النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الطهارة
(وإن لم يتذكر الاحتلام) إلا إذا علم أنه مذي أو شكّ أنه مذي أو ودي أو كان ذكره
لأنه إما أنه يعلم أن منيّ أو مذي أو ودي أو شك في الأولين أو في الطرفين أو في الأخيرين
أو في الثلاثة، وعلى كل إما أن يتذكر احتلاماً أو لا، فيجب الغسل اتفاقاً في سبع صور
منها، وهي ما إذا علم أنه مذي، أو شك في الأولين أو في الطرفين أو في الأخيرين أو في
الثلاثة مع تذكر الاحتلام فيها، أو علم أنه منيّ مطلقاً؛ ولا يجب اتفاقاً فيما إذا علم أنه ودي
مطلقاً، وفيما إذا علم أنه مذي أو شك في الأخيرين مع عدم تذكر الاحتلام؛ ويجب عندهما
فيما إذا شك في الأولين أو في الطرفين أو في الثلاثة احتياطاً، ولا يجب عند أبي يوسف
للشك في وجود الموجب. واعلم أن صاحب البحر ذكر اثنتي عشرة صورة وزدت الشك
في الثلاثة تذكر أو لا أخذاً من عبارته ا.هـ. ح.
أقول: إذا عرفت هذا فاعلم أن المصنف اقتصر على بعض الصور، ولا يلزم أن يكون
ما سكت عنه مخالفاً في الحكم لما ذكره كما لا يخفى، فافهم؛ نعم قوله ((أو مذياً) يقتضي أنه
إذا علم أنه مذي ولم يتذكر احتلاماً يجب الغسل وقد علمت خلافه. وعبارة النقاية كعبارة
المصنف، وأشار القهستاني إلى الجواب حيث فسر قوله ((أو مذياً)) بقوله ((أي شيئاً شك فيه
أنه منيّ أو مذي)) لأنا لا نوجب الغسل بالمذي أصلًا بل بالمنيّ، إلا أنه قد يرقّ بإطالة
الزمان؛ فالمراد ما صورته صورة المذي لا حقيقته كما في الخلاصة ا. هـ. فليس فيه مخالفة
لما تقدم، فافهم. قوله: (وإن لم يتذكر الاحتلام) من الحلم بالضم والسكون اسم لما يراه
النائم ثم غلب على ما يراه من الجماع. نهر.
واعلم أنه اختلف في الواو في نظير هذا التركيب، فقيل إنها للحال: أي والحال أنه
إن لم يتذكر الاحتلام يجب الغسل، ويفهم وجوبه إذا تذكر بالأولى؛ وقيل للعطف على
مقدر: أي إن تذكر وإن لم يتذكر. قوله: (إلا إذا علم الخ) استثناء من قوله ((أو مذياً)) مع
تقييده بعدم تذكر الاحتلام، لأنه هو المنطوق، سواء جعلت الواو للحال أو للعطف، لكن
على جعلها للحال أظهر، إذ ليس في الكلام شيء مقدر، ولو جعلت للعطف ربما يتوهم أن
الاستثناء مفروض مع عدم التذكر المنطوق، ومع التذكر المقدر فلا يصح قوله الآتي اتفاقاً.
ثم اعلم أن الشارح قد أصلح عبارة المصنف، فإن قوله ((أو مذياً) يحتمل أن يكون
المراد به أنه رأى مذياً حقيقة بأن علم أنه مذي، أو أنه رأى مذياً صورة بأن رأى بللا وشك
في أنه مذي أو ودي، أو شك أو مذي أو منيّ، فاستثنى ما عدا الأخير، وصار قوله ((أو
مذياً) مفروضاً فيما إذا شك أنه مذيّ أو منيّ فقط كما قدمناه، فهذه الصورة يجب فيها الغسل
وإن لم يتذكر الاحتلام لكن بقيت هذه صادقة بما إذا كان ذكره منتشراً قبل النوم أو لا، مع
أنه إذا کان منتشراً لا يجب الغسل فاستثناه أیضاً، فصار جملة المستثنیات ثلاث صور لا يجب

٣٠٢
كتاب الطهارة
منتشراً قبيل النوم فلا غسل عليه اتفاقاً كالودي، لكن في الجواهر إلا إذا نام مضطجعاً،
أو تيقن أنه مني أو تذكر حلماً فعليه الغسل والناس عنه غافلون (لا) يفترض (إن تذكر
ولو مع اللذة) والإنزال (ولم ير) على رأس الذكر (بللاً) إجماعاً (وكذا المرأة) مثل الرجل
على المذهب.
ولو وجد بين الزوجين ماء ولا مميز ولا تذکر
فيها الغسل اتفاقاً مع عدم تذكر الاحتلام كما قلنا، وبهذا الحل الذي هو من فيض الفتاح
العليم ظهر أن هذه المتعاطفات مرتبطة ببعضها، وأن الاستثناء فيها كلها متصل، ولله درّ هذا
الشارح الفاضل، فكثيراً ما تخفى إشارته على المعترضين وإن كانوا من الماهرين، فافهم.
قوله: (كالودي) فإنه لا غسل فيه اتفاقاً وإن تذكر كما مر. قوله: (لكن في الجواهر الخ)
استدراك على المسألة الثالثة.
وحاصله أنه أطلق عدم الغسل فيها تبعاً لكثير، وهو مقيد بثلاثة قيود: أن يكون نومه
قائماً أو قاعداً، أو أن لا يتيقن أنه منيّ، وأن لا يتذكر حلماً؛ فإذا فقد واحد منها بأن نام
مضطجعاً أو تيقن أو تذكر وجب الغسل.
وقد ذكر المسألة في منية المصلي فقال: وإن استيقظ فوجد في إحليله بللاً ولم
يتذكر حلماً، إن كان ذكره منتشراً قبل النوم فلا غسل عليه، وإن كان ساكناً فعليه الغسل،
هذا إذا نام قائماً أو قاعداً، أما إذا نام مضطجعاً أو تيقن أنه منيّ فعليه الغسل، وهذا مذكور
في المحيط والذخيرة. وقال شمس الأئمة الحلواني: هذه مسألة يكثر وقوعها والناس عنها
غافلون ا. هـ.
والحاصل أن الانتشار قبل النوم سبب لخروج المذي؛ فما يراه يحمل عليه ما لم
يتذكر حلماً ويعلم أنه منيّ، أو يكن نائماً مضطجعاً لأنه سبب للاسترخاء والاستغراق في
النوم الذي هو سبب الاحتلام؛ لكن ذكر في الحلية أنه راجع الذخيرة والمحيط البرهاني فلم
ير تقييد عدم الغسل بما إذا نام قائماً أو قاعداً، ثم بحث وقال: إن الفرق بينه وبين النوم
مضطجعاً غير ظاهر. قوله: (أو تيقن) عبر به تبعاً للمنية؛ ولو عبر بالعلم لكان أولى، لأن
المراد غلبة الظن والعلم يطلق عليها. وعبارة الخانية في هذه المسألة: إلا أن يكون أكبر
رأيه أنه منيّ فيلزمه الغسل ا.هـ. قوله: (ولو مع اللذة والإنزال) أي مع تذكر هما؛ وليس
المراد أنه أنزل لأن الموضوع أنه لم ير بللاط قوله: (وكذا المرأة الخ) في البحر عن
المعراج: لو احتلمت المرأة ولم يخرج الماء إلى ظهر فرجها، عن محمد يجب. وفي ظاهر
الرواية لا يجب، لأن خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجوب الغسل عليها وعليه
الفتوى. قوله: (ولو وجد الخ) حاصله أنه لو وجد الزوجان في فراشهما منياً ولم يتذكرا

٣٠٣
كتاب الطهارة
ولا نام قبلهما غيرهما اغتسلا (أولج حشفته) أو قدرها (ملفوفة بخرقة، إن وجد لذة)
الجماع (وجب) الغسل (وإلا لا) على الأصح، والأحوط الوجوب (و) عند (انقطاع
حیض ونفاس) هذا وما قبله من إضافة الحكم إلى الشرط: أي يجب عنده لا به، بل
بوجوب الصلاة، أو إرادة ما لا يحلّ
احتلاماً؛ فقيل: إن كان أبيض غليظاً فمنيّ الرجل؛ وإن كان أصفر رقيقاً فمنيّ المرأة. وقال
في الظهيرية بعد حكايته لهذا القول: والأصح أنه يجب عليهما احتياطاً، وعزا هذا الثاني في
الحلية إلى ابن الفضل، وقال: ومشى عليه في المحيط والخلاصة؛ واستظهر في الفتح
الجمع بين القولين، فقيد الوجوب عليهما بعدم التذكر وعدم المميز من غلظ ورقة أو بياض
وصفرة؛ ثم قال: فلا خلاف إذن، واستحسنه في الحلية وأقرّه في البحر، لكن في شرح
المنية أن المميز يختلف باختلاف المزاج والأغذية فلا عبرة به، والاحتياط هو الأول. قوله:
(ولا نام قبلهما غيرهما) ذكره في الحلية بحثاً وتبعه في البحر قال: فلو كان قد نام عليه غيرهما
وكان المنيّ المرئي يابساً فالظاهر أنه لا يجب الغسل على واحد منهما.
تنبيه: التقييد بالزوجين صريح في أن غيرهما لا يجب عليه. رملي على البحر. أقول:
الظاهر أنه اتفاقي جرياً على الغالب ولذا قال ط : الأجنبي والأجنبية كذلك، وكذا لو كانا
رجلين أو امرأتين، فالظاهر اتحاد الحكم. قوله: (إن وجد لذة الجماع) أي بأن كانت الخرقة
رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة. بحر. قوله: (وإلا لا) أي ما لم ينزل. قوله: (على
الأصح) وقال بعضهم: يجب لأنه يسمى مولجاً. وقال بعضهم: لا يجب. بحر. وظاهر
القولين الإطلاق. قوله: (والأحوط الوجوب) أي وجوب الغسل في الوجهين. بحر وسراج.
أقول: والظاهر أنه اختيار للقول الأول من القولين؛ وبه قالت الأئمة الثلاثة كما في
شرح الشيخ إسماعيل عن عيون المذاهب، وهو ظاهر حديث ((إِذَا الْتَقَى الْختَانَانِ وَغَابَتِ
الحَشَفَةُ وَجَبَ الغُسْلُ))(١). قوله: (هذا الخ) الإشارة إلى إسناد فرضية الغسل إلى الانقطاع،
لأن المعنى: وفرض عند انقطاع حيض ونفاس، وأراد بما قبله إسناد الفرضية إلى خروج
المنيّ والإيلاج ورؤية المستيقظ، وأراد بالإضافة الإسناد والتعليق: أي إسناد فرضية الغسل
إلى هذه الأشياء، وتعليقها عليها مجاز من إسناد الحكم، وهو هنا الفرضية إلى الشرط، وهو
هنا هذه المذكورات وليس من إسناد الحكم إلى سببه كما هو الأصل. قوله: (أي يجب
عنده) أي عند تحقق الانقطاع ونحوه، والمراد بعده. قوله: (بل بوجوب الصلاة) أي عند
ضيق الوقت، وقوله ((أو إرادة ما لا يحل)) أي عند عدم ضيق الوقت. قال في الشرنبلالية:
(١) ابن وهب في مسنده عن الحارث بن نبهان وذكره عبد الحق وقال إسناده ضعيف جداً وقال الحافظ ابن حجر كأنه
يشير إلى الحارث لكن لم ينفرد به ... الدارية (٤٩/١).

٣٠٤
كتاب الطهارة
كما مر (لا) عند (مذي أو ودي) بل الوضوء منه ومن البول جميعاً على الظاهر (و) لا عند
(إدخال أصبع ونحوه) کذکر غیر آدميّ وذکر خثی ومیت و صبيّ لا یشتھی وما يصنع من
نحو خشب (في الدبر أو القبل) على المختار
واختلف في سبب وجوب الغسل. وعند عامة المشايخ إرادة فعل ما لا يحل فعله مع الجنابة
وقيل: وجوب ما لا يحل معها. والذي يظهر أنه إرادة فعل ما لا يحل إلا به عند عدم ضيق
الوقت أو عند وجوب ما لا يصح معها، وذلك عند ضيق الوقت لما قال في الكافي: إن
سبب وجوب الغسل الصلاة أو إرادة ما لا يحل فعله مع الجنابة والإنزال، والالتقاء شرط
ا.هـ. قوله: (كما مر) أي في الوضوء، وقدمنا الكلام عليه هناك. قوله: (لا عند مذي) أي
لا يفرض الغسل عند خروج مذي كظبي بمعجمة ساكنة وياء مخففة على الأفصح، وفيه
الكسر مع التخفيف وقيل هما لحن: ماء رقيق أبيض يخرج عند الشهوة لا بها؛ وهو في النساء
أغلب. قيل: هو منهن يسمى القذي بمفتوحتين. نهر. قوله: (أو ودي) بمهملة ساكنة وياء
مخففة عند الجمهور. وحکی الجوهري کسر الدال مع تشديد الياء. قال ابن مكي: ليس
بصواب. وقال أبو عبيد: إنه الصواب، وإعجام الدال شاذ: ماء ثخين أبيض كدر يخرج عقب
البول. نهر. قوله: (بل الوضوء منه الخ) أي بل يجب الوضوء منه: أي من الودي ومن البول
جميعاً، وهذا جواب عما يقال: إن الوجوب بالبول السابق على الودي فكيف يجب به؟ وبيان
الجواب أن وجوبه بالبول لا ینافي الوجوب بالودي بعده، حتى لو حلف لا يتوضأ من
رعاف فرعف ثم بال أو بالعكس فتوضأ فالوضوء منهما فيحنث، وكذا لو حلفت لا تغتسل
من جنابة فجومعت وحاضت فاغتسلت فهو منهما، وهذا ظاهر الرواية. بحر. وذكر أربعة
أجوبة أخر: منها أن الودي ما يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول، وهو شيء لزج،
كذا فسره في الخزانة والتبيين، فالإشكال إنما يرد على من اقتصر في تفسيره على ما يخرج
بعد البول. قوله: (على الظاهر) أي إن قلنا: إن وجوب الوضوء منه ومن البول بناء على
ظاهر الرواية من مسألتي اليمين السابقتين. وذكر المحقق في الفتح أن الوضوء من الحدث
السابق، وأن السبب الثاني لم يوجب شيئاً لاستحالة تحصيل الحاصل، إلا إذا وقعا معاً، كأن
رعف وبال معاً كما قرره الآمدي. قال: وهو معقول يجب قبوله، هو قول الجرجاني من
مشايخنا.
والحق أن لا تنافي بين كون الحدث بالأول فقط وبين الحنث، لأنه لا يلزم بناؤه على
تعدد الحدث بل على العرف، والعرف أن يقال لمن توضأ بعد بول ورعاف توضأ منهما.
قوله: (غير آدمي) کجني وقرد وحمار. قوله: (خنثى) أي مشكل. قوله: (وما يصنع) أي
على صورة الذكر. قوله: (في الدبر) متعلق بإدخال. قوله: (على المختار) قال في
التجنيس: رجل أدخل أصبعه في دبره وهو صائف، اختلف في وجوب الغسل والقضاء.

٣٠٥
كتاب الطهارة
(و) لا عند (وطء بهيمة أو ميتة أو صغيرة غير مشتهاة) بأن تصير مفضاة بالوطء وإن غابت
الحشفة ولا ينتقض الوضوء، فلا يلزم إلا غسل الذكر. قهستاني عن النظم، وسيجيء
أن رطوبة الفرج طاهرة عنده
والمختار أنه لا يجب الغسل ولا القضاء، لأن الأصبع ليس آلة للجماع فصار بمنزلة
الخشبة، ذكره في الصوم، وقيد بالدبر لأن المختار وجوب الغسل في القبل إذا قصدت
الاستمتاع، لأن الشهوة فيهن غالبة، فيقام السبب مقام المسبب دون الدبر لعدمها. نوح
أفندي.
أقول: آخر عبارة التجنیس عند قوله «بمنزلة الخشبة)) وقد راجعتها منه فرأيتها كذلك،
فقوله (وقید الخ) من كلام نوح أفندي، وقوله (لأن المختار وجوب الغسل الخ» بحث منه
سبقه إليه شارح المنية، حيث قال: والأولى أن يجب في القبل الخ. وقد نبه في الإمداد
أيضاً على أنه بحث من شارح المنية، فافهم. قوله: (ولا عند وطء بهيمة الخ) محترزات قوله
((في أحد سبيلي آدمي حيّ يجامع مثله)). وفي القنية برمز أجناس الناطفي فرج البهيمة كفيها
لا غسل فيه بغير إنزال ويعزّر، وتذبح البهيمة وتحرق على وجه الاستحباب ولا يحرم أكل
لحمها به ا.هـ. وسيأتي في الحدود. قوله: (بأن تصير مفضاة) أي مختلطة السبيلين. وفي
المسألة خلاف؛ فقيل: يجب الغسل مطلقاً، وقيل لا مطلقاً. والصحيح أنه إذا أمكن الإيلاج
في محل الجماع من الصغيرة ولم يفضها فهي ممن تجامع فيجب الغسل. سراج.
أقول: لا يخفى أن الوجوب مشروط بما إذا زالت البكارة لأنه مشروط في الكبيرة كما
يأتي قريباً ففيها بالأولى؛ فقوله في البحر: قد يقال إن بقاء البكارة دليل على عدم الإيلاج
فلا يجب الغسل كما اختاره في النهاية فيه نظر، فتدبر. قوله: (قهستاني) أقول: عبارته وطء
البهيمة والميتة غير ناقض للوضوء بلا إنزال، فلا يلزم إلا غسل الذكر كما في صوم النظم
ا. هـ. وكأن الشارح قاس الصغيرة عليهما. تأمل. ويؤخذ من هذا أن المباشرة الفاحشة
الناقضة للوضوء لابد أن تكون بين مشتهيين كما قدمناه. قوله: (وسيجيء) أي في باب
الأنجاس.
مَطْلَبٌ فِي رُطُوبَةِ الْفَرْجِ
قوله: (الفرج) أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة باتفاق بدليل جعلهم غسله
سنة في الوضوء، ولو كانت نجسة عندهما لفرض غسله ا.هـ. ح.
أقول: قد يقال: إن النجاسة ما دامت في محلها لا عبرة لها، ولذا كان الاستنجاء سنة
للرجال والنساء في غير الغسل مع أن الخارج نجس باتفاق، فلا تدل سنية الغسل على
الطهارة، فتدبر؛ نعم يدل على الاتفاق كونه له حكم خارج البدن، فرطوبته كرطوبة الفم

٣٠٦
كتاب الطهارة
فتنبه (بلا إنزال) لقصور الشهوة أما به فيحال عليه. (كما) لا غسل (لو أتى عذراء ولم
يزل عذرتها) بضم فسكون البكارة، فإنها تمنع التقاء الختانين إلا إذا حبلت لإنزالها،
وتعيد ما صلت قبل الغسل كذا قالوا، وفيه نظر، لأن خروج منيّها من فرجها الداخل
شرط لوجوب الغسل على المفتى به ولم يوجد. قاله الحلبي.
(ويجب) أي يفرض (على الأحياء) المسلمين (كفاية) إجماعاً (أن يغسلوا)
بالتخفيف
والأنف والعرق الخارج من البدن. قوله: (فتنبه) أشار به إلى أن ما في النظم مبني على
قولهما، فلا تغفل وتظن من جزمه به أنه متفق عليه. قوله: (لقصور الشهوة) أي التي أقيمت
مقام الإنزال في وجوب الغسل عند الإيلاج؛ لكن يرد عليه: لو جامع عجوزاً شوهاء لا
تشتهى أصلاً، ويظهر لي الجواب بأنها قد ثبت لها وصف الاشتهاء فيما مضى فيبقى حكمه
الآن ما دامت حية كما ذكروه في مسألة المحاذاة في الصلاة، بخلاف البهيمة والميتة
والصغيرة. تأمل. وهذا علة لعدم وجوب الغسل فيما تقدم. قوله: (أما به) أي أما فعل هذه
الأشياء المصاحب للإنزال فيحال وجوب الغسل على الإنزال ط. قوله: (تمنع التقاء
الختانين) أي ختان الرجل: وهو موضع القشع، وختان المرأة: وهو موضع قطع جلدة منها
كعرف الديك فوق الفرج، فإذا غابت الحشفة في الفرج فقد حاذى ختانه ختانها، وتمام بيانه
في البحر. قوله: (إلا إذا حبلت) فيكون دليل إنزالها فيلزمها الغسل. قال أبو السعود: وكذا
يلزمه لأنه دليل إنزاله أيضاً وإن خفي عليه. قوله: (قبل الغسل) أي لو لم تكن اغتسلت،
لأنه ظهر أنها صلت بلا طهارة. قوله: (قاله الحلبي) أي في شرحه الصغير. وقال في
الكبير: ولا شك أنه مبني على وجوب الغسل عليها بمجرد انفصال منيها إلى رحمها، وهو
خلاف الأصح الذي هو ظاهر الرواية. قوله: (أي يفرض) أشار به إلى أنه ليس المراد
بالوجوب هنا المصطلح عليه عندنا، فكان الأولى فيه وفيما بعده التعبير بيفرض ا.هـ. ح.
وممن صرح بالفرضية هنا صاحب الوافي والسروجي وابن الهمام مع نقله الإجماع عليه، لكن
علل في البحر بأن هذا الذي سموه واجباً يفوت الجواز بفوته. قال الشارح في الخزائن:
قلت هذا التعليل يفيد أنه فرض عملي لا اعتقادي، وهو كذلك لأنه ليس ثابتاً بدليل قطعيّ
ولا متفقاً عليه، فلعلهم عبروا بالواجب للإشعار بانحطاط رتبة هذا عن ذاك، فتأمل ا. هـ.
قلت: لكن هذا ظاهر فيما عدا غسل الميت، فتأمل. قوله: (كفاية) أي بحيث لو قام به
بعضهم سقط عن باقيهم، وإلا أثموا كلهم إن علموا به، وهل يشترط لسقوطه عن المكلفين
النية؟ استظهر في جنائز الفتح نعم، ونقل في البحر عن الخانية وغيرها خلافه. قوله:
(إجماعاً) قيد لقوله ((يفرض)) قال في البحر: وما نقله مسكين من قوله ((وقيل غسل الميت سنة
مؤكدة)) ففيه نظر بعد نقل الإجماع. قوله: (بالتخفيف) أي تخفيف السين، وهو من الغسل

٣٠٧
كتاب الطهارة
(الميت) المسلم إلا الخنثى المشكل فييمم (كما يجب على من أسلم جنباً أو حائضاً) أو
نفساء ولو بعد الانقطاع على الأصح كما في الشرنبلالية عن البرهان، وعلله ابن الكمال
ببقاء الحدث الحكمي (أو بلغ لا بسنّ) بل بإنزال أو حيض، أو ولدت ولم تر دماً، أو
أصاب كل بدنه نجاسة أو بعضه وخفي مكانها (في الأصح) راجع للجميع.
بالفتح. قال في السراج: يقال: غسل الجمعة وغسل الجنابة بضم الغين، وغسل الميت
وغسل الثوب بفتحها. وضابطه أنك إذا أضفت إلى المغسول فتحت، وإذا أضفت إلى غير
المغسول ضممت ا.هـ. قوله: (الميت) بالتخفيف وبالتشديد ضد الحيّ، أو المخفف
الذي مات والمشدّد الذي لم يمت بعد، أفاده في القاموس. قوله: (المسلم) أما الكافر إذا
لم يوجد له إلا وليه المسلم فيسيل عليه الماء كالخرقة النجسة من غير ملاحظة السنة ط.
قوله: (فییمم) وقيل يغسل بثيابه، والأول أولى. بحر ونهر. قوله: (كما يجب) أي يفرض.
بحر. قوله: (ولو بعد الانقطاع) أي انقطاع الحيض والنفاس، لكن في دخول ذلك في كلام
المصنف نظر، لأن الحائض من اتصفت بالحيض وبعد انقطاعه لا تسمى حائضاً، ولذا قال
في الشرنبلالية: إن فيه إشارة إلى أنها لو انقطع حيضها ثم أسلمت لا غسل عليها. قوله:
(على الأصح) مقابله ما قيل: إنها لو أسلمت بعد الانقطاع لا غسل عليها، بخلاف الجنب؛
والفرق أن صفة الجنابة باقية بعد الإسلام، فكأنه أجنب بعده، والانقطاع في الحيض هو
السبب ولم يتحقق بعد، فلذا لو أسلمت قبل الانقطاع لزمها. قوله: (وعلله) أي علل
الأصح. قوله: (ببقاء الحدث الحكمي) حاصله منع الفرق بين الحيض والجنابة، لأن
التحقيق أن الانقطاع شرط لوجوب الغسل لا سبب.
ومبنى الفرق على أنه لا يثبت لها بالحيض والنفاس حدث حكمي يستمر مثل الجنابة
وهو ممنوع، بدليل أن المسافرة لو تيممت بعد الانقطاع خرجت من الحيض، فإذا وجدت
الماء وجب عليها الغسل فصارت بمنزلة الجنب، فقد ثبت لها حدث حكمي بعد الانقطاع،
هذا خلاصة ما حققه ابن الكمال، وقد حقق في الحلية هذا المقام بما لا مزيد عليه. قوله:
(بل بإنزال) عام في الغلام والجارية والحيض قاصر عليها كالولادة ط. وقيل: لو بلغ
بالإنزال لا يجب عليه، بخلاف ما لو بلغت بالحيض كما في البحر. قوله: (أو ولدت ولم تر
دماً) هذا قول الإمام، وبه أخذ أكثر المشايخ. وعند أبي يوسف، وهو رواية عن محمد: لا
غسل عليها لعدم الدم، وصححه في التبيين والبرهان كما بسطه في الشرنبلالية، ومشى عليه
في نور الإيضاح؛ لكن في السراج أن المختار الوجوب احتياطاً، وهو الأصح انتهى.
قوله: (أو أصاب الخ) كذا عده بعضهم هنا من الاغتسالات المفروضة. قال في الحلية: ولا
يخفى أنه ليس مما نحن فيه، فعدّه من ذلك سهوا. هـ .: أي لأن الكلام في النجاسة الحكمية
لا الحقيقية. قوله: (راجع للجميع) فيه نظر، فقد ذكر العلامة نوح أفندي الاتفاق على

٣٠٨
كتاب الطهارة
وفي التاتر خانية معزياً للعتابية، والمختار وجوبه على مجنون أفاق.
قلت: وهو يخالف ما يأتي متناً، إلا أن يحمل أنه رأى منياً، وهل السكران
والمغمى عليه كذلك؟ يراجع (وإلا) بأن أسلم طاهراً أو بلغ بالسن (فمندوب).
وسن لصلاة جمعة (و) لصلاة (عيد) هو الصحيح
وجوب الغسل على من أسلمت حائضاً قبل الانقطاع وعلى من بلغت بالحيض، وسيذكر
الشارح في باب الأنجاس أن المختار أنه لو خفي محل النجاسة يكفي غسل طرف الثوب أو
البدن.
هذا، وفي بعض النسخ هنا ما نصه: وفي التاتر خانية معزياً للعتابية: والمختار وجوبه
على مجنون أفاق.
قلت: وهو يخالف ما يأتي متناً، إلا أن يحمل أنه رأى منياً، وهل السكران والمغمى
عليه كذلك؟ يراجع ا. هـ. قيل: وهذا ثابت في نسخة الشارح الأصلية ساقط من النسخة
المصححة .
أقول: ويؤيد هذا الحمل ما في التاتر خانية أيضاً عن السراجية: المجنون إذا أجنب ثم
أفاق لا غسل عليه ا.هـ. وكأنه مبني على القول بعدم الغسل على من أسلم جنباً لعدم
التكليف وقت الجنابة، لكن الأصح خلافه كما علمت فلذا كان المجنون كذلك؛ وقوله
((وهل السكران والمغمى عليه كذلك)) أي في جريان الخلاف فيهما لو رأيا منياً لعدم
التكليف، وقال: يراجع لعدم رؤيته ذلك. وفي التاتر خانية: أغشي عليه فأفاق ووجد مذياً
أو منياً فلا غسل عليه ا.هـ. ومقتضاه جريان الخلاف أيضاً، إلا أن يقال: المراد أنه رأى بللا
شك أنه منيّ أو مذي. وقدم الشارح عند قوله ((ورؤية مستيقظ)) أنه خرج رؤية السكران
والمغمى عليه المذي، وقدمنا هناك عن المنية وغيرها أن برؤية المنيّ يجب الغسل. قوله:
(بأن أسلم طاهراً) أي من الجنابة والحيض والنفاس: أي بأن كان اغتسل أو أسلم صغيراً.
تأمل. قوله: (أو بلغ بالسن) أي بلا رؤية شيء، وسنّ البلوغ على المفتى به خمس عشرة سنة
في الجارية والغلام، كما سيأتي في محله. قوله: (وسن الخ) هو من سنن الزوائد، فلا عتاب
بتركه كما في القهستاني. وذهب بعض مشايخنا إلى أن هذه الاغتسالات الأربعة مستحبة
أخذاً من قول محمد في الأصل: إن غسل الجمعة حسن. وذكر في شرح المنية أنه الأصح،
وقوّاه في الفتح، لكن استظهر تلميذه ابن أمير حاج في الحلية استنانه للجمعة لنقل المواظبة
عليه، وبسط ذلك مع بيان دلائل عدم الوجوب. والجواب عما يخالفها في البحر وغيره.
قوله: (هو الصحيح) أي كونه للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية. ابن كمال: وهو
قول أبي يوسف. وقال الحسن بن زياد: إنه لليوم، ونسب إلى محمد. والخلاف المذكور
جار في غسل العيد أيضاً كما في القهستاني عن التحفة؛ وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه لو

٣٠٩
كتاب الطهارة
كما في غرر الأذكار وغيره.
وفي الخانية: لو اغتسل بعد صلاة الجمعة لا يعتبر إجماعاً؛ ويكفي غسل واحد
لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة كما لفرضي جنابة وحيض (و) لأجل (إحرام و) في جبل
(عرفة) بعد الزوال.
اغتسل وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن لا عند الثاني. قال
في الكافي: وكذا فيمن اغتسل قبل الفجر وصلى به ينال عند الثاني لا عند الحسن، لأنه
اشترط إيقاعه فيه إظهاراً لشرفه ومزيد اختصاصه عن غيره كما في النهر، قيل: وفیمن اغتسل
قبل الغروب. واستظهر في البحر ما ذكره الشارح عن الخانية من أنه لا يعتبر إجماعاً، لأن
سبب مشروعيته دفع حصول الأذى من الرائحة عند الاجتماع، والحسن وإن قال هو لليوم،
لكن بشرط تقدمه على الصلاة؛ ولا يضرّ تخلل الحدث بينه وبين الغسل(١) عنده. وعند أبي
يوسف يضرا. هـ. ولسيدي عبد الغني النابلسي هنا بحث نفيس ذكره في شرح هداية ابن
العماد، حاصله أنهم صرحوا بأن هذه الاغتسالات الأربعة للنظافة لا للطهارة، مع أنه لو
تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء
ثانياً مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث، لأن مقتضى الأحاديث
الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط ا. هـ.
أقول: ويؤيده طلب التبكير للصلاة؛ وهو في الساعة الأولى أفضل وهي إلى طلوع
الشمس، فربما يعسر مع ذلك بقاء الوضوء إلى وقت الصلاة ولا سيما في أطول الأيام،
وإعادة الغسل أعسر - وما جعل عليكم في الدين من حرج - وربما أداه ذلك إلى أن يصلي
حاقناً وهو حرام، ويؤيده أيضاً ما في المعراج: لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استنّ
بالسنة لحصول المقصود وهو قطع الرائحة ا. هـ. قوله: (كما في غرر الأذكار) هو شرح درر
البحار المؤلف في مذاهب الأئمة الأربعة الكبار ومذاهب الصاحبين على طريقة مجمع
البحرين مع غاية الإيجاز والاختصار للعلامة القونوي الحنفي، وقد ذكر في آخره، أنه ألفه
في نحو شهر ونصف سنة ٧٤٦، وعندي شرح عليه للعلامة محمد الشهير بالشيخ البخاري
سماه [غرر الأفكار] وعليه شرح للعلامة قاسم قطلوبغا تلميذ ابن الهمام، ولعله الذي نقل
عنه الشارح. قوله: (وغيره) كالهداية وصدر الشريعة والدرر وشروح المجمع والزيلعي.
قوله: (اجتمعا مع جنابة) أقول: وكذا لو كان معهما کسوف واستسقاء. وهذا كله إذا نوى
ذلك ليحصل له ثواب الكل. تأمل. قوله: (ولأجل إحرام) أي بحج أو عمرة أو بهما.
إمداد. ولا أظن أحداً قال إنه لليوم فقط. نهر. قوله: (وفي جبل عرفة الخ) أراد بالجبل ما
(١) في ط (قوله وبين الغسل) كذا ولعل صوابه (وبين الصلاة) كما هو في نسخ أخرى.

٣١٠
كتاب الطهارة
(وندب لمجنون أفاق) وكذا المغمى عليه، كذا في غرر الأذكار، وهل السكران
كذلك؟ لم أره (وعند حجامة، وفي ليلة براءة) وعرفة (وقدر) إذا رآها (وعند الوقوف
بمزدلفة غداة يوم النحر) للوقوف (وعند دخول منى يوم النحر) لرمي الجمرة (و) كذا
لبقية الرمي، و(عند دخول مكة لطواف الزيارة، ولصلاة كسوف) وخسوف (واستسقاء
وفزع وظلمة وريح شديد) وكذا لدخول المدينة،
يشمل السهل من كل ما يصح الوقوف عليه، وإنما أقحم لفظ جبل إشارة إلى أن الغسل
للوقوف نفسه لا لدخول عرفات ولا لليوم.
مَطْلَبٌ: يَوْمُ عَرَفَةً أَفْضَلُ مِنْ يَومِ الْجُمُعَةِ
وما في البدائع من أنه يجوز أن يكون على الاختلاف أيضاً: أي أن يكون للوقوف أو
لليوم كما في الجملة، رده في الحلية بأن الظاهر أنه للوقوف. قال: وما أظن أن أحداً ذهب
إلى استنانه ليوم عرفة بلا حضور عرفات ا. هـ. وأقرّه في البحر والنهر، لكن قال المقدسي
في شرحه على نظم الكنز: أقول: لا يستبعد أن يقول أحد بسنيته لليوم لفضيلته، حتى لو
حلف بطلاق امرأته في أفضل أيام العام تطلق يوم عرفة ذكره ابن ملك في شرح المشارق.
وقد وقع السؤال عن ذلك في هذه الأيام ودار بين الأقوام، وكتب بعضهم بأفضلية يوم
الجمعة والنقل بخلافه ا. هـ. قوله: (وهل السكران كذلك) الظاهر نعم، وما قدمه الشارح
على ما في بعض النسخ فيما إذا رأى منياً، أما هنا فالمراد إذا لم ير منياً، كما في المجنون
والمغمى عليه فلا تكرار، فافهم. قوله: (وعند حجامة) أي عند الفراغ منها. إمداد. لشبهة
الخلاف. بحر. قوله: (وفي ليلة براءة) هي ليلة النصف من شعبان. قوله: (وعرفة) أي في
ليلتها تاتر خانية وقهستاني، وظاهر الإطلاق شموله للحاج وغيره. قوله: (إذا رآها) أي يقيناً
أو عملاً باتباع ما ورد في وقتها لإحيائها. إمداد. قوله: (غداة يوم النحر) أي صبيحتها. قوله:
(لرمي الجمرة) مفاده أنه لا يسن لنفس دخول منيّ، فلو أخر الرمي إلى اليوم الثاني لم يندب
لأجل الدخول، وهو خلاف المتبادر من المتن ومخالف لما في شرح الغزنوية حيث جعل
غسل الرمي في يوم النحر غير غسل دخول مني يوم النحر. قوله: (وعند دخول مكة) استظهر
في الحلية سنيته لنقل المواظبة. قوله: (لطواف الزيارة) لم يقيد بذلك في الفتح والبحر، بل
جعل في شرح درر البحار كلّ من دخول مكة والطواف قسماً برأسه؛ ونصه: وجب
للاستسقاء والكسوف، ودخول مكة والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار والطواف.
تنبيه: ظهر مما ذكرنا أن الأغسال يوم النحر خمسة، وهي: الوقوف بمزدلفة، ودخول
منى، ورمي الجمرة ودخول مكة، والطواف؛ ويظهر لي أنه ينوب عنها غسل واحد بنيته لها
كما ينوب عن الجمعة والعيد، وتعدادها لا يقتضي عدم ذلك. تأمل. قوله: (وظلمة) أي

٣١١
كتاب الطهارة
ولحضور مجمع الناس، ولمن لبس ثوباً جديداً أو غسل ميتاً أو يراد قتله، ولتائب من
ذنب، ولقادم من سفر، ولمستحاضة انقطع دمها (ثمن ماء اغتسالها ووضوئها عليه) أي
الزوج ولو غنية كما في الفتح، لأنه لا بد لها منه فصار كالشرب، فأجرة الحمام عليه.
ولو كان الاغتسال لا عن جنابة وحيض بل لإزالة الشعث، والتفث، قال شيخنا:
الظاهر لا يلزمه.
(ويحرم ب) الحدث (الأکبر دخول مسجد) لا مصلى عيد وجنازة
نهاراً. إمداد. قوله: (ولحضور مجمع الناس) عزاه في البحر إلى النووي وقال: لم أجده
لأئمتنا.
أقول: وفي معراج الدراية: قيل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف وفي الاستسقاء
وفي كل ما كان في معنى ذلك كاجتماع الناس. قوله: (ولمن لبس ثوباً جديداً) عزاه في
الخزائن إلى النتف. قوله: (أو غسل ميتاً) للخروج من الخلاف كما في الفتح. قوله: (أو
يراد قتله الخ) عزا هذه المذكورات في الخزائن إلى الحلبي من خزانة الأكمل. قوله:
(ولمستحاضة انقطع دمها) وكذا المحتلم أراد معاودة أهله على ما سيأتي، وكذا لمن بلغ
بسن أو أسلم طاهراً كما مر، فقد بلغت نيفاً وثلاثين. قال في الإمداد: ويندب غسل جميع
بدنه أو ثوبه إذا أصابته نجاسة وخفي مكانها ا. هـ. وفيه ما مر مع مخالفته لما قدمه الشارح تبعاً
للبحر وغيره، لكن قدمنا أن الشارح سيذكر في الأنجاس أن المختار أنه يكفي غسل طرف
الثوب، فما في الإمداد مبني علیه، فتدبر. قوله: (ثمن ماء اغتسالها) أي من جنابة أو حیض
انقطع لعشرة أو أقل. وفصل في السراج بين انقطاع الحيض لعشرة فعليها لاحتياجها إلى
الصلاة، ولأقل فعليه لاحتياجه إلى الوطء. قال في البحر: وقد يقال: إن ما تحتاج إليه مما لا
بد لها منه واجب عليه، سواء كان هو محتاجاً إليه أو لا، فالأوجه الإطلاق ا. هـ. قوله: (ولو
غنية) وبه ظهر ضعف ما في الخلاصة من أن ثمن ماء الوضوء عليها لو غنية وإلا فإما أن ينقله
إليها أو يدعها تنقله بنفسها. بحر من باب النفقة. قوله: (فأجرة الحمام عليه) ذكره في نفقة
البحر بحثاً، قال: لأنه ثمن ماء الاغتسال، لكن له منعها من الحمام حيث لم تكن نفساء
ا.هـ. وما بحثه نقله الرملي عن جامع الفصولين فلذا جزم به الشارح، فافهم. قوله:
(الشعث والتفت) محركان، والأول انتشار الشعر واغبراره لقلة التعهد، والثاني بمعنى الوسخ
والدرن، وسوّى بينهما في القاموس، واعترضه الشاهيني في مختصره. قوله: (قال شيخنا)
أي العلامة خير الدين الرملي في حاشيته على المنع. قوله: (الظاهر لا يلزمه) لأنه لا يكون
كماء الشرب حتى يكون له حكم النفقة بل للتزين للزوج فيكون كالطيب. رحمتي. والظاهر
أنه لو أمرها بإزالته لا يلزمها إلا إذا دفع لها من ماله. تأمل. قوله: (لا مصلى عيد وجنازة)

٣١٢
كتاب الطهارة
ورباط ومدرسة، ذكره المصنف وغيره في الحيض وقبيل الوتر، لكن في وقف القنية:
المدرسة إذا لم يمنع أهلها الناس من الصلاة فيها فهي مسجد (ولو للعبور) خلافاً
للشافعي (إلا لضرورة)، حيث لا يمكنه غيره.
فليس لهما حكم المسجد في ذلك وإن كان لهما حكمه في صحة الاقتداء وإِن لم تتصل
الصفوف، ومثلهما فناء المسجد، وتمامه في البحر. قوله: (ورباط) هو خانكاه الصوفية
ح ، وهو متعبدهم.
وفي كلام ابن وفا نفعنا الله به ما يفيد أنها بالقاف، فإنه قال: الخنق في اللغة:
التضييق، والخانق: الطريق الضيق، ومنه سميت الزاوية التي يسكنها صوفية الروم الخانقاه
لتضييقهم على أنفسهم بالشروط التي يلتزمونها في ملازمتها، ويقولون فيها أيضاً: من غاب
عن الحضور غاب نصيبه إلا أهل الخوانق ومضايق ا. هـ.ط.
ووجه تسميتها رباطاً أنها من الربط: أي الملازمة على الأمر، ومنه سمي المقام في
ثغر العدوّ رياطاً ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ومعناه انتظار
الصلاة بعد الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام ((فذلكم الرباط)) أفاده في القاموس. قوله:
(لكن الخ) في هذا الاستدراك نظر، لأن كلام القنية في مسجد المدرسة لا في المدرسة
نفسها، لأنه قال: المساجد التي في المدارس مساجد، لأنهم لا يمنعون الناس من الصلاة
فيها، وإذا غلقت يكون فيها جماعة من أهلها ا. هـ.
وفي الخانية: دار فيها مسجد لا يمنعون الناس من الصلاة فيها، إذا كانت الدار لو
أغلقت كان له جماعة ممن فيها فهو مسجد جماعة تثبت له أحكام المسجد من حرمة البيع
والدخول وإلا فلا، وإن كانوا لا يمنعون الناس من الصلاة فيه. قوله: (ولو للعبور) أي
المرور، لما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة قالت ((جَاءَ رَسُولُ الله ◌َهُ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ
شَارِعَةٌ في المَسْجَدِ، فقالَ: وَجُّهُوا هذه البُيُوتَ، فإِنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ ولا
جُنُبٍ)). والمراد بعابري سبيل في الآية المسافرون كما هو منقول عن أهل التفسير؛
فالمسافر مستثنى من النهي عن الصلاة بلا اغتسال، ثم بين في الآية أن حكمه التيمم، وتمام
الأدلة من السنة وغيرها مبسوط في البحر. وفيه: وقد علم أن دخوله وَ﴿ المسجد جنباً
ومکثه فيه من خواصه، و کذا هو من خواص عليّ رضي الله عنه کما ورد من طرق ثقات تدل
على أن الحديث صحيح كما ذكره الحافظ ابن حجر. وأما القول بجوازه لأهل البيت
وكلبس الحرير لهم فهو اختلاق من الشيعة. قوله: (إلا لضرورة) قيد به في الدرر، وكذا في
عيون المذاهب للكاکي شارح الهداية، وكذا في شرح درر البحار. قوله: (حيث لا يمكنه
غيره) كأن يكون باب بيته إلى المسجد. درر: أي ولا يمكنه تحويله ولا يقدر على السكنى
في غيره. بحر.

٣١٣
كتاب الطهارة
ولو احتلم فيه، إن خرج مسرعاً تيمم ندباً، وإن مكث لخوف فوجوباً، ولا
يصلي ولا يقرأ.
(و) يحرم به (تلاوة قرآن) ولو دون آية على المختار (بقصده) فلو قصد الدعاء أو
قلت: يدل عليه الحديث المار؛ ومن صوره ما في العناية عن المبسوط: مسافر مرّ
بمسجد فيه عين ماء وهو جنب ولا يجد غيره فإنه يتيمم لدخول المسجد عندنا ا. هـ. قوله:
(تيمم ندباً الخ) أفاد ذلك في النهر توفيقاً بين إطلاق ما يفيد الوجوب وما يفيد الندب.
أقول: والظاهر أن هذا في الخروج، أما في الدخول فيجب كما يفيده ما نقلنا آنفاً عن
العناية، ويحمل عليه أيضاً ما في درر البحار من قوله: ولا نجيز العبور في المسجد بلا
تیمم.
ثم رأيت في الحلية عن المحيط ما يؤيده حيث قال: ولو أصابته جنابة في المسجد،
قيل لا يباح له الخروج من غير تيمم اعتباراً بالدخول، وقيل يباح ا. هـ. فجعل الخلاف في
الخروج دون الدخول، والوجه فيه ظاهر لا يخفى على الماهر، وعليه فالظاهر وجوبه على
من كان بابه إلى المسجد وأراد المرور فيه. تأمل. قوله: (ولا يصلي ولا يقرأ) لأنه لم ينو به
عبادة مقصودة، وهذا دفع للقول بأن له أن يصلي به كما بسطه في الحلية.
تتمة: ذكر في الدرر عن التاتر خانية أنه يكره دخول المحدث مسجداً من المساجد
وطوافه بالكعبة ا.هـ. وفي القهستاني: ولا يدخله من على بدنه نجاسة، ثم قال: وفي
الخزانة: وإذا فسا في المسجد لم ير بعضهم به بأساً. وقال بعضهم: إذا احتاج إليه نخرجه
منه، وهو الأصح ا.هـ. قوله: (تلاوة قرآن) أي ولو بعد المضمضة كما يأتي، وفي حكمه
منسوخ التلاوة على ما سنذكره. قوله: (ولو دون آية) أي من المركبات لا المفردات، لأنه
جوّز للحائض المعلمة تعليمه كلمة كلمة. يعقوب باشا. قوله: (على المختار) أي من
قولین مصححین، ثانیهما أنه لا يحرم ما دون آیة؛ ورجحه ابن الهمام بأنه لا يعد قارئاً بما دون
آية في حق جواز الصلاة فكذا هنا، واعترضه في البحر تبعاً للحلية بأن الأحاديث لم تفصل
بين القليل والكثير، والتعليل في مقابلة النص مردودا. هـ. والأول قول الكرخي، والثاني
قول الطحاوي.
أقول: ومحله إذا لم تكن طويلة، فلو کانت طویلة كان بعضها کآیة لأنها تعدل ثلاث
آيات. ذكره في الحلية عن شرح الجامع لفخر الإسلام. قوله: (فلو قصد الدعاء) قال في
العيون لأبي الليث: قرأ الفاتحة على وجه الدعاء أو شيئاً من الآيات التي فيها معنى الدعاء
ولم يرد القراءة لا بأس به. وفي الغاية: أنه المختار، واختاره الحلواني؛ لكن قال
الهندواني: لا أفتي به وإن روي عن الإمام؛ واستظهره في البحر تبعاً للحلية في نحو الفاتحة

٣١٤
كتاب الطهارة
الثناء أو افتتاح أمر أو التعليم ولقن كلمة كلمة حل في الأصح، حتى لو قصد بالفاتحة
الثناء في الجنازة لم يكره إلا إذا قرأ المصلي قاصداً الثناء فإنها تجزيه لأنها في محلها، فلا
یتغیر حکمها بقصده (ومسه) مستدرك بما بعده، وهو وما قبله
لأنه لم يزل قرآناً لفظاً ومعنى معجزاً متحدى به، بخلاف نحو . الحمد لله . ونازعه في النهر
بأن كونه قرآناً في الأصل لا يمنع من إخراجه عن القرآنية بالقصد؛ نعم ظاهر التقييد بالآيات
التي فيها معنى الدعاء يفهم أن ما ليس كذلك كسورة أبي لهب لا يؤثر فيها قصد غير
القرآنية، لكن لم أر التصريح به في كلامهم ا. هـ.
مَطْلَبٌ: يُطْلَقُ الدُّعَاءُ على مَا يَشْمَلُ الثَّنَاءِ
أقول: وقد صرحوا بأن مفاهيم الكتب حجة، والظاهر أن المراد بالدعاء ما يشمل
الثناء لأن الفاتحة نصفها ثناء ونصفها الآخر دعاء، فقول الشارح ((أو الثناء)) من عطف الخاص
على العام. قوله: (أو افتتاح أمر) كقوله بسم الله لافتتاح العمل تبركاً. بدائع. قوله: (أو
التعليم) فرق بعضهم بين الحائض والجنب بأن الحائض مضطرة لأنها لا تقدر على رفع
حدثها بخلاف الجنب، والمختار أنه لا فرق. نوح. قوله: (ولقن كلمة كلمة) هو المراد
بقول المنية حرفاً حرفاً كما فسره به في شرحها، والمراد مع القطع بين كل كلمتين، وهذا
على قول الكرخي، وعلى قول الطحاوي تعلم نصف آية. نهاية وغيرها. ونظر فيه في البحر
بأن الكرخي قائل باستواء الآية وما دونها في المنع. وأجاب في النهر بأن مراده بما دونها: ما
به يسمى قارئاً وبالتعليم كلمة كلمة لا يعد قارئاً ا. هـ. ويؤيده ما قدمناه عن اليعقوبية. بقي ما
لو كانت الكلمة آية كــ ص. و. ق. نقل نوح أفندي عن بعضهم أنه ينبغي الجواز. أقول:
وينبغي عدمه في ﴿مدهامّتان﴾ [الرحمن/ ٦٤] تأمل. قوله: (حتى لو قصد الخ) تفريع على
مضمون ما قبله من أن القرآن يخرج عن القرآنية بقصد غيره. قوله: (إلا إذا قصد الخ)(١)
استثناء من المضمون المذكور أيضاً، والمراد المصلي الصلاة الكاملة ذات الركوع
والسجود. قوله: (فإنها تجزيه) الضمائر ترجع إلى القراءة المعلومة من المقام أو إلى الفاتحة
ط قوله: (فلا يتغير حكمها) وهو سقوط واجب القراءة بها. قوله: (بقصده) أي الثناء.
قوله: (ومسه) أي مس القرآن، وكذا سائر الكتب السماوية. قال الشيخ إسماعيل: وفي
المبتغى: ولا يجوز مس التوراة والإنجيل والزبور وكتب التفسير ا. هـ. وبه علم أنه لا يجوز
مس القرآن المنسوخ تلاوة وإن لم يسم قرآناً متعبداً بتلاوته، خلافاً لما بحثه الرملي؛ فإن
التوراة ونحوها مما نسخ تلاوته وحكمه معاً. فافهم. قوله: (مستدرك) أي مدرك
بالاعتراض. والمعنى أنه معترض بما بعده من قول المصنف وبه وبالأصغر مس مصحف
(١) في ط (قوله إلا إذا قصد إلخ) هكذا بخطه والذي في نسخ الشارح (إلا إذا قرأ المصلي قاصداً إلخ) هو كذلك في
نسخة أخرى.

٣١٥
كتاب الطهارة
ساقط من نسخ الشرح، وكأنه لأنه ذكره في الحيض.
(و) يحرم به (طواف) لوجوب الطهارة فيه (و) يحرم (به) أي بالأكبر (وبالأصغر)
مس مصحف: أي ما فيه آية كدرهم وجدار، وهل مس نحو التوراة كذلك؟ ظاهر
کلامهم لا (إلا بغلاف متجاف) غیر مشرز
فإنه يغني عنه. وفيه أنه لا يعترض بالمتأخر على المتقدم لوقوعه في مركزه ط : أي بل
بالعكس. قوله: (ساقط) لم يسقط فيما رأيناه من نسخ الشرح إلا قوله ((و)) مسه ح. قوله:
(لوجوب الطهارة فيه) حتى لو لم يكن ثمة مسجد لا يحل فعله بدونها، وتمامه في البحر.
قال الرحمتي: وكان المناسب أن يذكره: أي الطواف مع ما بعده، لأنه كما تجب الطهارة فيه
من الحدث الأكبر تجب من الأصغر كما سيأتي، وصرح به ابن أمير حاج في عدّ الواجبات.
قال: والطهارة فيه من الحدث الأكبر والأصغرا. هـ. قوله: (مس مصحف) المصحف
بتثليث الميم والضم فيه أشهر، سمي به لأنه أصحف: أي جمع فيه الصحائف. حلية.
قوله: (أي ما فيه آية الخ) أي المراد مطلق ما كتب فيه قرآن مجازاً، من إطلاق اسم الكل على
الجزء، أو من باب الإطلاق والتقييد. قال ح: لكن لا يحرم في غير المصحف إلا
بالمكتوب: أي موضع الكتابة، كذا في باب الحیض من البحر، وقید بالآية لأنه لو کتب ما
دونها لا يكره مسه كما في حيض القهستاني. وينبغي أن يجري هنا ما جرى في قراءة ما دون
آية من الخلاف، والتفصيل المارّين هناك بالأولى، لأن المس يحرم بالحدث ولو أصغر،
بخلاف القراءة فكانت دونه. تأمل. قوله: (ظاهر كلامهم لا) قال في النهر: وظاهر
استدلالهم بقوله تعالى - ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾. بناء على أن الجملة صفة للقرآن يقتضي
اختصاص المنع به ا.هـ. لكن قدمنا آنفاً عن المبتغى أنه لا يجوز، وكذا نقله ح عن
القهستاني عن الذخيرة ثم قال: وليس بعد النقل إلا الرجوع إليه واستدلالهم بالآية لا ينفيه،
بل ربما تلحق سائر الكتب السماوية بالقرآن دلالة لاشتراك الجميع في وجوب التعظيم كما
لا يخفى؛ نعم ينبغي أن يخص بما لم يبدل كما سيأتي نظيره ا. هـ. قوله: (غير مشرز) أي غير
محيط به، وهو تفسير للمتجافي. قال في المغرب مصحف مشرز أجزاؤه: مشدود بعضها
إلى بعض، من الشيرازة وليست بعربية ا. هـ. فالمراد بالغلاف ما كان منفصلاً كالخريطة
وهي الكيس ونحوها، لأن المتصل بالمصحف منه حتى يدخل في بيعه بلا ذكر. وقيل
المراد به الجلد المشرز، وصححه في المحيط والكافي، وصحح الأول في الهداية وكثير
من الكتب، وزاد في السراج: أن عليه الفتوى. وفي البحر: أنه أقرب إلى التعظيم. قال:
والخلاف فيه جار في الكم أيضاً. ففي المحيط: لا يكره عند الجمهور، واختاره في
الكافي معللاً بأن المس اسم للمباشرة باليد بلا حائل. وفي الهداية: أنه يكره، هو الصحيح

٣١٦
كتاب الطهارة
أو بصرة، به یفتی، وحل قلبه بعود.
واختلفوا في مسه بغير أعضاء الطهارة وبما غسل منها وفي القراءة بعد
المضمضة، والمنع أصح.
(ولا يكره النظر إليه) أي القرآن (لجنب وحائض ونفساء) لأن الجنابة لا تحل
العين (ك) -ما لا تكره (أدعية) أي تحريماً، وإلا فالوضوء لمطلق الذكر مندوب، وتركه
خلاف الأولى، وهو مرجع كراهة التنزيه.
(ولا) يكره (مس صبي لمصحف ولوح)
لأنه تابع له، وعزاه في الخلاصة إلى عامة المشايخ، فهو معارض لما في المحيط فكان هو
أولی ا.هـ.
أقول: بل هو ظاهر الرواية كما في الخانية، والتقييد بالكم اتفاقي فإنه لا يجوز مسه
ببعض ثياب البدن غير الكم كما في الفتح عن الفتاوى. وفيه قال لي بعض الإخوان: أيجوز
بالمنديل الموضوع على العنق؟ قلت: لا أعلم فيه نقلاً. والذي يظهر أنه إن تحرك طرفه
بحركته لا يجوز، وإلا جاز، لاعتبارهم إياه تبعاً له كبدنه في الأول دون الثاني فيما لو صلى
وعليه عمامة بطرفها الملقى نجاسة مانعة، وأقره في النهر والبحر. قوله: (أو بصرّة) راجع
للدرهم، والمراد بالصرة ما كانت من غير ثيابه التابعة له. قوله: (وحل قلبه بعود) أي تقليب
أوراق المصحف بعود ونحوه لعدم صدق المس عليه. قوله: (بغير أعضاء الطهارة) هذا لا
يظهر إلا في الأصغر، وأما في الأكبر فالأعضاء كلها أعضاء طهارة ط : أي فالخلاف إنما
هو في المحدث لا في الجنب، لأن الحدث يحل جميع أعضائه. قوله: (وبما غسل منها) أي
من الأعضاء بناء على الاختلاف في تجزي الطهارة وعدمه في حق غير الصلاة. قوله:
(والمنع أصح) كذا في شرح الزاهدي. وظاهره أن المقابل صحيح يجوز الإفتاء به ط، لكن
في السراج: والصحيح أنه لا يجوز، لأن بذلك لا ترتفع جنابته، ومثله في البحر فليس أفعل
التفضيل على بابه. قوله: (لأن الجنابة لا تحل العين) تقدم ما يفيد أن الجنابة تحلها وسقط
غسلها للحرج ط ، والأولى أن يعلل بعدم المس كما قال ح، لأنه لم يوجد في النظر إلا
المحاذاة. قوله: (وإلا) أي إن لم يكن المراد بالكراهة المنفية كراهة التحريم لا مطلق
الكراهة قوله: مندوب فقد نص في أذان الهداية على استحباب الوضوء لذكر الله تعالى.
قوله: (وهو مرجع كراهة التنزيه) أي فلذا قيد بقوله أي تحريماً، وقصد بذلك الرد على قول
البحر، وترك المستحب لا يوجب الكراهة، وقدمنا الكلام على ذلك في مندوبات
الوضوء. قوله: (ولا يكره مس صبي الخ) فيه أن الصبي غير مكلف، والظاهر أن المراد لا
يكره لوليه أن يتركه يمس، بخلاف ما لو رآه يشرب خمراً مثلاً، فإنه لا يحل له تركه. قوله:

٣١٧
كتاب الطهارة
ولا بأس بدفعه إليه وطلبه منه للضرورة، إذ الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر.
(و) لا تكره (كتابة قرآن والصحيفة أو اللوح على الأرض عند الثاني) خلافاً
لمحمد. وينبغي أن يقال: إن وضع على الصحيفة ما يحول بينها وبين يده يؤخذ بقول
الثاني، وإلا فبقول الثالث. قاله الحلبي.
(ويكره له قراءة توراة وإنجيل وزبور) لأن الكل كلام الله، وما بدل منها غير
(ولا بأس بدفعه إليه) أي لا بأس بأن يدفع البالغ المتطهر المصحف إلى الصبي، ولا يتوهم
جوازه مع وجود حدث البالغ ح قوله: (للضرورة) لأن في تكليف الصبيان وأمرهم بالوضوء
حرجاً بهم، وفي تأخيره إلى البلوغ تقليل حفظ القرآن درر(١) قال ط وكلامهم يقتضي منع
الدفع والطلب من الصبي إذا لم يكن معلماً. قوله: (إذ الحفظ الخ) تنوير على دعوى
الضرورة المبيحة لتعجيل الدفع قبل الكبر، وقوله: ((كالنقش في الحجر) أي من حيث
الثبات والبقاء. قال الشارح في الخزائن: وهذا حديث أخرجه البيهقي في المدخل، لكن
بلفظ ((العلم والصغر كالنقش في الحجر)). ومما أنشد نفطويه لنفسه: [الطويل]
أَرَانِي أَنْسَى مَا تَعَلَّمْتُ في الكِبْ وَلَسْتُ بِنَاسِ مَا تَعَلَّمْتُ في الصُّغَرْ
وَمَا العِلْمُ إِلَّ بِالتَّعَلُّمِ في الصِّبًا وَمَا الحِلْمُ إِلَّ بِالَّحَلُّمِ في الكِبْ
إِذَا كَلَّ قَلْبُ المَرْءِ والسَّمْعُ والبَصَرْ
وَمَا العِلْمُ بَعْدَ الشَّيْبِ إِلَّ تعَشُفٌ
وَلَوْ فُلِقَ القَلْبُ المُعَلَّمُ في الصِّبَا لِأُبْصِرُ فيه العِلْمُ كالنَّقْشِ فِي الحَجَرْ
قوله: (خلافاً لمحمد) حيث قال: أحب إليّ أن لا يكتب لأنه في حكم الماسّ
للقرآن. حلية عن المحيط. قال في الفتح: والأول أقيس، لأنه في هذه الحالة ماس بالقلم
وهو واسطة منفصلة، فكان كثوب منفصل إلا أن يمسه بيده. قوله: (وينبغي الخ) يؤخذ هذا
مما ذكرناه عن الفتح، ووفق ط بين القولين بما يرفع الخلاف من أصله بحمل قول الثاني على
الكراهة التحريمية، وقول الثالث على التنزيهية، بدليل قوله ((أحب إليّ الخ)). قوله: (على
الصحيفة) قيد بها لأن نحو اللوح لا يعطي حكم الصحيفة، لأنه لا يحرم إلا مس المكتوب
منه ط قوله: (قاله الحلبي) هو الشيخ إبراهيم الحلبي صاحب متن المنتقى وشارح المنية.
قوله: (ويكره له الخ) الأولى لهم: أي للجنب والحائض والنفساء.
هذا، وصحح في الخلاصة عدم الكراهة. قال في شرح المنية: لكن الصحيح
الكراهة، لأن ما بدل منه بعض غير معين، وما لم يبدل غالب وهو واجب التعظيم والصون.
(١) في ط (قوله قال ط وكلامهم إلخ) فيه أن المدار على تحقيق العلة في الصبي ولا يشترط وجودها في كل فرد فحينئذ
يبقى كلامهم على إطلاقه ولا يجوز تخصيصه بالصبي ..

٣١٨
كتاب الطهارة
معين. وجزم العيني في شرح المجمع بالحرمة، وخصها في النهر بما لم يبدل (لا)
قراءة (قنوت) ولا أكله وشربه بعد غسل يد وفم، ولا معاودة أهله قبل اغتساله إلا إذا
احتلم لم يأت أهله. قال الحلبي: ظاهر الأحاديث إنما يفيد الندب لا نفي الجواز
المفاد
وإذا اجتمع المحرم والمبيح غلب المحرم. وقال عليه الصلاة والسلام ((دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلى مَا
لَا يُرِيبُكَ)) وبهذا ظهر فساد قول من قال: يجوز الاستنجاء بما في أيديهم من التوراة والإنجيل
من الشافعية، فإنه مجازفة عظيمة، لأن الله تعالى لم يخبرنا بأنهم بدلوها عن آخرها، وكونه
منسوخاً لا يخرجه عن كونه كلام الله تعالى كالآيات المنسوخة من القرآن ا. هـ. واختار سيدي
عبد الغني ما في الخلاصة، وأطال في تقريره، ثم قال: وقد نهينا عن النظر في شيء منها
سواء نقلها إلينا الكفار أو من أسلم منهم. قوله: (بما لم يبدل) أما ما علم أنه مبدل لو كتب
وحده يجوز مسه كزعمهم أن من التوراة هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض. قال
في شرح التحریر: وقد ذکر غیر واحد أنه قيل : أول من اختلقه لليهود ابن الراوندي ليعارض
به دعوى نبينا محمد ﴾. قوله: (لا قراءة قنوت) هذا ظاهر المذهب. وعن محمد: أنه يكره
احتياطاً لأن له شبهة القرآن لاختلاف الصحابة، لأن أبياً(١) جعله سورتين من القرآن من أوله
إلى اللهم إياك نعبد سورة، ومن هنا إلى آخره أخرى، لكن الفتوى على ظاهر الرواية لأنه
ليس بقرآن قطعاً ويقيناً بالإجماع، فلا شبهة توجب الاحتياط المذكور؛ نعم يستحب الوضوء
لذكر الله تعالى، وتمامه في الحلية. قوله: (بعد غسل يد وفم) أما قبله فلا ينبغي، لأنه يصير
شارباً للماء المستعمل وهو مكروه تنزيهاً، ويده لا تخلو عن النجاسة فينبغي غسلها ثم يأكل.
بدائع. وفي الخزانة: وإن ترك لا يضرّه. وفي الخانية: لا بأس به. وفيها: واختلف في
الحائض: قيل كالجنب، وقيل لا يستحب لها لأن الغسل لا يزيل نجاسة الحيض عن الفم
واليد، وتمامه في الحلية. قوله: (لم يأت أهله) أي ما لم يغتسل لئلا يشاركه الشيطان كما
أفاده ركن الإسلام. وفي البستان قال ابن المقنع: يأتي الولد مجنوناً أو بخيلاً. إسماعيل.
قوله: (قال الحلبي الخ) هو العلامة محمد بن أمير حاج الحلبي شارك المنية والتحرير.
الأصولي. قوله: (ظاهر الأحاديث الخ) يشعر بأنه وردت في الاحتلام أحاديث، والحال أنا
لم نقف فيه على حديث واحد. والذي ورد ((أَنه وَ﴿ دَارَ على نِسَائِهِ في غُسْلٍ وَاحِدٍ))(٢)
(١) في ط (قوله لان أبياً إلخ) أقول وفي صلاة القنية روي أن أبي بن كعب كتب في مصحفه مائة وست عشرة سورة فزاد
فيه سورتين: دعاء الوتر لأنه سمع النبي * يقرؤها في دعاء الوتر فظن أنها من القرآن ثم رجع إلى الإمام المجمع
عليه لعلمه أن ذلك كان وهماً منه والقرآن ما تضمنه الإمام وهو مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه بإجماع
الصحابة .
(٢) أخرجه مسلم ١/ ٢٤٩(٣٠٩/٢٨).

٣١٩
كتاب الطهارة
من كلامه .
(والتفسير كمصحف لا الكتب الشرعية) فإنه رخص مسها باليد لا التفسير كما في
الدرر عن مجمع الفتاوى.
وفي السراج: المستحبّ أن لا يأخذ الكتب الشرعية بالكم أيضاً تعظيماً، لكن
في الأشباه من قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام رجح الحرام.
وورد ((أَنَّهُ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ وَاغْتَسَلَ عِنْدَ هذه وعِنْدَ هَذِهِ))(١) فقلنا باستحبابه.
وأما الاحتلام فلم يرد فيه شيء من القول والفعل، على أنه من جهة الفعل محال، لأن
الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون عنه، غاية ما يقال: إنه لما دل الدليل على
استحباب الغسل لمن أراد المعاودة علم استحبابه للجنب إذا أراد ذلك سواء كانت الجنابة
من الجماع أو الاحتلام ا. هـ. نوح أفندي. وهو كلام حسن، إلا أن عبارة الحلبي ليس فيها
الاستدلال بالأحاديث على الندب، وإنما نفي الدليل على الوجوب، والشارح تابع صاحب
البحر في عز وهذه العبارة إليه. ونص عبارة الحلبي في الحلية بعد نقله جملة أحاديث:
فيستفاد من هذه الأحاديث أن المعاودة من غير وضوء ولا غسل بين الجماعين أمر جائز،
وأن الأفضل أن يتخللها الغسل أو الوضوء، ثم قال بعد نقله الفرع المذكور عن المبتغى
بالغين المعجمة: وهو قوله: ((إلا إذا احتلم لم يأت أهله)): هذا إن لم يحمل على الندب
غريب، ثم لا دليل فيها يظهر يدل على الحرمة ا.هـ. قوله: (من كلامه) أي كلام المبتغى،
وليس في عبارة الشارح ما يرجع إليه هذا الضمير. قوله: (والتفسير كمصحف) ظاهره حرمة
المس كما هو مقتضى التشبيه، وفيه نظر، إذ لا نص فيه بخلاف المصحف، فالمناسب
التعبير بالكراهة كما عبر غيره. قوله: (لا الكتب الشرعية) قال في الخلاصة: ويكره مس
المصحف كما يكره للجنب، وكذا كتب الأحاديث والفقه عندهما. والأصح أنه لا يكره
عنده ا . هـ.
قال في شرح المنية: وجه قوله أنه لا يسمى ماساً للقرآن لأن ما فيها منه بمنزلة التابع
ا.هـ. ومشى في الفتح على الكراهة فقال: قالوا: يكره مس كتب التفسير والفقه والسنن
لأنها لا تخلو عن آيات القرآن، وهذا التعليل يمنع من شروح النحو(٢) ا. هـ. قوله: (لكن في
الأشباه الخ) استدراك على قوله ((والتفسير كمصحف)) فإن ما في الأشباه صريح في جواز
مس التفسير، فهو كسائر الكتب الشرعية، بل ظاهره أنه قول أصحابنا جميعاً، وقد صرح
(١) أخرجه أبو داود في السنن (٢١٩).
(٢) في ط (قوله في شروح النحو) هكذا، بالأصل المقابل على نسخة المؤلف ولعله من شروح النحو) أو على حذف
مضاف.

٣٢٠
كتاب الطهارة
وقد جوّز أصحابنا مس كتب التفسير للمحدث، ولم يفصلوا بين كون الأكثر
تفسيراً أو قرآناً، ولو قيل به اعتباراً للغالب لكان حسناً.
قلت: لكنه يخالف ما مر فتدبر.
فروع: المصحف إذا صار بحال لا يقرأ فيه يدفن
بجوازه أيضاً في شرح درر البحار. وفي السراج عن الإيضاح: أن كتب التفسير لا يجوز مس
موضع القرآن منها، وله أن يمس غيره، وكذا كتب الفقه إذا كان فيها شيء من القرآن،
بخلاف المصحف، فإن الکل فيه تبع للقرآن ا.هـ.
والحاصل أنه لا فرق بين التفسير وغيره من الكتب الشرعية على القول بالكراهة
وعدمه، ولهذا قال في النهر: ولا يخفى أن مقتضى ما في الخلاصة عدم الكراهة مطلقاً، لأن
من أثبتها حتى في التفسير نظر إلى ما فيها من الآيات، ومن نفاها نظر إلى أن الأكثر ليس
كذلك، وهذا يعم التفسير أيضاً، إلا أن يقال: إن القرآن فيه أكثر من غيره أ. هـ .: أي فيكره
مسه دون غيره من الكتب الشرعية، كما جرى عليه المصنف تبعاً للدرر، ومشى عليه في
الحاوي القدسي وكذا في المعراج والتحفة، فتلخص في المسألة ثلاثة أقوال. قال ط : وما
في السراج أوفق بالقواعد ا. هـ.
أقول: الأظهر والأحوط القول الثالث: أي كراهته في التفسير دون غيره لظهور
الفرق، فإن القرآن في التفسير أكثر منه في غيره، وذكره فيه مقصود استقلالًا: لا تبعاً، فشبهه
بالمصحف أقرب من شبهه ببقية الكتب. والظاهر أن الخلاف في التفسير الذي كتب فيه
القرآن بخلاف غيره کبعض نسخ الکشاف. تأمل. قوله: (ولو قيل به) أي بهذا التفصيل، بأن
يقال: إن كان التفسير أكثر لا يكره، وإن كان القرآن أكثر يكره. والأولى إلحاق المساواة
بالثاني، وهذا التفصيل ربما يشير إليه ما ذكرناه عن النهر، وبه يحصل التوفيق بين القولين.
قوله: (قلت لكنه لخ) استدراك على قوله ((ولو قيل به الخ)).
وحاصله: أن ما مر في المتن مطلق، فتقييد الكراهة بما إذا كان القرآن مخالف له، ولا
يخفى أن هذا الاستدراك غير الأول، لأن الأول كان على كراهة مس التفسير وهذا على تقييد
الكراهة، فافهم. قوله: (فتدبر) لعله يشير به إلى أنه يمكن ادعاء تقييد إطلاق المتن بما إذا
لم يكن التفسير أكثر، فلا ينافي دعوى التفصيل. قوله: (يدفن) أي يجعل في خرقة طاهرة
ويدفن في محل غير ممتهن: لا يوطأ. وفي الذخيرة: وينبغي أن يلحد له ولا يشق له لأنه يحتاج
إلى إهالة التراب عليه، وفي ذلك نوع تحقير، إلا إذا جعل فوقه سقفاً بحيث لا يصل التراب
إليه فهو حسن أيضاً ا.هـ.
وأما غيره من الكتب فسيأتي في الحظر والإباحة أنه يمحى عنها اسم الله تعالى