النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الطهارة
لا بأس به، وحديث ((فقد تعدى)) محمول على الاعتقاد،
قلت: لكن يرد ما في شرح المنية الكبير حيث قال: وفيه إشكال لإطباقهم على أن
الوضوء عبادة غير مقصودة لذاتها، فإذا لم يؤدّ به عمل مما هو المقصود من شرعيته كالصلاة
وسجدة التلاوة ومس المصحف ينبغي أن لا يشرع تكراره قربة لكونه غير مقصود لذاته
فيكون إسرافاً محضاً، وقد قالوا في السجدة لما لم تكن مقصودة: لم يشرع التقرب بها
مستقلة وکانت مكروهة، وهذا أولی اهـ.
أقول: ويؤيده ما قاله ابن العماد في هديته. قال في شرح المصابيح: وإنما يستحب
الوضوء إذا صلى بالوضوء الأول صلاة، كذا في الشرعة والقنية اهـ. وكذا ما قاله المناوي
في شرح الجامع الصغير للسيوطي عند حديث ((مَنْ تَوَضَّأ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ))
من أن المراد بالطهر الوضوء الذي صلى به فرضاً أو نفلاً كما بينه فعل راوي الخبر وهو ابن
عمر، فمن لم یصلّ به شيئاً لا یسن له تجديده اهـ. ومقتضى هذا كراهته وإن تبدل المجلس ما
لم يؤدّ به صلاة أو نحوها، لكن ذكر سيدي عبد الغني النابلسي أن المفهوم من إطلاق
الحديث مشروعيته ولو بلا فصل بصلاة أو مجلس آخر ولا إسراف فيما هو مشروع، أما لو
كرره ثالثاً أو رابعاً فيشترط لمشروعيته الفصل بما ذكر، وإلا كان إسرافاً محضاً اهـ، فتأمل.
مَطْلَبُ: كَلِمَةُ لا بَأْسَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي أَلمَنْلُوبِ
قوله: (لا بأس به) لأنه نور على نور، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. معراج،
وفي هذا التعليل لفّ ونشر مشوش، وفيه إشارة إلى أن ذلك مندوب، فكلمة ((لا بأس)) وإن
كان الغالب استعمالها فيما تركه أولى، لكنها قد تستعمل في المندوب كما صرح به في
البحر من الجنائز والجهاد، فافهم. قوله: (وحديث فقد تعدى الخ) جواب عما يرد على
قوله ((لا بأس به)) وقد تقدم الحديث في عبارة النهر. قال في البحر: واختلف في معنى قوله
عليه الصلاة والسلام ((فمن زاد على هذا) على أقوال؟ فقيل على الحد المحدود، وهو
مردود بقوله عليه الصلاة والسلام ((من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) والحديث في
المصابيح، وإطالة الغرة تكون بالزيادة على الحدّ المحدود، وقيل على أعضاء الوضوء،
وقيل الزيادة على العدد والنقص عنه. والصحيح أنه محمود على الاعتقاد دون نفس الفعل،
حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد، كذا في البدائع، واقتصر عليه
في الهداية؛ وفي الحديث لفّ ونشر، لأن التعدي يرجع إلى الزيادة والظلم إلى
النقصان اهـ.
أقول: وصريح ما في البدائع أنه لا كراهة في الزيادة والنقصان مع اعتقاد سنية
الثلاث، ولذا ذكر في البدائع أيضاً أن ترك الإسراف والتقتير مندوب، ويوافقه ما في
التاترخانية: لا يكره إلا أن يرى السنة في الزيادة، وهو مخالف لما مر، من أنه لو اكتفى بمرة

٠٢٤٢٠
كتاب الطهارة
ولعل كراهة تكراره في مجلس تنزيهية، بل في القهستاني معزياً للجواهر الإسراف في
واعتاده أثم، ولما سيأتي بعد ورقة من أن الإسراف مكروه تحريماً، ومنه الزيادة على
الثلاث، ولهذا فرّع في الفتح وغيره على القول بحمل الوعيد على اعتقاد سنية الزيادة أو
النقص بقوله ((فلو زاد)) لقصد الوضوء على الوضوء، أو لطمأنينة القلب عند الشك، أو نقص
لحاجة لا بأس به، فإن مفاد هذا التفريع أنه لو زاد أو نقص بلا غرض صحيح يكره وإن
اعتقد سنية الثلاث، وبه صرح في الحلية فقال: وهل لو زاد على الثلاث من غير قصد لما
ذكر يكره؟ الظاهر نعم لأنه إسراف اهـ، لكن لو كان قصده بالزيادة الوضوء على الوضوء،
إنما تنتفي الكراهة إذا كان بعد الفراغ من الأول وصلى به أو تبدل المجلس على ما مر وإلا
فلا، وعلی کل فیحتاج إلى التوفيق بين ما في البدائع وغيره. ویمکن التوفيق بما قدمناه من
أنه إذا فعل ذلك مرة لا يكره ما لم يعتقده سنة، وإن اعتاده وأصرّ عليه يكره وإن اعتقد سنية
الثلاث إلا إذا كان لغرض صحيح، هذا ما ظهر لفهمي القاصر، فتدبره. قوله: (ولعل الخ)
جواب عما أورده في البحر من أن قولهم: لو نوى الوضوء على الوضوء لا بأس به مخالف
لما في السراج من أن تكراره في مجلس مكروه، وحمله على اختلاف المجلس بعيد.
وحاصل الجواب حمل الكراهة على التنزيهية، فلا تنافي قولهم لا بأس به، لأن غالب
استعمالها فیما تركه أولی.
أقول: وفي هذا الجواب نظر، لما قدمناه من تعليلهم بأنه نور على نور، فهي
مستعملة في المندوب لا فيما تركه أولى، فالأحسن الجواب بما قدمناه عن النهر من أن
المكروه وتكراره في مجلس مراراً. قوله: (بل في القهستاني الخ) ترقّ في الجواب، وهو
مخالف لما سيأتي من أن الإسراف مكروه ولو بماء النهر، ولذا قال تأمل، ويأتي تمام الكلام
عليه.
مَطْلَبْ: قَدْ يُطْلَقُ الجَائِزُ عَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعاً فَيَشْمَلِ المَكْرُوهَ
وقد يقال: أطلق الجائز وأراد به ما يعمّ المكروه. ففي الحلية عن أصول ابن
الحاجب أنه قد يطلق ويراد به ما لا يمتنع شرعاً، وهو يشمل المباح والمكروه والمندوب
والواجب اهـ. لكن الظاهر أن المراد المكروه تنزيهاً، لأن المكروه تحريماً ممتنع شرعاً منعاً
لازماً.
مَطْلَبٌ فِي تَصْرِيفِ قَوْلِهِمْ مَعْزِيًّا
قوله: (معزيًّا) يقال عزوته وعزيته لغة: إذا نسبته. صحاح، فهو اسم مفعول من اليائي
اللام أصله معزوي فقلبت الواو ياء ثم أدغمت؛ ويجوز أخذه من الواو أيضاً، فإن القياس فيه
معزوّ مثل مغزوّ، لكنه قد تقلب الواوان فيه ياءين وهو فصيح كما نص عليه التفتازاني في

٢٤٣
كتاب الطهارة
الماء الجاري جائز، لأنه غير مضيع، فتأمل (ومسح كل رأسه مرة) مستوعبة، فلو تركه
وداوم عليه أثم، (وأذنيه) معاً ولو (بمائه)
شرح التصريف. قوله: (مرة) لو قال بدله بماء واحد كما في المنية لكان أولى لما في
الفتح. روى الحسن عن أبي حنيفة في المجرد: إذا مسح ثلاثاً بماء واحد كما في المنية
لكان أولى لما في الفتح. روى الحسن عن أبي حنيفة في المجرد: إذا مسح ثلاثاً بماء
واحد كان مسنوناً اهـ. وعليه حمل في الهداية وغيرها ما استدل به الشافعي من رواية التثليث
جمعاً بين الأحاديث. ولا يقال: إن الماء يصير مستعملاً بالمرة الأولى فكيف يسن التكرار؟
لما في شرح المنية من أنهم اتفقوا على أن الماء ما دام في العضو لا يكون مستعملاً. قوله:
(مستوعبة) هذا سنة أيضاً كما جزم به في الفتح، ثم نقل عن القنية أنه إذا داوم على ترك
الاستيعاب بلا عذر يأثم، قال: وكأنه لظهور رغبته عن السنة قال الزيلعي وتكلموا في كيفية
المسح. والأظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدهما إلى القفا على وجه
يستوعب جميع الرأس ثم يمسح أذنيه بأصبعيه اهـ، وما قيل من أنه يجافي المسبحتين
والإبهامين ليمسح بهما الأذنين والكفين ليمسح بهما جانبي الرأس خشية الاستعمال، فقال
في الفتح: لا أصل له في السنة، لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال؛ والأذنان من
الرأس.
تنبيه: لو مسح ثلاثاً بمياه، قیل یکره، وقيل إنه بدعة، وقیل لا بأس به. وفي
الخانية: لا يكره ولا يكون سنة ولا أدباً، قال في البحر: وهو الأولى، إذ لا دليل على
الكراهة اهـ.
قلت: لكن استوجه في شرح المنية القول بالكراهة، وذكرت ما يؤيده فيما علقته
على البحر فراجعه(١) وسيأتي في المتن عدة من المنهيات. قوله: (وأذنيه) أي باطنهما
بباطن السبابتين وظاهرهما بباطن الإبهامين. قهستاني. قوله: (معاً) أي فلا تیامن فيهما كما
سيذكره. قوله: (ولو بمائة) قال في الخلاصة: لو أخذ للأذنين ماء جديداً فهو حسن،
وذكره منلا مسکین رواية عن أبي حنيفة .
قال في البحر: فاستفيد منه أن الخلاف بيننا وبين الشافعي في أنه إذا لم يأخذ ماء
جديداً ومسح بالبلة الباقية هل يكون مقيماً للسنة؟ فعندنا نعم، وعنده لا. أما لو أخذ ماء
جديداً مع بقاء البلة فإنه يكون مقيماً للسنة اتفاقاً. وأقره في النهر.
أقول: مقتضاه أن مسح الأذنين بماء جديد أولى مراعاة للخلاف ليكون آتياً بالسنة
(١) في ط أقول: حاصل ما ذكرته هناك أن أئمتنا ثبت عندهم أن السنة المسح مرة من فعله عليه الصلاة والسلام،
فالتثليث زائد وقد قال عليه الصلاة والسلام ((فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم)) الإشارة ترجع إلى ما ثبت
من فعله 13.

٢٤٤٠
كتاب الطهارة
لكن لو مس عمامته فلا بد من ماء جديد (والترتيب) المذكور في النص. وعند الشافعي
رضي الله عنه: فرض وهو مطالب بالدلیل
اتفاقاً، وهو مفاد تعبير الشارح بلو الوصلية تبعاً للشرنبلالي وصاحب البرهان، وهذا مبني
على تلك الرواية، لكن تقييد سائر المتون بقولهم ((بمائة)) يفيد خلاف ذلك، وكذا تقریر
شرّاح الهداية وغيرها، واستدلالهم بفعله عليه الصلاة والسلام ((أنه أخذ غرفة فمسح بها رأسه
وأذنيه)) وبقوله ((الأذنان من الرأس)) وكذا جوابهم عما روي أنه ول# أخذ لأذنيه ماء جديداً بأنه
يجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب جمعاً بين الأحاديث، ولو كان أخذ الماء الجديد
مقيماً للسنة لما احتيج إلى ذلك.
وفي المعراج عن الخبازية: ولا يسن تجديد الماء في كل بعض من أبعاض الرأس،
فلا يسن في الأذنين بل أولى لأنه تابع اهـ. وفي الحلية: السنة عندنا وعند أحمد أن يكون
بماء الرأس خلافاً لمالك والشافعي وأحمد في رواية اهـ. وفي التاترخانية: ومن السنة
مسحهما بماء الرأس، ولا يأخذ لهما ماء جديداً اهـ. وفي الهداية والبدائع. وهو سنة بماء
الرأس، قال في العناية: أي لا بماء جديد، ومثله في شرح المجمع. وفي شرح الهداية
للعيني: استيعاب الرأس بالمسح بماء واحد سنة، ولا يتم بدونهما حيث جعلتا من الرأس:
أي كما في الحديث المار. وفي شرح الدرر للشيخ إسماعيل: ولو أفردا بالمسح بماء جديد
كما قاله الشافعي لصارا أصلين، وذا لا يجوز اهـ. فقد ظهر لك أن ما مشى عليه الشارح
مخالف للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل
المذهب، هذا ما ظهر لي، ولم أر من نبه على ذلك فتدبره، ثم بعد مدة رأيت المصنف نبه
عليه في شرحه على زاد الفقير حيث قال بعد ذكره عبارة الخلاصة السابقة ما نصّه: قلت
قوله: ولو فعل فحسن مشكل، لأنه يكون خلاف السنة. وخلاف السنة كيف يكون حسناً،
والله أعلم اهـ. قوله: (لكن الخ) ذكره في شرح المنية، ولعله محمول على ما إذا انعدمت
البلة بمس العمامة. قال في الفتح: وإذا انعدمت البلة لم يكن بد من الأخذ اهـ.
وقد يقال: لا بد من الأخذ مطلقاً، لأنه بمس العمامة يحصل الانفصال فيحكم على
البلة بالاستعمال، وعلى هذا ينبغي أن يقال: لو مسح رأسه بيديه ثم رفعهما قبل مسح
الأذنين فلا بد من أخذ ماء جديد ولو كانت البلة باقية. تأمل. قوله: (المذكور في النص)
أي الترتيب الذكري في آية الوضوء. وفيه إشارة إلى أنه ليس المراد في قول الكنز وغيره،
والترتيب المنصوص النص الأصولي، بل المراد به المذكور، إذ ليس في الآية ما يفيد
الترتيب: فلم يكن منصوصاً عليه فيها. قوله: (وهو مطالب بالدليل) أي أنه لا حاجة لنا إلى
الدليل على عدم الافتراض، لأنه الأصل ومدعيه مطالب به ولم يوجد، وقد علم الترتيب

٢٤٥
كتاب الطهارة
(والولاء) بكسر الواو: غسل المتأخر أو مسحه قبل جفاف الأول بلا عذر: حتى لو فني
من فعله عليه الصلاة والسلام فقلنا بسنيته. أفاده في البحر. قوله: (والولاء) اسم مصدر (١)
والمصدر الموالاة. قال الحموي: لا تتحقق الموالاة إلا بعد غسل الوجه اهـ، وفيه تأمل،
إذ ما ذكره إنما يتجه أن لو كانت الموالاة معتبرة في جانب فرائض الوضوء فقط، وهو خلاف
الظاهر ط عن أبي السعود. قوله: (بكسر الواو) أي مع المد، وهو لغة: التتابع. قال ط:
وأما بفتحها فهو صفة توجب لمن قامت به التعصيب بمن أعتقه مثلاً. قوله: (غسل المتأخر
الخ) عرفه الزيلعي بغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول. زاد الحدادي مع اعتدال الهواء
والبدن وعدم العذر. وعرفه الأكمل في التقرير بالتتابع في الأفعال من غير أن يتخللها جفاف
عضوء مع اعتدال الهواء، وظاهره أنه لو جفّ العضو الأول بعد غسل الثاني لم يكن ولاء.
وعلى الأول يكون ولاء، قال في البحر: وهو الأولى.
وفي النهر: الظاهر لا يكون ولاء، لما في المعراج عن الحلواني أن تجفيف الأعضاء
قبل غسل القدمين فيه ترك الولاء، فيحمل الثاني في كلام الزيلعي على ما بعد الأولى اهـ:
أي فيراد بالثاني جميع ما بعد الأول لا ما يليه فقط، ولا يخفى بعده؛ لما في السراج: حده أن
لا يجفّ الماء عن العضو قبل أن يغسل ما بعده. وفي شرح المنية: هو أن يغسل كل عضو
على أثر الذي قبله ولا يفضل بينهما بحيث يجفّ السابق.
ولا يخفى أيضاً أن ما مر عن الحلواني صادق على التعريفين، وأن حمل التعريف الثاني
على الأول أقرب من عكسه، بأن يراد من قوله من غير أن يتخللها جفاف عضو : أي من غير
أن يجفّ عضو قبل غسل ما بعده، وكذا قال في غرر الأفكار: هو غسل عضو قبل جفاف
متقدمه اهـ. وعليه يحمل کلام الشارح بدليل قوله تبعاً لابن کمال أو مسحه فإنه كما يشمل
مسح الخف يشمل مسح الرأس، فلا يمكن حمل المتأخر في كلامه على جميع ما بعد الأول
حقيقة، فافهم، نعم ما مشى عليه في النهر هو المتبادر من تعريف الدرر. هذا وقد عرفه في
البدائع بأن لا يشتغل بين أفعال الوضوء بما ليس منه. ولا يخفى أن هذا أعمّ من التعريفين
السابقين من وجه، ثم قال: وقيل هو أن لا يمكث في أثنائه مقدار ما يجفّ فيه العضو.
أقول: يمكن جعل هذا توضيحاً لما مر، بأن يقال: المراد جفاف العضو حقيقة أو
مقداره، وحينئذ فيتجه ذكر المسح، فلو مكث بين مسح الجبيرة أو الرأس وبين ما بعده
بمقدار ما یجفّ فيه عضو مغسول كان تاركاً للولاء، ويؤيده اعتبارهم الولاء في التيمم أيضاً
كما يأتي قريباً مع أنه لا غسل فيه، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (حتى لو فني ماؤه الخ) بيان
(١) في ط. (قوله والولاء اسم مصدر إلخ) فيه نظر بل الظاهر أنه مصدر لوالى كالموالاة لقوله الخلاصة الفاعل الفعال
والمفاعلة.

٢٤٦
كتاب الطهارة
ماؤه فمضى لطلبه لا بأس به، ومثله الغسل والتيمم، وعند مالك فرض؛ ومن السنن:
الدلك، وترك الإسراف، وترك لطم الوجه بالماء، وغسل فرجها الخارج. (ومستحبه)
ويسمى مندوباً وأدباً
للعذر. قوله: (لا بأس به) أي على الصحيح. سراج. قوله: (ومثله الغسل والتيمم) أي إذا
فرق بين أفعالهما لعذر لا بأس به كما في السراج، ومفاده اعتبار سنية الموالاة فيهما. قوله:
(ومن السنن) أتى بـ ((من)) للإشارة إلى أنه بقي غيرها. ففي الفتح: ومن السنن الترتيب بين
المضمضة والاستنشاق، والبداءة من مقدم الرأس ومن رؤوس الأصابع في اليدين
والرجلين اهـ. وذكر في المواهب بدل الأول: التيامن ومسح الرقبة، ثم قال: وقيل الأربعة
مستحبة. قوله: (الدلك) أي بإمرار اليد ونحوها على الأعضاء المغسولة. حلية. وعدّه في
الفتح من المندوبات، ولم يتابعه عليه في البحر والنهر؛ نعم تابعه المصنف فيما سيأتي.
قوله: (وترك الإسراف) عدة في الفتح من المندوبات أيضاً، ولم يتابع أيضاً بل صرح في
النهر بضعفه وقال: إنه سنة مؤكدة لإطلاق النهي عن الإسراف اهـ. ويأتي تمامه. قوله:
(وترك لطم الوجه بالماء) جعله في الفتح أيضاً في المندوبات، وسيصرح المصنف
كالزيلعي بكراهته. قال في البحر: فيكون تركه سنة لا أدباً، لكن قال في النهر: إنه مكروه
تنزيهاً. قوله: (وغسل فرجها الخارج) أقول: في تقييده بالمرأة نظر، فقد عدّ في المنية
الاستنجاء من سنن الوضوء. وفي النهاية أنه من سنن الوضوء، بل أقواها لأنه مشروع لإزالة
النجاسة الحقيقية وسائر السنن لإزالة الحكمية، وجعل في البدائع سنن الوضوء على أنواع:
نوع يكون قبله، ونوع في ابتدائه، ونوع في أثنائه؛ وعدّ من الأول الاستنجاء بالحجر، ومن
الثاني الاستنجاء بالماء.
مَطْلَبٌ: لَا فَرْقَ بَيْنُ الْمَنْدُونِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّقْلِ وَالتَّطَوُّعِ
قوله: (ويسمى مندوباً وأدباً) زاد غيره: ونفلاً وتطوُّعاً، وقد جرى على ما عليه
الأصوليون، وهو المختار من عدم الفرق بين المستحب والمندوب والأدب كما في حاشية
نوح أفندي على الدرر؛ فیسمی مستحباً من حيث إن الشارع يحبه ويؤثره، ومندوباً من حيث
إنه بین ثوابه وفضیلته، من ندب المیت: وهو تعدید محاسنه، ونفلا من حيث إنه زائد على
الفرض والواجب ويزيد به الثواب، وتطوّعاً من حيث إن فاعله يفعله تبرّعاً من غير أن يؤمر به
حتماً اهـ من شرح الشيخ إسماعيل علي البرجندي. وقد يطلق عليه اسم السنة، وصرح
القهستاني بأنه دون سنن الزوائد. قال في الإمداد: وحكمة الثواب على الفعل وعدم اللوم
على الترك اهـ.
مَطْلَبٌ: تَرْكُ المَنْدُونِ هَلْ يُكْرَهُ تَنْزِيهاً وَهَلْ يُقَرَّقُ بَيْن الْتَنْزِيِهِ وَخِلَافِ الأُولَى؟
وهل يكره تنزيهاً؟ في البحر: لا، ونازعه في النهر بما في الفتح من الجنائز

٢٤٧
كتاب الطهارة
وفضيلة، وهو ما فعله النبي و # مرة وتركه أخرى وما أحبه السلف (التيامن) في اليدين
والرجين ولو مسحاً، لا الأذنين والخدين، فيلغز أيّ عضوين لا يستحب التيامن فيهما؟
(ومسح الرقبة)
والشهادات أن مرجع كراهة التنزيه خلاف الأولى. قال: ولا شك أن ترك المندوب: خلاف
الأولی اهـ.
أقول: لكن أشار في التحرير إلى أنه قد يفرق بينهما، بأن خلاف الأولى ما ليس فيه
صيغة نهي كترك صلاة الضحى، بخلاف المكروه تنزيهاً؛ نعم قال في الحلية: إن هذا أمر
يرجع إلى الاصطلاح والتزامه غير لازم. والظاهر تساويهما كما أشار إليه اللامشي اهـ. لكن
قال الزيلعي في الأكل يوم الأضحى قبل الصلاة: المختار أنه ليس بمكروه، ولکن یستحب
أن لا يأكل. وقال في البحر هناك: ولا يلزم من ترك المستحب ثبوت الكراهة إذ لا بد لها
من دلیل خاص اهـ.
أقول: وهذا هو الظاهر، إذ لا شبهة أن النوافل من الطاعات كالصلاة والصوم
ونحوهما فعلها أولى من تركها بلا عارض. ولا يقال: إن تركها مكروه تنزيهاً، وسيأتي تمامه
إن شاء الله تعالى في مکروهات الصلاة. قوله: (وفضيلة) أي لأن فعله یفضل تر که فهو
بمعنی فاضل؛ أو لأنه یصیر فاعله ذا فضيلة بالثواب ط. قوله: (وهو الخ) يرد عليه ما رغب
فيه عليه الصلاة والسلام ولم يفعله؛ فالأولى ما في التحرير أن ما واظب عليه مع ترك ما بلا
عذر سنة، وما لم يواظب عليه مندوب ومستحب وإن لم يفعله بعدما رغب فيه اهـ بحر.
قوله: (التيامن) أي البداءة باليمين، لما في الكتب الستة ((كان عليه الصلاة والسلام يحبّ
التيامن في كل شيء حتى في طهوره وتنعله وترجله وشأنه كله)) الطهور هنا بضم الطاء،
والترجل: مشط الشعر. درّ منتقى. وحقق في الفتح أنه سنة لثبوت المواظبة. قال في
النهر: لكن قدمنا أنها تفيد السنية إذا كانت على وجه العبادة لا العادة. سلمنا أنها هنا كانت
على وجه العبادة، لكن عدم الاختصاص ينافيها كما قاله بعض المتأخرين اهـ. أي عدم
اختصاصها بالوضوء المستفاد من قوله ((وشأنه كله)) ينافي كونه سنة له، ولو كانت على وجه
العبادة فيكون مندوباً فيه كما في التنعل والترجل. قلت: يرد عليه المواظبة على النية
والسواك بلا اختصاص بالوضوء مع أنهما من سننه. تأمل. قوله: (ولو مسحاً) أي كما في
التيمم والجبيرة، وأما الخفّ فلم أر من ذكر التيامن فيه، وإنما قالوا في كيفيته: أن يضع
أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن وأصابع اليسرى على مقدم خفه الأيسر ويمدهما
إلى الساق، وظاهره عدم التيامن. تأمل. قوله: (لا الأذنين) أي فيمسحهما معاً إن أمكنه،
حتى إذا لم يكن له إلّ يد واحدة أو بإحدى يديه علة ولا يمكنه مسحهما معاً يبدأ بالأذن
اليمنى ثم اليسرى ط عن الهندية. قوله: (ومسح الرقبة) هو الصحيح، وقيل: إنه سنة كما

٠٢٤٨
كتاب الطهارة
بظهر یدیه (لا الحلقوم) لأنه بدعة .
(ومن آدابه) عبر بمن لأن له آداباً أخر أوصلها في الفتح إلى نيف وعشرين،
وأوصلتها في الخزائن إلى نيف وستين (استقبال القبلة
في البحر وغيره. قوله: (بظهر يديه) أي لعدم استعمال بلتهما. بحر، فقول المنية: بماء
جديد، لا حاجة إليه كما في شرحها الكبير، وعبر في المنية بظهر الأصابع ولعله المراد
هنا. قوله: (لأنه بدعة) إذ لم يرد في السنة. قوله: (إلى نيف وستين) عبارته في الدرّ
المنتقى: إلى نيف وسبعين. والنيف بتشديد الياء وقد تخفف: ما زاد على العقد إلى أن يبلغ
العقد الثاني. قاموس.
مَطْلَبٌ فِي تَّتْمِيمٍ مَنْدُوبَاتِ الْوُضُوءِ
واعلم أن المذكور منها هنا متناً وشرحاً نيف وعشرون. ولنذكر ما بقي منها من الفتح
والخزائن: فمنها كما في الفتح: ترك الإسراف والتقتير، وترك التمسح بخرقة يمسح بها
موضع الاستنجاء، واستقاؤه الماء بنفسه، والمبادرة إلى ستر العورة بعد الاستنجاء، ونزع
خاتم عليه اسمه تعالى أو اسم نبيه حال الاستنجاء، وكون آنيته من خزف، وأن يغسل
عروق الإبريق ثلاثاً، ووضعه على يساره، وإن كان إناء يغترف منه فعن يمينه، ووضع يده
حالة الغسل على عورته لا رأسه، وذكر الشهادتين عند كل عضو واستصحاب النية في جميع
أفعاله، وأن لا يلطم وجهه بالماء وملء آنيته استعداداً، والامتخاط باليسرى، والتأني،
وإمرار اليد على الأعضاء المغسولة والدلك اهـ. لكن قدمنا أن الأول والأخير سنة، ولعل
المراد بما قبله إمرارها عليه مبلولة قبل الغسل. تأمل. زاد في البحر: وغسل ما تحت
الحاجب والشارب والتوضؤ في مكان طاهر، لأن لماء الوضوء حرمة، والبدء بأعلى الوجه
وأطراف الأصابع ومقدم الرأس، لكن قدمنا أن الأخيرين سنة. وزاد في الإمداد: ودخوله
الخلاء مستور الرأس، وعدم التوضؤ بماء مشمس، وأن لا يستخلص إناء لنفسه، وترك
النظر للعورة، وإلقاء البصاق والمخاط في الماء، وأن لا ينقصه عن مد، وغسل الفم
والأنف باليمنى. وزاد في المنية: الوضوء على الوضوء، وعدم نفخه في الماء حال غسل
الوجه، والتشهد عند غسل كل عضو. وزاد في الخزائن: وترك التكلم حال الاستنجاء،
وترك استقبال القبلة واستدبارها فى الخلاء، واستقبال عين الشمس والقمر واستدبارهما،
وترك مس فرجه بعد فراغه، والاستنجاء باليسار، ومسحها بعده على نحو حائط، وغسلها
بعد ذلك. ورش الماء على الفرج وعلى السروال بعد الوضوء، والتوضؤ من متوضأ
العامة، وإفراغ الماء بيمينه، فقد بلغت نيفاً وسبعين كما قدمناه عن الدرّ المنتقى، وقدمنا أن
ترك المندوب مكروه تنزيهاً فيزاد ترك ما يكره فعله. ولا يخفى أن ما مر منه ما هو من آداب

٢٤٩
كتاب الطهارة
ودلك أعضائه) في المرة الأولى (وإدخال خنصره) المبلولة (صماخ أذنيه) عند مسحهما
(وتقديمه على الوقت لغير المعذور) وهذه إحدى المسائل الثلاث المستثناة من قاعدة
((الفرض أفضل من النفل))
الوضوء ومنه ما هو من آداب مقدماته، وبهذا تزيد على ما ذكر بكثير، فإنه بقي للاستنجاء
آداب كثيرة ستأتي. قوله: (ودلك أعضائه) علمت ما فيه، وقوله في المرة الأولى: عزاه في
النهر إلى المنية، لكنه لم يذكره في المنية هنا وإنما ذكره في الغسل، وعلله في الشرح
بقوله: ليعم الماء البدن في المرتين الأخيرتين اهـ. لكن قال في الحلية: الظاهر أنه قید
اتفاقي. قوله: (وتقديمه الخ) لأن فيه انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة كمن هو فيها بالحديث
الصحيح، وقطع طمع الشيطان عن تثبيطه عنها. شرح المنية الكبير. وفي الحلية: وعندي
أنه من آداب الصلاة لا الوضوء، لأنه مقصود لفعل الصلاة اهـ. قوله: (وهذه) أي مسألة
تقدیمه على الوقت.
مَطْلَبٌ: الْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنَ النَّقْلِ إِلَّ فِي مَسَائِلَ
قوله: (المستثناة من قاعدة الفرض أفضل من النفل) هذا الأصل لا سبيل إلى نقضه
بشيء من الصور، لأنّا إذا حكمنا على ماهية بأنها خير من ماهية أخرى؛ كالرجل خير من
المرأة لم يمكن أن تفضلها الأخرى بشيء من تلك الحيثية، فإن الرجل إذا فضل المرأة من
حيث إنه رجل لم يمكن أن تفضله المرأة من حيث إنها غير الرجل، وإلا تتكاذب القضيتان
وهذا بديهي؛ نعم قد تفضل المرأة رجلاً ما من جهة غير الذكورة والأنوثة اهـ حموي.
أقول: فعلى هذا لا استثناء حقيقة لاختلاف جهة الأفضلية.
بيان ذلك أن الوضوء للصلاة قبل الوقت يساوي الواقع بعده من حيث امتثال الأمر
وسقوط الواجب به، وإنما للأول فضيلة التقديم، وكذا إنظار المعسر واجب دفعاً لأذاه
بالمطالبة، وفي إبرائه ذلك مع زيادة إسقاط الدين عنه بالكلية، فللإبراء زيادة فضيلة
الإسقاط؛ وكذلك إفشاء السلام سنة لإظهار التواة بين المسلمين وفي رده ذلك أيضاً، لكن
وجب الردّ لما يلزم على تركه من العداوة والتباغض، فإنشاؤه أفضل من حيث ابتداء
المفشي له بإظهار المودة فله فضيلة التقدم. ففي المسائل الثلاث إنما فضل النفل على
الفرض، لا من جهة الفرضية بل من جهة أخرى، كصوم المسافر في رمضان فإنه أشقّ من
صوم المقيم فهو أفضل مع أنه سنة، وكالتبكير إلى صلاة الجمعة فإنه أفضل من الذهاب بعد
النداء مع أنه سنة والثاني فرض، وكمن اضطرّ إلى شربة ماء أو أكل لقمة فدفعت له أكثر مما
اضطر إليه فدفع ما اضطر إليه واجب، والزائد نفل ثوابه أكثر من حيث إن نفعه أكثر، وإن
كان دفع قدر الضرورة أفضل من حيث امتثال الأمر؛ وكذا من وجب عليه درهم فدفع
درهمين أو وجبت عليه أضحية فضحى بشاتين، وعلى هذا فقد يزاد على المسائل الثلاث من

٢٥٠
كتاب الطهارة
لأن الوضوء قبل الوقت مندوب وبعده فرض.
الثانية: إبراء المعسر مندوب أفضل من إنظاره الواجب.
الثالثة: الابتداء بالسلام سنة أفضل من رده، وهو فرض، ونظمه من قال:
[الكامل]
الفَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ عَابِدٍ حَتَّى وَلَوْ قَدْ جَاءَ مِنْهُ بِأَكْثَرٍ
إِلَّ الشَّطَهُرِ قَبْلَ وَقْتٍ وَابْتِداءِ لِلْسلَامِ كَذَاكَ إِبْرا مُغْسِرٍ
(وتحريك خاتمه الواسع) ومثله القرط، كذا الضيق إن علم وصول الماء وإلا
فرض (وعدم الاستعانة بغيره) إلا لعذر. وأما استعانته عليه الصلاة والسلام بالمغيرة
فلتعليم الجواز (و) عدم (التكلم بكلام الناس) إلا لحاجة تفوته (والجلوس في مكان
كل ما هو نفل اشتمل على الواجب وزاد، لكن تسميته نفلاً من حيث تلك الزيادة، أما من
حيث ما اشتمل عليه من الواجب فهو واجب وثوابه أكثر من حيث تلك الزيادة، فلا تنخرم
حينئذ القاعدة المأخوذة مما صح عنه # كما في صحيح البخاري حكاية عن الله تعالى ((وما
تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مما أَفْتَرَضِتُ عَلَيهِ))(١)، ومما ورد في صحيح ابن خزيمة أن
الواجب يفضل المندوب بسبعين درجة وإن استشكله في شرح التحرير، فاغتنم ذلك فإنه من
فيض الفتاح العليم، ثم رأيت بعض المحققين من الشافعية نبه على ما قلته، ولله الحمد.
قوله: (لأن الوضوء الخ) ومثله التيمم لغير راجي الماء كما سيأتي في محله عن الرملي.
قوله: (أفضل من رده) وقيل: أجر الرد أكثر لأنه فرض، حموي عن كراهية العلامي. قوله:
(ولو) الواو زائدة أو عاطفة على محذوف تقديره حتى إن جاء بمثله، والأول أولى ط. قوله:
(منه) متعلق بأكثر والضمير للفرض، أو متعلق بجاء والضمير للتطوع ط. قوله: (بأكثر) جرّه
بالكسرة لأجل الرويّ. قوله: (وابتداء) ألف ابتداء من المصراع الأول وهمزته المنونة من
المصراع الثاني. قوله: (إيراً) بالقصر للضرورة. قوله: (ومثله القرط) أي في الغسل، وإلا
فلا مدخل له هنا، لأنه ما يعلق في الأذن. قاموس.
مَطْلَبٌ فِي مَبَاحِثِ الاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ بِالْغَيرِ
قوله: (وأما استعانته عليه الصلاة والسلام الخ) كذا في البزازية، ومفاده أن الاستعانة
مكروهة حتى احتيج إلى هذا الجواب. وظاهر ما في شرح المنية أنه لا كراهة أصلاً إذا
كانت بطيب قلب ومحبة من المعين من غير تكليف من المتوضئ، وعليه مشى في هدية
ابن العماد؛ لكن ذكر في الحلية أحاديث كثيرة من الصحيحين وغيرهما فيها التصريح
(١) أخرجه البخاري ١١/ ٣٤٠ (٦٥٠٢).

٢٥١
كتاب الطهارة
مرتفع) تحرّزاً عن الماء المستعمل. وعبارة الكمال: وحفظ ثيابه من التقاطر، وهي
أشمل (والجمع بين نية القلب وفعل اللسان) هذه رتبة وسطى بين من سن التلفظ بالنية
ومن كرهه لعدم نقله عن السلف (والتسمية) كما مر (عند غسل كل عضو) وكذا
بصب الماء عليه بطلبه وبدونه، ثم قال: وفعله ◌َ﴿ في مثل هذا محمول على الجواز الذي
لا تجامعه الكراهة، لأن الجزم بعدم ارتكابه المكروه من غير معارض واقع في حقه؛ نعم
قد يكون الفعل منه بياناً للجواز لكن بعد قيام الدليل المقتضي للكراهة، فإذا لم يقم لم
يصح أن يقال بالكراهة، ثم يعلل ما ورد من الفعل بأنه بيان للجواز، ولم يوجد دليل
معتبر يفيد الكراهة هنا، وإنما ورد في حديث ضعيف أن عمر رضي الله عنه قال: إني لا
أحبّ أن يعينني على وضوئي أحد. وورد أنه في كان لا يكل طهوره إلى أحد، وهو
ضعيف جدًّا، ولو ثبت لا يقوى على معارضة الأحاديث المارة مع احتمال أن المراد أنه
هو الذي يباشر غسل أعضائه ومسحها بنفسه، لأن الظاهر أنه من السنن المؤكدة، فيكره
للشخص أن يفعل له ذلك غيره بلا عذر، ولعل ذلك هو المراد من قول الاختيار: يكره
أن يستعين في وضوئه بغيره إلا عند العجز، ليكون أعظم لثوابه وأخلص لعبادته اهـ
ملخصاً.
وحاصله أن الاستعانة في الوضوء إن كانت بصب الماء أو استقائه أو إحضاره فلا
كراهة بها أصلاً ولو بطلبه، وإن كانت بالغسل والمسح فتكره بلا عذر، ولذا قال في
التاترخانية: ومن الآداب أن يقوم بأمر الوضوء بنفسه، ولو استعان بغيره جاز بعد أن لا يكون
الغاسل غيره بل يغسل بنفسه. قوله: (تحرزاً الخ) لوقوع الخلاف في نجاسته ولأنه مستقذر،
ولذاكره شربه والعجن به على القول الصحيح بطهارته. قوله: (أشمل) أي أعمّ لأنه قد
يكون مستعلياً ولا يتحفظ ط. قوله: (هذه) أي الطريقة التي مشى عليها المصنف حيث
جعل التلفظ بالنية مندوباً لا سنة ولا مكروهاً. قوله: (والتسمية كما مر) أي من الصيغة
الواردة، وهي ((بسم الله العظيم، والجمد لله على دين الإسلام)) وزاد في المنية التشهد هنا
أيضاً تبعاً للمحيط وشرح الجامع لقاضيخان. قال في الحلية: وعن البراء بن عازب عن
النبيِ وَّه قال: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يَتَوّضأُ بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ بِكُلِّ عُضْوٍ أَشْهَدُ أنَّ لَا إِلَ
إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّداً عَبْدُه وَرَّسُولُهُ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَفْرِغُ: آللَّهُمَّ اجْعَلْنِي
مِنْ الْتّابِينَ وَأَجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ؛
فَإِنْ قَامَ مِنْ وَقْتِهِ ذَلِكَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنْ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَيَعْلِمُ مَا يَقُولُ أَنْفَتَلَ مِنْ صَلَائِهِ كَيَومٍ وَلَدَتَهُ
أُمَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اُسْتَأْنِفِ العَمَلَ» رواه الحافظ المستغفري، وقال: حديث حسن(١). قوله:
(١) انظر كنز العمال (٢٦٩٩١،٢٦٩٩٠).

٢٥٢
كتاب الطهارة
الممسوح (والدعاء بالوارد عنده) أي عند كل عضو، وقد رواه ابن حبان وغيره عنه عليه
الصلاة والسلام من طرق. قال محقق الشافعية الرملي: فيعمل به في فضائل الأعمال وإن
أُنكره النووي.
(والدعاء بالوارد) فيقول بعد التسمية عند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك
وشكرك وحسن عبادتك، وعند الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني رائحة
النار، وعند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل
يده اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً، وعند غسل اليسرى: اللهم
لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، وعند مسح رأسه: اللهم أظلني تحت عرشك
يوم لا ظل إلا ظل عرشك. وعند مسح أذنيه: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول
فيتبعون أحسنه، وعند مسح عنقه: اللهم أعتق رقبتي من النار، وعند غسل رجله اليمنى:
اللهم ثبت قدميّ على الصراط يوم تزلّ الأقدام، وعند غسل اليسرى: اللهم اجعل ذنبي
مغفوراً وسعيي مشكوراً، وتجارتي لن تبور(١). كما في الإمداد والدرر وغيرهما. وثم
روايات أخر ذكرها في الحلية وغيرها، وسيأتي أنه يصلى على النبي أو بعد غسل كل
عضو، فصار مجموع ما يذكر عند كل عضو التسمية والشهادة والدعاء والصلاة على
النبي ◌َ ﴾، لكن قال صاحب الهداية في مختارات النوازل: ويسمي عند غسل كل عضو، أو
يدعو بالدعاء المأثور فيه، أو يذكر كلمة الشهادة، أو يصلي على النبي وَ﴿، فأتى في
الجميع بأو، ولكن رأيت في الحلية عن المختارات: ويدعو بالواو، وبأو في البواقي،
فليراجع. قوله: (من طرق) أي يقوّي بعضها بعضاً فارتقى إلى مرتبة الحسن ط.
أقول: لكن هذا إذا كان ضعفه لسوء حفظ الراوي الصدوق الأمین أو لإرسال أو
تدلیس أو جهالة حال، أما لو کان لفسق الراوي أو کذبه فلا يؤثر فيه موافقة مثله له، ولا
يرتقي بذلك إلى الحسن كما صرح به في التقريب وشرحه، فحينئذ يحتاج إلى الكشف عن
حال الراوين لهذا الحديث، لكن ظاهر عملهم به أنه ليس من القسم الأخير كما يتضح.
قوله: (فيعمل به) أي بهذا الحديث. وعبارة الرملي كما في الشرنبلالية العمل بالحديث
الضعيف الخ. قوله: (في فضائل الأعمال) أي لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على
الأعمال. قال ابن حجر في شرح الأربعين: لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أعطي
حقه من العمل، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير،
وفي حديث ضعيف ((من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته)) أو كما
قال اهـط. قال السيوطي: ويعمل به أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط. قوله: (وإن
أنكره النووي) حمل الرملي كما في الشرنبلالية إنكاره له من جهة الصحة، قال: أما باعتبار
(١) لا يصح مرفوعاً.

٢٥٣
كتاب الطهارة
فائدة: شرط العمل بالحديث الضعيف عدم شدة ضعفه، وأن يدخل تحت أصل
عام، وأن لا يعتقد سنية ذلك الحديث.
وأما الموضوع فلا يجوز العمل به بحال، ولا روايته إلّ إذا قرن بيانه (والصلاة
والسلام على النبي بعده) أي بعد الوضوء، لكن في الزيلعي أي بعد كل عضو (وأن يقول
بعده) أي الوضوء (اللهم اجعلني من التوّابين واجعلني من المتطهرين، وأن يشرب بعده
من فضل وضوئه)
وروده من الطرق المتقدمة فلعله لم يثبت عنده ذلك أو لم يستحضره حينئذ. قوله: (فائدة)
إلى قوله ((وأما الموضوع)) من كلام الرملي. قوله: (عدم شدة ضعفه) شديد الضعف هو
الذي لا يخلو طريق من طرقه عن كذاب أو متهم بالكذب. قاله ابن حجر ط.
مَطْلَبٌ فِي بَيَان أَرْتِقَاء الحَدِيثِ الضَّعِيفِ إِلَى مَرْتَبَةِ الحَسَنِ
قلت: مقتضى عملهم بهذا الحديث أنه ليس شديد الضعف فطرقه ترقیه إلى الحسن.
قوله: (وأن لا يعتقد سنية ذلك الحديث) أي سنية العمل به. وعبارة السيوطي في شرح
التقريب: الثالث أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط، وقبل لا يجوز العمل به
مطلقاً، وقيل يجوز مطلقاً اهـ. قوله: (وأما الموضوع) أي المكذوب على رسول الله (وَلچر،
وهو محرّم إجماعاً، بل قال بعضهم: إنه كفر. قال عليه الصلاة والسلام ((مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ
أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)» ط. قوله: (بحال) أي ولو في فضائل الأعمال. قال ط: أي
حيث كان مخالفاً لقواعد الشريعة، وأما لو كان داخلً في أصل عام فلا مانع منه لا لجعله
حديثاً بل لدخوله تحت الأصل العام اهـ. تأمل. قوله: (إلا إذا قرن) أي ذلك الحديث
المروي ((بيانه)) أي بيان وضعه، أما الضعيف فتجوز روايته بلا بيان ضعفه لكن إذا أردت
روايته بغير إسناد فلا تقل قال رسول الله ﴿ كذا وما أشبهه من صيغ الجزم، بل قل روي كذا
وبلغنا كذا أو ورد أو جاء أو نقل عنه وما أشبهه من صيغ التمريض، وكذا ما شك في صحته
وضعفه كما في التقريب. قوله: (أي بعد الوضوء) فسر الضمير بذلك مع تبادر ما في
الزيلعي، لأن المصنف في شرحه فسره بذلك وهو أدرى بمراده. قوله: (وأن يقول بعده)
زاد في المنية وغيرها: أو في خلاله، لكن قال في الحلية: إن الوارد في السنة بعده متصلاً
بما تقدم من ذكر الشهادتين كما هو في رواية الترمذي اهـ. وزاد في المنية: وأن يقول بعد
فراغه ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وأشهد
أن محمداً عبدك ورسولك ناظراً إلى السماء)». قوله: (التوّابين) هم الذين كلما أذنبوا تابوا،
والمتطهرون الذين لا ذنب لهم. زاد في المنية ((واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني
من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)). قوله: (وأن يشرب بعده من فضل وضوئه) بفتح

٢٥٤
كتاب الطهارة
كماء زمزم (مستقبل القبلة قائماً) أو قاعداً، وفيما عداهما يكره قائماً تنزيهاً؛
الواو: ما يتوضأ به. درر، والمراد شرب كله أو بعضه كما في شرح المنية وشرح الشرعة،
ويقول عقبه كما في المنية: اللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، واعصمني من الوهل
والأمراض والأوجاع. قال في الحلية: والوهل هنا بالتحريك: الضعف والفزع، ولم أقف
على هذا الدعاء مأثوراً، وهو حسن اهـ.
بقي شيء، وهو أن الشرب من فضل الوضوء فيما لو توضأ من إناء كإبريق مثلاً، أما
لو توضأ من نحو حوض فهل يسمى ما فيه فضل الوضوء فيشرب منه أو لا؟ فليحرر هذا،
وفي الذخيرة عن فتاوى أبي الليث: الماء الموضوع للشرب لا يتوضأ به ما لم يكن كثيراً،
والموضوع للوضوء يجوز الشرب منه. ثم نقل عن ابن الفضل أنه كان يقول بالعكس. فعلى
هذا هل له الشرب من فضل الوضوء لأنه من توابعه أم لا؟ والظاهر الأول. تأمل. قوله:
(كماء زمزم) التشبيه في الشرب مستقبلاً قائماً لا في كونه بعد الوضوء، فلذا قال ط: الأولى
تأخیره عن قوله ((قائماً».
مَطْلَبٌ فِي مَبَاحِثِ الشُّرْبِ قَائِماً
قوله: (أو قاعداً) أفاد أنه مخير في هذين الموضعين، وأنه لا كراهة فيهما في الشرب
قائماً بخلاف غيرهما، وأن المندوب هنا هو الشرب من فضل الوضوء لا بقيد كونه قائماً
خلاف ما اقتضاه كلام المصنف، لكن قال في المعراج: قائماً. وخيره الحلواني بين القيام
والقعود. وفي الفتح: قيل وإن شاء قاعداً، وأقرّه في البحر، واقتصر على ما ذكره المصنف
في المواهب والدرر والمنية والنهر وغيرها. وفي السراج: ولا يستحب الشرب قائماً إلا في
هذين الموضعين، فاستفيد ضعف ما مشى عليه الشارح كما نبّه عليه ح وغيره. قوله:
(وفيما عداهما يكره الخ) أفاد أن المقصود من قوله قائماً عدم الكراهة لا دخوله تحت
المستحب، ولذا زاد قوله: أو قاعداً.
واعلم أنه ورد في الصحيحين أنه ﴿ قال ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ
فَلْيَسْتَقِىء ))(١) وفيهما ((أَنَّه شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ قَائِماً))(٢) وروى البخاري عن عليّ رضي الله عنه
((أَنَّه بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَ وضُوئِهِ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَال: إِنَّ نَاساً يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ
قَائِماً، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ)) وأخرج ابن ماجه والترمذي عن
كبشة الأنصارية رضي الله عنها ((أن رسول الله وَ ر دخل عليها وعندها قربة معلقة فشرب منها
وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في رسول الله وَلات)) وقال الترمذي: حسن
(١) مسلم ١٦٠١/٣ (٢٠٢٦/١١٦).
(٢) من حديث ابن عباس البخاري ٣/ ٤٩٢ (١٦٣٧) (٥٦١٧) ومسلم ١٦٠٢/٣ (٢٠٢٧/١٢٠) ومن حديث علي
البخاري ١ / ٨١ ٥٦١٦).

.٢٥٥
كتاب الطهارة
وعن ابن عمر ((كنا نأكل على عهد النبيّ وَّ﴿ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام))
صحيح غريب(١). فلذا اختلف العلماء في الجمع؛ فقيل إن النهي ناسخاً للفعل، وقيل
بالعكس، وقيل إن النهي للتنزيه، والفعل لبيان الجواز. وقال النووي إنه الصواب.
واعترضه في الحلية بحديث عليّ المار حيث أنكر على القائلين بالكراهة، وبما أخرجه
الترمذي وغيره، وحسنه عن ابن عمر ((كُنَّا نَأْكُلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ
وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ)) قال: وجنح الطحاوي إلى أنه لا بأس به، وأن النهي
لخوف الضرر لا غير، كما روي عن الشعبي قال: إنما كره الشرب قائماً لأنه يؤذي. قال في
الحلية: فالكراهة على ما صوّبه النووي شرعية يثاب على تركها، وعلى هذا إرشادية لا
يثاب على تركها. ثم استشكل ما مر من استثناء الموضعين: أي الشرب من ماء زمزم ومن
فضل الوضوء وكراهة ما عداهما، بأنه لا يتمشى على قول من هذه الأقوال: نعم على ما
جنح إليه الطحاوي يستفاد الجواز مطلقاً إن أمن الضرر، أما الندب فلا، إلا أن يقال: يفيد
الندب في فضل الوضوء ما أخرجه الترمذي في حديث عليّ، وهو «أَنَّه قَامَ بَعْدَ مَا غَسَلَ
قَدَمِيهِ فَأَخَذَ فَضْلَ طهُورِهِ فَشَرِبِهُ وَهُوَ قَائِمٌ قَالَ: أَحْيَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ)) وفيه حديث ((إن فيه شفاء من سبعين داء أدناها البهر)) لكن قال
الحفاظ: إنه واه اهـ ملخصاً. والبهر بالضم فسره في الخلاصة بتتابع النفس، وفي
القاموس : إنه انقطاع النفس من الإعياء.
والحاصل أن انتفاء الكراهة في الشرب قائماً في هذين الموضعين محل كلام فضلاً عن
استحباب القيام فيهما، ولعل الأوجه عدم الكراهة إن لم نقل بالاستحباب، لأن ماء زمزم
شفاء وكذا فضل الوضوء.
وفي شرح هدية ابن العماد لسيدي عبد الغني النابلسي: ومما جرّبته أني إذا أصابني
مرض أقصد الاستسقاء بشرب فضل الوضوء فيحصل لي الشفاء، وهذا دأبي اعتماداً على
قول الصادق ﴿ في هذا الطب النبوي الصحيح. قوله: (وعن ابن عمر الخ) أخرجه
الطحاوي وأحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. حلية. وقصد بذكره بيان حكم الأكل،
لكن أخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أنس عن النبي وَ ﴿((أَنَّه نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِماً»
قال قتادة: قلت لأنس: فالأكل، فقال: ذلك أشرّ وأخبث. وفي الجامع الصغير للسيوطي
(نهى عن الشرب قائماً والأكل قائماً)) ولعل النهي لأمر طبي أيضاً كما مر في الشرب. وفي
الفصل الحادي والثلاثين من فصول العلامي: وكره الأكل والشرب في الطريق والأكل نائماً
وماشياً، ولا بأس بالشرب قائماً، ولا يشرب ماشياً، ورخص ذلك للمسافر اهـ. قوله:
(١) أخرجه أحمد ٤٣٤/٦ والترمذي ٣٠٦/٤ (١٨٩٢) وقال حسن صحيح غريب وابن ماجة ٢/ ١١٣٢ (٣٤٢٣).

٢٥٦
كتاب الطهارة
ورخص للمسافر شربه ماشياً.
ومن الآداب تعاهد موقيه وكعبيه وعرقوبيه وأخصيه، وإطالة غرته وتحجیله،
وغسل رجليه بيساره، وبلهما عند ابتداء الوضوء في الشتاء والتمسح بمنديل
(ورخص الخ) ليس من تتمة الحديث. قوله: (تعاهد موقيه) تثنية موق: هو آخر العين من
جهة الأنف: أي لاحتمال وجود رمص، وقدمنا أنه يجب غسل ما تحته إن بقي خارجاً
بتغميض العين وإلا فلا. قوله: (وكعبيه الخ) هما العظمان الناتئان في الرجل. والعرقوب:
العصب الغليظ الذي فوق العقب. والأخمص: من باطن القدم: ما لم يصب الأرض.
قاموس.
مَطْلَبُ فِي الْغُرَّةِ وَالنَّخْجِيلِ
قوله: (وإطالة غرته وتحجيله) لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله وَ﴿ يقول ((إِن أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَة غُرَّا محُجَّلِينَ مِنَ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَن
اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتِهَ فَلْيفْعَلْ)) وفي رواية ((فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله))
حلية؛ وبه علم أن قول الشارح وتحجيله بالجر عطفاً على غرته. وفي البحر: وإطالة الغرة
تكون بالزيادة على الحد المحدود. وفي الحلية: والتحجيل يكون في اليدين والرجلين.
وهل له حد؟ لم أقف فيه على شيء لأصحابنا.
ونقل النووي اختلاف الشافعية فيه على ثلاثة أقوال: الأول أنه يستحب الزيادة فوق
المرفقين والكعبين بلا توقيت. الثاني إلى نصف العضد والساق. الثالث إلى المنكب
والركبتين. قال: والأحاديث تقتضي ذلك كله اهـ. ونقل ط الثاني عن شرح الشرعة مقتصراً
عليه. قوله: (وغسل رجليه بيساره) لعل المراد به دلكهما باليسار، لما قدمناه أنه یندب
إفراغ الماء بيمينه، ثم رأيت في شرح الشيخ إسماعيل قال: يفرغ الماء بيمينه على رجليه
ويغسلهما بيساره اهـ. وأخرج السيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة رضي الله عنه ((إِذَا
تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَغْسِلْ أَسْفَلَ رِجْلَيْهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى))(١). قوله: (وبلهما الخ) أي الرجلين،
لكن في البحر عند الكلام على غسل الوجه عن خلف بن أيوب أنه قال: ينبغي للمتوضئء
في الشتاء أن يبلّ أعضاءه بالماء شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها، لأن الماء يتجافى عن
الأعضاء في الشتاء اهـ.
مَطْلَبْ فِي النَّمَسُحِ پِمِنْدِیلٍ
قوله: (والتمسح بمنديل) ذكره صاحب المنية في الغسل، وقال في الحلية: ولم أر
من ذكره غيره، وإنما وقع الخلاف في الكراهة؛ ففي الخانية: ولا بأس به للمتوضئء
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ١١٠٤ وانظر جمع الجوامع (١٥٦٨).

٢٥٧
كتاب الطهارة
وعدم نفض يده، وقراءة سورة القدر وصلاة ركعتين، في غير وقت كراهة.
(ومكروهه: لطم الوجه)
والمغتسل. روي عن رسول الله ير أنه كان يفعله، ومنهم من كره ذلك، ومنهم من كرهه
للمتوضئ دون المغتسل. والصحيح ما قلنا، إلّ أنه ينبغي أن لا يبالغ ولا يستقصي فيبقى أثر
الوضوء على أعضائه اهـ. وكذا وقع بلفظ لا بأس في خزانة الأكمل وغيرها، وعزاه في
الخلاصة إلى الأصل اهـ ما في الحلية. ثم ذكر أدلة الأقوال الثلاثة والقائلين بها من السلف
وأطال وأطاب كما هو دأبه رحمه الله تعالى، وقدمنا عن الفتح أن من المندوبات ترك التمسح
بخرقة يمسح بها موضع الاستنجاء: أي التي يمسح بها ماء الاستنجاء لاستقذارها، وليس فيه
ما يفيد ترك التمسح بغيرها، فافهم. قوله: (وعدم نفض يده) لحديث ((لَا تَنْفُضُوا أَنْدِیكُمْ فِي
الْوُضُوءِ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ))(١) ذكره في المعراج لكنه حديث ضعيف كما ذكره
المناوي، بل قد ثبت في الصحيحين عن ميمونة رضي الله عنها «أَنَّهَا جَاءَتهُ بِخرقَةٍ بَعْدَ الْغُسْلِ
فَرَدَّهَا وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ) تأمل. قوله: (وقراءة سورة القدر) لأحاديث وردت فيها
ذكرها الفقيه أبو الليث في مقدمته، لكن قال في الحلية: سأل عنها شيخنا الحافظ ابن حجر
العسقلاني؛ فأجاب بأنه لم يثبت منها شيء عن النبي 9َّ، لا من قوله ولا من فعله،
والعلماء يتساهلون في ذكر الحديث الضعيف والعمل به في فضائل الأعمال اهـ. قوله:
(وصلاة ركعتين) لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ
وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيهِمَا إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ) حلية. قوله: (في غير وقت
كراهة) هي الأوقات الخمسة: الطلوع وما قبله، والاستواء والغروب وما قبله بعد صلاة
العصر، وذلك لأن ترك المكروه أولى من فعل المندوب كما في شرح المنية ط.
تتمة: ينبغي أن يزاد في المندوبات أن لا يتطهر من ماء أو تراب من أرض مغضوب
عليها كآبار ثمود، فقد نص الشافعية على كراهة التطهير منها، بل نص الحنابلة على المنع
منه، وظاهره أنه لا يصح عندهم، ومراعاة الخلاف عندنا مطلوبة، وكذا يقال في التطهير
بفضل ماء المرأة كما يأتي قريباً في المنهيات، والله أعلم.
مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ المَكْرُوهِ، وأنه قَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَلْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ
تحرِيماً وَتَنْزِيهاً
قوله: (ومكروهه) هو ضد المحبوب؛ قد يطلق على الحرام كقول القدوري في
مختصره: ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك.
وعلى المكروه تحريماً: وهو ما كان إلى الحرام أقرب، ويسميه محمد حراماً ظنياً. وعلى
(١) ذكره ابن القيسراني في الموضوعات (٤٩) وانظر الكنز (٢٦٩٣٤).

٢٥٨
كتاب الطهارة
أو غيره (بالماء) تنزيهاً، والتقتير (والإسراف) ومنه الزيادة على الثلاث (فيه) تحريماً لو
بماء النهر والمملوك له. أما الموقوف على من يتطهر به، ومنه ماء المدارس،
المکروه تنزيهاً: وهو ما كان تركه أولى من فعله، ويرادف خلاف الأولى كما قدمناه.
وفي البحر: من مكروهات الصلاة المكروه في هذا الباب نوعان: أحدهما ما كره
تحريماً، وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة كما في زكاة فتح القدير، وذكر أنه في رتبة
الواجب لا يثبت إلا بما يثبت به الواجب: يعني بالظني الثبوت. ثانيهما المكروه تنزيهاً،
ومرجعه إلى ما تركه أولى، وكثيراً ما يطلقونه كما في شرح المنية، فحينئذ إذا ذكروا مكروهاً
فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهياً ظنياً يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف للنهي عن
التحريم إلى الندب، فإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً للترك الغير الجازم فهي
تنزيهية اهـ. قوله: (أو غيره) أي غير الوجه من الأعضاء كما في الحاوي، ولعل المصنف
اقتصر على الوجه لما له من مزيد الشرف. قوله: (تنزيهاً) لما قدمنا عن الفتح من أن تركه
أدب. قال في الحلية: لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه وتركه أولى، وأيضاً
هو خلاف التؤدة والوقار، فالنهي عنه نهي أدب اهـ. قوله: (والتقتير) أي بأن يقرب إلى حدّ
الدهن ويكون التقاطر غير ظاهر، بل ينبغي أن يكون ظاهراً ليكون غسلًا بيقين في كل مرة
من الثلاث. شرح المنية.
مَطْلَبٌ فِي الإِسْرافِ فِي الوُضُوءِ
قوله: (والإسراف) أي بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية، لما أخرج ابن ماجه
وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ((أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ
يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نْرِ
جّارٍ)) حلية. قوله: (ومنه) أي من الإسراف الزيادة على الثلاث: أي في الغسلات مع اعتقاد
أن ذلك هو السنة لما قدمناه من أن الصحيح أن النهي محمول على ذلك، فإذا لم يعتقد ذلك
وقصد الطمأنينة عند الشك، أو قصد الوضوء على الوضوء بعد الفراغ منه فلا كراهة كما مرّ
تقريره. قوله: (فيه) أي في الماء. قوله: (تحريماً الخ) نقل ذلك في الحلية عن بعض
المتأخرين من الشافعية وتبعه عليه في البحر وغيره، وهو مخالف لما قدمناه عن الفتح من
عدّه ترك التقتير والإسراف من المندوبات، ومثله في البدائع وغيرها، لكن قال في الحلية:
ذكر الحلواني أنه سنة، وعليه مشى قاضي خان، وهو وجيه اهـ. واستوجهه في البحر أيضاً
وكذا في النهر. قال: والمراد بالسنة المؤكدة لإطلاق النهي عن الإسراف، وجعل في
المنتقى الإسراف من المنهيات، فتكون تحريمية، لأن إطلاق الكراهة مصروف إلى التحريم
وبه یضعف جعله مندوباً.
أقول: قد تقدم أن النهي عنه في حديث ((فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقُصَ فَقَدْ تَعَدَّى

٢٥٩
كتاب الطهارة
فحرام (وتثليث المسح بماء جدید) أما بماء واحد فمندوب أو مسنون.
ومن منهياته التوضؤ بفضل ماء المرأة وفي موضع نجس، لأن لماء الوضوء
وَظَلَمَ)) محمول على الاعتقاد عندنا كما صرّح به في الهداية وغيرها. وقال في البدائع:
إنه الصحيح، حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد، وقدمنا أنه
صريح في عدم كراهة ذلك: يعني كراهة تحريم، فلا ينافي الكراهة التنزيهية، فما مشى
عليه هنا في الفتح والبدائع وغيرهما من جعل تركه مندوباً مبني على ذلك التصحيح
فيكره تنزيهاً، ولا ينافيه عدّه من المنهيات كما عد منها لطم الوجه بالماء، فإن المكروه
تنزيهاً منهيّ عنه حقيقة اصطلاحاً ومجازاً لغة كما في التحرير. وأيضاً فقد عدَّه في الخزانة
السمرقندية من المنهيات لكن قيده بعدم اعتقاد تمام السنة بالثلاث كما نقله الشيخ
إسماعيل، وعليه يحمل قول من جعل تركه سنة، وليست الكراهة مصروفة إلى التحريم
مطلقاً كما ذكرناه آنفاً، على أن الصارف للنهي عن التحريم ظاهر، فإن من أسرف في
الوضوء بماء النهر مثلاً مع عدم اعتقاد سنية ذلك، نظير من ملأ إناء من النهر ثم أفرغه
فيه، وليس في ذلك محذور سوى أنه عبث لا فائدة فيه، وهو في الوضوء زائد على
المأمور به فلذا سمي في الحديث إسرافاً .
قال في القاموس: الإسراف التبذير أو ما أنفق في غير طاعة، ولا يلزم كونه زائداً على
المأمور به وغير طاعة أن يكون حراماً؛ نعم إذا اعتقد سنيته يكون قد تعدى وظلم لاعتقاده ما
ليس بقربة قربة، فلذا حمل علماؤنا النهي على ذلك، فحينئذ يكون منهياً عنه ويكون تركه
سنة مؤكدة، ويؤيده ما قدمه الشارح عن الجواهر من أن الإسراف في الماء الجاري جائز
لأنه غير مضيع، وقدمنا أن الجائز قد يطلق على ما لا يمتنع شرعاً فيشمل المكروه تنزيهاً،
وبهذا التقرير تتوافق عباراتهم. وأما ما ذكره الشارح هنا فقد علمت أنه ليس من كلام مشايخ
المذهب فلا يعارض ما صرحوا به وصححوه، هذا ما ظهر لي في هذا المقام والسلام.
قوله: (فحرام) لأن الزيادة غير مأذون بها، لأنه إنما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء
الشرعي ولم يقصد إباحتها لغير ذلك. حلية. وينبغي تقييده بماء ليس بجار كالذي في
صهريج أو حوض أو نحو إبريق، أما الجاري كماء مدارس دمشق وجوامعها فهو من المباح
كماء النهر كما أفاده الرحمتي. قوله: (ومن منهياته) يشمل المكروه تنزيهاً فإنه منهيّ عنه
اصطلاحاً حقيقة كما قدمناه عن التحرير آنفاً، فافهم. قوله: (التوضؤ الخ) قال في السراج:
ولا يجوز للرجل أن يتوضأ ويغتسل بفضل المرأة اهـ. ومفاده أنه يكره تحريماً. وعند الإمام
أحمد: إذا اختلت امرأة مكلفة بماء قليل كخلوة نكاح وتطهرت به في خلوتها طهارة كاملة عن
حدث لا يصح لرجل أو خنثى أن يرفع به حدثه كما هو مسطور في متون مذهبه، وهو أمر

٢٦٠
كتاب الطهارة
حرمة، أو في المسجد إلا في إناء أو في موضع أعدّ لذلك، وإلقاء النخامة، والامتخاط
في الماء.
(وینقضہ خروج) کل خارج (نجس)
تعبدي؛ لما رواه الخمسة ((أَنَّه صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمْ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طُهُورِ
المَرْأَةٍ»(١) قال في [غرر الأفكار شرح درر البحار] في فصل المياه بعد ما ذكر المسألة: ولنا
ما روى مسلم ((أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: أَغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ
صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمْ يَغْتَسِلُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ أَغْتَسَلْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: المَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَة))(٢)
وما روى أحمد منسوخ بهذا اهـ.
أقول: مقتضى النسخ أنه لا يكره تحريماً عندنا بل ولا تنزيهاً، وهو مخالف لما مرّ عن
السراج. وفيه أن دعوى النسخ تتوقف على العلم بتأخر الناسخ، ولعله مأخوذ من قول
ميمونة: إني قد اغتسلت، فإنه يشعر بعلمها بالنهي قبله فيكون الناسخ متأخراً، والله أعلم.
وقد صرح الشافعية بالكراهة فينبغي كراهته وإن قلنا بالنسخ مراعاة للخلاف، فقد صرحوا
بأنه يطلب مراعاة الخلاف، وقد علمت أنه لا يجوز التطهیر به عند أحمد.
تنبيه: ينبغي كراهة التطهير أيضاً أخذاً مما ذكرنا وإن لم أره لأحد من أئمتنا بماء أو
تراب من كل أرض غضب عليها إلا بتر الناقة بأرض ثمود، فقد صرّح الشافعية بكراهته، ولا
يباح عند أحمد. قال في شرح المنتهى الحنبلي: لحديث ابن عمر: ((إِنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ
رَسُولِ اللّهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمٍ عَلَى الحَجَرَ أَرْضِ ثَمُودَ فَاسْتَقَوا مِنْ آبَارِهَا وَعَجُنُوا بهِ
العَجِينَ، فَأَمَرَهمُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّم أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقُوا مِنْ آبَارِهَا وَيَعْلِفُوا
الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهمْ أَنْ يَسْقُوا مِنَ الِثْر التِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ)» حدیث متفق عليه. قال:
وظاهره منع الطهارة به، وبئر الناقة هي البئر الكبيرة التي يردها الحجاج في هذه الأزمنة اهـ.
قوله: (والامتخاط) معطوف على ((إلقاء))، وقوله ((في الماء)) متعلق بأحدهما على التنازع.
مَطْلَبُ: نَوَاقِضُ أَلَوُضُوعِ
قوله: (وينقضه الخ) النقض في الجسم: فك تأليفه، وفي غيره: إخراجه عن إفادة
المقصود منه كاستباحة الصلاة في الوضوء. بحر، وأفاد بقوله ((خروج نجس)) أن الناقض
خروجه لا عينه بشرط الخروج، واستظهر في الفتح الثاني بما حاصله أن الطهارة ترتفع
بضدها وهي النجاسة القائمة بالخارج، لأن الضد هو المؤثر في رفع ضده، وبحث فيه شرح
المنية الكبير، فراجعه. قوله: (كل خارج) لعل فائدته التعميم من أول الأمر لئلا يتوهم
(١) أخرجه أبو داود (٨٢) والترمذي (٦٤) والنسائي ١٧٩/١ وابن ماجة (٣٧٣) وأحمد ٢١٣/٤.
(٢) أحمد في المسند ٦/ ٢٣٠ والدار قطني ١/ ٥٢ (٣). والجفئة: الصحفة الكبيرة.