين) بحيث يمشي فرسخاً ويثبت على الساق بنفسه
ولا یری ما تحته ولا يشفّ
ملبوسة تحته كما أفاده في شرح المنية. قوله: (ولا اعتبار بما في فتاوى الشاذي) بالذال
المعجمة على ما رأيته في النسخ، لكن الذي رأيته بخط الشارح في خزائن الأسرار بالدال
المهملة، ثم الذي في هذه الفتاوى هو ما نقله عنها في شرح المجمع من التفصيل، وهو أن
ما يلبس من الكرباس المجرد تحت الخف يمنع المسح على الخف لكونه فاصلاً، وقطعة
كرباس تلف على الرجل لا تمنع لأنه غير مقصود باللبس؛ وقد أطال في رده في شرح المنية
والدرر والبحر لتمسك جماعة به من فقهاء الروم، قال ح: وقد اعتنى يعقوب باشا بتحقيق
هذه المسألة في كراسة مبيناً للجواز لما سأله السلطان سليم خان. قوله: (أو جوربيه)
الجورب: لفافة الرجل. قاموس، وكأنه تفسير باعتبار اللغة، لكن العرف خص اللفافة بما
ليس بمخيط والجورب بالمخيط، ونحوه الذي يلبس كما يلبس الخف شرح المنية. قوله:
(ولو من غزل أو شعر) دخل فيه الجوخ كما حققه في شرح المنية. وقال: وخرج عنه ما
كان من کرباس بالكسر: وهو الثوب من القطن الأبيض؛ ويلحق بالكرباس كل ما كان من
نوع الخيط كالكتان والإبریسم ونحوهما. وتوقف ح في وجه عدم جواز المسح عليه إذا
وجد فيه الشروط الأربعة التي ذكرها الشارح.
وأقول: الظاهر أنه إذا وجدت فيه الشروط يجوز، وأنهم أخرجوه لعدم تأتي الشروط
فيه غالباً، يدل عليه ما في كافي النسفي حيث علل عدم جواز المسح على الجورب من
كرباس بأنه لا يمكن تتابع المشي عليه، فإنه يفيد أنه لو أمكن جاز، ويدل عليه أيضاً ما
في ط عن الخانية أن كل ما كان في معنى الخف في إدمان المشي عليه وقطع السفر به ولو
من لبد رومي يجوز المسح عليه ا. هـ. قوله: (على الثخينين) أي اللذين ليسا مجلدين ولا
منعلين نهر. وهذا التقييد مستفاد من عطف ما بعده عليه، وبه يعلم أنه نعت للجوربين فقط
كما هو صريح عبارة الكنز. وأما شروط الخف فقد ذكرها أول الباب، ومثله الجرموق،
ولكونه من الجلد غالباً لم يقيده بالثخانة المفسرة بما ذكره الشارح، لأن الجلد الملبوس لا
يكون إلا كذلك عادة. قوله: (بحيث يمشي فرسخاً) أي فأكثر كما مر، وفاعل ((يمشي))
ضمير يعود على الجورب والإسناد إليه مجازي. أو على اللابس له والعائد محذوف: أي به.
قوله: (بنفسه) أي من غير شد ط. قوله: (ولا يشفّ) بتشديد الفاء، من شفّ الثوب: رقّ
حتى رأيت ما وراءه، من باب ضرب مغرب.
وفي بعض الكتب: ينشف بالنون قبل الشين، من نشف الثوب العرق كسمع ونصر

٤٥٢
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
إلا أن ينفذ إلى الخف قدر الغرض.
ولو نزع موقيه أعاد مسح خفيه. ولو نزع أحدهما مسح الخف والموق الباقي.
ولو أدخل يده تحتهما ومسح خفيه لم يجز.
(والمنعلين) بسكون النون: ما جعل على أسفله جلدة (والمجلدین
شربه. قاموس. والثاني أولى هنا لئلا يتكرر مع قوله تبعاً للزيلعي: ولا يرى ما تحته، لكن
فسر في الخانية الأول بأن لا يشف الجورب الماء إلى نفسه كالأديم والصرم، وفسر الثاني
بأن لا يجاوز الماء إلى القدم، وكأن تفسيره الأول مأخوذ من قولهم اشتف ما في الإناء:
شربه كله كما في القاموس، وعليه فلا تكرار، فافهم. قوله: (إلا أن ينفذ) أي من البلل،
وهذا راجع إلى الجرموق لا الجورب، لأن العادة في الجورب أن يلبس وحده أو تحت
الخف لا فوقه. قوله: (مسح الخف والموق الباقي) أي يمسح الخف البادي ويعيد المسح
على الموق الباقي لانتقاض وظيفتهما كنزع أحد الخفين، لأن انتقاض المسح لا يتجزأ.
بحر. وهذا ظاهر الرواية.
وروى الحسن أنه يمسح على الخف البادي لا غير. وعن أبي يوسف: ينزع الموق
الباقي ويمسح الخفين. خانية. قوله: (لم يجز) هذا إذا لم يكن في الموقين خرق مانع، فلو
كان قال في المبتغى له المسح على الخف أو على الجرموق لأنهما كخف واحد، لكن
بحث في الحلية وتبعه في البحر بأنه ينبغي أن لا يجوز إلا على الخف، لما علم أن المنخرق
خرقاً مانعاً وجوده كعدمه، فكانت الوظيفة للخف فلا يجوز على غيره، وبه صرح في السراج
كما قدمناه. قوله: (بسكون النون) أي من باب الأفعال من أفعل، لكن صرح في القاموس
بمجيئه من باب التفعيل، فقول الصحاح يقال أنعلت خفي ودابتي ولا تقل نعلت: أي
بالتخفيف بل يقال بالتشديد، فيكون من باب التفعيل على وفق ما في القاموس، وحينئذ فلا
منافاة؛ وقول المغرب أفعل الخف ونعله: أي بالتشديد فلا منافاة أيضاً، خلافاً لما في
النهر، فافهم. قوله: (ما جعل على أسفله جلدة) أي كالنعل للقدم، وهذا ظاهر الرواية،
وفي رواية الحسن ما يكون إلى الكعب. ابن كمال. قوله: (والمجلدين) المجلد: ما جعل
الجلد علی أعلاه وأسفله. ابن کمال.
تنبيه: ما ذكره المصنف من جوازه على المجلد والمنعل متفق عليه عندنا، أما الثخين
فهو قولهما. وعنه أنه رجع إليه وعليه الفتوى، كذا في الهداية وأكثر الكتب بحر.
هذا وفي حاشية أخي جلبي على صدر الشريعة أن التقييد بالثخين مخرج لغير الثخين
ولو مجلداً، ولم يتعرض له أحد.
قال: والذي تلخص عندي أنه لا يجوز المسح عليه إذا جلد أسفله فقط أو مع مواضع

٤٥٣
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
مرة ولو امرأة) أو خنثى (ملبوسين على طهر) فلو أحدث ومسح بخفيه أو لم يمسح فلبس
موقه لا يمسح عليه (تام) خرج الناقص حقيقة كلمعة، أو معنى كتيمم ومعذور، فإنه
الأصابع بحيث يكون محل الفرض الذي هو ظهر القدم خالياً عن الجلد بالكلية، لأن منشأ
الاختلاف بين الإمام وصاحبیه اکتفاؤهما بمجرد الثخانة وعدم اکتفائه بها بل لا بد عده مع
الثخانة من النعل أو الجلدا. هـ. وقد أطال في ذلك.
أقول: بل هو مأخوذ من كلام المصنف، وكذا من قول الكنز وغيره؛ وعلى الجورب
المجلد والمنعل والثخين فإن مفاده أن المجلد لا يتقيد بالثخانة، وقدمنا عن شرح المنية أنه
لا يشترط استيعاب الجلد جميع ما يستر القدم على خلاف ما يزعمه بعض الناس. وقال في
شرح المنية أيضاً: صرح في الخلاصة بجواز المسح على المجلد من الكرباس ا. هـ.
ويؤخذ من هذا وما قبله أنه لو كان محل المسح وهو ظهر القدم مجدداً مع أسفله أنه
يجوز المسح عليه كما قدمناه عن سيدي عبد الغني في الخف الحنفي المخيط بالشخشير،
ولا يعكر عليه اشتراطهم أن يثبت على الساق بنفسه، لأن ذاك في الجورب الثخين الغير
المجلد والمنعل كما في النهر وغيره. قوله: (مرة) قيد للمسح المفهوم، فلا يسن تكراره
كمسح الرأس. بحر. قوله: (ولو امرأة) تعميم لقوله لمحدث أو لفاعل يبدأ. قوله:
(ملبوسین) حال من قوله ((خفيه)) وما عطف عليه ط. قوله: (لا يمسح عليه) لأنه لم يلبس
على طهارة، فعليه أن يمسح على الخف لاستقرار حكم المسح علیه کما قدمناه. قوله:
(خرج الناقص) أقول: وخرج أيضاً ما لو توضأ الجنب ثم تخفف ثم أحدث ثم غسل باقي
بدنه لا يمسح. أما على الصحيح من عدم تجزي الحدث ثبوتاً وزوالاً فظاهر. وأما على
مقابله، فلعدم التمام، ولم أر من تعرض لهذه المسألة من أئمتنا. تأمل. وتعلم بالأولى من
قوله ((كلمعة)). قوله: (كلمعة) يعني كطهر بقيت فيه لمعة من الأعضاء لم يصبها الماء قبل
لبس الخف. قوله: (كتيمم) أي أن اللبس لو كان بعد التيمم فوجد بعده الماء لا يجوز
المسح على الخف بل يجب الغسل. قوله: (ومعذور) أي وطهر معذور، فهو على تقدير
مضاف. قوله: (فإنه الخ) الضمير للمعذور؛ وهذا بيان لوجه كون طهره ناقصاً.
ثم إنه لا يخلو إما أن يكون العذر منقطعاً وقت الوضوء واللبس معاً أو موجوداً فيهما؛
أو منقطعاً وقت الوضوء موجوداً وقت اللبس أو بالعكس فهي رباعية. ففي الأول حكمه
كالأصحاء لوجود اللبس على طهارة كاملة فمنع سراية الحدث للقدمين؛ وفي الثلاثة الباقية
يمسح في الوقت فقط؛ فإذا خرج نزع وغسل كما في البحر؛ لكن ما ذكره من نقصان طهارة
التيمم والمعذور تبع فيه الزيلعي. قال في النهر: وعورض بأنه لا نقص فيهما ما بقي
شرطهما، وإنما لم يمسح المتيمم بعد رؤية الماء والمعذور بعد الوقت لظهور الحدث
السابق حينئذ على القدم، والمسح إنما يزيل ما حلّ بالممسوح لا بالقدم، ولذا جوّزنا لذي

٤٥٤
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
يمسح في الوقت فقط، إلا إذا توضأ ولبس على الانقطاع الصحيح (عند الحدث).
العذر المسح في الوقت كلما توضأ لحدث غير الذي ابتلي به إذا كان السيلان مقارناً للوضوء
واللبس. قوله: (عند الحدث) متعلق بقوله ((تام)) فیعتبر کون الطهر تاماً وقت نزول
الحدث(١). لأن الخف يمنع سراية الحدث إلى القدم، فيعتبر تمام الطهر وقت المنع لا
(١) اختلف الفقهاء في أول زمان مدة المسح، فمذهب الشافعي أن أول زمانها من وقت الحدث الأصغر بعد لبس
الخفين، فلو أحدث بعد لبس الخفين ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة إن كان مقيماً أو ثلاثة أيام
ولياليها إن كان مسافراً انقضت المدة، ولم يجز المسح بعد ذلك، بل يجب عليه أن ينزع خفيه ويستأنف اللبس على
طهارة ثم يمسح بعد ذلك، ولو لبس الخف ولم يحدث حتى مضى يوم وليلة، وهو بطهارة اللبس لم يحسب هذا
الزمن من المدة، لأن ابتداءها من الحدث بعد اللبس فما قبله عفو ثم يستبيح بعد الحدث يوماً وليلة، إن كان مقيماً،
وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافراً. هذا هو مذهبنا.
ومذهب أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري، وجمهور العلماء، وهو أصح الروايتين عن أحمد وداود، وقال
الأوزاعي وأبو ثور: أول زمانها من وقت مسحه على الخفين بعد الحدث. وبه قال أحمد وداود في الرواية الثانية
عنهما، اختاره ابن المنذر، فمن لبس الخفين ثم أحدث ولم يمسح حتى مضت مدة المسافر أو المقيم مسح مدة
المسافر أو المقيم، ولم ينقص ما مضى قبل المسح من مدته شيئاً.
وقال الحسن البصري: أول زمانها من وقت لبسه للخفين، وحكاه عنه الماوردي والشاشي، وحكى القفال عن أبي
نور أنه قال: الاعتبار بخمس صلوات فلو قضی المقيم خمس صلوات في مكان واحد انقضى حكمه، وإن صلاها في
أوقاتها، فإذا صلى آخر الصلوات انقطع حكم المسح.
واستدل من اعتبر أول زمانها من وقت المسح أولاً : - بحديث أبي بكرة أن النبي وَه ـ قال: ((يمسح المقيم يوم
وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)). فجعل ذلك مدة المسح، فلو اعتبر من وقت الحدث لم يمكنه أن يستوعب
هذه المدة، فهو لا يكون ماسحاً تلك المدة إلا إن اعتبرت من المسح لا من الحدث قبله، والمسح منصرف عند
الإطلاق إلى الغالب، وهو الرافع للحدث.
وثانياً: بأن مذهب الشافعي أنه إذا أحدث قبل سفره، وسافر ولم يمسح ثم مسح في السفر أتم مسح مسافر، ولو
أحدث قبل سفره ومسح ثم سافر أتم مسح مقيم فقط. فقد علق الحكم بالمسح، ولم يعلق بالحدث في تغليب
الإقامة على السفر، وهو يستلزم أن ابتداء المدة بالمسح لا بالحدث، وإلا لغلبت الإقامة على السفر في الحالة
الأولی أیضاً، فإن أحدث فيها قبل سفره.
واستدل من اعتبر أول زمانها من وقت اللبس أولًا ۔بحديث صفوان بن عسال قال: ((کان رسول الله ټ یأمرنا إذا کنا
مسافرين أو سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)). فجعل الثلاث مدة اللبس.
وثانياً: بأن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، والعبادة المؤقتة يبتدئ وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة، والمسح
على الخفين يجوز فعله من حين اللبس؛ فإنه يجوز المسح عليهما في الوضوء المجرد بعد اللبس مباشرة، فكانت
مدته مبتدأة منه. والمختار المذهب الأول، وهو أن أول زمانها من وقت الحدث. والدليل عليه أننا نجعل ما استدل
به كل واحد من الفريقين حجة على الآخر ثم نستدل عليها فنقول: إن كل عبادة اعتبر فيها الوقت، فإن ابتداء وقتها
محسوب من الوقت الذي يمكن فيه فعلها وصفتها معتبرة بوقت أدائها. كالصلاة إن كانت ظهراً، فأول وقتها زوال
الشمس، وصفتها في القصر والإتمام بوقت الأداء والفعل، فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافراً قصر، وإن كان
مقيماً أتم. وكذلك المسح أول زمانه من وقت الحدث؛ لأنه أول وقت الفعل. وصفته في مسح المقيم والمسافر
معتبرة بوقت المسح، فإن كان وقت المسح مقيماً مسح مدة مقيم، وإن كان وقته مسافراً مسح مدة مسافر، وذلك؛
لأن المسح على الخفين عبادة مؤقتة فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها، وجواز المسح الرافع للحدث إنما هو
بعد الانتهاء من الحدث، وأما المسح قبل الحدث في الوضوء المجدد فليس برافع، ولا يتصور إسناد جواز =

٤٥٥
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
= الصلاة إليه، فتم ما ذهبنا إليه، وبطل ما عداه.
وبيان بطلان شبهة المخالفين تفصيلاً أن نقول: إن استدلال أصحاب المذهب الثاني بما يؤخذ من حديث أبي
بكرة، وهو أن المقيم يمسح يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وهو لا يكون ماسحاً تلك المدة إلا إن اعتبرت
من المسح لا من الحدث قبله إلى آخره، فنحن نقول به، لو مسح عقب الحدث مباشرة، فإنه آخر المسح عنه حتى
مضت مدة فقد فوت على نفسه المسح في تلك المدة.
وأما استدلالھم بما لو أحدث قبل سفره، ولم یمسح، ثم سافر ومسح أنه يمسح مدة مسافر، ولو مسح قبل سفره بعد
الحدث ثم سافر مسح مدة مقيم فقط، وذلك لأنه علق الحكم بالمسح، ولم يعلقه بالحدث في تغليب الإقامة على
السفر، وهو يستلزم أن ابتداء المدة بالمسح لا بالحدث، وإلا لغلبت الإقامة على السفر في الحالة الأولى أيضاً،
فإنه أحدث فيها قبل سفره.
((وأما استدلالهم بهذا)) فباطل، وما يستلزمه من أن ابتداء المدة من المسح لا من الحدث إلى آخره غير مسلم، وذلك
لأننا إنما غلبنا الإقامة على السفر في الحالة الثانية لأجل التلبيس بالعبادة (وهي المسح) فيها، لا لفوات زمن من
المدة فيها، لأن الاعتبار في المدة بجواز الفعل، ومن الحدث جاز الفعل، والاعتبار في العبادة بالتلبس بها،
والمسح عبادة، وقد تلبس بها في الحالة الثانية في الإقامة، فغلبت على السفر بخلافها في الحالة الأولى، فإنه تلبس
بها في السفر، وذلك كما لو دخل وقت الصلاة وهو حاضر ثم سافر في الوقت فله القصر، ولو دخل في الصلاة وهو
حاضر ثم سافرت به السفينة مثلاً وجب عليه إتمامها، ولم يلزم من هذا أن دخول وقت الصلاة في الحالة الأولى
إنما هو بالتلبس بها بل هو من وقت الزوال، إذا كانت الصلاة التي تلبس بها وهو حاضر ظهراً مثلاً، فدخول وقت
المسح بالحدث كدخول وقت صلاة الظهر بالزوال، والتلبس بالمسح في الإقامة يوجب جعل المدة يوماً وليلة (مدة
مقيم) وإن سافر، كما أن التلبس بالصلاة في الإقامة يوجب إتمامها وإن سافر.
وما استدل به الحسن البصري صاحب المذهب الثالث من أن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها
من حين جواز فعلها كالصلاة، وجواز فعلها من حين اللبس، فإنه يجوز تجديد الوضوء، والمسح على الخفين فيه بعد
اللبس مباشرة فكانت مدته مبتدأة منه أما المسح في الوضوء المجدد وإن كان قبل الحدث فليس برافع، ولا يتصور
إسناد الصلاة إليه، فإن قيل: العلة في قياسكم المسح على الصلاة هي كونها عبادة مؤقتة، وهو يثبت أن ابتداء المدة
من حين جواز الفعل، وهذه العلة متحققة في المسح في الوضوء المجدد قبل الحدث، فإنه عبادة مؤقتة؛ لأنه
مندوب، ولا يجوز فعله بعد انتهاء المدة، ولا دخل لرفع الحدث، ولا دخل لاستثناء الصلاة إليه في العلة، وإلا
لجاز المسح فيه بعد انتهاء المدة؛ لأن التقييد بالمدة على ذلك يكون قاصراً على المسح الرافع للحدث الذي تستند
الصلاة إليه، وإذا كانت العلة في القياس هي كونها عبادة مؤقتة لا غير، وهي متحققة في المسح في الوضوء المجدد
الجائز بعد اللبس وقبل الحدث. كان الحدث دليلكم مثبتاً أن ابتداء المدة من حين اللبس لا من حين الحدث،
وأيضاً الصلاة المندوية للفرض المؤقت تتبعه في التأقيت، فكذلك المسح المندوب في الوضوء المجدد يتبع
المسح الرافع في وقت، فجواز المسح في التجديد بعد اللبس وقبل الحدث دليل على أن وقت المسح مطلقاً يبتدئ
من اللبس، وعدم تحقيق المسح الرافع للحدث بعد اللبس وقبل الحدث ليس لأن وقته لم يدخل، بل لأن شرط
المسح على الخفين لبسهما بعد طهارة كاملة كما سيأتي، فلا يمكن بعد اللبس مسح رافع للحدث، إلا بعد وجود
حدث، ولولا هذا الشرط لجاز المسح الرافع للحدث بعد اللبس مباشرة، وإن لم يوجد حدث. قلنا: لعل مدرك
مذهبنا في إيطال مذهب الحسن البصري، ودفع ما يرد علينا منه أن المسح الرافع للحدث هو الأصل في
المشروعية، فكانت المدة مبتدئة من وقت جوازه (أي بعد الحدث) وجواز المسح في الوضوء المجدد قبل هذه
المدة أمر استثنائي سوغه أن تجديد الوضوء غسل فيه الرجلان، فلم يكن تابعاً للمسح الرافع بل هو تابع للغسل
الرافع، فلذلك جاز قبل الشروع في المدة (أي المبتدئة من الحدث)، وأما المسح في وضوء مجدد بعد وضوء مسح
فيه على الخفين مسحاً رافعاً، فهو تابع للمسح على الخفين الرافع فكانت مدة هذا مدة لذلك.
وما حكاه القفال عن أبي ثور من أن الاعتبار بخمس صلوات إلى آخر ما تقدم فمع كونه بين البطلان لما قررنا من
دليل المختار ليس لهم عليه دليل، فهو دعوى مجردة لا تقبل، فقد بان بهذا أن ابتداء المدة من الحدث، وهل =

٤٥٦
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
قلو تخفف المحدث ثم خاض الماء فابتلّ قدماه ثم تمم وضوءه ثم أحدث جاز أن
يمسح (يوماً وليلة لمقيم، وثلاثة أيام ولياليها لمسافر) .
وابتداء المدة (من وقت الحدث) فقد يمسح المقيم
وقت اللبس خلافاً للشافعي. قوله: (جاز أن يمسح) لوجود الشرط، وهو كونهما ملبوسين
على طهر تامٌّ وقت الحدث، ومثله ما لو غسل رجليه ثم تخفف ثم تمم الوضوء أو غسل
رجلاً فخففها ثم الأخری کذلك کما في البحر ؛ بخلاف ما لو توضأ ثم أحدث قبل وصول
الرجل إلى قدم الخف فإنه لا يمسح كما ذكره الشافعية، وهو ظاهر. قوله: (يوماً وليلة)(١)
العامل فيهما الضمير في قوله وهو جائز لعوده على المسح أو المسح في قوله شرط مسحه
أفاده ط. قوله: (وابتداء المدة) قدّره ليفيد أن من في كلام المصنف ابتدائية وأن الجار
والمجرور خبر لمبتدإ محذوف هو ذلك المقدار ط. قوله: (من وقت الحدث) أي لا من
= تبتدئ من أولة أم من آخره؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب ابن حجر وشيخ الإسلام والخطيب إلى أن مدة
المسح تبتدئ من نهاية الحدث مطلقاً، سواء كان شأنه أن يقع باختياره كالنوم واللمس أم لا كالبول. والغائط، لأن
جواز المسح يدخل بذلك، وفصل الرملي. فقال: إن كان الحدث شأنه أن يقع باختياره كالنوم واللمس حسبت
المدة من أوله لإمكان المسح بأن يقطع الحدث ويمسح، فكأن استمراره في الاختياري بمثابة إحداث آخر، والعبرة
بأول حدث، وقد تبع الإمام البلقيني ووالده في النوم، وقاس عليه اللمس والمس: بجماع أن كلّا حدث شأنه أن
يقع باختياره، وإن لم يكن شأنه ذلك، وهو الاضطراري حسبت المدة من انتهائه كالبول، والغائط، والريح،
والجنون، والإغماء، لأن وقت جواز الفعل يدخل بذلك وقبله لا يمكن أن يمسح.
بقي ما لو تقارن الحدث الذي شأنه أن يقع باختياره کاللمس، وما لیس کذلك کخروج الخارج بأن لمس وبال هل
تحسب بالمدة من ابتداء الأول أو من انتهاء الثاني؟ الظاهر بالأول فيعتبر الاختياري، لأنه لو انفرد اعتبرت المدة من
أوله، ففي هذه الصورة تحسب المدة من ابتداء اللمس وإن تقدم البول عليه لا من انتهاء البول، هذا، وقد صرح
الشرقاوي في حاشيته على التحرير بأن المعتمد ما ذهب إليه الرملي. وانظر المسح على الخفين ١/ محمد سيد أحمد
نيل الأوطار ٢١٧/١ المبسوط ٩٩/١.
(١) اختلف العلماء في المسح على الخفين هل هو محدود ومقيد بمدة أم مطلق عن التقييد بمدة وجائز على التأييد؟
فذهب الشافعي في القدیم إلى جواز المسح على التأیید من غیر تحدید بمدة، لكن لو أجنب لابس الخفين وجب
عليه النزع، وبه قال مالك في إحدى الروايات عنه، وذهب إليه أكثر أصحابه، وبه قال من الصحابة أبو عبيدة بن
الجراح، وعبد الله بن عمر، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، ومن التابعين الحسن، وعروة،
والزهري، ومذهب الشافعي الجديد أنه محدود ومقيد بمدة، وتلك المدة هي ثلاثة أيام بلياليها للمسافر بشروطه
الآتية، ويوم وليلة للمقيم، وقد رجع عن قوله في القديم قبل خروجه من بغداد، واتفق أصحاب علي أن القول في
القديم ترك التأقيت ضعيف جداً، وبه قال من الصحابة عمرو، وعلي وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن
عباس، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والشعبي. ومن الفقهاء الأوزاعي،
والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد وإسحاق، ومالك، في رواية عنه، وليس المراد بتقييد مدة المسح بيوم وليلة بالنسبة
للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر خصوصها بل المراد هي أو مقدارها وهو أربع وعشرون ساعة فلكية بالنسبة
للمقيم واثنان وسبعون ساعة بالنسبة للمسافر، سواء تقدم بعض الليالي على الأيام أم تأخر، وسواء ابتدأت المدة
في أثناء الليل أو النهار، فمن ابتدأت مدته من وقت الغروب یوم الخمیس فله المسح إلى غروب الأحد، فتلك ثلاثة
أيام بلياليها، ومن ابتدأت مدته من وقت فجر يوم الخميس فله المسح إلى فجر يوم الأحد، وكذا من ابتدأت =

٤٥٧
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
ستاً، وقد لا يتمكن إلا من أربع، كمن توضأ وتخفف قبل الفجر، فلما طلع صلى فلما
تشهد أحدث.
(لا) يجوز (على عمامة وقلنسوة ويرقع وقفازين)، لعدم الحرج.
وقت المسح الأول كما هو رواية عن أحمد، ولا من وقت اللبس كما حكي عن الحسن
البصري، وتمامه في البحر.
وذكر الرملي أن صريح كلام البحر أن المدة تعتبر من أول وقت الحدث لا من آخره
كما هو عند الشافعية. وما قلنا أولى، لأنه وقت عمل الخف، ولم أر من ذكر فيه خلاف
عندنا ا. هـ.
وعليه فلو كان حدثه بالنوم فابتداء المدة من أول ما نام لا من حين الاستيقاظ، حتى
لو نام أو جنّ أو أغمي عليه مدته بطل مسحه. قوله: (ستاً) صورته لبس الخف على طهارة
ثم أحدث وقت الإسفار ثم توضأ ومسح وصلى قبيل الشمس ثم صلى الصبح في اليوم
الثاني عقب الفجرح، وقد يصلي سبعاً على الاختلاف. بحر: أي الاختلاف بين الإمام
وصاحبيه؛ بأن أحدث فيما بين المثلين ثم صلى الظهر في اليوم الأول على قول الإمام
بعد المثل، والعصر أيضاً بعد المثلين، وفي اليوم الثاني صلى الظهر قبل المثل. قوله:
(فلما تشهد أحدث) فإنه لا يمكنه صلاة الصبح في اليوم الثاني لبطلانها بانقضاء مدة المسح
في القعدة كما سيأتي في الاثني عشرية. قوله: (لا على عمامة الخ) العمامة معروفة
وتسمى الشاش في زماننا. والقلنسوة: بفتح القاف واللام والواو وسكون النون وضم السين
في آخرها هاء التأنيث: ما يلبس على الرأس ويتعمم فوقه. والبرقع: بضم الباء الموحدة
وسكون الراء وضم القاف وفتحها آخرها عين مهملة: ما يلبس على الوجه فيه خرقان
للعينين. والقفاز بضم القاف وتشديد الفاء بألف ثم زاي: شيء يلبس على اليدين يحشى
بقطن ويزرّ على الساعدين ا. هـ.ح. قوله: (لعدم الحرج) علة لقوله ((لا يجوز)) وأيضاً ما
ورد في ذلك شاذٌ لا يزاد به على الكتاب العزيز الآمر بالغسل ومسح الرأس. بخلاف ما
ورد في الخف. وقال الإمام محمد في موطئه: بلغنا أن المسح على العمامة كان ثم ترك
= مدته من وقت الزوال من يوم الخميس فله المسح إلى الزوال من الأحد، وكذا من ابتدأت مدته من نصف الليل
من ليلة الجمعة فله المسح إلى نصف الليل من ليلة الاثنين، فهذا مقدار ثلاثة أيام ولياليها، وهي مدة المسافر، وكذا
يقال في مقدار اليوم والليلة بالنسبة لمدة المقيم، وله أن يصلي في مدة المسح ما شاء من الصلوات فرائض ونوافل
كما سيأتي نوضحه في مبحث خاص، وذهب الشعبي، وأبو ثور، وإسحاق، وسليمان بن داود إلى أن المسح على
الخفين مقيد بعدد الصلوات فيمسح المقيم لخمس صلوات والمسافر لخمس عشرة صلاة، وحكي عن داود
الظاهري أيضاً. والحق ما ذهب إليه الشافعي في الجديد وهو المختار.
انظر أحكام المسح على الخفين لمحمد سيد أحمد ونيل الأوطار ٢١٧/١ المبسوط ٩٨/١ بداية المجتهد ١٦/١.

٤٥٨
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
(وفرضه) عملًا (قدر ثلاث أصابع اليد) أصغرها طولاً وعرضاً من كل رجل لا من
الخف فمنعوا فيه مد الأصبع، فلو مسح برؤوس أصابعه وجافى أصولها لم يجز، إلا أن
يبتلّ من الخف عند الوضع قدر الفرض، قاله المصنف.
ثم قال: وفي الذخيرة: إن الماء متقاطراً جاز وإلا لا، ولو قطع قدمه، إن بقي
كما في الحلية. قوله: (عملاً) أي فرضه من جهة العمل لا الاعتقاد، وهو أعلى قسمي
الواجب كما قدمنا تقريره في الوضوء: وسيجيء. قوله: (قدر ثلاث أصابع) أشار إلى أن
الأصابع غير شرط، وإنما الشرط قدرها. شرنبلالية. فلو أصاب موضع المسح ماء أو مطر
قدر ثلاث أصابع جاز، وكذا لو مشى في حشيش مبتل بالمطر، وكذا بالطلّ في الأصح.
وقيل لا يجوز لأنه نفس دابة في البحر يجذبه الهواء. بحر. قوله: (أصغرها) بدل من
الأصابع ط. أو نعت، وأفرده لأن الغالب في أفعل التفضيل المضاف إلى معرفة عدم
المطابقة، فافهم. قوله: (طولا وعرضاً) كذا في شرح المنية: أي فرضه قدر طول الثلاث
أصابع وعرضها قال في البحر: ما عن البدائع: ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير
موضوعة ولا ممدودة لا يجوز بلا خلاف بين أصحابنا. قوله: (من كل رجل) أي فرضه هذا
القدر كائناً من كل رجل على حدة، قال في الدرر: حتى لو مسح على إحدى رجليه مقدار
أصبعين وعلى الأخرى مقدار خمس أصابع لم يجز. قوله: (لا من الخف) لما قدمه أنه لو
واسعاً فمسح على الزائد ولم يقدم قدمه إليه لم يجز، ولما يأتي من قوله ((ولو قطع قدمه
الخ)». قوله: (فمنعوا الخ) شروع في التفريع على ما قبله من القيود. قوله: (مد الأصبع)
أي جرها على الخف حتى يبلغ مقدار ثلاث أصابع، وظاهره ولو مع بقاء البلة لأنها تصير
مستعملة. تأمل. وفي الحلية: وكذا الأصبعان، بخلاف ما لو مسح بالإبهام والسبابة
مفتوحتين مع ما بينهما من الكف أو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات في ثلاثة مواضع
وأخذ لكل مرة ماء فيجوز لأنه بمنزلة ثلاث أصابع، وكذا لو مسح بجوانبها الأربع في
الصحيح، والظاهر تقييده بوقوعه في أربعة مواضع ا. هـ. قوله: (لم يجز إلا أن يبتل الخ)
كذا في المنية. قال الزاهدي: قلت أو كانت تنزل البلة إليها عند المدا. هـ. وهذا هو
المراد بكونه متقاطراً. حلية. فأفاد أن الشرط إما الابتلال المذكور أو التقاطر. قال في
شرح المنية: لأن البلة تصير مستعملة أولاً بمجرد الإصابة فتصير مستعملة ثانياً في
الفرض، بخلاف ما إذا كان متقاطراً لأن التي مسح بها ثانياً غير الأولى، وبخلاف إقامة
السنة فيما إذا وضع الأصابع ثم مدها ولم يكن متقاطراً، لأن النفل يغتفر فيه ما لا يغتفر في
الفرض وهو تابع له فيؤدي بيلته تبعاً ضرورة عدم شرعية التكرار، وتمامه فيه. قوله: (ثم
قال الخ) قد علمت أن الشرط أحد الأمرين فلا منافاة بين النقلين، لأن المدار على عدم
المسح بيلة مستعملة. قوله: (وإلا لا) صحح في الخلاصة الجواز مطلقاً، والتفصيل أولى

٤٥٩
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
من ظهره قدر الفرض مسح وإلا غسل كمن قطع من كعبه ولو له رجل واحدة مسحها .
وجاز مسح خف مغصوب خلافاً للحنابلة، كما جاز غسل رجل مغصوبة إجماعاً.
(والخرق الكبير) بموحدة أو مثلثة (وهو قدر ثلاث أصابع القدم الأصاغر)
بكمالها ومقطوعها يعتبر بأصابع مماثلة (يمنعه) إلا أن یکون فوقه خف آخر أو جرموق
كما في الحلية والبحر. قوله: (من ظهره) أي القدم، وقيد به لأنه محل المسح، فلا اعتبار
بما يبقى من العقب ط. قوله: (وإلا غسل) أي غسل المقطوعة والصحيحة أيضاً، لئلا يلزم
الجمع بين الغسل والمسح. قوله: (من كعبه) أي من المفصل لوجوب غسله كما في
المنية، فيغسل الرجل الأخرى ولا يمسح. قوله: (رجل واحدة) بأن كانت الأخرى
مقطوعة من فوق الكعب. قوله: (مسحها) لعدم الجمع. قوله: (خف مغصوب) المراد به
المستعمل على وجه محرم سواء كان غصباً أو سرقة أو اختلاساً ط. قوله: (رجل مغصوبة)
إطلاق الغصب على ذلك مساهلة. وصورته: استحق قطع رجله لسرقة أو قصاص فهرب
وصار يتوضأ عليها ط. قوله: (والخرق) بضم الخاء: الموضع، ولا يصح هنا الفتح لأنه
مصدر، ولا يلائمه الوصف الكبير. ثم رأيت ط نبه على ذلك أيضاً، فافهم، ثم المراد به
ما كان تحت الكعب، فالخرق فوقه لا يمنع لأن الزائد على الكعب لا عبرة به. زيلعي.
قوله: (بموحدة أو مثلثة) أي يجوز قراءة الكبير بالباء الموحدة: أي التي لها نقطة واحدة،
ويجوز أن يقرأ الكثير بالثاء المثلثة التي لها ثلاث نقط، وهذا بالنظر إلى أصل الرواية
والسماع، وإلا فالمرسوم في المتن الأول.
وفي النهر وغيره عن شيخ الإسلام خواهر زاده أنه الأصح، لأن الكم المنفصل
تستعمل فيه الكثرة والقلة، وفي المتصل الكبر والصغر، ولا شك أن الخف كم متصل.
وفي المغرب: الكثرة خلاف القلة، وتجعل عبارة عن السعة، ومنه قولهم: الخرق
الكثير، ومفاده استعمال الكثرة في المتصل، وكأن الكثير الشائع هو الأول. قوله: (وهو
قدر ثلاث أصابع) يعني طولًاً وعرضاً، بأن سقطت جلدة مقدار ثلاث أصابع وعرضها، كذا
في حاشية يعقوب باشا على صدر الشريعة فليحفظ. قوله: (أصابع القدم الأصاغر) صححه
في الهداية وغيرها واعتبر الأصاغر للاحتياط. وروي عن الإمام اعتبار أصابع اليد. بحر.
وأطلق الأصابع لأن في اعتبارها مضمومة أو مفرجة اختلافاً. قهستاني. قوله: (بكمالها) هو
الصحيح، خلافاً لما رجحه السرخسي من المنع بظهور الأنامل وحدها. شرح المنية.
والأنامل: رؤوس الأصابع، وهو صادق بما إذا كانت الأصابع تخرج منه بتمامها، لكن لا
يبلغ هو قدرها طولا وعرضاً. قوله: (بأصابع مماثلة) أي بأصابع شخص غيره مماثل له في
القدم صغراً وكبراً، والتقييد بالمماثلة، أفاده في النهر.

٤٦٠
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
فيمسح عليه، وهذا لو الخرق على غير أصابعه وعقبه ويرى ما تحته، فلو اعتبر الثلاث
ولو كباراً، ولو عليه اعتبر بدوّ أكثره، ولو لم ير القدر المانع عند المشي لصلابته لم
يمنع وإن كثر، كما لو انفتقت الظهارة دون البطانة (وتجمع الخروق في خف) واحد (لا
فيهما) بشرط أن يقع فرضه
وردّ على البحر اختياره القول باعتبار أصابع نفسه لو قائمة على القول باعتبار أصابع
غيره لتفاوتها في الصغر والكبر، بأن تقديم الزيلعي الأول يفيد أن عليه المعوّل وبأنه بعد
اعتبار المماثلة لا تفاوت، وبأن الاعتبار الموجود أولى. وأفاد ح. أن ما في النهر يرجع بعد
التأمل إلى ما في البحر. قوله: (فيمسح عليه) أي على الخفّ الآخر أو الجرموق، لأن
العبرة للأعلى حيث لم تتقرّر الوظيفة على الأسفل. قوله: (وهذا) أي التقدير بالثلاث
الأصاغر. قوله: (فلو عليها الخ) تفريع على القيود الثلاثة على سبيل النشر المرتب. قوله:
(اعتبر الثلاث) أي التي وقعت في مقابلة الخرق لأن كل أصبع أصل في موضعها فلا تعتبر
بغيرها، حتى لو انكشف الإبهام مع جارتها وهما قدر ثلاث أصابع من أصغرها يجوز المسح،
وإن كان مع جارتيها لا يجوزا. هـ. زيلعي ودرر وغيرهما. وصححه في التتمة كما في
البحر. قوله: (ولو عليه) أي العقب اعتبر بدوّ: أي ظهور أكثره، كذا ذكره قاضيخان
وغيره، وكذا لو كان الخرق تحت القدم اعتبر أكثره كما في الاختيار، ونقله الزيلعي عن
الغاية بلفظ قيل. قال في البحر: وظاهر الفتح اختيار اعتبار ثلاث أصابع مطلقاً، وهو ظاهر
المتون كما لا يخفى حتى في العقب، وهو اختيار السرخسي. والقدم من الرجل: ما يطأ
عليه الإنسان من الرسغ إلى ما دون ذلك، وهي مؤنثة. والعقب: بكسر القاف مؤخر القدم
أ. هـ. قوله: (عند المشي) أي عند رفع القدم كما في شرح المنية الصغير، سواء كان لا
يرى عند الوضع على الأرض أيضاً، أو يرى عند الوضع فقط، وأما بالعكس فيهما فيمنع،
أفاده ح؛ وإنما اعتبر حال المشي لا حال الوضع لأن الخف للمشي يلبس. درر. قوله:
(كما لو انفتقت الظهارة الخ) بأن كان في داخلها بطانة من جلد أو خرقة مخروزة بالخف فإنه
لا يمنع زيلعي، وقدمناه. قوله: (وتجمع الخروق الخ) اختار في الفتح بحثاً عدم الجمع،
وقوّاه تلميذه في الحلية بموافقته؛ لما روي عن أبي يوسف من عدم الجمع مطلقاً،
واستظهره في البحر؛ لكن ذكر قبله أن الجمع هو المشهور في المذهب. وقال في النهر:
إطباق عامة المتون والشروح عليه مؤذن بترجيحه. قوله: (لا فيهما) أي لو کان في کل
واحد من الخفين خروق غير مانعة، لكن إذا جمعتها تكون مثل القدر المانع لا تمنع ويصح
المسح ا. هـ. ح. قوله: (بشرط الخ) متعلق بصحة المسح التي تضمنها قوله ((لا فيهما))
كما قررناه أفاده ح، وهذا الشرط استظهار من صاحب الحلية، ونقل عبارته في البحر وأقره
عليه، ولظهور وجهه جزم به الشارح. قوله: (فرضه) أي فرض المسح، وهو قدر ثلاثة