النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة سيد بدون ودود يمدح، وحسود يقدح، لأن من زرع الإحن حصد المحن؛ فاللئيم يفضح، والكريم يصلح، لكن يا أخي بعد الوقوف على حقيقة الحال، والاطلاع على الفضائل، كما قال القائل: [بحر الكامل]. وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ طُوِيَتْ أَتَّاعَ لَهَا لِسَانَ حَسُودٍ قوله: (سید) أصله سیود اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، قيل إنه لا يطلق إلا على الله تعالى، لما روي ((أنه عليه الصلاة والسلام لما قالوا له يا سيدنا، قال: إنما السيد الله)) وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ)) وقال تعالى: ﴿وَسَيِّداً وحَصُوراً﴾ [آل عمران: ٣٩] وقيل لا يطلق عليه تعالى وعزي إلى مالك؛ وقيل يطلق عليه تعالى معرّفاً وعلى غيره منكراً. والصحيح جوازه مطلقاً، وهو في حقه تعالى بمعنى العظيم المحتاج إليه، وفي غيره بمعنى الشريف الفاضل الرئيس، وتمامه في حاشية الحموي. قوله: (بدون) أي بغير، وهو أحد إطلاقات لها، وتأتي بمعنى المكان الأدنى وهو الأصل فيها ط. قوله: (ودود) هو كثير الحب. قاموس. قوله: (وحسود يقدح) أي يطعن، ولا يخفى ما بين ودود وحسود من الطباق، وبين يمدح ويقدح من الجناس اللاحق ولزوم ما لا يلزم، وما في ذلك من الترصيع. قوله: (لأن من زرع) تعليل لما استلزمه الكلام السابق، لأن قدح الحسود إذا كان سبباً في زيادة المحسود الموجبة لكمده كان زرعه الحسد منتجاً له المحن والبلايا. والإحن جمع إحنة بالكسر فيهما، وهي الحقد كما في القاموس اهـ.ح. ويحتمل أنه تعليل لقوله سابقاً: ألا وإن الحسد حسك، من تعلق به هلك، فالمحصود الهلاك الموجود عند التعلق ط؛ وتشبيه الحقد بما يزرع استعارة بالكناية، وإثبات الزرع تخييل، وذكر الحصد ترشيح. قوله: (فاللئيم يفضح) من اللؤم بالضم ضد الكرم، يقال لؤم ككرم لؤماً فهو لئيم جمعه لئام ولؤماء، ويقال فضحه كمنعه: كشف مساويه، والإصلاح ضد الإفساد. قاموس. وهذا مرتبط بقوله إذ لا يسود سيد الخ. فاللئيم هو الحسود، والكريم هو الودود، وفيه لفّ ونشر مشوش، أو بقوله ((ومأمولي من الناظر فیه الخ)). ولو قال: والکریم یصفح أو يسمح، لکان أوضح. قوله: (لکن یا أخي الخ) لما كان الإذن بالإصلاح مطلقاً استدرك عليه بقوله: ((بعد الوقوف)) وهو ظرف ليصلح كما أفاده ح: أي يصلح بعد وقوعه واطلاعه على هذه الكتب، لا بمجرد الخطور بالبال، ويصح تعلقه بقوله ((وأن يتلافى تلافه)) ويحتمل تعلقه بقوله ((فصرفت عنان العناية نحو الاختصار)) أي إنما اختصرته بعد الوقوف على حقيقة الحال: أي حال المسائل ومعرفة ضعيفها من قویها، ويدل له قوله ((مع تحقيقات سنح الخ)) ويدل للأول قوله ((ويأتي الله الخ)) أفاده ط. قوله: (على حقيقة الحال) حقيقة الشيء: ما به الشيء هو هو كالحيوان الناطق للإنسان، بخلاف مثل الضاحك والكاتب مما يمكن تصوّر الإنسان بدونه تعريفات السيد. ١٠٢ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة ما حرّره المتأخرون كصاحب البحر والنهر والفيض، والمصنف وجدنا المرحوم وعزمي زاده قوله: (كصاحب البحر) هو العلامة الشيخ زين بن نجيم وتقدمت ترجمته. قوله: (والنهر) أي وكصاحب النهر، وهو العلامة الشيخ عمر سراج الدين الشهير بابن نجيم، الفقيه المحقق، الرشيق العبارة الكامل الاطلاع، كان متبحراً في العلوم الشرعية، غوّاصاً على المسائل الغريبة، محققاً إلى الغاية، وجيهاً عند الحكام، معظماً عند الخاص والعام، توفي سنة خمس بعد الألف، ودفن عند شيخه وأخيه الشيخ زين. محبي ملخصاً، وله كتاب «إجابة السائل في اختصار أنفع الوسائل)) وغير ذلك. قوله: (والفيض) أي وكصاحب الفيض وهو الكركي. قال التميمي في طبقات الحنفية: إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل الكركي الأصل، القاهري المولد والوفاة، لازم التقي الحصني (١) والتقي الشمني(٢)، وحضر دروس الكافيجي (٣)، وأخذ عن ابن الهمام، وترجمه السخاوي(٤) في الضوء بترجمة حافلة، وذكر أنه جمع في الفقه فتاوى في مجلدين، وأن له حاشية على توضيح ابن هشام اهـ. ملخصاً. وتوفي سنة ٩٢٣، وأراد بالفتاوى الفيض المذكور المسمى ((فيض المولى الكريم على عبده إبراهيم))، وقد قال في خطبته: وضعت في كتابي هذا ما هو الراجح والمعتمد، ليقطع بصحة ما يوجد فيه أو منه يستمد. قوله: (والمصنف) تقدمت ترجمته. قوله: (وجدّنا المرحوم) هو الشيخ محمد شارح الوقاية اهـ. ابن عبد الرزاق، ولم أقف له على ترجمة. قوله: (وعزمي زاده) هو العلامة مصطفى بن محمد الشهير بعزمي زاده(٥)، أشهر متأخري العلماء بالروم، وأغزرهم مادة في المنطوق والمفهوم، ذو التآليف الشهيرة، منها حاشية (١) أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين: فقيه ورع، نسبته إلى الحصن ((من قرى حوران)). من تصانيفه تخريج أحاديث الاحياء و((كفاية الأخيار)) و((قمع النفوس)). توفي بدمشق سنة ٨٢٩. انظر: البدر الطالع ١٠٩/١، الضوء اللامع ٨١/١١، الأعلام ٦٩/٢. (٢) أحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي الشمني القسنطيني الأصل، الإسكندري. أبو العباس تقي الدين: محدث مفسر نحوي. ولد بالإسكندرية من كتبه ((شرح المغني لابن هشام)) و((كمال الدراية في شرح النقاية)) و((مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا». توفي بالقاهرة سنة ٨٧٢. انظر: البدر الطالع ١١٩/١، حوادث الدهور ٦٦٨/٣، الأعلام ١/ ٢٣٠. (٣) محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي محيي الدين، أبو عبد الله الكافيجي: من كبار العلماء بالمعقولات، رومي الأصل وعرف بالكافيجي لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو. انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. له تصانيف منها (منازل الأرواح)) و ((معراج الطبقات)) و((نزهة المعرب)). توفي سنة ٨٧٩. انظر: الضوء اللامع ٢٥٩/٧، حسن المحاضرة ٣١٧/١، الأعلام ٦/ ١٥٠. (٤) محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي: مؤرخ حجة وعالم بالحديث والتفسير والأدب. أصله من سخامن قرى مصر، صنف زهاء مائتي كتاب منها ((شرح ألفية العراقي) و((المعين)) و((الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع)). توفي بالمدينة سنة ٩٠٢. انظر: إيضاح المكنون ١/ ٢٧، الكواكب السائرة ٥٣/١، الأعلام ٦/ ١٩٤. (٥) مصطفى بن محمد، المعروف بعزمي زاده: قاضي تركي مستعرب، من فقهاء الحنفية، ولي قضاء الشام = ١٠٣ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة وأخي زاده وسعدي أفندي والزيلعي والأكمل والكمال على الدرر والغرر، وحاشية على شرح المنار لابن مالك، توفي في حدود سنة أربعين بعد الألف. محبي ملخصاً. قوله: (وأخي زاده) قال المحبي في تاريخه: هو عبد الحليم بن محمد الشهير المعروف بأخي زاده، أحد أفراد الدولة العثمانية وسراة علمائها، كان نسيج وحده في ثقوب الذهن وصحة الإدراك والتضلع من العلوم. وله تآليف كثيرة منها شرح على الهداية، وتعليقات على شرح المفتاح، وجامع الفصولين، والدرر والغرر، والأشباه والنظائر. وتوفي سنة ثلاث عشرة بعد الألف اهـ. ملخصاً. وذكر ابن عبد الرزاق أن الذي في الخزائن أخي جلبي بدل أخي زاده، وهو صاحب حاشية صدر الشريعة المسماة بذخيرة العقبى واسمه يوسف بن جنيد، وهو تلميذ منلا خسرو اهـ. قوله: (وسعدي أفندي) اسمه سعد الله بن عيسى بن أمير خان الشهير بسعدي جلبي مفتي الديار الرومية، له حاشية على تفسير البيضاوي، وحاشية على العناية شرح الهداية، ورسائل وتحريرات معتبرة، ذكره حافظ الشام البدر الغزي العامري في رحلته، وبالغ في الثناء عليه، والتميمي في الطبقات. ونقل عن الشقائق النعمانية أنه توفي سنة ٩٤٥. قوله: (والزيلعي) هو الإمام فخر الدين أبو محمد عثمان بن علي صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، قدم القاهرة سنة ٧٠٥ وأفتى ودرس وصنف وانتفع الناس به كثيراً ونشر الفقه، ومات بها سنة ٧٤٣. قوله: (والأكمل) هو الإمام المحقق الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود بن أحمد البابرتي، ولد في بضع عشرة وسبعمائة. وأخذ عن أبي حيان والأصفهاني، وسمع الحديث من الدلاصي وابن عبد الهادي؛ وكان علامة ذا فنون، وافر العقل، قويّ النفس، عظيم الهيبة، أخذ عنه العلامة السيد الشريف والعلامة الفنري، وعرض عليه القضاء فامتنع. له التفسير، وشرح المشارق، وشرح مختصر ابن الحاجب، وشرح عقيدة الطوسي، والعناية شرح الهداية، وشرح السراجية، وشرح ألفية ابن معطي، وشرح المنار، وشرح تلخيص المعاني، والتقرير شرح أصول البزدوي. توفى سنة ٧٨٦ وحضر جنازته السلطان فمن دونه، ودفن بالشيخونية في مصر. قوله: (والكمال) هو الإمام المحقق حيث أطلق محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي ثم السكندري كمال الدين بن الهمام. ولد تقريباً سنة ٧٩٠، وتفقه بالسراج قارئ الهداية، وبالقاضي محب الدين بن الشحنة، لم يوجد مثله في التحقيق، وكان يقول: أنا لا أقلد في المعقولات أحداً. وقال البرهان الأبناسي وكأنه من أقرانه: لو طلبت حجج الدین ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره. وكان له نصيب وافر مما لأصحاب الأحوال من الكشف والكرامات، وكان تجرد أولاً بالكلية، فقال له أهل الطريق ارجع، فإن للناس حاجة بعلمك، = ومصر وبروسة وأدرنة. من كتبه العربية: ((نتائج الأفكار)) و((حاشية على درر الحكام)) و((ديوان الإنشاء)) و((حاشية على الهداية)). توفي سنة ١٠٤٠ انظر: خلاصة الأثر ٤/ ٣٩٠، هدية العارفين ٢/ ٤٤٠، الأعلام ٧/ ٢٤٠. ١٠٤ تقديم المؤلف حول البسمله والحمدلة وابن الكمال مع تحقيقات سنح بها البال، وتلقيتها عن فحول الرجال، وكان يأتيه الوارد كما يأتي السادة الصوفية لكنه يقلع عنه بسرعة لمخالطته للناس، وشرج الهداية شرحاً لا نظیر له سماه فتح القدیر، وصل فیہ إلی أثناء کتاب الوکالة، وله کتاب التحرير في الأصول الذي لم يؤلف مثله وشرحه تلميذه ابن أمير حاج، وله المسايرة في العقائد، وزاد الفقير في العبادات. توفي بالقاهرة سنة ٨٦١ وحضر جنازته السلطان فمن دونه كما في طبقات التميمي ملخصاً. قوله: (وابن الكمال) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا، الإمام العالم العلامة الرحلة الفهامة. كان بارعاً في العلوم، وقلما أن يوجد فن إلا وله فيه مصنف أو مصنفات. دخل إلى القاهرة صحبة السلطان سليم لما أخذها من يد الجراكسة، وشهد له أهلها بالفضل والإتقان، وله تفسير القرآن العزيز، وحواش على الكشاف، وحواش على أوائل البيضاوي، وشرح الهداية لم يكمل، والإصلاح والإيضاح في الفقه، وتغيير التنقيح في الأصول وشرحه، وتغيير السراجية في الفرائض وشرحه، وتغيير المفتاح وشرحه، وحواشي التلويح، وشرح المفتاح، ورسائل كثيرة في فنون عديدة لعلها تزيد على ثلاثمائة رسالة، وتصانيف في الفارسية، وتاريخ آل عثمان بالتركية وغير ذلك، وكان في كثرة التآليف والسرعة بها وسعة الاطلاع في الديار الرومية كالجلال السيوطي في الديار المصرية، وعندي أنه أدقّ نظراً من السيوطي وأحسن فهماً، على أنهما كانا جمال ذلك العصر، ولم يزل مفتياً في دار السلطنة إلى أن توفي سنة ٩٤٠ اهـ. تميمي ملخصاً. قوله: (مع تحقيقات) حال من ما حرره: أي مصاحباً ما حرره هؤلاء الأئمة لتحقيقات اهـ.ح. والمراد بها حلّ المعاني العويصة، ودفع الإشكالات الموردة على بعض المسائل أو على بعض العلماء، وتعيين المراد من العبارات المحتملة ونحو ذلك، وإلا فذات الفروع الفقهية لا بد فيها من النقل عن أهلها. قوله: (سنح بها البال) في القاموس: سنح لي رأي كمنع سنوحاً وسنحاً وسنحاً: عرَّض، وبكذا عرّض ولم يصرح اهـ. فعلى الأول هو من باب القلب مثل: أدخلت القلنسوة في رأسي. والأصل سنحت: أي عرضت بالبال: أي في خاطري وقلبي. وعلى الثاني لا قلب. والمعنى عليه أن قلبي وخاطري عرّض بها ولم يصرح، وهذا ما جرت عليه عادته رحمه الله تعالى من التعريض بالرموز الخفية كما يشير إليه قريباً. قوله: (وتلقيتها) أي أخذتها عن أشياخي فحول الرجال: أي الرجال الفحول الفائقين على غيرهم. في القاموس: الفحل: الذکر من کل حيوان، وفحول الشعراء: الغالبون بالهجاء على من هاجاهم اهـ. قال ح: وأورد أن بين الجملتين تنافياً، فإن البال إذا ابتكر هذه التحقيقات جميعها، فكيف يكون متلقياً لها جميعها عن فحول الرجال؟ وقد يجاب بأنه على تقدير مضاف: أي سنح ببعضها البال وتلقيت بعضها عن فحول الرجال اهـ: أي فهو على حد قوله تعالى: ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر﴾. قوله: (ويأبى الله ١٠٥ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، ومع هذا فمن أتقن كتابي هذا فهو الفقيه الماهر، ومن ظفر بما فيه، فسيقول العصمة الخ) أبى الشيء يأباه ويأبيه إباء وإباءة بكسرهما: كرهه. قاموس، وهذا اعتذار منه رحمه الله تعالى: أي إن هذا الكتاب وإن كان مشتملاً على ما حرره المتأخرون وعلى التحقيقات المذكورة لكنه غير معصوم: أي غير ممنوع من وقوع الخطأ والسهو فيه، فإن الله تعالی لم یرض، أو لم يقدّر العصمة لکتاب غیر کتابه العزیز الذي قال فيه ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ فغيره من الكتب قد يقع فيه الخطأ والزلل لأنها من تأليف البشر، والخطأ والزلل من شعارهم. تنبيه قال الإمام العلامة عبد العزيز البخاري في شرحه على أصول الإمام البزودي ما نصه: روى البويطي عن الشافعي رضي الله عنهما أنه قال له: إني صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب، ولا بد أن يوجد فيها ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَله. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيِرِ الله لَوَ جَدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢]. فما وجدتم فيها مما يخلف كتاب الله تعالى وسُنَّةَ رسوله ول﴿فإني راجع عنه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله *. قال المزني: قرأت كتاب الرسالة على الشافعي ثمانين مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطإ، فقال الشافعي: هيه، أبى الله أن يكون كتاباً صحيحاً غير كتابه اهـ. قوله: (قليل خطإ المرء) أي خطأ المرء القليل، فهو من إضافة الصفة للموصوف، وعبر بالخطإ إشارة إلى أن ذلك واقع لا عن اختيار، فالإثم مرفوع والثواب ثابت ط. قوله: (في كثير صوابه) متعلق بمحذوف حال من الخطإ: أي الخطإ القليل كائناً في أثناء الصواب الكثير أو باغتفر، وفي بمعنى مع، أو للتعليل أفاده ط. ولا يخفى ما في الجمع بين قليل وكثير وخطإ وصواب من الطباق. قوله: (ومع هذا) أي مع ما حواه من التحريرات والتحقيقات اهـ.ح. قلت: والأولى جعله مرتبطاً بقوله: ويأبى الله أي مع كونه غير محفوظ من الخلل فمن أتقنه كما تقول فلان بخيل ومع ذلك فهو أحسن حالاً من فلان ط. قوله: (فهو الفقيه) الجملة خبر من قرنت بالفاء لعموم المبتدإ فأشبه الشرط، والمراد بالفقيه: من يحفظ الفروع الفقهية ويصير له إدراك في الأحكام المتعلقة بنفسه وغيره، وسيأتي الكلام على معنى الفقه لغة واصطلاحاً ط قوله: (الماهر) أي الحاذق. قاموس. قوله: (ومن ظفر) في القاموس: الظفر بالتحريك: الفوز بالمطلوب ظفره، وظفر به، وعليه. قوله: (بما فيه) أي من التحريرات والتحقيقات والفروع الجمة والمسائل المهمة. قوله: (فسيقول) أتى بسين التنفيس لأن ذلك يكون عند السؤال، أو المناظرة مع الإخوان غالباً، أو أنها زائدة أفاده ط أو لأنه إنما يكون بعد اطلاعه على غيره من الكتب التي حررها غيره وطوّلها بنقل الأقوال الكثيرة والتعليلات الشهيرة. وخلافيات المذاهب والاستدلالات مع خلوّها من ١٠٦ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة بملء فيه : ((كم ترك الأول للآخر)). ومن حصله فقد حصل له الحظ الوافر، لأنه هو البحر لكن بلا ساحل، تكثير الفروع والتعويل على المعتمد منها كغالب شروح الهداية وغيرها، فإذا اطلع على ذلك علم أن هذا الشرح هو الدرّة الفريدة الجامع لتلك الأوصاف الحميدة، ولذا أكبّ عليه أهل هذا الزمان في جميع البلدان. قوله: (بملء فيه) الملء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ وبهاء هيئة الامتلاء ومصدره ملء. قاموس، وفيه استعارة تصريحية حيث شبه الكلام الصريح الذي يستحسنه قائله ويرتضيه، ولا يتحاشى عن الجهر به بما يملأ الإناء بجامع بلوغ كل إلى النهاية أو مكنية حيث شبه الفم بالإناء، والملء تخييل. وهو كناية عن الإتيان بهذا القول جهراً بلا توقف ولا خوف من تكذيب طاعن، وبين قوله فيه: وفيه الجناس التام. قوله: (كم ترك الأول للآخر) مقول القول وكم خبرية للتكثير مفعول ترك، والمراد بالأول والآخر جنس من تقدم في الزمن ومن تأخر، وهذا في معنى ما قاله ابن مالك في خطبة التسهيل: وإذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين اهـ. وأنت ترى كتب المتأخرين تفوق على كتب المتقدمين في الضبط والاختصار وجزالة الألفاظ وجمع المسائل، لأن المتقدمين كان مصرف أذهانهم إلى استنباط المسائل وتقويم الدلائل؛ فالعالم المتأخر يصرف ذهنه إلى تنقيح ما قالوه، وتبيين ما أجملوه، وتقييد ما أطلقوه، وجمع ما فرقوه، واختصار عباراتهم، وبيان ما استقرَّ عليه الأمر من اختلافاتهم، فهو كماشطة عروس رباها أهلها حتى صلحت للزواج، تزينها وتعرضها على الأزواج، وعلى كل فالفضل للأوائل كما قال القائل: [بحر الكامل]. كَالبَحْرِ يَسْقيهِ السَّحابُ وَمَالَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ لأنه مِنْ مَائِهِ نعم فضل المتأخرين على أمثالنا من المتعلمين، رحم الله الجميع وشكر سعيهم آمين. قوله: (الحظ) أي النصيب، الوافر: الكثير. قوله: (لأنه) تعليل للجمل الثلاثة قبله، والضمير يرجع إلى الكتاب ط. قوله: (هو البحر) تشبيه بليغ أو استعارة. قوله: (لكن بلا ساحل) الساحل ريف البحر وشاطئه مقلوب، لأن الماء سحله وكان القياس مسحولًا. قاموس، وإذا كان لا ساحل له فهو في غاية الاتساع، لأن نهاية البحر ساحله، فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم حيث أثبت صفة مدح واستثنى منها صفة مدح أخرى نحو ((أَنَا أَفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيشٍ))(١) وهو آكد في المدح لما فيه من المدح على المدح والإشعار بأنه لم يجد صفة ذمّ يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح. وله نوع ثان: وهو أن يستثني من (١) ذكره القاضي عياض في الشفا ١٧٨/١ والعجلوني في الكشف ١/ ٢٣٢، ٨٥٠/٢ وهو في الأسرار المرفوعة ١١٧. وذكره الغزالي في الاحياء وتعقبه العراقي في تخريجه ٢/ ٣٦٤. ١٠٧ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة ووابل القطر، غير أنه متواصل، بحسن عبارات، ورمز إشارات، وتنقيح معاني، وتحرير مباني، ولیس الخبر كالعیان، صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح، كقوله: [بحر الطويل]. وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيرِ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ أي في حدهن كسر من مضاربة الجيوش، وهذا الثاني أبلغ كما بين في محله، فافهم. وفيه أيضاً من أنواع البديع نوع من أنواع المبالغة وهو الإغراق، حيث وصف البحر بما هو ممكن عقلًا ممتنع عادة. قوله: (ووابل القطر) الوابل: الكثير، وهو من إضافة الصفة للموصوف: أي القطر الوابل ط. قوله: (غير أنه متواصل) أي تواصلاً نافعاً غير مفسد بقرينة المقام وإلا كان ذماً، وهذا أيضاً من تأكيد المدح بما يشبه الذم. قوله: (بحسن عبارات) الباء للتعليل مثل - فبظلم - أو المصاحبة مثل - اهبط بسلام - أو للملابسة وهي متعلقة بالبحر لأنه في معنى المشتق: أي الواسع مثل حاتم في قومه، ومثل قول الشاعر: أسد عليّ وفي الحروب نعامة لتأوله بكريم وجريء أو بمحذوف حال من الضمير ((في)) لأنه أو من كتابي. قوله: (ورمز إشارات) هما بمعنى واحد: وهو الإيماء بالعين أو اليد أو نحوهما كما في القاموس، فكأنه أراد ألطف أنواع الإيماء وأخفاها كما سيصرح به بعد قوله معتمداً في دفع الإيراد ألطف الإشارة. قوله: (وتنقيح معاني) أي تهذيبها وتنقيتها، ويحتمل أنه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومثله قوله: وتحرير مباني. وفي القاموس: تحرير الكتاب وغيره: تقويمه اهـ. ومباني الكلمات: ما تبنى عليه من الحروف، والمراد بها الألفاظ والعبارات، من إطلاق الجزء على الكل، وفي قوله المعاني والمباني مراعاة النظير: وهو الجمع بين أمر وما يناسبه، لا بالتضادّ نحو ﴿الشّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبان﴾ [الرحمن: ٥]. ثم الموجود في النسخ رسمها بالياء مع أن القياس حذفها، والوقف على النون ساكنة مثل. فاقض ما أنت قاض .. قوله: (وليس الخبر كالعيان) بكسر العين: المعاينة والمشاهدة، وهذه علة المحذوف: أي أن ما قلته خبر يحتمل الصدق والكذب، وبعد اطلاعك على التأليف المذكور تعاين ما ذكرته لك وتتحققه بالمشاهدة، لأن الخبر ليس كالعيان. أفاده ط. وفي هذا الكلام اقتباس مما رواه أحمد والطبراني وغيرهما من قوله قوله: ((لَيْسَ الخَبرُ كَالمُعاينة))(١) وهو من جوامع كلمه 9 كما في المواهب اللدنية، وتضمين لقول الشاعر: [بحر البسيط]. يَا ابْنَ الكِرامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعًا (١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٧١ وابن حبان كما في المورد (٢٠٨٧) والخطيب في التاريخ ٣/ ٣٦٠، ٥٦/٦، ٨/ ١٢ وانظر مجمع الزوائد ١/ ١٥٣. ١٠٨ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة وستقرّ به بعد التأمل العينان، فخذ ما نظرت من حسن روضه الأسمى، ودع ما سمعت عن الحسن وسلمى: [البسيط]. خُذْ مَا نَظَرْتَ وَدَعْ شَيْئاً سَمِعْتَ بِهِ فِي طَلْعَة الشَّمْسِ مَا يُغْنيكَ عَنْ زُحَلِ هذا، وقد أضحت قوله: (وستقرّ) القرّ: بالضم البرد، وعينه تقرّ بالكسر والفتح قرة وتضم، وقروراً: بردت وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوفة إليه. قاموس، وكأنه وصف العين بالبرودة، لما قالوا من أن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. قوله: (بعد التأمل) أي التفكر فيه والتدبر في معانيه ط. قوله: (فخذ) الفاء فصيحة: أي إذا كان كما وصفته لك أو إذا تأملته وقرّت به عيناك فخذ الخ. ثم اعلم أنه من هنا إلى قوله: «كيف لا وقد يسر الله ابتداء تبییض الخ)) ساقط من كثير من النسخ، وكأنه من إلحاقات الشارح، فما نقل من نسخته قبل الإلحاق خلا عن هذه الزيادة، والله تعالى أعلم. قوله: (من حسن روضه) الحسن: الجمال، جمعه محاسن على غير قياس. قاموس، فهو اسم جامد لا صفة، فالإضافة فيه لامية فافهم؛ والأسمى أفعل تفضيل من السمو: أي الأعلى من غيره. قال ط: وفي الكلام استعارة، شبه عبارته الحسنة بالروض بجامع النفاسة وتعلق النفوس بكل، والقرينة إضافة الروض إلى الضمير. قوله: (عن الحسن) الظاهر أنه بضم الحاء، فالمعنى: دع الحسن الصوري المحسوس وانظر إلى حسن روض هذا الشرح الأعلى قدراً اهـ.ح. قوله: (وسلمى) امرأة من معشوقات العرب المشهورات كليلى ولبنى وسعدى وبثينة ومية وعزّة، وليس المراد بها المعنی العلمي، وإنما المراد الوصفي لاشتهارها بالحسن کاشتهار حاتم بالكرم، فيقال فلان حاتم بمعنی کریم، فالمراد: دع الجمال والجميل. قوله: (في طلعة) خبر مقدم، وما يغنيك مبتدأ مؤخر؛ والمعنى: أن طلعة الشمس: أي طلوعها يكفيك عن نور الكوكب المسمى بزحل نزل كتابه منزلة الشمس بجامع الاهتداء بكل، ونزل غيره منزلة زحل، ولا شك أن نور الشمس والاهتداء به لا یکون لغيرها من الکواکب، وزحل أحد الكواكب السيارة التي هي السبع، جمعها الشاعر على ترتيب السموات، کل کوکب في سماء بقوله: [بحر الكامل). زُحَلٌ شَرى مرِّيَخَهُ مِنْ شَمْسِهِ فَتَزَاهَرَتْ لِعُطارِدَ الأَقْمَارُ قوله: (هذا) أي خذ هذا الذي ذكرته، وأراد به الانتقال عن وصف الكتاب إلى التنبيه على عدم الاغترار بما يشنع به حساد الزمان المغيرون في وجوه الحسان: [بحر الكامل). كَضَرَائِرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا حَسَداً وَلُؤْماً إنه لَدَمیمُ ١٠٩ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة أعراض المصنفين أغراض سهام ألسنة الحساد، ونفائس تصانيفهم معرضة بأيديهم تنتهب فوائدها ثم ترميها بالكساد : [الطويل]. أَخَا العِلْمِ لَا تَعْجَلْ بِعَيْبٍ مُصَنِّفٍ وَلَمْ تَتَيَقَّنْ زَلَّةً مِنْهُ تُعْرَفُ فَكّمْ أَفْسدَ الرَّاوِي كَلَاماً بِعَقْلِهِ وَكَمْ حَرَّفَ الأَقْوَالَ قَوْمٌ وَصَحّفُوا قوله: (أعراض) جمع عرض بكسر العين: محل المدح والذم ط. قوله: (أغراض) أي كالأغراض خبر أضحى، فهو تشبيه بليغ. والأغراض: جمع غرض، وهو الهدف الذي يرمى بالسهام، فكما أن الغرض يرمى بالسهام، كذلك أعراض المصنفين ترمى بالقول الكاذب، وشاع استعمال الرمي في نسبة القبائح، كما قال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وبين الأعراض والأغراض الجناس المضارع ط، وفي تشبيه الكلام القبيح بالسهام استعارة تصريحية والقرينة إضافتها إلى الألسنة، والجامع حصول الضرر بكل، ويحتمل أن يكون من إضافة المشبه به إلى المشبه: أي الألسنة التي هي كالسهام، لكن تشبيه الكلام بالسهام أظهر من تشبيه الألسنة بها تأمل. قوله: (ونفائس تصانيفهم الخ) النفائس جمع نفيسة؛ يقال: شيء نفيس أي يتنافس فيه ويرغب، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف مرفوع بالعطف على اسم أضحى أو على الابتدائية، والواو للاستئناف أو للحال، ومعرّضة بتشديد الراء منصوب على أنه خبر أضحى، أو مرفوع على أنه خبر المبتدإ، وبأيديهم متعلق به: أي منصوبة بأيديهم، من قولهم: جعلت الشيء عرضة له: أي نصبته، أو بفتح الراء مخففة من أعرض بمعنى أظهر: أي مظهرة في أيديهم، والضمير للحساد، وجملة تنتهب: أي الحساد بالبناء للمعلوم حالية أو خبر بعد خبر، أو هي الخبر ومعرضة حال، ورميها بالكساد كناية عن هجرها أو ذمها. والمعنى: أن الحساد لا يستغنون عنها، بل ينتهبون فوائدها وينتفعون بها ثم يذمونها ويقولون إنها سلعة كاسدة. قوله: (أخا العلم) منادى على حذف أداة النداء، والأخ: من النسب والصديق والصاحب كما في القاموس، والمراد الأخير. قوله: (بعیب) مصدر مضاف إلى مفعوله، وإن جعل العيب اسماً لما يوجب الذم فهو على تقدير المضاف: أي بذكر عيب ط. قوله: (مصنف) بكسر النون أو بفتحها. قوله: (ولم تتيقن) جملة حالية ط. قوله: (منه) متعلق بمحذوف صفة لزلة، وجملة تعرف صفة ثانية أو حال، أو منه متعلق بتعرف، والجملة صفة لزلة. قوله: (فكم) خبرية للتكثير في محل رفع مبتدأ، والجملة بعدها خبر كما هو القاعدة فيما إذا وليها فعل متعدّ أخذ مفعوله، فافهم. قوله: (بعقله) الباء للآلة: أي أن عقله هو الآلة في الإفساد ط. قوله: (وكم حرف) التحريف: التغيير، والتصحيف: الخطأ ١١٠ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة وَكَمْ نَاسِخِ أَضْحَى لِمَعْنَى مُغَيْراً وَجَاءَ بِشَيْءٍ لَم يُرِدَةُ المُصَِّفُ وما كان قصدي من هذا أن يدرج ذكري بين المحررين، من المصنفين والمؤلفين، بل القصد رياض في الصحيفة. قاموس، لكن في شرح ألفية العراقي (١) للقاضي زكريا (٢): التحريف: الخطأ في الحروف بالشكل، والتصحيف: الخطأ فيها بالنقط، واللحن: الخطأ في الإعراب اهـ. وفي تعريفات السيد(٣): تجنيس التحريف هو أن يكون الاختلاف في الهيئة كبرد وبرد، وتجنيس التصحيف أن يكون الفارق نقطة كأنقى وألقى اهـ .. قوله: (أضحى لمعنى مغيراً) اللام في ((لمعنى)) زائدة للتقوية لتقدم المفعول على عامله، مع أن العامل محمول على الفعل فضعف عن المعمول، وتغيير الناسخ المعنى بسبب تغييره الألفاظ، وجملة وجاء الخ مؤكدة، وهذا معنى ما يقال: الناسخ عدوّ المؤلف. قوله: (من هذا) أي التأليف. قوله: (أن يدرج) أي يجري. وفي القاموس: درجت الريح بالحصى: أي جرت عليه جرياً شديداً. قوله: (من المصنفين والمؤلفين) التأليف: جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، سواء كان لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدّم والتأخر أو لا، وعليه فيكون التأليف أعم من الترتيب اهـ. تعريفات السيد. قيل وأعم من التصنيف لأنه مطلق الضم، والتصنيف جعل كل صنف على حدة. وقيل المؤلف من يجمع كلام غيره، والمصنف من يجمع مبتكرات أفكاره، وهو معنى ما قيل: واضع العلم أولى باسم المصنف من المؤلف. قوله: (رياض) في القاموس: راض المهر رياضاً ورياضة: ذلّله اهـ. ومنه قولهم مسائل الرياضة. قال الشنشوري(٤): أي التي تروض الفكر وتذلله لما فيها من التمرين على العمل. قوله: (١) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة، زين الدين أبو الفضل العراقي الأصل، الكردي. ولد سنة ٧٢٥، حفظ التنبيه، وسمع كثيراً، وولع بتخريج أحاديث الإحياء، ورافقه الزيلعي الحنفي، وكان مفرط الذكاء، أكثر الرحلة والسماع، أخذ عنه الهيثمي وغيره كابن حجر وبرهان الدين الحلبي، صنف ألفية الحديث وعمل نكتاً على ابن الصلاح، وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلًا على ابن سيد الناس. ت ٨٠٦. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ٢٩/٤، الضوء اللامع ٤/ ١٧١، أنباء الغمر ٥/ ١٧٠. (٢) زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي أبو يحيى: شيخ الإسلام قاضٍ مفسر. من حفاظ الحديث، نشأ فقيراً معدماً له تصانيف كثيرة منها ((فتح الرحمن) و((شرح ألفية العراقي) و ((شرح شذور الذهب)). توفي سنة ٩٢٦. انظر: الكواكب السائرة ١٩٦/١، النور السافر ١٢٠، الأعلام ٤٦/٣. (٣) علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني: فيلسوف - من كبار العلماء بالعربية - من مصنفاته ((التعريفات)) و((مقاليد العلوم)) و((مراتب الموجودات)) و((حاشية على الكشاف)). توفي بشيراز سنة ٨١٦. انظر: الفوائد البهية ١٢٥، الضوء اللامع ٣٢٨/٥، الأعلام ٥/ ٧. (٤) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي العجمي الشنشوري: فرضي، من فقهاء الشافعية. كان خطيب الجامع الأزهر. من كتبه ((بغية الراغب)) و((فتح القريب المجيب)) و((الفوائد الشنشورية في شرح المنظومة الرحبية)) توفي في سنة ٩٩٩. انظر: المكتبة الأزهرية ٢/ ٧٠٦، الأعلام ١٢٨/٤. ١١١ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة القريحة وحفظ الفروع الصحيحة، مع رجاء الغفران، ودعاء الإخوان، وما عليّ من إعراض الحاسدين عنه حال حياتي فسيتلقونه بالقبول إن شاء الله تعالى بعد وفاتي، كما قيل: [السريع]. تَرَى الفَتَى يُنْكِرُ فَضْلَ الفَتَى لُؤْمِاً وَخُبْئاً فَإِذَا مَا ذَهَبْ لَجَّ بهِ الحِرْصُ عَلَى نّكْتَةٍ يَكْثُبُهَا عَنْهُ بِمَاءِ الذَّهَبْ فهاك مؤلفاً مهذباً لمهمات هذا الفن، مظهراً لدقائق استعملت الفكر فيها إذا ما اللیل جن، (القريحة) في الصحاح: القريحة أول ما يستنبط من البئر، ومنه قولهم: لفلان قريحة جيدة: يراد استنباط العلم بجودة الطبع اهـ. والمراد بها هنا آلة الاستنباط: وهي الذهن. قوله: (ودعاء) عطف على الغفران. قوله: (وما علي) ما نافية، وعلي خبر مبتدإ محذوف: أي وما علي بأس؛ أو ما استفهامية مبتدأ، وعليّ الخبر. قوله: (فسيتلقونه بالقبول) قد حقق المولى رجاه وأعطاه فوق ما تمناه، وهو دليل صدقه وإخلاصه رحمه الله تعالى وجزاه خيراً. قوله: (ترى الفتى) رأى علمية، والفتى مفعول أول، وهو في الأصل الشاب، والمراد به هنا مطلق الشخص، وجملة ينكر مفعول ثان، أو بصرية. ولا يرد أن الإنكار مما لا يدرك بالبصر لأنه قد تدرك أماراته، على أنه إذا جعلت بصرية فجملة ينكر حال لا مفعول لها حتى يرد ذلك، فافهم. قوله: (لؤماً) مهموز العين مفعول لأجله. قوله: (ما ذهب) أي مات، والقاعدة أن ما بعد ((إذا)) زائدة. قوله: (لجّ) بالجيم، من اللجاج: وهو الخصومة كما في القاموس اهد.ح، وضمنه معنى اشتدّ فعداه بالباء ط. قوله: (الحرص) طلب الشيء باجتهاد في إصابته تعريفات السيد. قوله: (على نكتة) متعلق بالحرص. والنكتة: هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه بأرض: إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثر الخواطر في استنباطها. سيد. قوله: (يكتبها) حال من الضمير المجرور أو صفة لنكتة: أي يريد كتابتها. قوله: (فهناك) اسم فعل بمعنى خذ. قوله: (مهذباً) بالكسر بصيغة اسم الفاعل بقرينة قوله ((مظهراً)، أو هو أولى من الفتح لأنه أقل تكلفاً، والتهذيب: التنقية والإصلاح، وقوله لمهمات مفعوله، واللام للتقوية، وهو جمع مهمة: ما يهتم بتحصيله. قوله: (استعملت) أي أعملت، فالسين والتاء زائدتان، عبر بهما إشارة إلى الاعتناء والاجتهاد ط. قوله: (فيها) أي في تحريرها ط. قوله: (جنّ) أي ستر الأشياء بظلمته، والمادة تدل على الاستتار كالجن والجنان والجنين والجنة، وإنما خص الليل لكونه محل الأفكار غالباً، وفيه يزكو الفهم لقلة الحركة فيه. وعادة العلماء يتلذذون بالسهر في التحرير للمسائل كما قال التاج السبكي رحمه الله: [بحر الكامل]. . ١١٢ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة) متحرياً أرجح الأقوال وأوجز العبارة، معتمداً في دفع الإيراد ألطف الإشارة، فربما خالفت في حكم أو دليل، فحسبه من لا اطلاع له ولا فهم عدولاً عن السبيل، وربما غيرت تبعاً لما شرح عليه المصنف كلمة أو حرفاً، وما درى أن ذلك لنكتة تدقّ عن نظره وتخفى. وقد أنشدني شيخي الحبر السامي والبحر الطامي، واحد زمانه وحسنة أوانه، شيخ الإسلام الشيخ خير الدين الرملي أطال الله بقاءه: [الخفيف]. سَهَري لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلذُّ لِي مِنْ وَصْلٍ غانِيَةٍ وَطيبٍ عِنَاقٍ وَتَمَايُلي طَرَباً لِحَلِّ عَويصةٍ في الذِّهْنِ أبْلِغُ مِنْ مُدامَةٍ ساقي وَصَرِيرُ أَقْلامي عَلى صَفحاتها أَشْهِى مِنَ الدَّوْكاءِ والعُشَّاقِ وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفَتَاةِ لِدُفِّهَا نَقْرِي لأُلقي الرَّمْلَ عَنْ أوْراقِي قوله: (متحرياً) حال من فاعل استعملت، والتحري: طلب أحرى الأمرين وأولاهما. سيد. قوله: (أرجح الأقوال) الإضافة على معنى ((من)) وهذا باعتبار غالب ما وقع له، وإلا فقد يذكر قولين مصححين أو يذكر الصحيح دون الأصح ط. قوله: (وأوجز العبارة) أي أخصرها: والإضافة على معنى من ط. قوله: (معتمداً) حال أيضاً مترادفة أو متداخلة: أي معولا ط. قوله: (الإيراد) أي الاعتراض. قوله: (ألطف الإشارة) كأن يذكر في الكلام مضافاً أو قيداً، أو نحو ذلك مما يدفع به الإيراد، ولا يظهر ذلك إلا لمن اطلع على كلام المورد، فإذا رأى ما ذكره الشارح علم أنه أشار به إلى دفع ذلك، وربما صرح بما يشير إليه أيضاً. قوله: (في حكم) بأن يذكر إباحة ما ذكر غيره كراهته مثلًا. قوله: (أو دليل) بأن یکون دليل فيه كلام فيذكر غيره سالماً، وهذا كله غير ما يصرّح به وينبه عليه، كقوله ما ذكره فلان خطأ ونحو ذلك. قوله: (فحسبه) أي ظن ما خالفت فيه غيري. قوله: (من لا اطلاع له) أي على ما اطلعت عليه ولا فهم له بما قصدته. قوله: (عدولاً) أي ميلاً عن السبيل، أي الطريق الواضح. قوله: (تبعاً لما شرح عليه المصنف) فإن المصنف لما شرح متنه غير منه بعض ألفاظه منبهاً على التغيير، فبقيت نسخ المتن المجرد مخالفة لنسخة المتن المشروح، فتابعه الشارح فيما غيره؛ وربما غير ما لم يغيره المصنف قوله: (وما درى) معطوف على محذوف: أي فاعترض وما درى، أفاده ط. قوله: (وقد أنشدني) أنشد الشعر: قرأه. قاموس، والمراد: أسمعني هذا الشعر. قوله: (الحبر) بالكسر ويفتح: العالم أو الصالح. قاموس. قوله: (السامي) أي العالي القدر. قوله: (الطامي) أي الملآن. قاموس. قوله: (واحد زمانه) أي المنفرد في زمانه بالصفات. قوله: (وحسنة أوانه) أي الذي أحسن الله تعالى به على الخلق في أوانه: أي زمانه، أفاده ط. أو الذي يعدّ حسنة لزمانه الكثير الإساءة على أبنائه. قوله: (الشيخ خير الدين) الظاهر أنه اسمه العلمي، إذ ترجمه جماعة ولم ١١٣ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة قُلْ لِمَنْ لَمْ يَرَ المُعَاصِرَ شَيْئاً وَيَرَى للأَ وَائِلِ الثَّقْدِيمَا إِنَّ ذَاكَ القَدِيمَ كَانَ حَدِيثاً وَسَيَبْقَى هَذَا الحَدِيثُ قَدِيمًا يذكروا غيره، منهم الأمير المحبي. قال خير الدين بن أحمد بن نور الدين علي بن زين الدين بن عبد الوهاب الأيوبي نسبة إلى بعض أجداده العليمي، بالضم نسبة إلى سيدي علي بن عليم الولي المشهور، الفاروقي نسبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الرملي الإمام المفسر المحدّث الفقيه اللغوي الصوفي النحوي البياني العروضي المنطقي المعمر، شيخ الحنفية في عصره وصاحب الفتاوى السائرة وغيرها من التآليف النافعة في الفقه، منها: حواشيه على المنح، وعلى شرح الكنز للعيني، وعلى الأشباه والنظائر، وعلى البحر الرائق، وعلى الزيلعي، وعلى جامع الفصولین، ورسائل، وديوان شعر مرتب على حروف المعجم. ولد سنة ٩٩٣ وتوفي ببلده الرملة سنة ١٠٨١، وأطال في ذكر مناقبه وأحواله وبيان مشايخه وتلامذته فليراجع. قوله: (أطال الله بقاءه) أي وجوده، والمراد الدعاء بالبركة في عمره، لأن الأجل محتوم، وذكر ط عن الشرعة وشرحها ما يفيد كراهة الدعاء بذلك. أقول: يرد عليه ((أنه عليه الصلاة والسلام دعا لخادمه أنس رضي الله تعالى عنه بدعوات منها: ((وَأَطِلْ عُمُرَهُ)) ومذهب أهل السنة أن الدعاء ينفع وإن كان كل شيء بقدر. واستفيد من كلام الشارح أنه ألف كتابه هذا في حياة شيخه المذكور، وهو كذلك، فإنه سيذكر آخر الكتاب أنه فرغ من تأليفه سنة ١٠٧١، فيكون قد فرغ من تأليفه قبل موت شيخه المذكور بعشر سنين. قوله: (إن هذا الحديث الخ(١)) فيه من أنواع البديع المذهب الكلامي، وهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام نحو ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ وبيانه أن تفضيل المرء بأوصافه لا بتقدمه؛ لأن كل متقدم قد كان حادثاً، ولم يزد بتقدمه عما كان عليه وقت حدوثه، وهذا المعاصر سيمضي عليه زمان يصير فيه قديماً فإذا فضّلتم ذلك المتقدم بأوصافه لزمكم تفضيل ذلك المعاصر الذي سيبقى قديماً بأوصافه أيضاً، وهذا معنى قول الإمام المبرد: ليس لقدم العهد يفضل القائل(٢) ولا لحداثته يهضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق اهـ. قال الدماميني في شرح التسهيل بعد نقله كلام المبرد: وكثير من الناس من تحرّى هذه البلية الشنعاء، فتراهم إذا سمعوا شيئاً من النكت الحسنة غير معزوّ إلى معين استحسنوه بناء على أنه للمتقدمين، فإذا علموا أنه لبعض أبناء عصرهم نكصوا على الأعقاب واستقبحوه، أو ادّعوا أن صدور ذلك عن عصري مستبعد، (١) في ط (قول الحاشية إن هذا الحديث) كذا بخط المحشي والموافق للشارح أن يقول: إن ذاك القديم كما في الرواية في البيت. (٢) في ط (قوله القائل) هو بالفاء: أي ضعيف الرأي، وقوله (ولا لحداثته إلخ) لفظ المبرد على ما نقله صاحب القاموس في الخطبة عنه: ولا لحدثانه يهتضم المصيب قاله نصر الجويني. ١١٤ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة على أن المقصود والمراد، ما أنشدنيه شيخي رأس المحققين النقاد، محمد أفندي المحاسني، وقد أجاد: لِكُلِّ بَني الدُّنْيَا مُرَادٌ وَمَقْصدٌ وإِنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ وَفَرَاغُ لِأَبْلُغَ في عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مَبْلَغاً يَكُونُ بوِلِي في الجنان بَلَاغُ نَفِي مِثْلِ هَذَا فَلْینَافَس . وما الحامل لهم على ذلك إلا حسد ذميم وبغي مرتعه وخيم أو ملخصاً. قوله: (على أن الخ) بمنزلة الاستدراك على ما يتوهم من قوله: فهاك الخ، من أن المراد مدح نفسه وتأليفه، وأن المقصود بالشهرة التأليف ط. قوله: (شيخي) في بعض النسخ زيادة: ((أبو بركتي ووليّ نعمتي)) قال ط: البركة اتساع الخير، ووليّ فعيل بمعنى فاعل: أي متولي نعمتي، والمراد بالنعمة: نعمة العلم التي هي من أعظم النعم اهـ. قوله: (محمد أفندي) قال المحبي في تاريخه: هو ابن تاج الدين بن أحمد المحاسني الدمشقي الخطيب بجامع دمشق، أشهر آل بيت محاسن وأفضلهم، كان فاضلاً كاملاً أديباً لبيباً، لطيف الشكل وجيهاً، جامعاً لمحاسن الأخلاق، حسن الصوت ولي خطابة جامع السلطان سليم بصالحية دمشق، ثم صار إماماً بجامع بني أمية وخطيباً فيه، وقرأ فيه صحيح مسلم، وكتب عليه بعض تعاليق. وولي درس الحديث تحت قبة النسر من الجامع المذكور، وكان فصيح العبارة، وانتفع به خلق من علماء دمشق، منهم شيخنا العلامة المحقق الشيخ علاء الدين الحصكفي مفتي الشام، وله شعر حسن وتحريرات تدل على علمه. ولد سنة ١٠١٣ وتوفي سنة ١٠٧٢، ورثاه شيخنا العلامة المحقق الشيخ عبد الغني النابلسي بقصيدة جيدة إلى الغاية مطلعها قوله: [بحر الطويل]. لِيَهْنِ رَعاعُ النَّاسِ وَلْيَفْرَحْ الجَهْلُ فَبَعْدَكَ لَا يَرْجُو البَقَا مَنْ لَهُ عَقْلُ أَيَا جَنَّةً قَرَّتْ عُيُونُ أُولي النُّهَى بِهِا زَمَناً حَتَّى تَدَارَكَهَا المَخْلُ اهـ. ملخصاً. قوله: (لكل بني الدنيا) أي لكل واحد من الناس الموجودين فيها، وسموا أبناءها لأنهم منها مادة وغذاء، وبها انتفاعهم، وفيها تربيتهم، وهي اسم لما قبل الآخرة لدنوّها وقربها. ويحتمل أن يراد بأبنائها: الطالبون لها المنهمكون فيها. قوله: (صحة) أي في الجسد، وفراغ مما يشغل عن الآخرة. قوله: (لأبلغ) علة لقوله ((وإن مرادي الخ)). قوله: (مبلغاً) مصدر ميمي منصوب على المفعولية المطلقة. قوله: (في الجنان بلاغ) أي إيصال من الله تعالى إلى المراتب العالية فيها، وهو اسم مصدر. وقال في القاموس: البلاغ كسحاب الكفاية، والاسم منه الإبلاغ والتبليغ وهما الإيصال اهـ .. قوله: (ففي مثل هذا) أي هذا المراد المذكور، والفاء للسببية مفيدة للتعليل، والجار والمجرور متعلق بينافس. قوله: (فلينافس) أي يرغب، والفاء زائدة مؤكدة للأولى، مثلها في قول ١١٥ تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة أُولُو النُّهى وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الغُرُورِ بَلَاغُ فَمَا الفَوز إِلَّ فِي نَعِيمِ مُؤَّدٍ بهِ العَيْشُ رَغْدٌ والشَّرَابُ يُسَاغُ الطويل الشاعر: وَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَأَجْزَعِي قوله: (أولو النهى) أي أصحاب العقول، وأما غيرهم فمنافستهم في الدنيا. قوله: (وحسبي) مبتدأ: أي كافيّ ط. قوله: (الغرور) فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث: أي الغارّة اهـ. ط. قوله: (بلاغ) أي مقدار الكفاية وهو خبر المبتدإ، وبينه وبين بلاغ الأول الجناس التام الخطي اللفظي، أفاده ط. قوله: (فما الفوز) أي النجاة والظفر بالخير. قاموس، والفاء للسببية عاطفة على جملة ينافس مفيدة للتعليل. قوله: (إلا في نعيم الخ) في بمعنى الباء مثلها في قول الشاعر: [بحر الطويل] وَيَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوعِ مِنَّا فَوَارِسٌ بَصيرونَ فِي طَعْنِ الأَبَاهِرِ والكُلَى لأن فاز يتعدى بالباء أو في للظرفية، والمراد بالنعيم محله: وهو الجنة، من إطلاق اسم الحال وإرادة المحل، مثل. ففي رحمة الله هم فيها خالدون - وعلى كل فالفوز مبتدأ والجار والمجرور في محل الخبر، والتقدير: ما الفوز حاصل بشيء إلا بنعيم، أو ما الفوز حاصل في محل إلا في محل نعيم، أو الخبر محذوف والجار والمجرور متعلق بالفوز: أي فما الفوز معتبر إلا بنعيم، والباء في به للسببية على الأول، أعني جعل ((في)) بمعنى الباء، وللظرفية على الثاني مثل ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ و﴿نجيناهم بسحر﴾. قوله: (العيش) أي المعيشة التي تعيش بها من المطعم والمشرب وما يكون به الحياة. قاموس. قوله: (رغد) بسكون الغين المعجمة: أي واسع طيب ح عن القاموس. قوله: (يساغ) أي يسهل دخوله في الحلق ح عن القاموس. ١١٦ المقدمة مُقَدْمَةٌ حقّ على من حاول علماً أن يتصوره بحده أو رسمه، قوله: (مقدمة) بالرفع خبر لمبتدإ محذوف: أي هذه مقدمة، أو بالنصب مفعول لفعل محذوف: أي خذ مقدمة، وهي بكسر الدال كما صرح به في الفائق، فهي اسم فاعل من قدم المتعدي: أي مقدمة من فهمها على غيره لما اشتملت عليه من تعريف الفقه لغة واصطلاحاً. وموضوعه واستمداده ومحظوره ومباحه وفضل العلم وتعلمه وترجمة الإمام وغير ذلك؛ وإما من اللازم بمعنى تقدم: أي متقدمة بذاتها على غيرها، ويجوز فتح الدال اسم مفعول من المتعدي: أي قدمها أرباب العقول على غيرها لما اشتملت عليه، وهي في الأصل صفة ثم جعلت اسماً للطائفة المتقدمة من الجيش، ثم نقلت إلى أول كل شيء، ثم جعلت اسماً للألفاظ المخصوصة حقيقة عرفية إن لوحظ أنها فرد من أفراد المفهوم الكلي، أو مجازاً إن لوحظ خصوصها. وهي قسمان: مقدمة العلم، وهي ما يتوقف عليه الشروع في مسائله من المعاني المخصوصة، ومقدمة الكتاب: وهي طائفة من الكلام قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه، وتمام تحقيق ذلك في المطوّل وحواشيه. قوله: (حق) أي واجب صناعة ليكون شروعه على بصيرة صوناً لسعيه عن العبث. قوله: (على من حاول) أي رام علماً: أي علم كان من العلوم الشرعية وغيرها. فالشرعية: علم التفسير والحديث والفقه والتوحيد. وغير الشرعية ثلاثة أقسام: أدبية، وهي اثنا عشر كما في شيخي زاده. وعدها بعضهم أربعة عشر: اللغة، والاشتقاق، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، والعروض، والقوافي، وقريض الشعر، وإنشاء النثر، والكتابة، والقراءات، والمحاضرات ومنه التاريخ. ورياضية، وهي عشرة: التصوف، والهندسة، والهيئة، والعلم التعليمي، والحساب، والجبر، والموسيقى، والسياسة، والأخلاق، وتدبير المنزل. وعقلية: ما عدا ذلك كالمنطق، والجدل، وأصول الفقه، والدين، والعلم الإلهي والطبيعي، والطب، والميقات، والفلسفة، والكيمياء، كذا ذكره بعضهم اهـ. ابن عبد الرزاق. قوله: (أن يتصوّره بحده أو رسمه) الحد: ما كان بالذاتيات كالحيوان الناطق للإنسان، والرسم: ما كان بالعرضيات کالضاحك له. واعلم أنهم قد اختلفوا في أسماء العلوم؛ فقيل إنها اسم جنس لدخول أل عليها، وقيل علم جنس واختاره السيد، وقيل علم كالنجم للثريا واختاره ابن الهمام. وهل مسمى ١١٧ المقدمة ویعرف موضوعه وغايته واستمداده: العلم إدراك المسائل أو المسائل نفسها أو الملكة الاستحضارية؟ قال السيد في شرح المفتاح: المعنى الحقيقي للعلم هو الإدراك، ولهذا المعنى متعلق هو المعلوم، وله تابع في الحصول يكون ذلك التابع وسيلة إليه في البقاء وهو الملكة. وقد أطلق العلم على كل منها (١) إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجازاً مشهوراً اهـ. ثم اعلم أن التعريف: إما حقيقي كتعريف الماهيات الحقيقية، وإما اسمي كتعريف الماهيات الاعتبارية، وهو تبيين أن هذا الاسم لأيّ شيء وضع، وتمامه في التوضيح لصدر الشريعة. وذكر السيد في حواشي شرح الشمسية أن أرباب العربية والأصول يستعملون الحد بمعنى المعرف، وأن اللفظ إذا وضع في اللغة أو الاصطلاح لمفهوم مركب، فما كان داخلاً فيه كان ذاتياً له، وما كان خارجاً عنه كان عرضياً له، فحدود هذه المفهومات ورسومها تسمى حدوداً ورسوماً بحسب الاسم، بخلاف الحقائق فإن حدودها ورسومها بحسب الحقيقة. إذا علمت ذلك ظهر لك أن حدّ الفقه كغيره من العلوم حد اسمي لتبيين ما تعقله الواضع ووضع الاسم بإزائه، فلذا جعلوه مقدمة للشروع. وجوّز بعضهم كونه حداً حقيقياً، وعليه فقيل: لا يكون مقدمة لأن الحد الحقيقي بسرد العقل كل المسائل: أي بتصوّر جميع مسائل العلم المحدود، وذلك هو معرفة العلم نفسه لا مقدمة الشروع فيه. وقيل: يجوز أخذ جنس وفصل له بلا حاجة إلى سرد الكل فلا مانع من وقوعه مقدمة، وجعل في التحرير الخلاف لفظياً وتمام تحقيقه فيه، فافهم. قوله: (ويعرف موضوعه الخ) اعلم أن مبادئ کل علم عشرة نظمها ابن ذكري في تحصيل المقاصد فقال: [بحر الرجز]. وَتلكَ عَشْرَةٌ عَلى المُرادِ فَأَوَّلُ الأبْوابِ في المبادي والاسْمُ واسْتمدَادُ حُكْمُ الشَّارِعِ الحَدُّ والموضوعُ ثمَّ الواضع تَصَوُّرُ المسَائلِ الفَضيلَةْ وَنِسْبَةٌ فَائِدَةٌ جَليلَةْ بين الشارح منها أربعة وبقي ستة. فواضعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى. واسمه الفقه. وحكم الشارع فیه وجوب تحصیل المكلف ما لا بد له منه. ومسائله كل جملة موضوعها فعل المكلف. ومحمولها أحد الأحكام الخمسة، نحو هذا الفعل واجب. وفضيلته كونه أفضل العلوم سوى الكلام والتفسير والحديث وأصول الفقه. ونسبته لصلاح الظاهر كنسبة العقائد والتصوّف لصلاح الباطن، (١) في ط (قوله على كل منها) هكذا بخطه، ولعل صوابه (منهما) بضمير التثنية إذ إطلاقه على الأول حقيقة لغوية كما يفيده صدر العبارة. ١١٨ المقدمة فالفقه لغة: العلم بالشيء، ثم خص بعلم الشريعة، وفقه بالكسر فقهاً: علم، وفقه بالضم فقاهة: صار فقيهاً. واصطلاحاً عند الأصوليين: العلم بالأحكام الشرعية أفاده ح. قوله: (ثم خص بعلم الشريعة) نقله في البحر عن ضياء الحلوم. قوله: (وفقه الخ) قال في البحر بعد كلام: والحاصل أن الفقه اللغوي مكسور القاف في الماضي، والاصطلاحي مضمومها فيه كما صرح به الكرماني(١). ونقل العلامة الرملي في حاشيته عليه أنه يقال فقه بكسر القاف: إذا فهم، وبفتحها: إذا سبق غيره إلى الفهم، وبضمها: إذا صار الفقه له سجية. قوله: (واصطلاحاً) الاصطلاح لغة: الاتفاق. واصطلاحاً: اتفاق طائفة مخصوصة على إخراج الشيء عن معناه إلى معنى آخر، رملي. قوله: (العلم بالأحكام الخ) اعلم أن المحقق ابن الهمام أبدل العلم بالتصديق وهو الإدراك القطعي، سواء كان ضرورياً أو نظرياً، صواباً أو خطأ بناء على أن الفقه كله قطعي. فالظن بالأحكام الشرعية وكذا الأحكام المظنونة ليسا من الفقه، وبعضهم خصه بالظنية؛ فيخرج عنه ما علم ثبوته قطعاً. وبعضهم جعله شاملًا للقطعي والظني. وقد نص غير واحد من المتأخرين على أنه الحق وعليه عمل السلف، وتمامه في شرح التحرير. فالمراد بالعلم هنا الإدراك الصادق على اليقين والظن كما هو اصطلاح المنطقي. وعلى الأول فالمراد به المقابل للظن كما هو اصطلاح الأصولي. قال صدر الشريعة في التوضيح: وما قيل إن الفقه ظني فلم أطلق العلم عليه؟ فجوابه أولاً أنه مقطوع به، فإن الجملة التي ذكرنا أنها فقه وهي ما قد ظهر نزول الوحي به وما انعقد الإجماع عليه قطعية. وثانياً أن العلم يطلق على الظنيات وتمامه فيه فافهم. والأحكام جمع حكم، قيل هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين. ورده صدر الشريعة بأن الحكم المصطلح عليه عند الفقهاء ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة مجازاً كالخلق على المخلوق ثم صار حقيقة عرفية. وخرج بها العلم بالذوات والصفات والأفعال، والمراد بالشرعية كما في التوضيح ما لا يدرك لولا خطاب الشارع، سواء كان الخطاب بنفس الحكم أو بنظيره المقيس هو عليه كالمسائل القياسية، فيخرج عنها مثل وجوب الإيمان والأحكام المأخوذة من العقل كالعلم بأن العالم حادث، أو من الحس كالعلم بأن النار محرقة، أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع، والمراد بالفرعية المتعلقة بمسائل الفروع؛ فخرج الأصلية ككون الإجماع أو القياس حجة. وأما الاعتقادية ككون الإيمان واجباً فخرج (١) ركن الدين، أبو الفضل الكرماني. شيخ أصحاب الحنفية، ومقدمهم بخراسان. له كتاب ((شرح الجامع الکبیر)) وكتاب ((التجريد)) وشرحه بكتاب سماه ((الإيضاح))، ومولده في شوال سنة ٤٥٧، مات بمرو لعشر بقين من ذي القعدة سنة ٥٤٣. انظر: تاج التراجم (٣٣)، الطبقات السنية (١١٩١)، الفوائد البهية ٩١، ٩٢. ١١٩ المقدمة الفرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية. وعند الفقهاء: حفظ الفروع، وأقله ثلاث. وعند أهل الحقيقة: الجمع بين العلم والعمل لقول الحسن البصري: إنما الفقيه: المعرض عن الدنيا، الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسه. بالشرعية كما تقدم، فافهم. وقوله عن أدلتها (١) أي ناشئاً عن أدلتها حال من العلم: أي أدلتها الأربعة المخصوصة بها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ فخرج علم المقلد، فإنه وإن كان قول المجتهد دليلاً له لكنه ليس من تلك الأدلة المخصوصة، وخرج ما لم يحصل بالدليل كعلم الله تعالى وعلم جبريل عليه السلام. قال في البحر: واختلف في علم النبي وَّ الحاصل عن اجتهاد، هل يسمى فقهاً؟ والظاهر أنه باعتبار أنه دليل شرعي لا يسمى فقهاً، وباعتبار حصوله عن دليل شرعي يسمى فقهاً اصطلاحاً اهـ. وأما المعلوم من الدين بالضرورة مثل الصوم والصلاة، فقيل إنه ليس من الفقه، إذ لیس حصوله بطريق الاستدلال وجعله في التوضيح منه، ولعل وجهه أن وصوله إلى حد الضرورة عارض لكونه صار من شعار الدين، فلا ينافي كونه في الأصل ثابتاً بالدليل، إذ ليس هو من الضروريات البديهية التي لا تحتاج إلى نظر واستدلال ككون الكل أعظم من الجزء، نعم يحتاج إلى إخراجه على قول من خص الفقه بالظني، وقوله ((التفصيلية)) تصريح بلازم كما حققه في التحرير، وغلط من جعله للاحتراز، وفي هذا المقام تحقيقات ذكرتها في [منحة الخالق فيما علقته على البحر الرائق]. قوله: (وعند الفقهاء الخ) قال في البحر: فالحاصل أن الفقه في الأصول علم الأحكام من دلائلها كما تقدم، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المقلد الحافظ للمسائل مجاز. وهو حقيقة في عرف الفقهاء بدليل انصراف الوقت والوصية للفقهاء إليهم. وأقله ثلاثة أحكام كما في المنتقى. وذكر في التحرير أن الشائع إطلاقه على من يحفظ الفروع مطلقاً: يعني سواء كانت بدلائلها أو لا اهـ. لكن سيذكر في باب الوصية للأقارب أن الفقيه من يدقق النظر في المسائل وإن علم ثلاث مسائل مع أدلتها، حتى قيل: من حفظ ألوفاً من المسائل لم يدخل تحت الوصية اهـ. لكن الظاهر أن هذا حيث لا عرف، وإلا فالعرف الآن هو ما ذكر في التحرير أنه الشائع. وقد صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذ فينصرف في كلام الواقف والموصي إلى ما هو المتعارف في زمنه لأنه حقيقة كلامه العرفية فتترك به الحقيقة الأصلية. قوله: (وعند أهل الحقيقة) هم الجامعون بين الشريعة والطريقة الموصلة إلى الله تعالى، والحقيقة لبّ الشريعة، وسيأتي تمامه. قوله: (الزاهد في الآخرة) كذا في البحر. والذي في (١) في ط (قوله وقوله عن أدلتها) الذي في نسخ الشارح التي بأيدينا (من أدلتها). ١٢٠ المقدمة وموضوعه: فعل المكلف ثبوتاً أو سلباً، واستمداده من الكتاب والسنة والإجماع الغزنوية الراغب في الآخرة ابن عبد الرزاق. أقول: ومثله في الإحياء للإمام الغزالي بزيادة حيث قال: سأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك، وهل رأيت فقيهاً بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، البصير بدينه المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم. قوله: (وموضوعه الخ) موضوع کل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، قال في البحر: وأما موضوعه ففعل المكلف من حيث إنه مكلف، لأنه يبحث فيه عما يعرض لفعله من حلّ وحرمة ووجوب وندب، والمراد بالمكلف: البالغ العاقل، ففعل غير المكلف ليس من موضوعه، وضمان المتلفات ونفقة الزوجات إنما المخاطب بها الولي لا الصبيّ والمجنون، كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله. وأما صحة عبادة الصبي كصلاته وصومه المثاب عليها فهي عقلية من باب ربط الأحكام بالأسباب، ولذا لم يكن مخاطباً بها بل ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله تعالى، وقيدنا بحيثية التكليف لأن فعل المكلف لا من حيث التكليف ليس موضوعه كفعله من حيث إنه مخلوق لله تعالى اهـ. قوله: (ثبوتاً أو سلباً) أي من حيث ثبوت التكليف به كالواجب والحرام، أو سلبه کالمندوب والمباح، وقصد بذلك دفع ما قد يقال: إن قید الحيثية مراعى، فالمراد فعل المكلف من حيث إنه مكلف كما مر. فيردّ عليه أن فعل المكلف المندوب أو المباح من موضوع الفقه أيضاً مع أنه لا تكلیف فيه لجواز فعله وتركه. والجواب أنه يبحث عنه في الفقه من حيث سلب التكليف به عن طرفي فعل المكلف. مَطْلَبٌ: الفَرْقُ بَيْن المصْدَرِ والحَاصِلِ بالمَصْدَرِ تنبيه: قال في النهر: اعلم أن الفعل يطلق على المعنى الذي هو وصف للفاعل موجود كالهيئة المسماة بالصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود، ونحوها كالهيئة المسماة بالصوم، وهي الإمساك عن المفطرات بياض النهار، وهذا يقال فيه الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر؛ وقد يطلق على نفس إيقاع الفاعل هذا المعنى، ويقال فيه الفعل بالمعنى المصدري: أي الذي هو أحد مدلولي الفعل، ومتعلق التكليف إنما هو الفعل بالمعنى الأول لا الثاني، لأن الفعل بالمعنى الثاني اعتباري لا وجود له في الخارج، إذ لو كان موجوداً لكان له موقع فيكون له إيقاع، وهكذا فيلزم التسلسل المحال، فأحكم هذا فإنه ينفعك في كثير من المحالّ اهـ. قوله: (واستمداده) أي مأخذه. قوله: (من الكتاب الخ) وأما شريعة من قبلنا فتابعة للكتاب. وأما أقوال الصحابة فتابعة للسنة، وأما تعامل الناس فتابع للإجماع، وأما التحري واستصحاب الحال فتابعان للقياس. بحر. وبيان ما ذكر في