النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الطهارة
بالفتح ويكسر (منه) أي من المتوضئ الحيّ معتاداً أو لا، من السبيلين أو لا (إلى ما
يطهر) بالبناء للمفعول: أي يلحقه حكم التطهير.
اختصاص النجس بالمعتاد أو الكثير. تأمل. قوله: (بالفتح ويكسر) أشار إلى أن الفتح
أولى، لقول صدر الشريعة: والرواية النجس بفتح الجيم وهو عين النجاسة، وأما بكسرها
فما لا يكون طاهراً، هذا اصطلاح الفقهاء. وأما في اللغة فيقال: نجس الشيء ينجس فهو
نجس ونجس اهـ، فهما لغة ما لا يكون طاهراً: أي سواء كان نجس العين أو عارض النجاسة
كالحصاة الخارجة من الدبر، والناقض في الحقيقة النجاسة العارضة لها، فكان الفتح أولى
من هذه الجهة أيضاً وإن قال في البحز: إنه بالكسر أعم. تأمل، ثم على الفتح يكون بدلاً
من قوله ((خارج)) لا صفة لأنه اسم جامد، بخلاف المكسور فإنه بمعنى متنجس. تأمل.
قوله: (أي من المتوضئ) تفسير للضمير أخذاً من المقام والمتوضئ من اتصف بالوضوء،
واحترز بالحيّ عن الميت، فإنه لو خرجت منه نجاسة لم يعد وضوءه بل يغسل موضعها
فقط، إذ لو كان الخروج حدثاً لكان الموت كذلك إذ هو فوقه: وتمامه في النهر (قوله
معتاداً) كالبول والغائط، أو لا كالدودة والحصاة، وهذا تعميم لقوله نجس، نبه به على
خلاف الإمام مالك حيث قيده بالمعتاد، كما نبه بما بعده على خلاف الإمام الشافعي حيث
قیده بالخارج من السبیلین. قوله: (أي يلحقه حكم التطهیر) فائدة ذکر الحکم دفع ورود
داخل العين وباطن الجرح، إذ حقيقة التطهير فيهما ممكنة، وإنما الساقط حکمه. نهر
وسراج. ويظهر منه أن الكلام في جرح يضرّه الغسل بالماء، فلو لم يضرّ نقض ما سال فيه
لأن حكم التطهير وهو وجوب غسله غير ساقط؛ والمراد بالتطهير ما يعم الغسل والمسح في
الغسل أو في الوضوء كما ذكره ابن الكمال، ليشمل ما لو سال إلى محل يمكن مسحه دون
غسله للعذر كما أشار إليه في الحلية أيضاً. وزاد في شرح المنية الكبير بعد قوله في الغسل
أو في الوضوء، قوله أو في إزالة النجاسة الحقيقية؛ لئلا يرد ما لو افتصد وخرج منه دم كثير
ولم يتلطخ رأس الجرح فإنه ناقض، مع أنه لم يسل إلى ما يلحقه حكم التطهير لأنه سال
إلى المكان دون البدن، وبزيادة ذلك لا يرد لأن المكان يجب تطهيره في الجملة للصلاة
عليه، ولهذا عمم في البحر ما يلحقه حكم التطهير بقوله من بدن وثوب ومكان.
أقول: يرد عليه ما لو سال إلى نهر ونحوه مما لا يصلى عليه. وما لو مصّ العلق أو
القراد الكبير وامتلأ دماً فإنه ناقض كما سيأتي متناً، فالأحسن ما في النهر عن بعض
المتأخرين من أن المراد السيلان ولو بالقوة: أي فإن دم الفصد ونحوه سائل إلى ما يلحقه
حكم التطهير حكماً. تأمل.
ثم اعلم أن المراد بالحكم الوجوب كما صرح به غير واحد. زاد في الفتح: أو
الندب، وأيده في الحلية وتبعه في البحر بقولهم: إذا نزل الدم إلى قصبة الأنف نقض،

٢٦٢
كتاب الطهارة
ثم المراد بالخروج من السبيلين مجرد الظهور، وفي غيرهما عين السيلان ولو
بالقوة لما قالوا؛ لو مسح الدم كلما خرج ولو تركه لسال نقض، وإلا لا، كما لو سال في
وليس ذاك إلا لكون المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم مسنونة؛ وحدها أن يصل الماء إلى
ما اشتد من الأنف. ورد في النهر بأن المراد بالقصبة ما لان من الأنف، ولذا عبر به الزيلعي
كالهداية؛ ومعلوم أن ما لان يجب تطهيره لا يندب، فلا حاجة إلى زيادة الندب.
أقول: صرّح في غاية البيان بأن الرواية مسطورة في كتب أصحابنا بأنه إذا وصل إلى
قصبة الأنف ينتقض وإن لم يصل إلى ما لان خلافاً لزفر، وأن قول الهداية: ينتقض إذا وصل
إلى ما لان، بيان لاتفاق أصحابنا جميعاً: أي لتكون المسألة على قول زفر أيضاً، قال: لأن
عنده لا ينتقض ما لم يصل إلى ما لان لعدم الظهور قبله، فهذا صريح في أن المراد بالقصبة
ما اشتد، فاغتنم هذا التحرير المفرد الملخص مما علقناه على البحر ومن رسالتنا المسماة
بـ [الفوائد المخصصة بأحكام كيّ الحمصة]. قوله: (مجرد الظهور) من إضافة الصفة إلى
الموصوف: أي الظهور المجردة عن السيلان، فلو نزل البول إلى قصبة الذكر لا ينقض لعدم
ظهوره، بخلاف القلفة فإنه بنزوله إليها ينقض الوضوء، وعدم وجوب غسلها للحرج، لا
لأنها في حكم الباطن كما قاله الكمال ط. قوله: (عين السيلان) اختلف في تفسيره: ففي
المحيط عن أبي يوسف: أن يعلو وينحدر. وعن محمد: إذا انتفخ على رأس الجرح وصار
أكثر من رأسه نقض. والصحيح لا ينقض اهـ. قال في الفتح بعد نقله ذلك: وفي الدراية
جعل قول محمد أصح، ومختار السرخسي الأول وهو الأولى اهـ. أقول: وكذا صححه
قاضي خان وغيره. وفي البحر تحريف تبعه عليه ط فاجتنبه. قوله: (لما قالوا) علة للمبالغة
ط. قوله: (لو مسح الدم كلما خرج الخ) وكذا إذا وضع عليه قطناً أو شيئاً آخر حتى ينشف
ثم وضعه ثانیاً وثالثاً فإنه يجمع جمیع ما نشف، فإن كان بحیث لو تركه سال نقض، وإنما
يعرف هذا بالاجتهاد وغالب الظن، وكذا لو ألقى عليه رماداً أو تراباً ثم ظهر ثانياً فتّربه ثم
وثم فإنه يجمع. قالوا: وإنما يجمع إذا كان في مجلس واحد مرة بعد أخرى، فلو في مجالس فلا
تاترخانية، ومثله في البحر.
أقول: وعليه فما يخرج من الجرح الذي ينزّ دائماً وليس فيه قوة السيلان ولكنه إذا ترك
يتقوّى باجتماعه ويسيل عن محله فإذا نشفه أو ربطه بخرقة صار كلما خرج منه شيء تشربته
الخرقة ينظر، إن كان ما تشربته الخرقة في ذلك المجلس شيئاً فشيئاً بحيث لو ترك واجتمع
أسال بنفسه نقض وإلا لا، ولا يجمع ما في مجلس إلى ما في مجلس آخر، وفي ذلك توسعة
عظيمة لأصحاب القروح ولصاحب كيّ الحمصة، فاغتنم هذه الفائدة، وكأنهم قاسوها على
القيء؛ ولما لم يكن هنا اختلاف سبب تعين اعتبار المجلس، فتنبه. قوله: (كما لو سال)
تشبيه في عدم النقض، لأنه في هذه المواضع لا يلحقه حكم التطهير كما قدمناه. قوله:

٢٦٣
كتاب الطهارة
باطن عين أو جرح أو ذكر ولم يخرج، وكدمع وعرق إلا عرق مدمن الخمر فناقض على
ما سیذكره المصنف، ولنا فیه کلام (و) خروج غیر نجس مثل (ربح أو دودة أو حصاة من
دبر لا) خروج ذلك من جرح، ولا خروج (ربح من قبل) غير مفضاة، أما هي فيندب لها
(أو جرح) بضم الجيم. قاموس. أما بالفتح فهو المصدر. قوله: (ولم يخرج) أي لم يسل.
أقول: وفي السراج عن الينابيع: الدم السائل على الجراحة إذا لم يتجاوز. قال
بعضهم: هو طاهر حتى لو صلى رجل بجنبه وأصابه منه أكثر من قدر الدرهم جازت
صلاته، وبهذا أخذ الكرخي وهو الأظهر. وقال بعضهم: نجس، وهو قول محمد اهـ.
ومقتضاه أنه غير ناقض، لأنه بقي طاهراً بعد الإصابة، وإن المعتبر خروجه إلى محل يلحقه
حكم التطهير من بدن صاحبه(١) فليتأمل. قوله: (وكدمع) أي بلا علة كما سيأتي، وهو
معطوف على قوله ((كما لو سال)). قوله: (على ما سيذكره المنصف) أي في مسائل شتى
آخر الكتاب. قوله: (ولنا فيه كلام) نقله ح. وحاصله أنه قول ضعيف وتخريج غريب فلا
يعول عليه ط. قوله: (وخروج الخ) عطف على قوله ((خروج كل خارج)). قوله: (مثل
ربح) فإنها تنقض لأنها منبعثة عن محل النجاسة لا لأن عينها نجسة؛ لأن الصحيح أن عينها
طاهرة، حتى لو لبس سراويل مبتلة أو ابتل من أليتيه الموضع الذي تمرّ به الريح فخرج
الريح لا يتنجس، وهو قول العامة. وما نقل عن الحلواني من أنه كان لا يصلي بسراويله
فورع منه. بحر. قوله: (من دبر) وكذا من ذكر أو فرج في الدودة والحصاة بالإجماع كما
سيذكره الشارح لما عليهما من النجاسة كما اختاره الزيلعي، أو لتولد الدودة من النجاسة كما
في البدائع. وعلى الثاني فعطف أو دودة من عطف الخاص على العام لدخوله تحت قوله
خروج نجس إلى ما يطهر، وكذا عطفها وعطف الحصاة على التعليل الأول لتحقق خروج
الخارج النجس وهو ما عليهما، وعلى كلّ فقوله ((أو دودة))(٢) معطوف بالنظر إلى كلام
الشارح على قوله ((وخروج غير نجس لا على ريح)) فتدبر. قوله: (لا خروج ذلك) أي
المذكور من الثلاثة. قال ح: وهو يقتضي أن الريح تخرج من الجرح وهو كذلك كما في
القهستاني. وحكم الدودة مكرّر مع قول المصنف بعد ((ودودة من جرح)) ط. قوله: (أما
هي الخ) أي المفضاة: وهي التي اختلط سبيلها: أي مسلك البول والغائط، فيندب لها
الوضوء من الريح. وعن محمد: يجب احتياطاً. وبه أخذ أبو حفص، ورجحه في الفتح بأن
الغالب في الريح كونها من الدبر. ومن أحكامها أنه لا يحلها الزوج الثاني للأول ما لم تحبل
لاحتمال الوطء في الدبر، وأنه لا يحلّ وطؤها إلا إن أمكن الإتيان في القبل بلا تعدّ؛ وأما
(١) في ط (قوله من بدن صاحبه) متعلق بخروجه: أي سيلان من بدن صاحبه وليس صفة لمحل حتى يدل عليه أنه لو
أصاب عضواً آخر من المجروح ويكون مقتضاه أن الحكم مخالف لمسألة الأجنبي مع أنه لا فرق بينهما.
(٢) (قوله أو دودة) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف والذي في المتن (ولا دودة).

٢٦٤
كتاب الطهارة
الوضوء وقيل يجب، وقيل لو منتنة (وذكر) لأنه اختلاج؛ حتى لو خرج ربح من الدبر
وهو يعلم أنه لم يكن من الأعلى، فهو اختلاج فلا ينقض، وإنما قيد بالريح لأن خروج
الدودة والحصاة منهما ناقض إجماعاً كما في الجوهرة (ولا) خروج (دودة من جرح أو أذن
أو أنف) أو فم (وكذا لحم سقط منه) لطهارتهما وعدم السيلان فيما عليهما وهو مناط
النقض (والمخرج) بعصر.
(والخارج) بنفسه (سيان) في حكم النقض على المختار كما في البزازية، قال:
لأن في الإخراج خروجاً فصار كالفصد. وفي الفتح عن الكافي أنه الأصح، واعتمده
التي اختلط مسلك بولها ووطئها فينبغي أن لا تكون كذلك، لأن الصحيح عدم النقض
بالريح الخارجة من الفرج، ولأنه لا يمكن الوضوء في مسلك البول. أفاده في البحر.
قوله: (وقيل لو منتنة) أي لأن نتنها دليل أنها من الدبر. وعبارة الشيخ إسماعيل: وقيل إن
كان مسموعاً أو ظهر نتنه فهو حدث وإلا فلا. قوله: (وذكر) لا حاجة إلى ذكره مع شمول
القبل إياه كما يشهد له استعمالها اهـ. ح. قوله: (لأنه اختلاج) أي ليس بريح حقيقة، ولو
كان ريحاً فليست بمنبعثة عن محل النجاسة فلا تنقض كما قدمناه. قوله: (وهو يعلم) أي
يظن، لأن الظن كاف في هذا الباب ح: أي الظن الغالب. وقال الرحمتي: شرط العلم بعدم
كونه من الأعلى، فأفاد النقض عند الاشتباه تبعاً للحلبي في شرح المنية. وفي المنح عن
الخلاصة: مناط النقض العلم بكونه من الأعلى فلا نقض مع الاشتباه، وهو موافق للفقه،
والحديث الصحيح ((حتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَشُمَّ ريحاً)(١) وبه يعلم أنه من الأعلى. قوله:
(منهما) أي من القبل والذكر. قوله: (لطهارتهما) أي الدودة واللحم وطهارة اللحم بالنسبة
إليه، فقد قالوا: ما أبين من الحي کمیتته إلا في حق نفسه حتى لا تفسد صلاته إذا حمله ط.
وفي بعض النسخ بضمير المفردة. قوله: (وهو) أي السيلان من غير السبيلين مناط النقض:
أي علته ط. قوله: (والمخرج بعصر) أي ما أخرج من القرحة بعصرها وكأن لو لم تعصر لا
يخرج شيء مساو للخارج بنفسه خلافاً لصاحب الهداية وبعض شراحها وغيرهم كصاحب
الدرر والملتقى. قوله: (سيان) تثنية سي، وبها استغني عن تثنية سواء كما في المغني.
قوله: (في حكم النقض) الإضافة للبيان ط. قوله: (قال) أي صاحب البزازية ط. قوله:
(لأن في الإخراج خروجاً) جواب عما وجه به القول بعدم النقض بالمخرج من أن الناقض
خروج النجس وهذا إخراج. والجواب أن الإخراج مستلزم للخروج فقد وجد، لكن قال
في العناية: إن الإخراج ليس بمنصوص عليه وإن كان يستلزمه، فكان ثبوته غير قصدي ولا
معتبر به اهـ. وفيه أنه لا تأثير يظهر للإخراج وعدمه، بل لكونه خارجاً نجساً، وذلك يتحقق
(١) أخرجه مسلم ٢٧٦/١ (٣٦٢/٩٩).

٢٦٥
كتاب الطهارة
القهستاني. وفي القنية وجامع الفتاوى: إنه الأشبه، ومعناه أنه الأشبه بالمنصوص
روایة والراجح درایة؛ فیکون الفتوى عليه.
(و) ينقضه (قيء ملأ فاء) بأن يضبط بتكلف (من مرة) بالكسر: أي صفراء (أو
علق) أي سوداء؛ وأما العلق النازل من الرأس فغير ناقض (أو طعام أو ماء) إذا وصل إلى
مع الإخراج كما يتحقق مع عدمه، فصار كالفصد؛ كيف وجميع الأدلة الموردة من السنة
والقياس تفيد تعليق النقض بالخارج النجس وهو ثابت في المخرج اهـ. فتح. واستوجهه
تلميذه ابن أمير حاج في الحلية، وكذا شارح المنية والمقدسي. وارتضى في البحر ما في
العناية حيث ضعف به ما في الفتح.
ولك أن تجعل ما في الفتح مضعف له كما قررناه بناء على أن الناقض الخارج النجس
لا الخروج. وفي حاشية الرملي: لا يذهب عنك أن تضعيف العناية لا يصادم قول شمس
الأئمة، وهو الأصح. قوله: (واعتمده القهستاني) حيث جعل القول بعدم النقض فاسداً،
لأنه يلزم منه أنه لو أخرج الريح أو الغائط أو غيرهما من السبيلين لكان غير ناقض اهـ. قوله:
(ومعناه الخ) نقله في الأشباه عن البزازية، وقدمناه في رسم المفتي. قوله: (بالمنصوص
رواية) أي بالذي نص عليه من جهة الرواية للأدلة الموردة من السنة أو بالفروع المروية عن
المجتهد. قوله: (والراجح دراية) بالرفع عطفاً على الأشبه: أي الراجح من جهة الدراية:
أي إدراك العقل بالقياس على غيره كمسألة الفصد ومص العلقة فإنها مما لا خلاف فيه،
وكإخراج الريح ونحوه، وهذا التقرير معنى ما قدمناه آنفاً عن الفتح: فالمراد بالرواية
النصوص من السنة أو من المجتهد، وبالدراية القياس، فافهم. قوله: (فيكون) تفريع على
قوله ((ومعناه الخ) إذ هو من عبارة البزازية، فافهم. قوله: (وينقضه قيء) أفرده بالذكر مع
دخوله في خروج نجس لمخالفته له في حد الخروج، وأما السيلان في غير السبيلين
فمستفاد من الخروج. نهر. قوله: (بأن يضبط) أي يمسك بتكلف، وهذا ما مشى عليه في
الهداية والاختيار والكافي والخلاصة، وصححه فخر الإسلام وقاضي خان، وقيل: ما لا
يقدر على إمساكه. قال في البدائع: وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح. وفي
الحلية: الأول: الأشبه. قوله: (بالكسر) أي مع تشديد الراء المهملة، وهي أحد الأخلاط
الأربعة: الدم، والمرة السوداء، والمرة الصفراء، والبلغم اهـ. غاية البيان. قوله: (أو علق
الخ) العلق لغة: دم منعقد كما هو أحد معانيه لكن المراد به هنا سوداء محترقة كما في
الهداية، وليس بدم حقيقة كما في الكافي، ولهذا اعتبر فيه ملء الفم، وإلا فخروج الدم
ناقض بلا تفصيل بين قليله وكثيره على المختار اهـ. أخي جلبي وغيره. قوله: (فغير ناقض)
أي اتفاقاً كما في شرح المنية. وذكر في الحلية أن الظاهر أن الكثير منه وهو ما ملأ الفم
ناقض.

٢٦٦
كتاب الطهارة
معدته وإن لم يستقر، وهو نجس مغلظ ولو من صبيّ ساعة ارتضاعه هو الصحيح
لمخالطة النجاسة. ذكره الحلبي.
ولو هو في المريء فلا نقض اتفاقاً كقيء حية أو دود کثیر لطهارته في نفسه، كماء
فم النائم فإنه طاهر مطلقاً به يفتى، بخلاف ماء فم الميت فإنه نجس كقَيء عين خمر أو
والحاصل أنه إما أن يكون من الرأس أو من الجوف، علقاً أو سائلاً، فالنازل من
الرأس إن علقاً لم ينقض اتفاقاً، وإن سائلًا نقض اتفاقاً. والصاعد من الجوف إن علقاً فلا
اتفاقاً ما لم يملأ الفم، وإن سائلًا فعنده ينقض مطلقاً. وعند محمد لا ما لم يملإ الفم كذا في
المنية وشرحها والتاتر خانية.
وذكر في البحر قول أبي يوسف مع الإمام وقال: واختلف التصحيح، فصحح في
البدائع قولهما. قال: وبه أخذ عامة المشايخ. وقال الزيلعي: إنه المختار، وصحح في
المحيط قول محمد، وكذا في السراج معزياً إلى الوجيز اهـ.
واعلم أنه وقع في عبارة كل من البحر والنهر والزيلعي إيهام، وبما نقلناه من الحاصل
يتضح المرام. قوله: (وهو نجس مغلظ) هذا ما صرحوا به في باب الأنجاس، وصحح في
المجتبى أنه مخفف. قال في الفتح: ولا يعرى عن إشكال، وتمامه في النهر. قوله: (هو
الصحيح) مقابله ما في المجتبى عن الحسن أنه لا ينقض لأنه طاهر حيث لم يستحل، وإنما
اتصل به قليل القيء فلا يكون حدثاً. قال في الفتح: قيل وهو المختار. ونقل في البحر
تصحيحه عن المعراج وغيره. قوله: (ذكره الحلبي) أي في شرح المنية الكبير، حيث قال:
والصحيح ظاهر الرواية أنه نجس لمخالطته النجاسة وتداخلها فيه، بخلاف البلغم اهـ.
أقول: وحيث صح القولان فلا يعدل عن ظاهر الرواية، ولذا جزم به الشارح. قوله:
(ولو هو في المريء) محترز قوله ((إذا وصل إلى معدته)) قال ح: المريء بفتح الميم مهموز
الآخر، مجرى الطعام والشراب اهـ. قوله: (لطهارته في نفسه) أفرد الضمير لأن العطف بأو،
ط. وينبغي النقض إذا ملأ الفم على القول بنجاسته. بحر ونهر. ولكن سيأتي في باب المياه
أن الحية البرية تفسد الماء إذا ماتت فيه، ومقتضاه أنها نجسة فلعل ما هنا محمول على ما إذا
كانت صغيرة جداً بحیث لا یکون لها دم سائل، لأنها حينئذ لا تفسد الماء فتكون طاهرة
كالدود. قوله: (في نفسه) أي وما عليه قليل لا يملأ الفم فلا يعتبر ناقصاً. قوله: (مطلقاً)
أي سواء كان من الرأس أو من الجوف، أصفر منتناً أو لا. قوله: (به يفتى) كذا في البحر
عن التجنيس: أي خلافاً لما اختاره أبو نصر، من أنه لو صعد من الجوف أصفر منتناً كان
كالقيء، ولقول أبي يوسف: إنه نجس. قوله: (كقيء عين خمر أو بول) أي بأن شرب خمراً

٢٦٧
كتاب الطهارة
بول وإن لم ينقض لقلته لنجاسته بالأصالة إلا بالمجاورة (لا) ينقضه قيء من (بلغم) على
المعتمد (أصلًا) إلا المخلوط بطعام فيعتبر الغالب، ولو استويا فكل على حدة.
(و) ينقضه (دم) مائع من جوف أو فم (غلب على بزاق) حكماً للغالب (أو ساواه)
احتياطاً (لا) ينقضه (المغلوب بالبزاق) والقيح كالدم
أو بولا ثم قاء نفس الخمر أو البول. قوله: (وإن لم ينقض لقلته الخ) أي وإن لم يكن ناقضاً
لأجل قلته لو فرض قليلاً فهو أيضاً نجس لنجاسته بالأصالة، بخلاف قيء نحو طعام فإنه
إنما ينجس بالمجاورة إذا كان كثيراً ملأ الفم، فلا ينقض القليل منه ولا ينجس. قوله:
(لقلته) علة لقوله ((لم ينقض)) وقوله ((لنجاسته)) علة لقوله ((بخلاف)) ح. والأولى جعله علة
لتشبيهه بماء فم الميت، فافهم. قوله: (أصلا) أي سواء كان صاعداً من الجوف أو نازلاً من
الرأس ح، خلافاً لأبي يوسف في الصاعد من الجوف وإليه أشار بقوله ((على المعتمد)) ولو
أخره لكان أولى. قوله: (فیعتبر الغالب) فإن كانت الغلبة للطعام وکان بحال لو انفرد ملأ
الفم: نقض، وإن كانت الغلبة للبلغم وكان بحال لو انفرد ملأ الفم كانت المسألة على
الاختلاف اهـ. تاترخانية. قوله: (فكل على حدة) فإن كان كل منهما ملأ الفم انتقض
الوضوء بالطعام اتفاقاً وإلا فلا اتفاقاً، ولا يضم أحدهما إلى الآخر فلا يعتبر ملء الفم منهما
جميعاً. قوله: (مائع) احتراز عن العلق، وقد مر. قوله: (من جوف أو فم) هو ظاهر كلام
الشارحين، وكذا صرح ابن ملك بأن الخارج من الجوف إذا غلبه البزاق لا ينقض اتفاقاً،
ظاهر كلام الزيلعي أنه ينقض وإن قل، ولا يخفى عدم صحته لمخالفته المنقول مع عدم تعقل
فرق بين الخارج من الفم والخارج من الجوف المختلطين بالبزاق. بحر. وعبارة النهر هنا
مقلوبة، فتنبه .
ورد الرحمتي ما في البحر بأن كلام ابن ملك لا يعارض كلام الزيلعي لعلوّ مرتبة
الزيلعي، وبأن قوله ((مع عدم تعقل فرق الخ)) يقال عليه هو متعقل واضح، لأن المغلوب
الخارج من الفم لم يخرج بقوة نفسه بل بقوة البزاق فلم يكن ناقضاً كما عللوه بذلك،
والخارج من الجوف قد خرج بقوة نفسه، لأنه لم يختلط بالبزاق إلا بعد خروجه من
الجوف، لأن البزاق لا يخرج من الجوف بل محله الفم انتهى. وحينئذ فإطلاق الشارحین
محمول على غير الخارج من الجوف، فلا يكون كلام الزيلعي مخالفاً للمنقول، والله أعلم.
قوله: (غلب على بزاق) بالزاي والسين والصاد كما في شرح المنية، وعلامة كون الدم غالباً
أو مساوياً أن يكون البزاق أحمر، وعلامة كونه مغلوباً أن يكون أصفر. بحر ط. قوله:
(احتياطاً) أي لاحتمال السيلان وعدمه فرجح الوجود احتياطاً، بخلاف ما إذا شك في
الحدث لأنه لم يوجد إلا مجرد الشك ولا عبرة له مع اليقين. بحر عن المحيط. قوله:
(والقبح كالدم) قال العلامة الشيخ إسماعيل: لم أقف لأحد على ذكر علامة الغلبة وعدمها

٢٦٨
كتاب الطهارة
والاختلاط بالمخاط كالبزاق.
(وكذا ينقضه علقة مصت عضواً وامتلأت من الدم، ومثلها القراد إن) كان (كبيراً)
لأنه حينئذ (يخرج منه دم مسفوح) سائل (وإلا) تكن العلقة والقراد كذلك (لا) ينقض
(كبعوض وذباب) كما في الخانية لعدم الدم المسفوح. وفي القهستاني: لا نقض ما لم
يتجاوز الورم؛ ولو شدّ بالرباط إن نفذ البلل للخارج نقض
فيه. قوله: (والاختلاط بالمخاط الخ) وما نقل عن الثاني من نجاسة المخاط فضعيف، نعم
حكي في البزازية كراهة الصلاة على خرقته عندهما للإخلال بالتعظيم.
وفي المنية: انتثر فسقط من أنفه كتلة دم لم ينتقض اهـ: أي لما تقدم من أن العلق
خرج عن كونه دماً باحتراقه وانجماده. شرح. قوله: (علقة) دويبة في الماء تمص الدم.
قاموس. قوله: (وامتلأت) كذا في الخانية، وقال: لأنها لو شقت يخرج منها دم سائل اهـ.
والظاهر أن الامتلاء غير مقيد، لأن العبرة للسيلان كما أفاده ط. قوله: (القراد) كغراب
دويبة. قاموس. قوله: (كذلك) أي بأن لم تكن العلقة امتلأت بحيث لا يسيل دمها ولم
يكن القراد كبيراً. قوله: (وفي القهستاني الخ) محل ذكر هذه المسألة والتي بعدها عند قوله
(وينقضه خروج نجس)) إلى ((يطهر)) ح. قوله: (لا نقض الخ) أي لو تورم رأس جرح فظهر
به قیح ونحوه لا ينتقض ما لم يتجاوز الورم لأنه لا يجب غسل موضع الورم فلم يتجاوز إلى
موضع يلحقه حكم التطهير اهـ. فتح عن المبسوط: أي إذا كان يضرّه غسل ذلك المتورم
ومسحه، وإلا فينبغي أن ينتقض فليتنبه لذلك. حلية. قوله: (ولو شد الخ) قال في البدائع:
ولو ألقى على الجرح الرماد أو التراب فتشرب فيه أو ربط عليه رباطاً فابتل الرباط ونفذ قالوا
يكون حدثاً لأنه سائل، وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ إلى أحدهما لما قلنا اهـ. قال في
الفتح: ويجب أن يكون معناه إذا كان بحيث لولا الربط سال؛ لأن القميص لو تردد على
الجرح فابتلّ لا ينجس ما لم يكن كذلك؛ لأنه ليس بحدث اهـ: أي وإن فحش کما في
المنية، ويأتي.
مَطْلَبُ في حُكْمٍ كَيِّ الْحِمِّصَةِ
تنبيه علم مما هنا ومما مرّ أنه لا فرق بين الخارج والمخرج حكم كيّ الحمصة، وهو أنه
إذا كان الخارج منه دماً أو قيحاً أو صديداً وكان بحيث لو ترك لم يسل، وإنما هو مجرد رشح
ونداوة لا ينقض وإن عم الثوب، وإلا نقض بمجرد ابتلال الرباط، ولا تنس ما قدمناه من أنه
إنما يجمع إذا كان في مجلس، ثم إن كان الخارج ماء صافياً فهو كالدم. وعن الحسن أنه لا
ينقض. والصحيح الأول كما ذكره قاضيخان، لكن في الثاني توسعة لمن به جدري أو
جرب كما قاله الإمام الحلواني، ولا بأس بالعمل به هنا عند الضرورة.

٢٦٩
كتاب الطهارة
(ويجمع متفرق القيء) ويجعل كقيء واحد (لاتحاد السبب) وهو الغثيان عند محمد وهو
الأصح، لأن الأصل إضافة الأحكام إلى أسبابها إلا لمانع، كما بسط في الكافي.
(و) كلّ (ما ليس بحدث) أصلًا بقرينة زيادة الباء كقيء قليل ودم لو ترك لم يسل
(ليس بنجس) عند الثاني،
وأماماقيل(١) من أن العصابة مادامت على الكي، لا ينتقض الوضوء، وإن امتلأت قيحاً ودماً
لم يسل من أطرافها أو تحل فيوجدفيها مافيه قوة السيلان لولا الربط فينتقض حين الحل لاقبله
لمفارقتها موضع الجراحة، فقد أوضحناما فيه في رسالتنا[الفوائد المخصصة بأحكام كيّ
الحمصة]. قوله: (ويجمع متفرّق القيءالخ) أي لوقاء متفرقاً بحيث لوجمع صارملءالفم؛ فأبو
يوسف يعتبر اتحاد المجلس، فإن حصل ملء الفم في مجلس واحد نقض عنده وإن تعددالغثيان.
ومحمد يعتبر اتحاد السبب وهو الغثياناهـ. درر. وتفسير اتحاده أن يقيءثانياً قبل سكون النفس من
الغثيان، فإن بعد سكونها كان مختلفاً. بحر؛ والمسألة رباعية، لأنه إما أن يتحدفينقض اتفاقاً، أو يتعدد
فلااتفاقاً، أو يتحدد السبب فقط أو المجلس فقط، وفيهما الخلاف. قوله: (وهو الغثيان) أي مثلاً،
فإنه قديكون بنحو ضرب وتنكيس بعدامتلاء المعدةاهـ. غنيمي. وضبطه الحموي بفتح الغين
المعجمة والثاء المثلثة والياء المثناة التحتية وبضمّ الغين وسكون الثاء، من غثت نفسه: هاجت
واضطربت، صرح به في الصحاح، والمرادهنا أمر حادث في مزاج الإنسان منشؤه تغير طبعه من
إحساس النتن المكروهاهـ. ط عن أبي السعود. قوله: (إضافة الأحكام) كالنقض ووجوب سجود
التلاوة ط. قوله: (إلى أسبابها) كالغثيان والتلاوة ط: أي لا إلى مكانها لأنه في حكم الشرط
والحكم لايضاف إلى الشرط . قوله: (إلالمانع) أي إلا إذا تعذرت إضافتها إلى الأسباب فتضاف إلى
المحال كما في سجدة التلاوة إذا تكرر سببها في مجلس واحد، إذلواعتبر السبب وانتفى التداخل(٢)
لأن كل تلاوة سبب، وتمامه في البحر ، وهنا كلام نفيس يطلب من شرح الشيخ إسماعيل على الدرر.
قوله: (أصلاً) أي في كل وقت، فلايرد الخارج من المحدث، ومن أصحاب الأعذار، لأن انتفاء
الانتقاض يختص بوقت خاص. قهستاني : أي فهذاليس بحدث مع أنه نجس، فلذا أخرجه بقوله
(أصلا) المستفاد من زيادة الباء التي هي لتأكيدنفي الخبر.
وقد يقال: المراد ما يخرج من البدن المتطهر وهو المتبادر؛ وأما ما يخرج من بدن
المعذور فهو حدث، لكن لا يظهر أثره إلا بخروج الوقت كما صرحوا به. قوله: (ليس
بنجس) أي لا يعرض له وصف النجاسة بسبب خروجه، بخلاف القليل من قيء عين الخمر
أو البول فإنه وإن لم يكن حدثاً لقلته لكنه نجس بالأصالة لا بالخروج، هذا ما ظهر لي.
(١) في ط (قوله وأما قيل) القائل سيدي عبد الغني النابلسي.
(٢) في ط (قوله وانتفى التداخل) هكذا في نسخة المؤلف وفي بعض النسخ لانتفى ولعله الأظهراهـ.

٢٧٠
كتاب الطهارة
وهو الصحيح رفقاً بأصحاب القروح، خلافاً لمحمد. وفي الجوهرة: يفتى بقول
محمد: لو المصاب مائعاً.
(و) ینقضه حكماً (نوم یزیل مسکته) أي قوته الماسكة بحیث تزول مقعدته ومن
تأمل. قوله: (وهو الصحيح) كذا في الهداية والكافي. وفي شرح الوقاية: إنه ظاهر الرواية
عن أصحابنا الثلاثة اهـ. إسماعيل. قوله: (مائعاً) أي كالماء ونحوه، أما في الثياب والأبدان
فيفتی بقول أبي يوسف.
تتمة: ما ذكره المصنف قضية سالبة كلية لا مهملة لأن ((ما)) للعموم، وكل ما دل عليه
فهو سور الكلية کما في المطول وغيره، فتنعكس بعكس النقیض إلى قولنا: کل نجس
حدث، لأنه جعل نقيض الثاني أولاً بونقيض الأول ثانياً مع بقاء الكيف والصدق بحاله. وما
في الدراية من أنها لا تنعكس، فلا يقال ما لا يكون نجساً لا يكون حدثاً، لأن النوم والجنون
والإغماء وغيرها حدث وليست بنجسة اهـ. يريد به العكس المستوي لأنه جعل الجزء الأول
ثانياً والثاني أولاً مع بقاء الصدق والكيف بحالهما، والسالبة الكلية تنعكس فيه سالبة كلية
أيضاً، وتمامه في شرح الشيخ إسماعيل. قوله: (وينقضه حكماً) نبه على أن هذا شروع في
الناقض الحكمي بعد الحقيقي بناء على أن عينه غير ناقض بل ما لا يخلو عنه النائم، وقيل
ناقض. ورجح الأول في السراج، وبه جزم الزيلعي، بل حكي في التوشيح الاتفاق عليه.
مَطْلَبٌ: نَوْمُ مَنْ بِهِ آَنْفِلاتُ رِبِحٍ غَیر نَاقِضٍ
وأقول: ينبغي أن يكون عينه ناقضاً اتفاقاً فيمن فيه انفلات ريح، إذ ما لا يخلو عنه
النائم لو تحقق وجوده لم ينقض، فالمتوهم أولى. نهر.
قلت: فيه نظر، والأحسن ما في فتاوى ابن الشلبي، حيث قال: سئلت عن شخص
به انفلات ريح هيل ينقض وضوءه بالنوم؟ فأجبت بعدم النقض، بناء على ما هو الصحيح من
أن النوم نفسه ليس بناقض، وإنما الناقض ما يخرج. ومن ذهب إلى أن النوم نفسه ناقض لزمه
النقض. قوله: (نوم) هو فترة طبيعية تحدث للإنسان بلا اختيار منه تمنع الحواس الظاهرة
والباطنة عن العمل مع سلامتها واستعمال العقل مع قيامه، فيعجز العبد عن أداء الحقوق.
بحر. قوله: (بحيث) حيثية تقييد: أي كائناً من هذه الجهة وبهذا الاعتبار.
مَطْلَبٌ: لَفْظُ (((حَيْثُ)) مَوضُوعٌ للمَكَانِ وَيُسْتَعَارُ لِجِهةٍ الشّيء
وفي التلويح لفظ حيث موضوع للمكان استعير لجهة الشيء واعتباره، يقال:
الموجود من حيث إنه موجود: أي من هذه الجهة وبهذا الاعتبار اهـ؛ فالمراد زوال القوة
الماسكة من هذه الجهة التي ذكرها بعد وفسرها بقوله ((وهو النوم الخ)) فلا يرد أنه قد تزول

٢٧١
كتاب الطهارة
الأرض، وهو النوم على أحد جنبيه أو وركيه أو قفاه أو وجهه (وإلا) يزل مسكتة (لا)
ينقض، وإن تعمده في الصلاة أو غيرها على المختار كالنوم قاعداً ولو مستنداً إلى ما لو
أزيل لسقط على المذهب وساجداً على الهيئة المسنونة ولو في غير الصلاة على
المعتمد. ذکره الحلبي،
المقعدة ولا يحصل النقض كالنوم في السجود. قوله: (وهو) أي ما تزول به المسكة
المذكورة. قوله: (أو وركيه) الورك بالفتح والكسر وككتف ما فوق الفخذ مؤنثة، جمعه
أوراك. قاموس. ويلزم من الميل على أحد الوركين سواء اعتمد على المرفق أو لا زوال
مقعدته عن الأرض، وهو المراد بقول الكنز ومتورك حيث عده ناقضاً كما في البحر
اهـ. ح. أقول: وهو غير المتورك الآتي قريباً. قوله: (على المختار) نص عليه في الفتح،
وهو قيد في قوله ((في الصلاة)) قال في شرح الوهبانية: ظاهر الرواية أن النوم في الصلاة
قائماً أو قاعداً أو ساجداً لا يكون حدثاً سواء غلبه النوم أو تعمده. وفي جوامع الفقه: أنه في
الركوع والسجود لا ينقض ولو تعمده ولكن تفسد صلاته ا. هـ. قوله: (كالنوم) مثال للنوم
الذي لا يزيل المسكة ط. قوله: (لو أزيل لسقط) أي لو أزيل ذلك الشيء لسقط النائم،
فالجملة الشرطية صفة لشيء. قوله: (على المذهب) أي على ظاهر المذهب عن أبي
حنيفة، وبه أخذ عامة المشايخ، وهو الأصح كما في البدائع، واختار الطحاوي والقدوري
وصاحب الهداية النقض، ومشى عليه بعض أصحاب المتون، وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلة
عن الأرض وإلا نقض اتفاقاً كما في البحر وغيره. قوله: (وساجداً) وكذا قائماً وراكعاً
بالأولى، والهيئة المسنونة بأن يكون رافعاً بطنه عن فخذيه مجافياً عضديه عن جنبيه كم في
البحر. قال ط: وظاهرة أن المراد الهيئة المسنونة في حق الرجل لا المرأة. قوله: (ولو في
غير الصلاة) مبالغة على قوله على ((الهيئة المسنونة)) لا على قوله ((وساجداً)) يعني أن كونه
على الهيئة المسنونة قيد في عدم النقض ولو في الصلاة، وبهذا التقرير يوافق كلامه ما عزاه
إلى الحلبي في شرح المنية كما سيظهر. قوله: (على المعتمد) اعلم أنه اختلف في النوم
ساجداً؛ فقيل لا يكون حدثاً في الصلاة وغيرها، وصححه في التحفة، وذكر في الخلاصة
أنه ظاهر المذهب. وقيل يكون حدثاً، وذكر في الخانية أنه ظاهر الرواية، لكن في الذخيرة
أن الأول هو المشهور. وقيل: إن سجد على غير الهيئة المسنونة كان حدثاً وإلا فلا. قال
في البدائع: وهو أقرب إلى الصواب، إلا أنا تركنا هذا القياس في حالة الصلاة للنص، كذا
في الحلية ملخصاً؛ وصحح الزيلعي ما في البدائع فقال: إن كان في الصلاة لا ينتقض
وضوءه لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا وُضُوء على مَنْ نَامَ قائماً أَو رَاكِعاً أَو ساجِداً) وإن كان
خارجها فكذلك في الصحيح إن كان على هيئة السجود وإلا ينتقض اهـ. وبه جزم في البحر
وكذلك العلامة الحلبي في شرح المنية الكبير؛ ونقل فيه عن الخلاصة أيضاً أن سجود

٢٧٢
كتاب الطهارة
أو متوركاً أو محتبياً ورأسه على ركبتيه أو شبه المنكب أو في محمل أو سرج أو إكاف ولو
الدابة عرياناً، فإن حال الهبوط نقض وإلا لا .
ولو نام قاعداً یتمایل فسقط، إن انتبه حین سقط فلا نقض،
السهو والتلاوة وكذا الشكر عندهما كسجود الصلاة، قال: لإطلاق لفظ ساجداً في
الحديث، فيترك به القياس فيما هو سجود شرعاً، ويبقى ما عداه على القياس فينقض إن لم
يكن على وجه السنة اهـ. لكن اعتمد في شرحه الصغير ما عزاه إليه الشارح من اشتراط الهيئة
المسنونة في سجود الصلاة وغيرها. وذكر في شرح الوهبانية أنه قيد به في المحيط وقال:
وهو الصحيح ومشى عليه في ((نور الإيضاح)) وأما قوله في النهر: إنه لم يوجد في المحيط
الرضوي؛ ففيه أن محيط رضي الدين ثلاثة نسخ كبير وصغير وأوسط، على أنه قد يكون
المراد محيط السرخسي، والله أعلم.
تتمة: لو نام المريض وهو يصلي مضطجعاً قيل لا تنقض طهارته كالنوم في السجود،
والصحيح النقض كما في الفتح وغيره، زاد في السراج: وبه نأخذ. قوله: (أو متور كاً) بأن
يلصق قدميه من جانب ويلصق أليتيه بالأرض. فتح. قوله: (أو محتبياً) بأن جلس على أليتيه
ونصب ركبتيه وشدّ ساقيه إلى نفسه بيديه أو بشيء يحيط من ظهره عليهما. شرح المنية.
قوله: (ورأسه على ركبتيه) غير قيد، وإنما زاده للرد على الاتقاني في [غاية البيان] حيث
فسر الاتكاء الناقض للوضوء بهذه الهيئة. قال في شرح المنية: هذه الهيئة لا تعرف في اللغة
اتکاء قطعاً، وإنما تسمى احتباء، وإنما سماها الإتقاني بذلك، وتبعه فيه من لا خبرة له ولا
فقه عنده اهـ. قوله: (أو شبه المنكبّ) أي على وجهه وهو كما في شروح الهداية أن ينام
واضعاً أليتيه على عقبيه وبطنه على فخذيه، ونقل عدم النقض به في الفتح عن الذخيرة
أيضاً، ثم نقل عن غيرها: لو نام متربعاً ورأسه على فخذيه نقض. قال: وهذا يخالف ما في
الذخيرة، واختار في شرح المنية النقض في مسألة الذخيرة لارتفاع المقعدة وزوال التمكن.
وإذا نقض في التربع مع أنه أشد تمكناً فالوجه الصحيح النقض هنا، ثم أيده بما في الكفاية
عن المبسوطين من أنه لو نام قاعداً ووضع أليتيه على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه.
قال أبو يوسف: عليه الوضوء. قوله: (أو في محمل) أي إلا إذا اضطجع فيه. حلية. قوله:
(أو إكاف) بدون ياء: برذعة الحمار وهو ككتاب وغراب، والمصدر الإيكاف ط عن
القاموس. وأفاد الشارح أن النوم في سرج وإكاف لا ينقض حال الصعود وغيره، وبه صرح
في المنية. قوله: (عرياناً) قال في المغرب: فرس عرى لا سرج عليه ولا لبد، وجمعه
أعراء، ولا يقال فرس عريان اهـ. قلت: لكن في القاموس: فرس عری بالضم بلا سرج،
واعرورى فرساً: ركبه عرياناً. قوله: (نقض) لتجافي المقعدة عن ظهر الدابة. حلية. قوله:
(وإلا) بأن كان حال الصعود أو الاستواء. منية. قوله: (حين سقط) أي عند إصابة الأرض

٢٧٣
كتاب الطهارة
به يفتى، كناعس يفهم أكثر ما قيل عنده. والعته لا ينقض كنوم الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، وهل ينقض إغماؤهم وغشيهم؟ ظاهر كلام المبسوط نعم.
بلا فضل. شرح منية، وكذا قبل السقوط أو في حال السقوط؛ أما لو استقر ثم انتبه نقض
لأنه وجد النوم مضطجعاً. حلية. قوله: (به يفتى) كذا في الخلاصة. وقيل إن ارتفعت
مقعدته قبل انتباهه نقض وإن لم يسقط. وفي الخانية عن شمس الأئمة الحلواني أنه ظاهر
المذهب، وعليه مشى في ((نور الإيضاح)) قال في شرح المنية: والأول أولى، لأنه لا يتم
الاسترخاء بعد مزایلة المقعدة حیث انتبه فوراً. قوله: (کناعس) أي إذا كان غير متمكن،
وقوله (يفهم)) عبر به في البحر معزياً إلى شروح الهداية، وعبر في السراج والزيلعي
والتاتر خانية بيسمع. وفي الخانية: النعاس لا ينقض الوضوء، وهو قليل نوم لا يشتبه عليه
أكثر ما يقال عنده. قال الرحمتي: ولا ينبغي أن يغتّ الإنسان بنفسه لأنه ربما يستغرقه النوم
ويظن خلافه. قوله: (والعته) هو آفة توجب الاختلال بالعقل بحيث يصير مختلط الكلام فاسد
التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم. بحر. قوله: (لا ينقض) قال في البحر بعد نقله أقوال
الأصوليين في حكم العته: وظاهر كلام الكل الاتفاق على صحة أدائه العبادات، أما من
جعله مكلفاً بها فظاهر، وكذا من جعله كالصبيّ العاقل؛ وقد صرحوا بصحة عبادات
الصبي، فيفهم منه أن العته لا ينقض الوضوء.
مَطْلَبُ: نَوْمُ الأَنْبِیاءِ غَيْ نَاقِضٍ
قوله: (كنوم الأنبياء) قال في البحر: صرح في القنية بأنه من خصوصياته { 4*(١) ولذا
ورد في الصحيحين ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ نامَ حتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ إِلى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ)» لما ورد في
حديث آخر ((إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي)).
ولا يشكل عليه ما ورد في الصحيح من ((أنه * نام ليلة التعريس حتى طلعت
الشمس)) لأن القلب يقظان يحس بالحدث وغيره مما يتعلق بالبدن ویشعر به القلب، ولیس
طلوع الفجر والشمس من ذلك، ولا هو مما يدرك القلب، وإنما يدرك بالعين وهي نائمة،
وهذا هو المشهور في كتب المحدثين والفقهاء، كذا في شرح التهذيب اهـ.
وأجاب القاضي عياض في الشفاء بأجوبة أخر: منها أن ذلك إخبار عن أغلب
أحواله، أو أنه لا ينام نوماً مستغرقاً ناقضاً للوضوء. قوله: (ظاهر كلام المبسوط نعم) كذا
في شرح الشيخ إسماعيل عن شرح الكنز لابن الشلبي. قال بعض الفضلاء: فيه أن علة عدم
النقض بنومهم هي حفظ قلوبهم منه، وهذه العلة موجودة حالة إغمائهم. قال في المواهب
اللدنية: نبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو عن غلبة الأوجاع
(١) في ط (قوله بأنه من خصوصياته#) لعله (من خصوصياتهم) كما نقله ط عن القنية.
٦

٢٧٤
كتاب الطهارة
(و) ينقضه (إغماء) ومنه الغشي (وجنون وسكر) بأن يدخل في مشيه تمايل ولو
بأكل الحشيشة
للحواس الظاهرة دون القلب، وقد ورد ((تنام أعينهم لا قلوبهم)) فإذا حفظت قلوبهم من النوم
الذي هو أخف من الإغماء فمنه بالأولى اهـ. ابن عبد الرزاق. وفي القهستاني: لا نقض من
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومقتضاه التعميم في كل النواقض، لكن نقل ط عن شرح
الشفاء لمنلا علي القاري الإجماع على أنه وَلهم في نواقض الوضوء كالأمة، إلا ما صح من
استثناء النوم اهـ. قوله: (وينقضه إغماء) هو كما في التحرير: آفة في القلب أو الدماغ تعطل
القوى المدركة والمحركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوباً. تهر. قوله: (ومنه الغشي)
بالضم والسكون: تعطل القوى المحركة والحساسة لضعف القلب من الجوع أو غيره.
قهستاني. زاد في شرح الوهبانية بفتح فسکون وبکسرتین مع تشديد الياء، وکونه نوعاً من
الإغماء موافق لما في القاموس وحدود المتكلمين. قال في النهر: إلا أن الفقهاء يفرقون
بينهما كالأطباء اهـ: أي بأنه إن كان ذلك التعطل لضعف القلب واجتماع الروح إليه بسبب
يخنقه في داخله فلا يجد منفذاً فهو الغشي، وإن لامتلاء بطون الدماغ من يلغم فهو الإغماء.
ثم لما كان سلب الاختيار في الإغماء أشد من التوم كان ناقضاً على أيّ هيئة كان، بخلاف
النوم. إسماعيل. قوله: (والجنون)(١) صاحبه مسلوب العقل، بخلاف الإغماء فإنه
مغلوب، والإطلاق دال على أن القليل من كل منهما ناقض لأنه فوق النوم مضطجعاً.
قهستاني. قوله: (وسكر) هو حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة
من الخمر ونحوه، فيتعطل معه العقل المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة. إسماعيل عن
البرجندي. قوله: (يدخل) أي به. قال في النهر: واختلف في حده هنا وفي الأيمان
والحدود؛ فقال الإمام: إنه سرور يزيل العقل فلا يعرف به السماء من الأرض ولا الطول من
العرض، وخوطب زجراً له. وقالا: بل يغلب عليه فيهذي في أكثر كلامه، ولا شك أنه إذا
وصل إلى هذه الحالة فقد دخل في مشيته اختلال، والتقييد بالأكثر يفيد أن النصف من
كلامه لو استقام لا يكون سكران، وقد رجحوا قولهما في الأبواب الثلاثة. قال في حدود
الفتح: وأكثر المشايخ على قولهما، واختاروه للفتوى؛ وفي نواقض المجتبى: الصحيح
قولهما اهـ: أي فلا يشترط في حده أن يصل إلى أن لا يعرف الأرض من السماء. قوله:
(ولو بأكل الحشيشة) ذكره في النهر بحثاً، واستدل له بما في شرح الوهبانية من أنهم حكموا
بوقوع طلاقه إذا سكر منها زجراً له. قال الشيخ إسماعيل: ولا يخفى أن قول البرجندي من
الخمر ونحوه شامل له إذا تعطل العقل، وقول البحر بمباشرة بعض الأسباب(٢) اهـ.
(١) في ط (قوله والجنون) هكذا بخطه، والذي في الشارح (وجنون) بالتنكير.
(٢) في ط (قوله وقول البحر بمباشرة بعض الأسباب أي كذلك يعني أنه شامل له كقول البرجندي ففي كلامه حذف.

٢٧٥
كتاب الطهارة
(وقهقهة) هي ما يسمع جيرانه (بالغ) ولو امرأة سهواً (يقظان) فلا يبطل وضوء صبيّ
ونائم بل صلاتهما،
فرع: المصروع إذا أفاق عليه الوضوء. تاتر خانية. قوله: (وقهقهة) قيل إنها من
الأحداث، وقيل لا، وإنما وجب الوضوء بها عقوبة وزجراً. وفائدة الخلاف في مس
المصحف يجوز على الثاني لا الأول كما في المعراج. قال في النهر: وينبغي أن يظهر أيضاً
في كتابة القرآن، وأما حلّ الطواف بهذا الوضوء ففيه تردد، وإلحاق الطواف بالصلاة يؤذن
بأنه لا يجوز، فتدبره. ورجح في البحر القول الثاني بموافقته للقياس، لأنها ليست خارجاً
نجساً بل هي صوت كالكلام والبكاء وبموافقته للأحاديث المروية فيها، إذ ليس فيها إلا
الأمر بإعادة الوضوء والصلاة، ولا يلزم منه كونها حدثاً اهـ. وأيده في النهر بقول المصنف
وغيره ((بالغ)) ولو كانت حدثاً لاستوى فيها البالغ وغيره، وبترجيحهم عدم النقض بقهقهة
النائم: أي لعدم الجناية منه كالصبي.
أقول: ثم لا يخفى أن معنى القول الثاني بطلان الوضوء بالقهقهة في حق الصلاة زجراً
كبطلان الإرث بالقتل وإن لم يبطل في حق غيرها لعدم الحدث؛ وليس معناه أن الوضوء لم
يبطل وإنما أمر بإعادته زجراً، حتى يرد أنه يلزمه أنه لو صلى به صحت الصلاة مع الحرمة
ووجوب الإعادة فيكون مخالفاً لأصل المذهب، فافهم. قوله: (هي ما يسمع جيرانه) قال في
البحر: هي في اللغة معروفة، وهي أن يقول قه قه. واصطلاحاً ما يكون مسموعاً له ولجيرانه
بدت أسنانه أو لا اهـ. وفي المنية: وحد القهقهة قال بعضهم: ما يظهر القاف والهاء ويكون
مسموعاً له ولجيرانه. وقال بعضهم: إذا بدت نواجذه ومنعه من القراءة اهـ. لكن قال في
الحلية: لم أقف على التصريح باشتراط إظهار القاف والهاء لأحد، بل الذي توارد عليه كثير
من المشايخ كصاحب المحيط والهداية والكافي وغيرهم ما يكون مسموعاً له ولجيرانه.
وظاهره التوسع في إطلاق القهقهة على ما له صوت وإن عري عن ظهور القاف والهاء أو
أحدهما اهـ. واحترز به عن الضحك، وهو لغة: أعم من القهقهة. واصطلاحاً: ما كان
مسموعاً له فقط فلا ينقض الوضوء بل يبطل الصلاة. وعن التبسم وهو ما لا صوت فيه أصلاً
بل تبدو أسنانه فقط فلا يبطلهما، وتمامه في البحر؛ ولم أر من قدر الجواز بشيء ومقتضى
تعريف الضحك بما كان مسموعاً له فقط أن القهقهة ما يسمعها غيره من أهل مجلسه فهم
جيرانه لا خصوص من عن يمينه أو عن يساره، لأن كل ما كان مسموعاً له يسمعه من عن
يمينه أو يساره. تأمل. قوله: (ولو امرأة) لأن النساء شقائق الرجال في التكاليف ط؛ ولا
يرد أن قوله ((بالغ)) صفة للمذكر لأنه لا يقال جارية بالغ كما في القاموس. قوله: (سهواً) أي
ولو سهواً، فهو من مدخول المبالغة وكذا النسيان. وذكر في المعراج فيهما روايتين،
ورجح في البحر رواية النقض، وبها جزم الزيلعي في النسيان ولم يذكر السهو، فافهم.

٢٧٦
كتاب الطهارة
به يفتى (يصلي) ولو حكماً كالباني (بطهارة صغرى) ولو تيمماً (مستقلة) فلا يبطل
وضوء في ضمن الغسل؛ لكن رجح في الخانية والفتح والنهر النقض عقوبة له، وعليه
الجمهور كما في الذخائر الأشرفية (صلاة كاملة) ولو عند السلام عمداً فإنها تبطل
الوضوء لا الصلاة، خلافاً لزفر كما حرره في الشرنبلالية.
ولو قهقه إمامه أو أحدث عمداً ثم قهقه المؤتمّ ولو مسبوقاً فلا نقض،
قوله: (به يفتى) لما قدمناه من أن النقض للزجر والعقوبة والصبيّ والنائم ليسا من أهلها،
وصرّحوا بأن القهقهة كلام فتفسد صلاتهما، وثم أقوال أخر صحح بعضها مبسوطة في
البحر. قوله: (كالباني) أي من سبقه الحدث في الصلاة، فأراد أن يبني على صلاته فقهقة
في الطريق بعد الوضوء ينتقض وضوءه، وهو إحدى روايتين، وبه جزم الزيلعي. قال في
البحر: قيل وهو الأحوط، ولا نزاع في بطلان صلاته اهـ. قوله: (مستقلة) تصريح بمفهوم
قوله ((صغرى)) فإنه يفهم أنه ولو كان يصلي بطهارة كبرى وهي الغسل لا ينتقض الوضوء
الذي ضمنها، فكان الأخصر حذفه، إلا أن يقال: احترز بصغرى عن نفس طهارة الغسل فلا
يلزمه إعادته، وبمستقلة عن الصغرى التي في ضمنه، فتأمل. قوله: (والفتح والنهر) لأنه
ذكر في الفتح عن المحيط أنه الصحيح، وعبر عن مقابله بقبل. وفي النهر ذكر أنه الذي
رجحه المتآخرون، وحیث لم يتعقبه مع اقتصاره عليه وجزمه به اقتضی ترجيحه له، ولذا لم
يعز ترجيحه إلى البحر لكونه ذكر القولين حيث قال: على قول عامة المشايخ لا تنقض.
وصحح المتأخرون كقاضيخان النقض مع اتفاقهم على بطلان صلاته اهـ. قوله: (عقوبة له)
لإساءته في حال مناجاته لربه تعالى. قوله: (وعليه الجمهور) أي من المتأخرين كما
علمت. قوله: (كاملة) أي ذات ركوع وسجود: أو ما يقوم مقامهما من الإيماء لعذر، أو
راكباً يومئ بالنقل أو بالفرض حيث يجوز فلا تنقض في صلاة جنازة وسجدة تلاوة: أي
خارج الصلاة، لكن يبطلان، ولا لو كان راكباً يومي بالتطوع في المصر أو القرية لعدم جواز
الصلاة عنده خلافاً للثاني. بحر. قوله: (ولو عند السلام) أي قبله وبعد التشهد. درر، وكذا
لو في سجود السهو. بحر عن المحيط. قوله: (عمداً) أي ولو كانت القهقهة عمداً. وفيه رد
على صاحب الدرر حيث قال: إلا أن يتعمد، وسيأتي في باب الحدث في الصلاة التصريف
بفساد الوضوء بالقهقهة عمداً بعد القعود قدر التشهد لوجودها في حرمة الصلاة. قوله: (لا
الصلاة) لأنه لم يبق من فرائضها شيء وترك السلام لا يضرّ في الصحة. إمداد. قوله: (خلافاً
لزفر) حيث قال: لا تبطل الوضوء كالصلاة. شرنبلالية. قوله: (ولو قهقه إمامه الخ) أي بعد
القعود قدر التشهد. قوله: (ثم قهقه المؤتم) أما لو قهقه قبل إمامه أو معه بطل وضوءه دون
صلاته لوجودها في حرمة الصلاة. سراج. قوله: (ولو مسبوقاً) رد على الدرر. قوله: (فلا
نقض) أي لوضوء المؤتم، لأن قهقهته وقعت بعد بطلان صلاته بقهقهة إمامه، خلافاً لهما

٢٧٧
كتاب الطهارة
بخلافهما بعد كلامه عمداً في الأصح.
ومن مسائل الامتحان. ولو نسي الباني المسح فقهقه قبل قيامه للصلاة انتقض لا
بعده لبطلانها بالقيام إليها (ومباشرة فاحشة) بتماس الفرجين ولو بين المرأتين والرجلين
مع الانتشار
في المسبوق حيث قالا: لا تفسد صلاته ويقوم إلى قضاء ما فاته. وفي فساد صلاته اللاحق
روايتان عن أبي حنيفة. سراج. قوله: (بخلافهما) أي بخلاف قهقهة المأموم بعد كلام
الإمام عمداً، وكذا بعد سلامه عمداً لأنهما قاطعان للصلاة لا مفسدان إذ لم يفوّتا شرطها
وهو الطهارة، فلم يفسد بهما شيء من صلاة المأموم، فينتقض وضوءه بقهقهته، أما حدثه
عمداً وكذا قهقهته عمداً فمفوتان للطهارة فيفسد جزء يلاقيانه فيفسد من صلاة المأموم
كذلك فتكون قهقهة المأموم بعد الخروج من الصلاة فلا تنقض، وتمامه في حاشية نوح
أفندي. قوله: (في الأصح) مقابله ما في الخلاصة حيث صحح عدم فساد الطهارة بقهقهة
المأموم بعد كلام الإمام أو سلامه، عمداً. قال في الفتح: ولو قهقه بعد كلام الإمام عمداً
فسدت كسلامه على الأصح على خلاف ما في الخلاصة اهـ. أقول: وما في الفتح صححه
في الخانية أيضاً. قوله: (الامتحان) أي اختبار ذهن الطالب. قوله: (المسح) أي مسح
الخف أو الرأس أو الجبيرة. قال ط: وكذا لو نسي غسل بعض أعضائه إذ المسح ليس قيداً
على ما يظهر. قوله: (قبل قيامه للصلاة) أي قبل شروعه فيها كأن قهقه حال رجوعه. قوله:
(انتقض) فإنه في الصلاة حكماً، وهذا على ما جزم به الزيلعي من إحدى الروايتين من
انتقاض طهارة الباني لو قهقه في الطريق كما قدمناه. قوله: (لا بعده) أي لا ينتقض لو قهقه
بعد قيامه لها: أي شروعه فيها، لأنه لما شرع فيها وهو ذاكر أنه لم يمسح فقد بطلت
صلاته، فتكون قهقهته بعد خارج الصلاة فلا تنقض. ووجه الامتحان فيها أن يقال: أيّ
قهقهة تنقض الوضوء قبل الشروع في الصلاة حقيقة لا بعده. قوله: (ومباشرة) مأخوذة من
البشرة وهي ظاهر الجلد. قوله: (فاحشة) المراد بالفحش الظهور لا الذي نهى عنه الشارع،
إذ قد تكون بين الرجل وامرأته، أو المعنى فاحشة أن لو كانت مع الأجنبية، أو باعتبار أغلب
صورها لأنها تكون بين المرأتين والرجل والغلام، ثم هي من الناقض الحكمي ط. قوله:
(فتماس الفرجين) أي من غير حائل من جهة القبل أو الدبر. شرح المنية. ثم المنقول أن
ظاهر الرواية عدم اشتراطه. وفي الينابيع: روى الحسن اشتراط التماس وهو أظهر،
وصححه الإسبيجابي. وفي الزيلعي أنه الظاهر اهـ: أي من جهة الدراية لا الرواية. أفاده في
البحر. ويشترط أن يكون تماس الفرجين من شخصين مشتهيين، بدليل ما سيذكره الشارح
في الغسل أنه لا يجب الغسل بوطء صغيرة غير مشتهاة ولا ينتقض الوضوء الخ. تأمل.
قوله: (مع الانتشار) هذا في حق نقض وضوئه لا وضوئها، فإنه لا يشترط في نقضه انتشار

٢٧٨
كتاب الطهارة
(للجانبين) المباشِر والمباشر ولو بلا بلل على المعتمد.
(لا) ينقضه (مس ذكر) لكن يغسل يده ندباً (وامرأة) وأمرد، لكن يندب للخروج
آلة لرجل. قنية. وفي الشرنبلالية: زاد الكمال في تفسيرها المعانقة، وتبعه صاحب البرهان
فقال: وهي أن يتجرّدا معاً معانقين متماسي الفرجين. قوله: (للجانبين) فينتقض وضوء
المرأة، وما في الحلية حيث قال: إني لم أقف عليه إلا في المنية، وفيه تأمل رده في البحر
والنهر. قوله: (على المعتمد) وهو قولهما، لأنها لا تخلو عن خروج مذي غالباً، وهو
كالمتحقق في مقام وجوب الاحتياط إقامة للسبب الظاهر مقام الأمر الباطن. وقال محمد: لا
تنقض ما لم يظهر شيء، وصححه في الحقائق، ورده في البحر والنهر بما نقله في الحلية
عن التحفة من أن الصحيح قولهما وهو المذكور في المتون.
قلت: لكن في الحلية قال بعد ما نقل تصحيح قولهما: ولقائل أن يقول: الأظهر وجه
محمد، فقوله أوجه ما لم يثبت دليل سمعي يفيد ما قالاه اهـ: وفي شرح الشيخ إسماعيل عن
شرح البرجندي: وأكثر الكتب متضافرة على أن الصحيح المفتى به قول محمد، وعدم ذكر
صاحب الهداية لها في النواقض يشعر باختياره اهـ. تأمل. قوله: (لكن يغسل يده ندباً)
الحديث ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ))(١) أي ليغسل يده جمعاً بينه وبين قوله وَليه ((هل هو إِلَّ بضْعَة
مِنْكَ(٢)، حين سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَمسُّ ذَكَرَهُ بَعْدَ ما يتوضَّأَ)) وفي رواية في الصلاة أخرجه
الطحاوي وأصحاب السنن إلا ابن ماجه وصححه ابن حبان. وقال الترمذي: إنه أحسن شيء
يروى في هذا الباب وأصح، ويشهد له ما أخرجه الطحاوي عن مصعب بن سعد قال: كنت
آخذاً على أبي المصحف، فاحتككت فأصبت فرجي؟ فقلت: نعم، فقال: قم فاغسل يدك
وقد ورد تفسير الوضوء بمثله في الوضوء مما مسته النار(٣)، وتمامه في الحلية والبحر.
أقول: ومفاده استحباب غسل اليد مطلقاً كما هو مفاد إطلاق المبسوط خلافاً لما استفاده
في البحر من عبارة البدائع من تقييده بما إذا كان مستنجياً بالحجر كما أوضحه في النهر.
مَطْلَبٌ فِي نَذْبٍ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إِذَا لم يُرْتَكَبْ مَكْرُوهُ مَذْهَبِهِ
قوله: (لكن يندب الخ) قال في النهر: إلا أن مراتب الندب تختلف بحسب قوة دلیل
المخالف وضعفه.
(١) أخرجه من حديث بسرة مالك في الموطأ ١/ ٤٢ (٥٨) والشافعي في الأم ١٩/١ وأحمد في المسند ٦ /٤٠٦
والدارمي ١٨٤/١، وأبو داود ١٢٦/١ (١٨١) والترمذي ١٢٦/١ (٨٢) وقال حسن صحيح والنسائي ١/
١٠٠ (١١٨) وابن ماجة ١/ ١٦١ (٤٧٩).
(٢) أحمد في المسند ٢٢/٤ مسند طلق بن علي وأبو داود ١/ ١٢٧ (١٨٢) والترمذي ١٣١/١ وقال: هذا الحديث
أحسن شيء روي في هذا الباب، والنسائي ١٠١/١ وابن ماجة ١/ ١٦٣ (٤٨٣) وابن حبان ذكره الهيثمي في
المواردص ٧٧ (٢٠٧).
(٣) انظر صحيح مسلم ١/ ٢٧٣ (٣٥٢/٩٠) والبخاري ١/ ٣١٠(٢٠٧) ومسلم ١/ ٢٧٣ (٣٥٤/٩١).

٢٧٩
كتاب الطهارة
من الخلاف لا سيما للإمام، لكن بشرط عدم لزوم ارتكاب مكروه مذهبه.
(کما) لا ینقض (لو خرج من أذنه) ونحوها کعینه وثدیہ (قیح) ونحوه کصدید
وماء سرة وعين (لا بوجع وإن) خرج (به) أي بوجع (نقض) لأنه دليل الجرح، فدمع من
بعینه رمد أو عمش
قوله: (لكن بشرط) استدراك على ما فهم من الكلام من أن الإمام يراعي مذهب من
يقتدي به سواء كان في هذه المسألة أو في غيرها، وإلا فالمراعاة في المذكور هنا ليس فيها
ارتكاب مكروه مذهبه اهـ. ح. بقي هل المراد بالكراهة هنا ما يعم التنزيهية؟ توقف فيه ط.
والظاهر نعم، كالتغليس في صلاة الفجر فإنه السنة عند الشافعي، مع أن الأفضل عندنا
الإسفار فلا يندب مراعاة للخلاف فيه. وكصوم يوم الشك فإنه الأفضل عندنا، وعند الشافعي
حرام، ولم أر من قال يندب عدم صومه مراعاة للخلاف. وكالاعتماد وجلسة الاستراحة،
السنة عندنا تركهما، ولو فعلهما لا بأس كما سيأتي في محله، فيكره فعلهما تنزيهاً مع أنهما
سنتان عند الشافعي. قوله: (وصديد)(١)) في المغرب: صديد الجرح ماؤه الرقيق المختلط
بالدم. قوله: (وعين) أي وماء عين: وهو الدمع وقت الرمد. وفي بعض النسخ ((وغيره)) بدل
(وعين)) أن غير ماء السرة كماء نفطة وجرح. قوله: (لا بوجع) تقييد لعدم النقض بخروج
ذلك، وعدم النقض هو ما مشى عليه الدرر والجوهرة والزيلعي معزياً للحلواني. قال في
البحر: وفيه نظر، بل الظاهر إذا كان الخارج قيحاً أو صديداً لنقض، سواء كان مع وجع أو
بدونه لأنهما لا يخرجان إلا عن علة، نعم هذا التفصيل حسن فيما إذا كان الخارج ماء ليس غير
اهـ. وأقرّه في الشرنبلالية، وأيده بعبارة الفتح: الجرح والنفطة وماء الثدي والسرة والأذن إذا
كان لعلة سواء على الأصح اهـ. فالضمير في ((كان)) للماء فقط فهو مؤيد لكلام البحر. وفيه
إشارة إلى أن الوجع غير قيد بل وجود العلة كاف، وما بحثه في البحر مأخوذ من الحلية،
واعترضه في النهر بقوله: لم لا يجوز أن يكون القيح الخارج من الأذن عن جرح برأ، وعلامته
عدم التألم، فالحصر ممنوع اهـ: أي الحصر بقوله: لا يخرجان إلا عن علة. وأنت خبير بأن
الخروج دليل العلة ولو بلا ألم، وإنما الألم شرط للماء فقط، فإنه لا يعلم كون الماء الخارج
من الأذن أو العين أو نحوهما دماً متغيراً إلا بالعلة والألم دليلهما، بخلاف نحو الدم والقيح،
ولذا أطلقوا في الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد أنه ينقض الوضوء، ولم
يشترطوا سوى التجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير، ولم يقيدوه في المتون ولا في
الشروح بالألم ولا بالعلة، فالتقييد بذلك في الخارج من الأذن مشكل لمخالفته لإطلاقهم.
قوله: (وعمش(٢)) هو ضعف الرؤية مع سيلان الدم في أكثر الأوقات. درر وقاموس. قوله:
(١) في ط (قوله وصديد) هكذا بخطه والذي في نسخ الشارح (كصديد) بكاف التشبيه.
(٢) في ط (قوله وعمش) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف والذي في نسخ الشرح (أو عمش) وكذا قوله =
:

٢٨٠
كتاب الطهارة
ناقض، فإن استمرّ صار ذا عذر. مجتبى، والناس عنه غافلون.
(كما) ينقض (لو حشا إحليله بقطنة وابتلّ الطرف الظاهر) هذا لو القطنة عالية أو
(ناقض الخ) قال في المنية: وعن محمد: إذا كان في عينيه رمد وتسيل الدموع منها آمره
بالوضوء لوقت کل صلاة، لأني أخاف أن یکون ما یسیل منها صدیداً فیکون صاحب العذر
اهـ. قال في الفتح: وهذا التعليل يقتضي أنه أمر استحباب، فإن الشك والاحتمال لا يوجب
الحكم بالنقض، إذ اليقين لا يزول بالشك، نعم إذا علم بإخبار الأطباء أو بعلامات تغلب ظن
المبتلى يجب اهـ. قال في الحلية: ويشهد له قول الزاهدي عقب هذه المسألة: وعن هشام
في جامعه إن كان قيحاً فكالمستحاضة وإلا فكالصحيح اهـ. ثم قال في الحلية: وعلى هذا
ينبغي أن يحمل على ما إذا كان الخارج من العين متغيراً اهـ.
أقول: الظاهر أن ما استشهد به رواية أخرى لا يمكن حمل ما مر عليها، بدليل قول
محمد: لأني أخاف أن يكون صديداً، لأنه إذا كان متغيراً يكون صديداً أو قيحاً فلا يناسبه
التعليل بالخوف، وقد استدرك في البحر على ما في الفتح بقوله: لكن صرّح في السراج
بأنه صاحب عذر فكان الأمر للإيجاب اهـ. ويشهد له قول المجتبى: ينتقض وضوءه. قوله:
(مجتبى) عبارته: الدم والقيح والصديد وماء الجرح والنفطة وماء البثرة والثدي والعين والأذن
لعلة سواء على الأصح، وقولهم: والعين والأذن لعلة، دلیل علی أن من رمدت عينه فسال
منها ماء بسبب الرمد ينتقض وضوءه، وهذه مسألة الناس عنها غافلون اهـ. وظاهره أن
المدار على الخروج لعلة وإن لم يكن معه وجع. تأمل. وفي الخانية: الغرب في العين
بمنزلة الجرح فيما يسيل منه فهو نجس. قال في المغرب: والغرب عرق في مجرى الدمع
يسقي فلا ينقطع مثل الباسور. وعن الأصمعي: بعينه غرب: إذا كانت تسيل ولا تنقطع
دموعها. والغرب بالتحريك: ورم في المآقي، وعلى ذلك صح التحريك والتسكين في
الغرب اهـ.
أقول: قد سئلت عمن رمد وسال دمعه ثم استمرّ سائلاً بعد زوال الرمد وصار يخرج
بلا وجع، فأجبت بالنقض أخذاً مما مر(١) لأن عروضه مع الرمد دليل على أنه لعلة وإن كان
الآن بلا رمد ولا وجع خلافاً لظاهر كلام الشارح، فتدبر. قوله: (إحليله) بكسر الهمزة مجرى
البول من الذكر بحر. قوله: (هذا). أي النقض بما ذكر، ومراده بيان المراد من الطرف
الظاهر بأنه ما كان عالياً عن رأس الإحليل أو مساوياً له: أي ما كان خارجاً من رأسه زائداً
عليه أو محاذياً لرأسه لتحقق خروج النجس بابتلاله؛ بخلاف ما إذا ابتلّ الطرف وكان متسفلاً
= (عینیه) بالتشنیة مع إرجاع ضمیر «منها)» إليه بالإفراد.
(١) في ط (قوله أخذاً مما مر إلخ) أي من مسألة الصديد بناء على ما قاله صاحب البحر وأنت خبير بأن هناك فرقاً جلياً بين
ما هنا وبين ما هناك فإن كون الصديد ناشئاً عن العلة ظاهر وأما الدمع فليس بلازم أن يكون عن علة.