النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ المقدمة وصح أن أبا حنيفة سمع الحديث من سبعة من الصحابة كما بسط في أواخر منية المفتي، وأدرك بالسن نحو عشرين صحابياً كما بسط في أوائل الضياء. حنيفة سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب لعليّ فينا؟ والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعليّ الفالوذج في يوم مهرجان فقال عليّ: مهرجونا كل يوم هكذا اهـ. وبه ظهر أن ما في بعض الكتب من قوله: وذهب ثابت بجدّي إلى عليّ الخ غير ظاهر، لأنّ عليًّا مات سنة أربعين من الهجرة كما في ألفية العراقي، فالظاهر أن لفظة ((بجدي)) من زيادة النساخ، أو الباء زائدة وأصله جدي. قوله: (وصح الخ) قال بعض متأخري المحدّثين ممن صنف في مناقب الإمام كتاباً حافلاً ما حاصله: إن أصحابه الأكابر كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك وعبد الرزاق وغيرهم لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك، ولو كان لنقلوه، فإنه مما يتنافس فيه المحدثون ويعظم افتخارهم، وبأن كل سند فيه أنه سمع من صحابي لا يخلو من كذاب، فأما رؤيته لأنس وإدراكه لجماعة من الصحابة بالسن فصحيحان لا شك فيهما، وما وقع للعيني أنه أثبت سماعه لجماعة من الصحابة رده عليه صاحبه الشيخ الحافظ قاسم الحنفي. مَطْلَبٌ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الإِمَامِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ والظاهر أن سبب عدم سماعه من أدركه من الصحابة أنه أول أمره اشتغل بالاكتساب حتى أرشده الشعبي لما رأى من باهر نجابته إلى الاشتغال بالعلم، ولا يسع من له أدنى إلمام بعلم الحديث خلاف ما ذكرته اهـ، لكن يؤيد ما قاله العيني: قاعدة المحدثين أن راوي الاتصال مقدّم على راوي الإرسال أو الانقطاع، لأن معه زيادة علم، فاحفظ ذلك فإنه مهم. كذا في عقد اللآلي والمرجان للشيخ إسماعيل العجلوني الجراحي. وعلى كل فهو من التابعين، وممن جزم بذلك الحافظ الذهبي والحافظ العسقلاني وغيرهما. قال العسقلاني: إنه أدرك جماعة من الصحابة كانوا بالكوفة بعد مولده بها سنة ثمانين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له: كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري(١) بالكوفة، ومالك بالمدينة الشريفة، والليث بن سعد بمصر. قوله: (وأدرك بالسن) أي وجد في زمنهم وإن لم يرهم كلهم. قوله: (كما بسط في (١) سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة. قيل: هو من ثور همدان. وقيل: روى عنه عشرون ألفاً توفي بالبصرة سنة ١٦١. انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٣٩٦/١. ١٦٢ المقدمة وقد ذكر العلامة شمس الدين محمد أبو النصر بن عرب شاه الأنصاري الحنفي في منظومته الألفية المسماة بجواهر العقائد ودرر القلائد ثمانية من الصحابة ممن روى عنهم الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين حيث قال: [الرجز]. مُعْتَقِداً مَذْهَبْ عظِيم الشَّانِ أَبِي حَنِيفَةَ الفَتَى النُّعْمَان بِالعِلْمِ وَالدِّينِ سِراجِ الأُمَّةْ الثّابعيِّ سابِقِ الأَئِمَّه إِثْرَهمُ قَد اقْتَفَى وَسَلَكًا جَعاً مِنَ اصْحابٍ النَّبيِّ أَدْرَكًا سَالِمَةٌ مِنَ الضَّلالِ الدَّاجي طَرِيقَةٌ واضِحَةُ المِنْھَاجِ أوائل الضياء) فقال: هم ابن نفيل، وواثلة(١)، وعبد الله بن عامر وابن أبي أوفى(٢)، وابن جزء(٣)، وعتبة، والمقداد)، وابن بسر، وابن ثعلبة، وسهل بن سعد، وأنس(٤) وعبد الرحمن بن يزيد ومحمود بن لبيد ومحمود بن الربيع(٥) وأبو أمامة وأبو الطفيل(٦) فهؤلاء ثمانية عشر (٧) صحابياً، وربما أدرك غيرهم ممن لم أظفر به اهـ ملخصاً. وزاد في تنوير الصحيفة: عمرو بن حريث(٨)، وعمرو بن سلمة، وابن عباس، وسهل بن حنيف. ثم قال: وغير هؤلاء من أماثل الصحابة رضي الله تعالى عنهم اهـ ابن عبد الرزاق. قوله: (مذهب) بسكون الباء لضرورة النظم وهو مضاف وعظيم مضاف إليه اهـح. قوله: (الفتى) من الفتوة: وهي السخاء والقوة ط. قوله: (سابق الأئمة) أي الأئمة الثلاثة بالعلم: أي بالاجتهاد فيه، وكل الأئمة المجتهدين بتدوينه، فإنه أول من دونه كما مر. قوله: (جمعاً) مفعول أدرك المذكور بعده، فافهم. قوله: (من أصحاب) بدرج الهمزة لنقل حركتها إلى النون قبلها، وألف أدركا للإشباع كألف سلكا. قوله: (إثرهم) بكسر فسكون مع إشباع الميم: أي بعدهم، فهو ظرف متعلق بما بعده، أو بفتحتين وسكون الميم: أي خبرهم فهو مفعول اقتفى. وطريقة مفعول سلك، والمراد بها الحالة التي كان عليها من الاعتقاد والعلم والعمل. والمنهاج في الأصل: الطريق الواضح، وأراد به هنا مطلق الطريق فأضاف واضحة إليه. قوله: (الداجي) شديد الظلمة. قاموس. قوله: (وقد روي عن أنس) هو ابن مالك (١) ابن الأسقع، تعقب أنه مات سنة ثلاث أو خمس وثمانين. (٢) وتعقب بأنه مات سنة خمس أو سبع وثمانين. (٣) عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، واعترض بأنه مات سنة ست وثمانين بمصر. (٤) صحح الذهبي روايته له وهو صغير، وفي رواية أنه قال: رأيته مراراً وكان يخضب بالحمرة. (٥) تعقب بأنه مات سنة ثمانین بأرض حمص. (٦) عامر بن واثلة. (٧) في ط (قوله ثمانية عشر) هكذا بخطه، والذي ذكره ستة عشر فقط فليحرر. (٨) والصحيح أنه مات سنة خمس وثمانين هـ. ١٦٣ المقدمة وَقَدْ رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَجَابِرْ وَابْن أَبِي أَوْفَى كَذَا عَنْ عَامِرْ أَعْنِي أَبا الطُّفيْلِ ذَا ابْنَ وَائِلَهْ وَابْنَ أُنَيْسِ الفَتَّى وَوَائِلَهُ الصحابي الجليل، خادم رسول الله وَلتر، مات بالبصرة سنة اثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، ورجحه النووي وغيره، وقد جاوز المائة. قال ابن حجر: قد صح كما قال الذهبي إنه رآه وهو صغير. وفي رواية قال: رأيته مراراً، وكان يخضب بالحمرة. وجاء من طرق أنه روى عنه أحاديث ثلاثة، لكن قال أئمة المحدثين مدارها على من اتهمه الأئمة بوضع الأحاديث اهـ. قال بعض الفضلاء: وقد أطال العلامة طاش كبرى في سرد النقول الصحيحة في إثبات سماعه منه، والمثبت مقدم على النافي. قوله: (وجابر) أي ابن عبد الله. واعترض بأنه مات سنة ٧٩ قيل ولادة الإمام بسنة، ومن ثم قالوا في الحديث المروي عن أبي حنيفة عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه ولي أمر من لم يرزق ولداً بكثرة الاستغفار والصدقة، ففعل فولد له تسعة ذكور: إنه حديث موضوع. ابن حجر: لكن نقل ط عن شرح الخوارزمي على مسند الإمام أن الإمام قال في سائر الأحاديث: سمعت، وفي روايته عن جابر ما قال سمعت. وإنما قال عن جابر كما هو عادة التابعين في إرسال الأحاديث. ويمكن أن يقال: إنه يتمشى على القول بولادة الإمام سنة ٧٠ اهـ. أقول: والحديث المذكور إن كان موجوداً في سند الإمام فغاية ما فيه أنه مرسل، وأما الحکم علیه بالوضع فلا وجه له، لأن الإمام حجة ثبت لا يضع ولا يروي عن وضاع. قوله: (وابن أبي أوفى) هو عبد الله، آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة ٨٦، وقيل ٨٧، وقيل سنة ٨٨. سيوطي في شرح التقريب. قال ابن حجر: روى عنه الإمام هذا الحديث المتواتر (من بنى الله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة))(١). قوله: (أعني أبا الطفيل) أي أقصد بعامر المذكور أبا الطفيل بن واثلة بكسر الثاء المثلثة الليثي، وهو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق. توفي بمكة، وقيل بالكوفة سنة مائة كما جزم به العراقي وغيره تبعاً لمسلم، وصحح الذهبي أنه سنة عشر ومائة، وقيل سبع وعشرين. قوله: (وابن أنيس) هو عبد اللّه الجهني. أخرج بعضهم بسنده إلى الإمام أنه قال: ولدت سنة ثمانين، وقدم عبد الله بن أنيس صاحب رسول الله وَ ال # الكوفة سنة أربع وتسعين، ورأيته وسمعت منه عن رسول اللهِ وَ﴾ ((حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ)). واعترض بأن في سنده مجهولين، وبأن ابن أنيس مات سنة ٥٤. وأجيب بأن هذا الاسم لخمسة من الصحابة فلعل المراد غير الجهني. وردّ بأن غيره لم يدخل الكوفة. قوله: (وواثلة) هو بالثاء المثلثة أيضاً كما في القاموس ابن (١) أخرجه أحمد ١/ ٢٤١ وابن حبان كما في الموارد (٣٠١) والطبراني في الصغير ١/ ٣٠، ١٢٠/٢ وأبو حنيفة كما في المسند ٤١ وأبو نعيم كما في الحلية ٢/ ١٩٠، ٢١٧/٤ وابن أبي شيبة ٣١/١. والطحاوي في المشكل ٤٨٦/١ وانظر المجمع ١٩٣/١، ٩/٢ والبخاري في التاريخ ٣٣٠/٥. ١٦٤ المقدمة عَنِ ابْنِ جَزْءٍ قَدْ رَوَى الإِمَامُ وَبِنْتِ عَجْرَدِ هِيَ الثَّمَامُ رَضِيَ الله الكَرِيمُ دَائِما عَنْهُمْ وعنْ كُلِّ الصِّحَابِ العُظَمَا وتوفي ببغداد، قيل في السجن ليلي القضاء الأسقع بالقاف. مات بالشام سنة خمس أو ثلاث أو ستّ وثمانين. سيوطي. وروى الإمام عنه حديثين ((لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَة لأَخِيكَ فيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ)) ((دَعْ مَا يرِيبُكَ إلَى مَا لَا يرِيبُكَ)) والأول رواه الترمذي من وجه آخر وحسنه، والثاني جاء من رواية جمع من الصحابة وصححه الأئمة. ابن حجر. قوله: (عن ابن جزء) هو عبد الله بن الحارث بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي وبالهمزة، الزبيدي بضم الزاي مصغّراً. واعترض بأنه مات سنة ٨٦ بمصر بسقط أبي تراب: قرية من الغربية قرب سمنود والمحلة، وكان مقيماً بها. وأما ما جاء عن أبي حنيفة من أنه حج مع أبيه سنة ٩٦ وأنه رأی عبد الله هذا يدرس بالمسجد الحرام وسمع منه حديثاً، فرده جماعة منهم الشيخ قاسم الحنفي، بأن سند ذلك فيه قلب وتحريف، وفيه كذاب باتفاق، وبأن ابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست سنين، وبأن ابن جزء لم يدخل الكوفة في تلك المدة. ابن حجر. قوله: (وبنت عجرد) اسمها عائشة. واعترض بأن حاصل كلام الذهبي وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني أن هذه لا صحبة لها، وأنها لا تكاد تعرف، وبذلك رد ما روي أن أبا حنيفة روى عنها هذا الحديث الصحيح ((أكثر جند الله في الأرض الجراد، لا آكله ولا أحرمه))(١) ابن حجر الهيتمي، وزاد علی من ذکر هنا ممن روی عنهم الإمام فقال: ومنهم سهل بن سعد، ووفاته سنة ٨٨ وقیل بعدها. ومنهم السائب بن يزيد بن سعيد، ووفاته سنة إحدى أو اثنتين أو أربع وتسعين. ومنهم عبد اللّه بن بسر، ووفاته سنة ٩٦. ومنهم محمود بن الربيع، ووفاته سنة ٩٩. قوله: (رضي الله) الأصوب: فرضي بالفاء كما في نسخة ليتم الوزن ويسلم من ادعاء دخول الخزل فيه. قوله: (ليلي القضاء) أي قضاء القضاة لتكون قضاة الإسلام من تحت أمره، والطالب له هو المنصور فامتنع فحبسه، وكان يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط وينادي عليه في الأسواق، ثم ضرب ضرباً موجعاً حتى سال الدم على عقبه ونودي عليه وهو كذلك، ثم ضيق عليه تضييقاً شديداً حتى في مأكله ومشربه، فبكى وأكد الدعاء، فتوفي بعد خمسة أيام. وروى جماعة أنه دفع إليه قدح فيه سم فامتنع وقال: لا أعين على قتل نفسي، فصبّ فيه قهراً، قيل إن ذلك بحضرة المنصور. وصح أنه لما أحس بالموت سجد فمات وهو ساجد. (١) أبو حنيفة في مسنده (١٤٤) والطبراني في الكبير ٣٠٩/٦ وأبو داود ١٦٥/٤ (٣٨١٣) وابن ماجة ١٠٧٣/٢ (٣٢١٩) والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٥٧. ١٦٥ المقدمة وله سبعون سنة بتاريخ خمسين ومائة، قيل ويوم توفي ولد الإمام الشافعي رضي الله عنه، فعدّ من مناقبه. وقد قيل: الحكمة في مخالفة تلامذته له أنه رأى صبياً يلعب في الطین فحذره من السقوط، فأجابه بأن: احذر أنت السقوط، فإن في سقوط العالِم سقوط العَالَم، فحينئذ قيل: والسبب في ذلك أن بعض أعدائه دسّ إلى المنصور أنه هو الذي أثار عليه إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن عليّ رضي الله عنهم الخارج عليه بالبصرة، فطلب منه القضاء مع علمه بأنه لا يقبله ليتوصل إلى قتله اهـ ملخصاً من [الخيرات الحسان] لابن حجر. وذكر التميمي أن الخطيب روى بسنده أن ابن هبيرة كان عامل مروان على العراق، فكلم أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فأبى، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط ثم خلى سبيله. وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم عليه، خصوصاً بعد أن ضرب هو أيضاً اهـ. فالظاهر تعدد القصة. وبنو مروان قبل المنصور فإنه من بني العباس، فقصة أبي هبيرة كانت أولًا، والله أعلم. قوله: (وله) أي من العمر. قوله: (بتاريخ) متعلق بقوله توفي، فما قبله بیان المكان، وهذا بیان الزمان. مَطْلَبٌ فِي مَوْلِدِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَوَفَاتِمْ ومَدَّة حَيَاتِمْ فائدة: قد علمت أن أبا حنيفة ولد سنة ٨٠ ومات سنة ١٥٠ وعاش ٧٠ سنة. وقد ولد الإمام مالك سنة ٩٠ ومات سنة ١٧٩ وعاش ٨٩ سنة. والشافعي ولد سنة ١٥٠ ومات سنة ٢٠٤ وعاش ٥٤ سنة. وأحمد ولد سنة ١٦٤ ومات سنة ٢٤١ وعاش ٧٧ سنة، وقد نظم جميع ذلك بعضهم مشيراً إليه بحروف الجمل، لكل إمام منهم ثلاث كلمات على هذا الترتيب فقال : تَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا وَمَالِكِ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضُبِطًا وَالشَّافِعِيّ صَين ببرند وَأَحْدٍ بِسَبْقَ أَمْرٍ جَعْدٍ فَأَحْسِبْ عَلَى ترِيبٍ نظُمِ الشّعْرِ مِيلَادَهِمْ فمَوْتُمْ کَالعُمْرٍ قوله: (فأجابه الخ) لله درّ هذا الصبي ما أحكمه حيث علم أن سقوطه وإن تضرَّر به جسده وحده لكنه لا يضرّ في الدين فكأنه ليس بسقوط، بخلاف سقوط العالم في طريق الحق، فإنه إذا كان قبل بذل المجهود في نيل المقصود يلزم منه سقوط غيره ممن اتبعه أيضاً، فيعود ضررهم عليه وذلك ضرر في الدين، على حد قوله تعالى ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ الآية: أي العمى الضارّ ليس عمى الأبصار وإنما هو عمى القلوب. قوله: (فحينئذ الخ) روى الإمام أبو جعفر الشيراماذي عن شقيق البلخي أنه كان يقول: كان الإمام أبو حنيفة من ١٦٦ المقدمة قال لأصحابه: إن توجه لكم دليل فقولوا به، فكان كل يأخذ برواية عنه ويرجحها، أورع الناس، وأعبد الناس، وأكرم الناس، وأكثرهم احتياطاً في الدين، وأبعدهم عن القول بالرأي في دين الله عز وجل، وكان لا يضع مسألة في العلم حتى يجمع أصحابه عليها ويعقد عليها مجلساً، فإذا اتفق أصحابه كلهم على موافقتها للشريعة قال لأبي يوسف أو غيره: ضعها في الباب الفلاني اهـ. كذا في الميزان للإمام الشعراني قدس سرّه. ونقل ط عن مسند الخوارزمي أن الإمام اجتمع معه ألف من أصحابه، أجلهم وأفضلهم أربعون قد بلغوا حد الاجتهاد، فقرّبهم وأدناهم وقال لهم: إني ألجمت هذا الفقه وأسرجته لكم فأعينوني، فإن الناس قد جعلوني جسراً على النار، فإن المنتهى لغيري، واللعب على ظهري، فكان إذا وقعت واقعة شاورهم وناظرهم وجاورهم وسألهم، فيسمع ما عندهم من الأخبار والآثار ويقول ما عنده، ويناظرهم شهراً أو أكثر حتى يستقر آخر الأقوال فيثبته أبو يوسف، حتى أثبت الأصول على هذا المنهاج شورى، لا أنه تفرّد بذلك كغيره من الأئمة اهـ. قوله: (إن توجه لكم دليل) أي ظهر لكم في مسألة وجه الدليل على غير ما أقول ط. قوله: (فقولوا به) وكان كذلك، فحصل المخالفة من الصاحبين في نحو ثلث المذهب، ولكن الأكثر في الاعتماد على قول الإمام ط. قوله: (فكان كل يأخذ برواية عنه) أي فليس لأحد منهم قول خارج عن أقواله، ولذا قال في الولوالجية من كتاب الجنايات: قال أبو يوسف: ما قلت قولاً خالفت فيه أبا حنيفة إلّا قولاً قد كان قاله. وروي عن زفر أنه قال: ما خالفت أبا حنيفة في شيء إلّ قد قاله ثم رجع عنه. فهذه إشارة إلى أنهم ما سلكوا طريق الخلاف، بل قالوا ما قالوا عن اجتهاد ورأي اتباعاً لما قاله أستاذهم أبو حنيفة اهـ. وفي آخر الحاوي القدسي: وإذا أخذ بقول واحد منهم يعلم قطعاً أنه يكون به آخذاً بقول أبي حنيفة. فإنه روی عن جمیع أصحابه من الکبار کأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن أنهم قالوا: ما قلنا في مسألة قولاً إلّ وهو روايتنا عن أبي حنيفة، وأقسموا عليه أيماناً غلاظاً فلم يتحقق إذاً في الفقه جواب ولا مذهب إلا له كيفما كان، وما نسب إلى غيره إلا بطريق المجاز للموافقة اهـ. فإن قلت: إذا رجع المجتهد عن قول لم يبق قولًا له، بل صرّح في قضاء البحر بأن ما خرج عن ظاهر الرواية فهو مرجوع عنه، وأن الرجوع عنه ليس قولاً له اهـ. وفيه عن التوشيح أن ما رجع عنه المجتهد لا يجوز الأخذ به، فإذا كان كذلك فما قاله أصحابه مخالفين له فيه ليس مذهبه، فحينئذ صارت أقوالهم مذاهب لهم، مع أنا التزمنا تقليد مذهبه دون مذهب غيره، ولذا نقول إن مذهبنا حنفي لا يوسفي ونحوه. ١٦٧ المقدمة وهذا من غاية احتياطه وورعه، وعلم بأن الاختلاف من آثار الرحمة، فمهما كان مَطْلَبْ صَحَّ عَنِ الإِمام أَنَّه قَالَ: إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَيِي قلت: قد يجاب بأن الإمام لما أمر أصحابه بأن يأخذوا من أقواله بما يتجه لهم منها عليه الدليل صار ما قالوه قولاً له لابتنائه عن قواعده التي أسسها لهم، فلم يكن مرجوعاً عنه من كل وجه، فيكون من مذهبه أيضاً، ونظير هذا ما نقله العلامة بيري في أول شرحه على الأشباه عن شرح الهداية لابن الشحنة، ونصه: إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حتفیاً بالعمل به، فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد حكى ذلك ابن عبد البرّ عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة اهـ. ونقله أيضاً الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة. ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلاً للنظر في النصوص ومعرفة محكمها من منسوخها، فإذا نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به صح نسبته إلى المذهب لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب، إذ لا شك أنه لو علم ضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى، ولذا ردّ المحقق ابن الهمام على بعض المشایخ حیث أفتوا بقول الإمامین بأنه لا يعدل عن قول الإمام إلا لضعف دليله. قوله: (وعلم) خبر آخر عن قوله وهذا: أي وهذا القول علم منه: أي دليل علمه بأن الاختلاف الخ ط. وفي بعض النسخ: وعلمه بالضمير، وهو المناسب. قوله: (بأن الاختلاف) أي بين المجتهدين في الفروع، لا مطلق الاختلاف. مَطْلَبُ فِي حَدِيثِ اخْتِلافٍ أُمَّتِي رَحْمٌ (١) قوله: (من آثار الرحمة) فإن اختلاف أئمة الهدى توسعة للناس كما في أول التاتر خانية، وهذا يشير إلى الحديث المشهور على ألسنة الناس، وهو ((اختلاف أمتي رحمة)) قال في المقاصد الحسنة: رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: قال رسول الله وَ﴿((مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَالعَمَلُ بهِ، لَا عُذرَ لَأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَسُنَّهُ مِنِّي مَاضِيَةٌ، فَإِنْ لَّمْ تَكُنْ سنَّة مِنِّي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي، إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيّما أُخَذْتُم بهِ اهْتَدَيتُم، وَأَخْتِلافُ أصْحَابي لَّكُمْ رَحْمٌ)) وأورده ابن الحاجب في المختصر بلفظ ((اختلاف أمتي رحمة للناس)) وقال منلا علي القاري: إن السيوطي قال: أخرجه نصر المقدسي في الحجة، والبيهقي في الرسالة الأشعرية بغير سند، ورواه الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا. (١) انظر كلام العراقي على الاحياء ٢٨/١ والفتني في تذكرة الموضوعات (٩٠) وإتحاف السادة ١/ ٢٠٤ وكشف الخفاء ٦/٥/١. ١٦٨ المقدمة الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر، لما قالوا: رسم المفتي أن ما اتفق عليه أصحابنا في الروايات الظاهرة يفتى به قطعاً. واختلف فيما اختلفوا فيه؛ ونقل السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: ما سرّني لو أن أصحاب محمد ﴿ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة. وأخرج الخطيب أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبد اللّه نكتب هذه الكتب: يعني مؤلفات الإمام مالك ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمة، قال: یا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلّ يتبع ما صح عنده، وكلهم على هدى، كلّ يريد الله تعالى، وتمامه في [كشف الخفاء ومزيل الإلباس] لشيخ مشايخنا الشيخ إسماعيل الجراحي. قوله: (كانت الرحمة أوفر) أي الإنعام أزيد ط. قوله: (لما قالوا) باللام: أي لما رآه العلماء في شأن ذلك، وهو الحديث السابق وغيره، ويحتمل أنها كاف معلقة حرّفها النساخ: أي كما قال العلماء ذلك، ويحتمل أن جملة قوله رسم المفتي مقول القول ومحط التعليل على التخيير في الإفتاء بالقولين المصححين. فإن في ذلك رحمة وتوسعة ط . مَطْلَبٌ: وَسْمُ المُفْتي قوله: (رسم المفتي) أي العلامة التي تدل المفتي على ما يفتي به وهو مبتدأ، وقوله إن الخ خبره. قال في [فتح القدير]: وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كالإمام على وجه الحكاية، فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي. وطريق نقله لذلك عن المجتهد أحد أمرين: إمّا أن يكون له سند فيه، أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الأيدي نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها، لأنه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور انتهى ط. قوله: (في الروايات الظاهرة) اعلم أن مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات أشرت إليها سابقاً ملخصة ونظمتها: الأولى مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية أيضاً، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ويلحق بهم زفر والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة وكتب ظاهر الرواية، كتب محمد الستة: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير الصغير، والجامع الكبير(١). وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد بروايات الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة عنه. (١) في ط (قوله الستة إلخ) يلاحظ أنه ذكر خمسة ولعلها السير الكبير ولينظر السادس. ١٦٩ المقدمة الثانية مسائل النوادر، وهي المروية عن أصحابنا المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة، بل إما في كتب أخر لمحمد كالكيسانيات، والهارونيات، والجرجانيات، والرقيات، وإنما قيل لها غير ظاهر الرواية لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحیحة كالكتب الأولى؛ وإما في كتب غير كتب محمد كالمحرر للحسن بن زياد وغيره. ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف. والأمالي: جمع إملاء، وهو ما يقوله العالم بما فتح الله تعالى عليه من ظهر قلبه ويكتبه التلامذة، وكان ذلك عادة السلف؛ وإما برواية مفردة كرواية ابن سماعة والمعلى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة. الثالثة الواقعات، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما، وهلم جرا، وهم كثيرون؛ فمن أصحابهما مثل عصام بن يوسف(١)، وابن رستم(٢)، ومحمد بن سماعة(٣)، وأبي سليمان الجرجاني، وأبي حفص البخاري، ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة، ومحمد بن مقاتل، ونصير بن يحيى، وأبي النصر القاسم بن سلام. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم. وأول كتاب جمع في فتواهم فيما بلغنا كتاب النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي، ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخر كمجموع النوازل والواقعات للناطفي، والواقعات للصدر الشهيد، ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة كما في فتاوى قاضيخان والخلاصة وغيرهما، وميز بعضهم كما في كتاب الحيط لرضي الدين السرخسي، فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول ثم النوادر ثم الفتاوى، ونعم ما فعل. واعلم أن من كتب مسائل الأصول كتاب الكافي للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب، شرحه جماعة من المشايخ، منهم الإمام شمس الأئمة السرخسي وهو المشهور بمبسوط السرخسي. قال العلامة الطرسوسي: مبسوط السرخسي لا يعمل بما (١) عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة، أبو عصمة، البلخي، يروي عن ابن مبارك. كان صاحب حديث وهو ثبت فيه. روى عن شعبة والثوري، روى عنه ابن أخيه عبد الله بن إبراهيم، وأهل بلده ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة ٢١٠. انظر: الأنساب ٨٩، اللباب ١/ ١٤٠، لسان الميزان ١٦٨/٤، الجواهر ٥٢٧/٢. (٢) إبراهيم بن رستم، أبو بكر المروزي أحد الأعلام أخذ عن محمد بن الحسن، وروى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمرو وتفقه عليه الجم الغفير، وسمع من مالك والثوري، ومات في ((نيسابور)) في يوم الأربعاء لعشر بقین من جمادى الآخرة من شهر سنة ٢١١. انظر: الجواهر المضيئة ١/ ٨٠ (١٩)، الفوائد البهية، ٩، ١٠، تاج التراجم ٣. (٣) محمد بن سماعة، أبو عبيد الله: أحد الثقات أخذ عن أبي يوسف ومحمد، وكتب عنهما ((النوادر)) وروى الكتب والأمالي له كتاب أدب القاضي، المحاضر والسجلات، توفي سنة ٢٣٣ وله مائة وثلاث وستين. انظر: مفتاح السعادة ٢/ ١٢٤، تاريخ بغداد ٣٤١/٥، النجوم الزاهرة ٢/ ٢٧١. انظر: الجواهر المضيئة ٣/ ١٧٠.١٦٨ (١٣٢٢). ١٧٠ المقدمة يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعوّل إلا عليه؛ ومن كتب المذهب أيضاً المنتقى له أيضاً إلّا أن فيه بعض النوادر. واعلم أن نسخ المبسوط المروي عن محمد متعددة، وأظهرها مبسوط أبي سليمان الجوزجاني(١). وشرح المبسوط جماعة من المتأخرين مثل شيخ الإسلام بكر المعروف بخواهر زاده ويسمى المبسوط الكبير، وشمس الأئمة الحلواني وغيرهما، ومبسوطاتهم شروح في الحقيقة ذكروها مختلطة بمبسوط محمد كما فعل شراح الجامع الصغير مثل فخر الإسلام وقاضيخان وغيرهم، فيقال ذكره قاضيخان في الجامع الصغير والمراد شرحه، وكذا في غيره اهـ ملخصاً من شرح البيري على الأشباه، وشرح الشيخ إسماعيل النابلسي على شرح الدرر، فاحفظ ذلك فإنه مهم كحفظ طبقات مشايخ المذهب، وسنذكرها قريباً إن شاء الله تعالى. مَطْلَبٌ فِي طَبَقَاتِ المَسَائِلِ وَكُتُبٍ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وفي كتاب الحج من البحر أن كافي الحاكم هو جمع كلام محمد في كتبه الستة التي هي ظاهر الرواية، وفسر في معراج الدراية قبيل باب الإحصار الأصل بالمبسوط، وفي باب العيدين من البحر والنهر أن الجامع الصغير صنفه محمد بعد الأصل، فما فيه هو المعوّل عليه. ثم قال في النهر: سمي الأصل أصلاً لأنه صنف أولاً، ثم الجامع الصغير، ثم الكبير، ثم الزيادات، كذا في غاية البيان اهـ. وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي في أول شرحه على السير الكبير أن السير الكبير هو آخر تصنيف صنفه محمد في الفقه. وفي شرح المنية لابن أمير حاج الحلبي، في بحث التسميع أن محمداً قرأ أكثر الكتب على أبي يوسف. إلا ما كان فيه اسم الكبير، فإنه من تصنيف محمد: كالمضاربة الكبير، والزراعة الكبير، والمأذون الكبير، والجامع الكبير، والسير الكبير، وتمام هذه الأبحاث في منظومتنا في رسم المفتي وفي شرحها. تتمة: قدمنا عن فتح القدير كيفية الإفتاء مما في الكتب، فلا يجوز الإفتاء مما في الكتب الغريبة وفي شرح الأشباه لشيخنا المحقق هبة الله البعلي، قال شيخنا العلامة صالح الجينيني: إنه لا يجوز الإفتاء من الكتب المختصرة كالنهر وشرح الكنز للعيني والدرّ المختار شرح تنوير الأبصار، أو لعدم الاطلاع على حال مؤلفيها كشرح الكنز لمنلا مسكين، وشرح النقاية للقهستاني، أو لنقل الأقوال الضعيفة فيها كالقنية للزاهدي، فلا يجوز الإفتاء من هذه (١) أبو سليمان الجوزجاني، موسى بن سليمان أخذ عن أبي يوسف ومحمد، وكان رفيق المعلى بن منصور في أخذ الفقه ورواية الكتب، وهو أسن وأشهر من المعلى ومن تصانيفه السير الصغير، وكتاب الصلاة، كتاب الرهن توفي بعد المائتين. انظر: الجواهر المضيئة ٥١٨/٣ (١٧١٤)، تاج التراجم، ٧٤-٧٥، أعلام الأخيار ٩٩. ١٧١ المقدمة والأصح كما في السراجية وغيرها أنه يفتى بقول الإمام على الإطلاق، ثم بقول الثاني، ثم بقول الثالث، ثم بقول زفر والحسن بن زياد، وصحح في الحاوي القدسي قوة إلا إذا علم المنقول عنه وأخذه منه، هكذا سمعته منه وهو علامة في الفقه مشهور والعهدة عليه اهـ. أقول: وينبغي إلحاق الأشباه والنظائر بها، فإن فيها من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم معناه إلا بعد الاطلاع على مأخذه، بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخل، يظهر ذلك لمن مارس مطالعتها مع الحواشي فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بد له من مراجعة ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها. ورأيت في حاشية أبي السعود الأزهري على شرح مسكين أنه لا يعتمد على فتاوى ابن نجيم ولا على فتاوى الطوري. مَطْلَبُ: إِذَا تَعَارَضَ التّضْحِيحُ قوله: (والأصح كما في السراجية) أقول: عبارتها ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة ثم قول أبي يوسف ثم قول محمد، ثم قول زفر والحسن بن زياد (١). وقيل إذا كان أبو حنيفة في جانب وصاحباه في جانب فالمفتي بالخيار، والأول أصح إذا لم يكن المفتي مجتهداً اهـ. فمقابل الأصح غير مذكور في كلام الشارح، فافهم. قوله: (بقول الإمام) قال عبد الله بن المبارك: لأنه رأى الصحابة وزاحم التابعين في الفتوى، فقوله أشد وأقوى ما لم يكن اختلاف عصر وزمان، كذا في تصحيح العلامة قاسم. قوله: (على الإطلاق) أي سواء انفرد وحده في جانب أو لا كما يفيده كلام السراجية من مقابلته بالقول الثاني المفصل، فافهم قوله: (ثم بقول الثاني) أي ثم إذا لم يوجد للإمام رواية يؤخذ بقول الثاني وهو أبو يوسف، فإن لم يوجد له رواية أيضاً فيؤخذ بقول الثالث وهو محمد الخ. قوله: (وصحح في الحاوي القدسي قوة المدرك) أي الدليل وبه عبر في الحاوي. قال ح: والذي يظهر في التوفيق: أي ما بين في الحاوي وما في السراجية أن من كان له قوة إدراك لقوة المدرك يفتي بالقول القوي المدرك، وإلا فالترتیب اهـ. أقول: يدل عليه قول السراجية: والأول أصح إذا لم يكن المفتي مجتهداً، فهو صريح في أن المجتهد يعني من كان أهلاً للنظر في الدليل يتبع من الأقوال ما كان أقوى دليلاً، وإلا فاتبع الترتیب السابق، ومن هذا تراهم قد يرجحون قول بعض أصحابه على قوله، كما رجحوا قول زفر وحده في سبع عشرة مسألة، فنتبع ما رجحوه لأنهم أهل النظر في الدليل؛ (١) الإمام الحسن بن زياد اللؤلؤي: صاحب الإمام أبي حنيفة ولي القضاء ثم استعفى عنه، وکان یکسو ممالیکه كما يكسو نفسه، وكان يختلف إلى أبي يوسف وإلى زفر، قال يحيى بن آدم: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد، وقال في المبسوط: صنف كتاب التكملات، وله كتاب ((المجرد» مات رحمه الله - سنة أربع ومائتين. انظر: الجواهر المضيئة ٥٦/٢ (٤٤٨)، تاريخ بغداد ٣١٤/٧، العبر ٣٤٥/١. ١٧٢ المقدمة المدرك. وفي وقف البحر وغيره: متى كان في المسألة قولان مصححان جاز القضاء ولم يذكر ما إذا اختلفت الروايات عن الإمام أو لم يوجد عنه ولا عن أصحابه رواية أصلاً، ففي الأول يؤخذ بأقواها حجة كما في الحاوي. ثم قال: وإذا لم يوجد في الحادثة عن واحد منهم جواب ظاهر وتكلم فيه المشايخ المتأخرون قولاً واحداً يؤخذ به، فإن اختلفوا یؤخذ بقول الأكثرین ثم الأکثرین مما اعتمد علیه الکبار المعروفون منھم: کأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم ممن يعتمد عليه، وإن لم يوجد منهم جواب البتة نصاً ينظر المفتي فيها نظر تأمل وتدبر واجتهاد ليجد فيها ما يقرب إلى الخروج عن العهدة ولا يتكلم فيها جزافاً، ويخشى الله تعالى ويراقبه، فإنه أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقيّ اهـ. تتمة: قد جعل العلماء الفتوى على قول الإمام الأعظم في العبادات مطلقاً وهو الواقع بالاستقراء، ما لم يكن عنه رواية كقول المخالف، كما في طهارة الماء المستعمل والتيمم فقط عند عدم غير نبيذ التمر، كذا في شرح المنية الكبير للحلبي في بحث التيمم. وقد صرّحوا بأن الفتوى على قول محمد في جميع مسائل ذوي الأرحام. وفي قضاء الأشباه والنظائر: الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء كما في القنية والبزازية اهـ: أي لحصول زيادة العلم له به بالتجربة، ولذا رجع أبو حنيفة عن القول بأن الصدقة أفضل من حج التطوّع لما حجّ وعرف مشقته. وفي شرح البيري أن الفتوى على قول أبي يوسف أيضاً في الشهادات. وعلى قول زفر في سبع عشرة مسألة حرّرتها في رسالة، وينبغي أن يكون هذا عند عدم ذكر أهل المتون للتصحيح، وإلا فالحكم بما في المتون كما لا يخفى، لأنها صارت متواترة اهـ. وإذا كان في مسألة قياس واستحسان فالعمل على الاستحسان إلا في مسائل معدودة مشهورة. وفي باب قضاء الفوائت من البحر: المسألة إذا لم تذكر في ظاهر الرواية وثبتت في رواية أخرى تعين المصير إليها اهـ. وفي آخر المستصفى للإمام النسفي: إذا ذكر في المسألة ثلاثة أقوال فالراجح هو الأول أو الأخير لا الوسط اهـ. وفي شرح المنية: ولا ينبغي أن يعدل عن الدراية إذا وافقتها رواية اهـ. ذكره في واجبات الصلاة في معرض ترجيح رواية وجوب الرفع من الركوع والسجود للأدلة الواردة مع أنها خلاف الرواية المشهورة عن الإمام. قوله: (وفي وقف البحر إلى آخره) وهذا محمول على ما إذا لم يكن لفظ التصحيح في أحدهما آكد من الآخر كما أفاده ح: أي فلا يخير بل يتبع الآكد كما سيأتي. أقول: وينبغي تقييد التخيير أيضاً بما إذا لم يكن أحد القولين في المتون لما قدمناه ١٧٣ المقدمة والإفتاء بأحدهما. وفي أول المضمرات: أما العلامات للإفتاء فقوله: وعليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، عليه عمل الأمة، وهو آنفاً عن البيري، ولما في قضاء الفوائت من البحر، من أنه إذا اختلف التصحيح والفتوى فالعمل بما وافق المتون أولى اهـ. وكذا لو كان أحدهما في الشروح والآخر في الفتاوى لما صرّحوا به من أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين أو عدم التصريح أصلاً. أما لو ذكرت مسألة المتون لم يصرّحوا بتصحيحها بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني لأنه تصحيح صريح، وما في المتون تصحيح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي: أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح في المذهب؛ وكذا لا تخيير لو كان أحدهما قول الإمام والآخر قول غيره، لأنه لما تعارض التصحيحان تساقطا، فرجعنا إلى الأصل وهو تقديم قول الإمام؛ بل في شهادات الفتاوى الخيرية: المقرر عندنا أنه لا يفتى ويعمل إلا بقول الإمام الأعظم، ولا يعدل عنه إلى قولهما أو قول أحدهما أو غيرهما إلا لضرورة كمسألة المزارعة وإن صرح المشايخ بأن الفتوى على قولهما لأنه صاحب المذهب والإمام المقدم اهـ. ومثله في البحر عند الكلام على أوقات الصلاة، وفيه من كتاب القضاء: يحلّ الإفتاء بقول الإمام، بل يجب وإن لم يعلم من أين قال: اهـ. وكذا لو عللوا أحدهما دون الآخر كان التعليق ترجيحاً للمعلل كما أفاده الرملي في فتاواه من كتاب الغصب. كذا لو كان أحدهما استحساناً والآخر قياساً، لأن الأصل تقديم الاستحسان إلا فيما استثني كما قدمناه فيرجع إليه عند التعارض. وكذا لو كان أحدهما ظاهر الرواية وبه صرح في كتاب الرضاع من البحر حيث قال: الفتوى إذا اختلفت كان الترجيح لظاهر الرواية، وفيه من باب المصرف: إذا اختلف التصحيح وجب الفحص عن ظاهر الرواية والرجوع إليها. وكذا لو كان أحدهما أنفع للوقف، لما سيأتي في الوقف والإجارات أنه يفتى بكلّ ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه. وكذا لو كان أحدهما قول الأكثرین، لما قدمناه عن الحاوي. والحاصل أنه إذا كان لأحد القولين مرجع على الآخر ثم صحح المشايخ كلّ من القولين ينبغي أن يكون المأخوذ به ما كان له مرجح، لأن ذلك المرجح لم يزل بعد التصحيح، فيبقى فيه زيادة قوة لم توجد في الآخر، هذا ما ظهر لي من فيض الفتاح العليم. قوله: (وعليه الفتوى) مشتقة من الفتى وهو الشاب القوي وسميت به لأن المفتي يقوّي السائل بجواب حادثته. ابن عبد الرزاق عن شرح المجمع للعيني. والمراد بالاشتقاق فيها ملاحظة ما أنبأ عنه الفتى من القوة والحدوث لا حقيقته، كذا قيل. قوله: (وعليه عمل اليوم) المراد باليوم مطلق الزمان، وأل فيه للحضور، والإضافة على معنى في، وهي من ١٧٤ المقدمة الصحيح، أو الأصح، أو الأظهر، أو الأشبه، أو الأوجه، أو المختار، ونحوها مما ذكر في حاشية البزدوي ا هـ. وقال شيخنا الرملي في فتاويه: وبعض الألفاظ آكد من بعض، فلفظ الفتوى آكد من لفظ الصحيح، والأصح والأشبه وغيرها؛ ولفظ وبه یفتی آكد من الفتوی علیه، والأصح آكد من الصحيح، والأحوط آكد من الاحتياط انتهى. قلت: لكن في شرح المنية للحلبي عند قوله: ولا يجوز مسّ مصحف إلا بغلافه إضافة المصدر إلى زمانه كصوم رمضان: أي عليه عمل الناس في هذا الزمان الحاضر. قوله: (أو الأشبه) قال في البزازية: معناه الأشبه بالمنصوص رواية والراجح دراية فيكون عليه الفتوى اهـ. والدراية بالدال المهملة تستعمل بمعنى الدليل كما في المستصفى. قوله: (أو الأوجه) أي الأظهر وجهاً من حيث إن دلالة الدليل عليه متجهة ظاهرة أكثر من غيره. قوله: (ونحوها) كقولهم: وبه جرى العرف، وهو المتعارف، وبه أخذ علماؤنا ط. قوله (وقال شيخنا) المراد به حيث أطلق في هذا الكتاب: العلامة الشيخ خير الدين الرملي. قوله: (في فتاويه) جمع فتوى ويجمع على فتاوى بالألف أيضاً، وهي هنا اسم لفتاوى شيخه المشهورة المسماة [بالفتاوى الخيرية لنفع البرية] وقد ذكر ذلك في آخرها في مسائل شتى. قوله: (أكد من بعض) أي أقوى فتقدم على غيرها، وهذا التقديم راجح لا واجب كما يفيده ما يأتي عن شرح المنية. قوله: (فلفظ الفتوى) أي اللفظ الذي فيه حروف الفتوى الأصلية بأيّ صيغة عبر بها ط. قوله: (آكد من لفظ الصحيح الخ) لأن مقابل الصحيح أو الأصح ونحوه قد يكون هو المفتى به لكونه هو الأحوط أو الأرفق بالناس أو الموافق لتعاملهم وغير ذلك مما يراه المرجحون في المذهب داعياً إلى الإفتاء به، فإذا صرحوا بلفظ الفتوى في قول علم أنه المأخوذ به. ويظهر لي أن لفظ وبه نأخذ وعليه العمل مساوٍ للفظ الفتوى، وكذا بالأولى لفظ عليه عمل الأمة لأنه يقيد الإجماع عليه تأمل. قوله: (وغيرها) كالأحوط والأظهر ط. وفي الضياء المعنوي في مستحبات الصلاة: لفظة الفتوى آكد وأبلغ من لفظة المختار. قوله: (آكد من الفتوى عليه) قال ابن الهمام: والفرق بينهما أن الأول يفيد الحصر، والمعنى أن الفتوى لا تكون إلّ بذلك؛ الثاني يفيد الأصحية اهـ ابن عبد الرزاق. قوله: (والأصح أكد من الصحيح) هذا هو المشهور عند الجمهور، لأن الأصح مقابل للصحيح، وهو: أي الصحيح مقابل للضعيف، لكن في حواشي الأشباه لبيري: ينبغي أن يقيد ذلك بالغالب، لأنّا وجدنا مقابل الأصح الرواية الشاذة كما في شرح المجمع اهـ ابن عبد الرزاق. قوله: (والأحوط الخ) الظاهر أن يقال ذلك في كل ما عبر فيه بأفعل التفضيل ط، والاحتياط بالعمل بأقوى الدليلين كما في النهر. قوله: (قلت لكن الخ) استدراك على ١٧٥ المقدمة : إذا تعارض إمامان معتبران عبر أحدهما بالصحيح والآخر بالأصح، فالأخذ بالصحيح أولى لأنهما اتفقا على أنه صحيح، والأخذ بالمتفق أوفق فليحفظ. ثم رأيت في رسالة آداب المفتي: إذا ذيلت رواية في كتاب معتمد بالأصحّ أو الأولى، أو الأوفق أو نحوها، فله أن يفتي بها وبمخالفها أيضاً أيًّا شاء، وإذا ذيلت بالصحيح أو المأخوذ به، أو وبه يفتى، أو عليه الفتوى لم يفت بمخالفه إلا إذا كان في الهداية مثلاً هو الصحيح. وفي الكافي بمخالفه هو الصحيح، فيخير فيختار الأقوى ما يفهم من كلام الرملي، حيث ذكر أن بعض هذه الألفاظ آكد من بعض، فإنه ظاهر في أن مراده تقديم الآكد على غيره، فيلزم منه تقديم الأصح على الصحيح، وهو مخالف لما في شرح المنية. وأما كون مراده مجرد بيان أن الأصح آكد بمقتضى أفعل التفضيل وذلك لا ينافي تقديم الصحيح للاتفاق عليه، فهو في غاية البعد، على أنه لا يتأتى في لفظ الفتوى مع غيره فإنه جعله آكد، ولا معنى لآكديته إلا تقديمه على غيره كما لا يخفى، فافهم .. ويدل على أن مراده ما قلناه أولاً ما قاله في الخيرية أيضاً في كتاب الكفالة بعد كلام. قلت: وقوله والصحيح لا يدفع قول صاحب المحيط، هذا هو الأصح وعليه الفتوى اهـ. قوله: (إمامان معتبران) أي من أئمة الترجيح ط. قوله: (لأنهما اتفقا الخ) أي وانفرد أحدهما بجعل الآخر أصح. قلت: والعلة لا تخص هذين اللفظين، بل كذلك الوجيه والأوجه والاحتياط والأحوط، أفاده ط. قوله: (إذا ذيلت رواية الخ) أي جعل في ذيلها: أي في آخرها، والمتبادر من هذه العبارة أن التذييل بالتصحيح وقع لرواية واحدة دون مخالفتها فليس فيه تعارض التصحيح لكن إذا كان التصحيح بصيغة أفعل التفضيل أفاد أن الرواية المخالفة صحيحة أيضاً، فله الإفتاء بأيّ شاء منهما، وإن كان الأولى تقديم الأولى لزيادة الصحة فيها، وسکت عنه لظهوره. وأما إذا كان التصحيح بصيغة تقتضي قصر الصحة على تلك الرواية فقط، كالصحيح والمأخوذ به ونحوهما مما يفيد ضعف الرواية المخالفة لم يجز الإفتاء بمخالفها، لما سيأتي أن الفتيا بالمرجوح جهل، وهذا بخلاف ما إذا وجد التصحيح في كتاب آخر للرواية، فإن الأولى تقديم الآكد منهما أو المتفق عليه على الخلاف المارّ، وبه ظهر أن هذا تفصيل آخر زائد على ما مر غير مخالف له، فافهم. قوله: (إلّ إذا كان الخ) استثناء منقطع لأنه مفروض فيما وجد فيه التصحيح من كلا الطرفين، والمستثنى منه فيما إذا لم يذيل مخالفه بشيء كما مر. وفائدة هذا الاستثناء توضيح ما مر عن وقف البحر وبيان المراد من التخيير، فليس فيه تكرير، فافهم. قوله: (وفي الكافي) يحتمل أن المراد به كافي الحاكم أو كافي النسفي الذي شرح به کتابه الوافي أصل الكنز، والظاهر الثاني. قوله: (فیختار الأقوى) أي إن کان من أهل النظر في الدليل أو نص العلماء على ذلك، ولا تنس ما قدمناه من بقية قيود التخيير. ١٧٦ المقدمة عنده والأليق والأصلح ا هـ فليحفظ. وحاصل ما ذكره الشيخ قاسم في تصحيحه: أنه لا فرق بين المفتي والقاضي، إلا أن المفتي مخبر عن الحكم، والقاضي ملزم به، وأن الحكم والفتيا قوله: (والأليق) أي لزمانه والأصلح الذي يراه مناسباً في تلك الواقعة. قوله: (فليحفظ) أي جمیع ما ذكرناه. وحاصله: أن الحكم إذا اتفق عليه أصحابنا يفتى به قطعاً، وإلا فإما أن يصحح المشايخ أحد القولين فيه أو كلَّا منهما، أولا، وإلا ففي الثالث يعتبر الترتيب، بأن يفتى بقول أبي حنيفة ثم بقول أبي يوسف الخ، أو يعتبر قوة الدليل، وقد مرّ التوفيق. وفي الأول إن كان التصحيح بأفعل التفضيل خير المفتي، وإلا فلا، بل يفتى بالمصحح فقط، وهذا ما نقله عن الرسالة. وفي الثاني إما أن يكون أحدهما بأفعل التفضيل أو لا. ففي الأول قيل يفتى بالأصح وهو المنقول عن الخيرية، وقيل بالصحيح وهو المنقول عن شرح المنية. وفي الثاني يخير المفتي وهو المنقول عن وقف البحر والرسالة. أفاده ح. قوله: (في تصحيحه) أي في كتابه المسمى بالتصحيح والترجيح الموضوع على مختصر القدوري. قوله: (لا فرق الخ) أي من حيث إن كلَّ منهما لا يجوز له العمل بالتشهي، بل عليه اتباع ما رجحوه في كل واقعة وإن كان المفتي مخيراً والقاضي ملزماً، وليس المراد حصر عدم الفرق بينهما من كل جهة فافهم. قوله: (وأن الحكم والفتيا الخ) وكذا العمل به لنفسه. قال العلامة الشرنبلالي في رسالته [العقد الفريد في جواز التقليد]: مقتضى مذهب الشافعي كما قاله السبكي منع العمل بالقول المرجوح في القضاء والإفتاء دون العمل لنفسه. مَطْلَبُ: لَا يُجُوزُ العَمَلُ بالضَّعِيفِ حَتَّى لِنَفْسِهِ عِنْدَنَا ومذهب الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه لكون المرجوح صار منسوخاً اهـ فلیحفظ. وقيده البيري بالعامي : أي الذي لا رأي له یعرف به معنی النصوص حيث قال: هل يجوز للإنسان العمل بالضعيف من الرواية في حق نفسه؟ نعم إذا كان له رأي؛ أما إذا كان عامياً فلم أره، لكن مقتضى تقييده بذي الرأي أنه لا يجوز للعامي ذلك. قال في خزانة الروايات: العالم الذي يعرف معنى النصوص والأخبار وهو من أهل الدراية يجوز له أن يعمل عليها وإن كان مخالفاً لمذهبه اهـ. قلت: لكن هذا في غير موضع الضرورة، فقد ذكر في حيض البحر في بحث ألوان الدماء أقوالاً ضعيفة، ثم قال: وفي المعراج عن فخر الأئمة: لو أفتى مفت بشيء من هذه الأقوال في مواضع الضرورة طلباً للتيسير كان حسناً اهـ. وكذا قول أبي يوسف في المني إذا خرج بعد فتور الشهوة لا يجب به الغسل ضعيف، وأجازوا العمل به للمسافر أو الضيف الذي ١٧٧ المقدمة بالقول المرجوح جهل وخرق للإجماع، وأن الحكم الملفق باطل بالإجماع، وأن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل اتفاقاً، وهو المختار في المذهب، وأن الخلاف خاص خاف الريبة كما سيأتي في محله، وذلك من مواضع الضرورة. قوله: (بالقول المرجوح) كقول محمد مع وجود قول أبي يوسف إذا لم يصحح أو يقوّ وجهه. وأولى من هذا بالبطلان الإفتاء بخلاف ظاهر الرواية إذا لم يصحح، والإفتاء بالقول المرجوع عنه اهـح. قوله: (وأن الحكم الملفق) المراد بالحكم: الحكم الوضعي كالصحة. مثاله: متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأته ثم صلى، فإن صحة هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل، فصحته منتفية اهـ ح. مَطْلَبْ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ قوله: (وأن الرجوع الخ) صرّح بذلك المحقق ابن الهمام في تحريره، ومثله في أصول الآمدي وابن الحاجب وجمع الجوامع، وهو محمول كما قال ابن حجر والرملي في شرحيهما على المنهاج وابن قاسم في حاشيته على ما إذا بقي من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء لا يقول به من المذهبين، كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة؛ وكما لو أفتى ببينونة زوجته بطلاقها مكرهاً ثم نكح أختها مقلداً للحنفي بطلاق المكره، ثم أفتاه شافعيّ بعدم الحنث فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلداً للشافعي والثانية مقلداً للحنفي، أو هو محمول على منع التقليد في تلك الحادثة بعينها لا مثلها کما صرح به الإمام السبکي وتبعه علیه جماعة، وذلك كما لو صلى ظهراً بمسح ربع الرأس مقلداً للحنفي فليس له إبطالها باعتقاده لزوم مسح الكلّ مقدداً للمالكي. وأما لو صلى يوماً على مذهب وأراد أن يصلي يوماً آخر على غيره فلا يمنع منه، على أن في دعوى الاتفاق نظراً، فقد حكي الخلاف، فيجوز اتباع القائل بالجواز، كذا أفاده العلامة الشرنبلالي في العقد الفريد. ثم قال بعد ذكر فروع من أهل المذهب صريحة بالجواز وكلام طويل: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً فيه غير إمامه مستجمعاً شروطه ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض. وقال أيضاً: إن له التقليد بعد العمل كما إذا صلى ظاناً صحتها على مذهبه ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره فله تقليده، ويجتزي بتلك الصلاة على ما قال في البزازية: إنه روي عن أبي يوسف أنه صلّی الجمعة مغتسلً من الحمام ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً اهـ. قوله: (وأن الخلاف) أي بين الإمام ١٧٨ المقدمة بالقاضي المجتهد، وأما المقلد فلا ينفذ قضاؤه، بخلاف مذهبه أصلاً كما في القنية. قلت: ولا سيما في زماننا، فإن السلطان ينصّ في منشوره على نهيه عن القضاء بالأقوال الضعيفة، فكيف بخلاف مذهبه فيكون معزولاً بالنسبة لغير المعتمد من مذهبه، فلا ينفذ قضاؤه فيه وينقض كما بسط في قضاء الفتح والبحر والنهر وغيرها . وصاحبيه فيما إذا قضى بغير رأيه عمداً: هل ينفذ؟ فعنده نعم في أصح الروايتين عنه، وعندهما لا كما في التحرير. وقال شارحه: نص في الهداية والمحيط على أن الفتوى على قولهما بعدم النفاذ في العمد والنسيان، وهو مقدم على ما في الفتاوى الصغرى والخانية من أن الفتوى على قوله، لأن المجتهد مأمور بالعمل بمقتضى ظنّه إجماعاً، وهذا خلاف مقتضى ظنه اهـ. وقد استشكل بعضهم هذه المسألة، على قول الأصوليين: إن المجتهد إذا اجتهد في واقعه بحكم يمتنع عليه تقليد غيره فيها اتفاقاً، والخلاف في تقليده قبل اجتهاده فيها، والأكثر على المنع، فهذه المسألة تبطل دعوى الاتفاق. وأجاب في التحرير بأن قول الإمام بالنفاذ لا يوجب حمل الإقدام على هذا القضاء، نعم وقع في بعض المواضع ذكر الخلاف في الحل ويجب ترجيح رواية عدمه اهـ. وحينئذ فلا إشكال، فافهم. قوله: (وأما المقلد الخ) نقله في القنية عن المحيط وغيره، وجزم به المحقق في فتح القدير وتلميذه العلامة قاسم، وادعى في البحر أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ. وأقوى ما تمسك به ما في البزازية عن شرح الطحاوي إذا لم يكن القاضي مجتهداً وقضى بالفتوى ثم تبين أنه على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه، وله أن ينقضه، كذا عن محمد. وقال الثاني: ليس له أن ينقضه أيضاً اهـ. قال في النهر: وما في الفتح يجب أن يعوّل عليه في المذهب، وما في البزازية محمول على أنه رواية عنهما، إذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناس لمذهبه، وقد مرّ عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ، فالمقلد أولى اهـ. قوله: (في منشوره) المنشور: ما كان غير مختوم من كتب السلطان. قاموس. قوله: (فكيف بخلاف مذهبه) أي فكيف ينفذ قضاؤه بخلاف مذهبه، لأنه إذا نهاه عن القضاء بالأقوال الضعيفة في مذهبه لا ينفذ قضاؤه فيها، فبخلاف مذهبه بالأولى، ومبنى ذلك على ما قالوا: إن تولية القضاء تتخصص بالزمان والمكان والشخص؛ فلو ولاه السلطان القضاء في زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو على جماعة مخصوصین تعین ذلك، لأنه نائب عنه؛ ولو نهاه عن سماع بعض المسائل لم ينفذ حكمه فيها، كما إذا نهاه عن سماع حادثة مضى عليها خمس عشرة سنة بلا مانع شرعي والخصم منكر. وقد ذكر الحموي في حاشية الأشباه أن عادة سلاطين زماننا إذا تولى أحدهم عرض عليه قانون من قبله وأمر باتباعه. قوله: (وينقض) لا حاجة إليه، لأنه إذا كان معزولاً بالنسبة لما ذكر لا يصح له قضاء حتى ينقض، لأن النقض إنما يكون ١٧٩ المقدمة قال في البرهان: وهذا صريح الحق الذي يعضّ عليه بالنواجذ، نعم أمر الأمير متى صادف فصلاً مجتهداً فيه نفذ أمره، كما في سير التاتر خانية وشرح السير الكبير فليحفظ. وقد ذكروا أن المجتهد المطلق قد فقد. وأما المقيد فعلى سبع مراتب مشهورة. للثابت، إلا أن يقال: إنه قضاء بحسب الظاهر ط. قوله: (قال في البرهان) هو شرح مواهب الرحمن، كلاهما للعلامة إبراهيم الطرابلسي صاحب الإسعاف في الأوقاف. قوله: (بالنواجذ) هي أضراس الحلم كما في المغرب والكلام كناية عن غاية التمسك، كما أن قولهم ضحك حتى بدت نواجذه عبارة عن المبالغة في الضحك، وإلا فلا تبدو بالضحك عادة كما حققه الإمام الزمخشري. قوله: (نعم أمر الأمير الخ) تصديق لما مر واستدراك بأمر آخر كالاستثناء مما قبله، هكذا عرف المصنفين في مثل هذا التركيب. قوله: (نفذ أمره) إن كان المراد بالأمر الطلب بلا قضاء فظاهر، وعليه فالمراد بالنفاذ وجوب الامتثال، وهذا الذي رأيته في سير التاترخانية في الفصل العاشر فيما يجب فيه طاعة الأمير وما لا يجب، ونصه قال محمد: وإذا أمر الأمير العسكر بشيء كان على العسكر أن يطيعوه في ذلك، إلا أن يكون المأمور به معصية بيقين اهـ. ولكن لا محل لذكر هذا هنا. وإن كان المراد به القضاء فقد مرّ أن القول الضعيف في حكم المنسوخ، وأن الحكم به جهل وخرق للإجماع. على أن الأمير ليس له القضاء إلا بتفويض من الإمام. قال في الأشباه: يجوز قضاء الأمير الذي يولى القضاء، وكذلك كتابه إلى القاضي، إلا أن يكون القاضي من جهة الخليفة فقضاء الأمير لا يجوز. كذا في الملتقط. وقد أفتيت بأن تولية باشا مصر قاضياً ليحكم في قضية بمصر مع وجود قاضيها المولى من السلطان باطلة، لأنه لم يفوّض إليه ذلك اهـ فتأمل. قوله: (سير) جمع سيرة: وهي الطريقة في الأمور. وفي الشرع تختص بسير النبيّ وَّر في مغازيه. هداية. قوله: (السير الكبير) للإمام محمد، وهو روايته عن الإمام من غير واسطة ط. قال في المغرب: وقالوا السير الكبير، فوصفوها بصفة المذكر لقيامها مقام المضاف الذي هو الكتاب، كقولهم: صلاة الظهر، وسير الكبير خطأ كجامع الصغير وجامع الكبير اهـ. مَطْلَبٌ فِي طَبَقَّاتِ الفُقَهَاءِ قوله: (وأما المقيد الخ) فيه أمران: الأول أن المجتهد المطلق أحد السبعة. الثاني أن بعض السبعة ليسوا مجتهدين، خصوصاً السابعة، فكان عليه أن يقول: والفقهاء على سبع مراتب، وقد أوضحها المحقق ابن كمال باشا (١) في بعض رسائله فقال: لا بد للمفتي أن يعلم حال من يفتي بقوله، ولا يكفيه معرفته باسمه ونسبه، بل لا بد من معرفته في الرواية، (١) أحمد بن سليمان بن كمال باشا. أخذ الفقه عن مولانا سنان باشا وعن مولانا لطفي المقتول. وكان وحيد دهره وفريد عصره، صاحب التصانيف المقبولة المتداولة، توفي رحمه الله سنة ٩٤٠. ١٨٠ المقدمة وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه ودرجته في الدراية، وطبقته من طبقات الفقهاء، ليكون على بصيرة في التمييز بين القائلين المتخالفين وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين: الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة رضي الله عنهم ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، وبه يمتازون عن غيرهم. الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة في الأحكام وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكن يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب كالشافعي وغيره المخالفين له في الأحكام غیر مقلدین له في الأصول. الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا نص فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي. وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضيخان وأمثالهم، فإنهم لا يقدرون على شيء من المخالفة لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب الأصول والقواعد. الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو أحد من أصحابه برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وما في الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل. الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبي الحسن القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض، كقولهم هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس. والسادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب الكنز، وصاحب المختار، وصاحب الوقاية، وصاحب المجمع؛ وشأنهم أن لا ينقلوا الأقوال المردودة والروايات الضعيفة. والسابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسمين اهـ بنوع اختصار. قوله: (وأما نحن) يعني أهل الطبقة السابعة، وهذا مع السؤال