النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
ـن شرحت صدورنا بأنواع الهداية،
الله کانك تراه»(١) أو بأنه تعالی قریب من الحامد کما قال تعالی ﴿ونحن أقرب إلیه من حبل
الوريد﴾ [ق: ١٦] وإن كان الحامد لنقصانه في كمال البعد كما تدل علیه كلمة ((یا»
الموضوعة لنداء البعيد على ما قيل، ففي الإتيان بها هضم لنفسه واستبعاد لها عن مظانّ
الزلفى كما أفاده الخطائي والبزدوي. قوله: (يا من شرحت) الأولى شرح كما عبر في
مختصر المعاني، لأن الأسماء الظاهرة كلها غيب سواء كانت موصولة أو موصوفة كما صرح
به في شرح المفتاح، لكن بمراعاة جانب النداء الموضوع للمخاطب يسوغ الخطاب نظراً
إلى المعنى.
وذکر في المطول أن قول علي كرم الله وجهه:
أَنَّا الَّذِي سَمَّثْني أُمِّي حَيْدَرَه
قبيح عند النحويين. واعترضه حسن جلبي بأن الالتفات من أتم وجوه تحسين الكلام،
فلا وجه للتقبيح، لأنه التفات من الغيبة إلى التكلم، وفيه تغليب جانب المعنى على جانب
اللفظ، على أنه يردّ على النحويين - بل أنتم قوم تجهلون - فلو كان فيه قباحة لما وقع في
كلام هو في أعلى طبقات البلاغة اهـ.
أقول: ولا يخفى ما في قوله على أنه يرد الخ من اللطافة عند أهل الظرافة، وفي مغني
اللبيب في بحث الأشياء التي تحتاج إلى رابط أن نحو: أنت الذي فعلت، مقيس، لكنه
قليل، وإذا تم الموصول بصلته انسحب عليه حكم الخطاب، ولهذا قيل قمتم. ومن زعم
أنه من باب الالتفات لأن آمنوا مغايبة وقمتم مواجهة فقدّسها اهـ. ولا يخفى أنه فيما نحن فيه
لم يتم الموصول بصلته: أي لم يأت الضمير بعد تمام الصلة، فدعوى الالتفات فيه
صحيحة. قوله: (شرحت صدورنا) أصل الشرح بسط اللحم ونحوه، ومنه شرح الصدر:
أي بسطه بنور إلهي. وقيل معناه التوسعة مطلقاً، ويقابله الضيق، لقوله تعالى: ﴿فمن يرد
الله أن يهديه﴾ الآية، وفسر في آية - ألم نشرح - بتوسعته بما أودع فيه من العلم والحكمة،
وخص الصدور لأنها ظروف القلوب الملوك على سائر الجوارح، لأنها محل العقل كما يأتي
في باب خيار العيب؛ أو المراد بها القلوب، واتساعها كناية عن كثرة ما يدخل فيها من
الحكم الإلهية والمعارف الربانية. قوله: (بأنواع الهداية) قال البيضاوي(١) في تفسيره:
(١) عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، ناصر الدين، أبو الخير البيضاوي، صاحب المصنفات وعالم أذربيجان، قال
السبكي: كان إماماً مبرزاً، نظاراً، خيراً، صالحاً، متعبداً، وقال ابن حبيب: عالم في زرع فضله ونجم، وحاكت عظمة
بوجوده بلاد العجم، برع في الفقه والأصول، وجمع بين المعقول والمنقول، تكلم كل الأئمة بالثناء على مصنفاته،
ولو لم يكن له غير المنهاج الوجيز لفظه المحرر لكفاه له: ((الطوالع))، و ((المنهاج)) و ((مختصر الكشاف)) وغيرها كثير.
توفي سنة ٦٩١. انظر: ط ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٢، ط. السبكي ٥٩/٥، ط. الاسنوي ص ١٠٠.

٨٢
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
سابقاً، ونوّرت بصائرنا بتنوير الأبصار لاحقاً، وأفضت علينا من أشعة
الهداية دلالة بلطف ولذا تستعمل في الخير، وقوله تعالى ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾
علی التهكم، وهداية الله تعالی تتنوّع أنواعاً لا يحصيها عدد، لكنها تنحصر في أجناس
مترتبة: الأولى إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العاقلة
والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. والثاني نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل
والصلاح والفساد. والثالث الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب. والرابع أن يكشف على
قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا مختص
بالأنبياء والأولياء اهـ. ملخصاً. قوله: (سابقاً) حال من مصدر شرحت: أي جعلت
صدورنا قابلة للخيرات حال كون الشرح سابقاً أو صفة لذلك المصدر اهـ ط.
أقول: أو صفة لزمان: أي زماناً سابقاً فهو منصوب على الظرفية: أي حين أخذ
الميثاق أو حين ولدنا على الفطرة أو عقلنا الدين الحق واخترنا البقاء عليه. قوله: (ونوّرت
بصائرنا) النور كيفية ظاهرة بنفسها مظهرة لغيرها، والضياء أقوى منه وأتم، ولذلك أضيف
إلى الشمس في قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً﴾ [يونس: ٥] وقد
يفرق بينهما بأن الضياء ضوء ذاتي، والنور ضوء عارض.
وقد يقال: ينبغي أن يكون النور أقوى على الإطلاق، لقوله تعالى: ﴿آللَّهُ نُورٌ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ [النور: ٣٥] وإنما يتجه إذا لم يكن معناه في الآية المنور، وقد حمله
أهل التفسير على ذلك اهـ حسن جلبي على المطوّلَ. والبصائر: جمع بصيرة، وهي قوة
للقلب المنوّر بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء بمثابة البصر للنفس كما في تعريفات
السيد. قوله: (بتنوير الأبصار) الباء للسببية، فإن الإنسان بنور بصره ينظر إلى عجائب
المصنوعات لله تعالى وإلى الكتب النافعة، وغير ذلك مما يكون سبباً في العادة لتنوير البصيرة
باكتساب المعارف. قوله: (لاحقاً) الكلام فيه كالكلام في سابقاً؛ وإنما كان تنوير البصائر
لاحقاً: أي متأخراً عن شرح الصدور، لأن شرحها بالاهتداء إلى الإسلام كما يشير إليه قوله
تعالى ﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾ الآية، وهذا سابق عادة على تنوير البصائر بما ذكرنا.
وقال الخطائي في حاشية المختصر: قد شرح الصدر على تنوير القلب، لأن الصدر
وعاء القلب، وشرحه مقدم لدخول النور في القلب. قوله: (وأفضت) يقال أفاض الماء على
نفسه: أي أفرغه. قاموس. قوله: (من أشعة) جمع شعاع بالضم: وهو ما تراه من الشمس كأنه
الجبال مقبلة عليك إذا نظرت إليها، أو ما ينتشر من ضوئها. قاموس. والشريعة: فعيلة بمعنى
مفعولة: أي مشروعة، فقد شرعها الله حقيقة والنبيّ ﴿ مجازاً، والشريعة والملّة والدين شيء
واحد، فهي شريعة لكون الله تعالى قد شرعها. والشريعة في الأصل الطريق يورد للاستقاء،
فأطلقت على الأحكام المشروعة لبيانها ووضوحها، وللتوصل بها إلى ما به الحياة الأبدية،

٨٣
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
شريعتك المطهرة بحراً رائقاً، وأغدقت لدينا من بحار منحك الموفرة نهراً فائقاً،
وأتممت نعمتك علينا
وملة لكونها أمليت علينا من النبي وَ﴿ وأصحابه، ودين للتدين بأحكامها: أي للتعبد
بها اهـ ط. وكل من الدين والشريعة يضاف إلى الله تعالى والنبيّ والأمة، بخلاف الملة فإنها لا
تضاف إلا إلى النبي ◌َّه، فيقال ملة محمد وَلافيه، ولا يقال ملة الله تعالى ولا ملة زيد، كما قاله
المظهر والراغب وغيرهما، فيشكل ما قاله التفتازاني(١): إنها تضاف إلى آحاد الأمة. قهستاني
في شرحه على الكيدانية. هذا، وقال ح: الأنسب بالإفاضة والبحر أن يقول من شآبيب
مثلاً، وهو جمع شؤبوب: الدفعة من المطر كما في القاموس اهـ: أي بناء على أنه شبه الشريعة
بالشمس بجامع الاهتداء، فهو استعارة بالكناية والأشعة تخييل، وكل من الإفاضة والبحر لا
يلائم ادعاء أن الشريعة من أفراد الشمس الذي هو مبنى الاستعارة، ولا يخفى أن هذا غير متعين
لجواز أن تشبه أحكام الشريعة بالأشعة من حيث الاهتداء، فهو استعارة تصريحية، والقرينة
إضافة الأشعة إلى الشريعة ثم تشبه الأحكام المعبر عنها بالأشعة من حيث الارتفاع أو الكثرة
بالسحاب، فهو استعارة بالكناية. والإفاضة استعارة تخييلية، والبحر ترشيح، فقد اجتمع فيه
ثلاث استعارات، على حد قوله تعالى ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ ويجوز أن يقال
إضافة الأشعة إلى الشريعة من إضافة المشبه به إلى المشبه، وشبه المسائل الشرعية بالبحر
بجامع الكثرة أو النفع، فهو استعارة تصريحية والإفاضة ترشيح فافهم. قوله: (وأغدقت) أي
أکثرت: في التنزيل ﴿لأسقیناهم ماء غدقاً﴾ أي كثيراً، مصباح. قوله: (لدینا) أي عندنا،
وقيل إن لدى تقتضي الحضرة بخلاف عند، تقول: عندي فرس، إذا كنت تملكها وإن لم
تكن حاضرة في مكان التكلم، ولا تقول لديّ إلّا إذا كانت حاضرة. قوله: (منحك) جمع
منحة: وهي العطية. قوله: (الموفرة) أي الكثيرة. قوله: (نهراً فائقاً) الفائق: الخیار من کل
شيء. قاموس. وفيه استعارة تصريحية أيضاً نظير ما مر، ولا يخفى ما في الجمع بين أسامي
الكتب من الهداية والتنوير والبحر والنهر من اللطافة وحسن الإيهام، وليس المراد بها نفس
الكتب لما فيها من التكلف وفوات النكات البديعية في لطيف الكلام، ولأنه غير المألوف في
مثل هذا المقام بين العلماء الأعلام، فافهم. قوله: (أتممت) أي أكملت نعمتك: أي
إنعامك، أو ما أنعمت به ط. قوله: (علينا) الضمير للمؤلف وحده نظراً إلى عود ثواب
الانتفاع به إليه فقط، وأتي بضمير العظمة للتحديث بالنعمة، وهو جائز عند الفقهاء
والمحدّثين، أو الضمير لمعاشر الحنفية باعتبار الانتفاع به، وهذا حسن ظن من الشيخ، ويدلّ
(١) مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين، من أئمة العربية والبيان والمنطق. من كتبه ((مقاصد الطالبين))
و ((شرح العقائد النسفية)) و((حاشية الكشاف)) و ((النعم السوابغ)). توفي سنة ٧٩٣.
انظر: بغية الوعاة ٣٩١، الأعلام ٢١٩/٧، الدرر الكامنة ٤/ ٣٥٠.

٨٤
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
حيث يسرت ابتداء تبييض هذا الشرح المختصر تجاه وجه منبع الشريعة والدرر،
وضجيعيه الجليلين أبي بكر وعمر، بعد الإذن منه وَ ل قوله
على أن الخطبة ألفت بعد ابتدائه هذا الكتاب، بل على أنها متأخرة عنه ط. قوله: (حيث)
الحيثية للتعليل: أي لأنك يسرت: أي سهلت، أو للتقييد: أي أتممت وقت تيسير ابتداء
الخ. والأولى أوْلى ط. قوله: (تبييض) هو في اصطلاح المصنفين عبارة عن كتابة الشيء
على وجه الضبط والتحرير من غير شطب بعد كتابته كيفما اتفق اهـ حموي. قوله: (هذا الشرح)
الإشارة إلى ما في الذهن من الألفاظ المتخيلة الدالة على المعاني، هذا هو الأولى من
الأوجه السبعة المشهورة ط، وهي كون الإشارة إلى واحد فقط من الألفاظ أو النقوش أو
المعاني، أو إلى اثنين منها، أو إلى ثلاثة؛ وعلى كل فالإشارة مجازية هنا. والشرح بمعنى
الشارح: أي المبين والكاشف، أو جعل الألفاظ شرحاً مبالغة. قوله: (المختصر)
الاختصار: تقليل اللفظ وتكثير المعنى، وهو الإيجاز كما في المفتاح. قوله: (تجاه) في
القاموس: وجاهك وتجاهك مثلثين تلقاء وجهك. قوله: (منبع الشريعة) أي محل نبعها
وظهورها، شبه الظهور بالنبع ثم اشتق من النبع بمعنى الظهور: منبع بمعنى مظهر، فهو
استعارة تصريحية، أو شبه الشريعة بالماء والمنبع تخييل، فهو استعارة بالكناية، والمعنى وجه
صاحب منبع الشريعة قوله (والدرر) أي الفوائد الدنيوية والأخروية الشبيهة بالدرر في النفاسة
والانتفاع، فهو استعارة تصريحية، وعطفه على الشريعة من عطف العام على الخاص، وفيه
إيهام لطيف بكتاب الدرر. قوله: (وضجيعيه) عطف على منبع تثنية ضجيع بمعنى مضاجع :
وهو من يضطجع بحذاء آخر بلا فاصل، وأطلق عليهما ضجيعين لقربهما منه وَّلفر ط. قوله:
(الجليلين) أي العظيمين. قوله: (بعد الإذن) متعلق بقوله يسرت أو ابتداء، وكأن الإذن
للشارح حصل منه * صريحاً برؤية منام أو بإلهام، وببركته وَ ل#فاق هذا الشرح على غيره كما
فاق متنه، حيث رأى المصنف النبي وَه، فقام له مستقبلاً واعتنقه عجلاً، وألقمه عليه الصلاة
والسلام لسانه الشريف كما حكاه في المنح، فكل من المتن والشرح من آثار بركته وَلتر، فلا
غرو أن شاع ذكرهما، وفاق وعمّ نفعهما في الآفاق. قوله: (*) فعل ماض: قياس مصدره
التصلية، وهو مهجور لم يسمع. هكذا قاله غير واحد ويؤيده قول القاموس: صلى صلاة لا
تصلية: دعا اهـ. ويرده ما أنشده ثعلب: [المتقارب].
تَرَكْتُ الْقِيَانَ وَعَزْفَ الْقِيَانِ وَأَدْمَنْتُ تَصْلِيَةً وَأَبْتِهَالا
القيان: جمع قينة وهي الأمة، وعزفها: أصواتها. قال: والتصلية من الصلاة، وابتهالًاً
من الدعاء اهـ وقد ذكره الزوزني في مصادره. وفي القهستاني: الصلاة اسم من التصلية.
وكلاهما مستعمل، بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان فإن مصدره لم يستعمل كما ذكره
الجوهري. والجمهور على أنها حقيقة لغوية في الدعاء مجاز في العبادة المخصوصة كما

٨٥
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
وعلى آله
حققه السعد في حواشي الكشاف، وتمامه في حاشية الأشباه للحموي. وفي التحرير: هي
موضوعة للاعتناء بإظهار الشرف، ويتحقق منه تعالى بالرحمة عليه ومن غيره بالدعاء، فهي
من قبيل المشترك المعنوي، وهو أرجح من المشترك اللفظي، أو هي مجاز في الاعتناء
المذكور اهـ. وبه اندفع الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾
[الأحزاب: ٥٦] الآية على جواز الجمع بين معنى المشترك اللفظي، ولما فيها من معنى
العطف عديت بعلى للمنفعة وإن كان المتعدي بها للمضرة، بناء على أن المترادفين لا بد
من جريان أحدهما مجرى الآخر، وفيه خلاف عند الأصوليين. والجملة خبرية لفظاً: منقولة
إلى الإنشاء، أو مجاز فيه بمعنى اللهم صلّ، إذ المقصود إيجاد الصلاة امتثالاً للأمر. قال
القهستاني(١): ومعناها الثناء الكامل، إلا أن ذلك ليس في وسعنا، فأمرنا أن نكل ذلك إليه
تعالى كما في شرح التأويلات.
مَطْلَب أَفْضَلِ صِيَغِ الصَّلَاةِ
وأفضل العبارات على ما قال المرزوقي: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وقيل
هو التعظيم: فالمعنى: اللهم عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإنفاذ شريعته، وفي الآخرة
بتضعيف أجره وتشفيعه في أمته كما قاله ابن الأثير اهـ. وعطف قوله ((وسلم)) بصيغة
الماضي، ويحتمل صيغة الأمر من عطف الإنشاء على الإنشاء لفظاً أو معنى وحذف معموله
لدلالة ما قبله عليه: أي وسلم عليه، ومصدره التسليم، واسم مصدره السلامة، ومعناه:
السلامة من كل مكروه. قال الحموي: وجمع بينهما خروجاً من خلاف من كره إفراد أحدهما
عن الآخر، وإن كان عندنا لا يكره كما صرح به في منية المفتي، وهذا الخلاف في حق
نبينا وَ﴿، وأما غيره من الأنبياء فلا خلاف فيه، ومن ادعاه فعليه أن يورد نقلاً صريحاً، ولا
يجد إليه سبيلاً. كذا في شرح العلامة ميرك على الشمائل اهـ.
أقول: وجزم العلامة ابن أمير حاج في شرحه على التحرير بعدم صحة القول بكراهة
الإفراد، واستدل عليه في شرحه المسمى [حلبة المجلي في شرح منية المصلي] بما في
سنن النسائي بسند صحيح في حديث القنوت ((وصلى الله على النبي)) ثم قال: مع أن قوله
تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى المَرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الذينَ اصْطَفَى﴾
[النمل: ٥٩] إلى غير ذلك أسوة حسنة اهـ. وممن ردّ القول بالكراهة العلامة منلا علي
القاري في شرح الجزرية، فراجعه. قوله: (وعلى آله) اختلف في المراد بهم في مثل هذا
(١) محمد القهستاني، شمس الدين: فقيه حنفي كان مفتياً ببخارى. له كتب منها ((جامع الرموز)) في شرح النقابة مختصر
الوقاية، لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود، توفي نحو سنة ٩٥٣.
انظر: شذرات الذهب ٣٠٠/٨، الأعلام ١١/٧، معجم المطبوعات ١٥٣٣.

٨٦
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
وصحبه، الذين حازوا من منح فتح كشف فيض فضلك الواقي حقائقاً .
الموضع: فالأكثرون أنهم قرابته ﴿ الذين حرمت عليهم الصدقة على الاختلاف فيهم.
وقيل جميع أمة الإجابة، وإليه مال مالك، واختاره الأزهري(١) والنووي في شرح مسلم.
وقيل غير ذلك. شرح التحرير. وذكر القهستاني أن الثاني مختار المحققين. قوله: (وصحبه)
جمع صاحب، وقيل اسم جمع له. قال في شرح التحرير: والصحابي عند المحدثين وبعض
الأصوليين: من لقي النبي * مسلماً ومات على الإسلام، أو قبل النبوّة ومات قبلها على
الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل(٢)، أو ارتدّ وعاد في حياته. وعند جمهور الأصوليين: من
طالت صحبته متبعاً له مدة يثبت معها إطلاق صاحب فلان عرفاً بلا تحديد في الأصح اهـ.
وظاهره أن من ارتدّ ثم أسلم تعود صحبته وإن لم يلقه بعد الإسلام، وهذا ظاهر على مذهب
الشافعي من أن المرتد لا يحبط عمله ما لم يمت على الردة. أما عندنا فبمجرد الردة يحبط
العمل. والصحبة من أشرف الأعمال، لكنهم قالوا إنه بالإسلام، تعود أعماله مجردة عن
الثواب، ولذا لا يجب عليه قضاؤه سوی عبادة بقي سببها کالحج وکصلاة صلاها فارتد
فأسلم في وقتها. وعلى هذا فقد يقال: تعود صحبته مجردة عن الثواب، وقد يقال: إن أسلم
في حياة النبي وَ له لا تعود صحبته ما لم يلقه لبقاء سببها، فتأمل. قوله: (الذين حازوا) أي
جمعوا. قوله: (من منح الخ) فيه صناعة التوجيه حيث ذكر أسماء الكتب وهي: المنح
للمصنف، والفتح شرح الهداية للمحقق ابن الهمام، والكشف شرح المنار للنسفي،
والفيض للكركي (٣)، والوافي متن الكافي للنسفي، والحقائق شرح منظومة النسفي. وفيه
حسن الإبهام بذكر ما له معنى قريب ومعنى بعيد، وأراد المعنى البعيد وهو المعاني اللغوية
هنا دون الاصطلاحية لأهل المذهب: أي حازوا عن عطايا فتح باب كشف: أي إظهار
فيض: أي كثير، فضلك: أي إنعامك، الوافي: أي التام، حقائقاً: أي أموراً محققة، وبهذه
اللطافة يغتفر ما فيه من تتابع الإضافات الذي عدّ مخلًا بالقصاحة، إلا إذا لم يثقل على اللسان
فإنه يزيد الكلام ملاحة ولطافة، فيكون من أنواع البديع، ويسمى الاطراد كقوله تعالى ﴿ذكر
(١) أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح بن الأزهر الأزهري الإمام في اللغة، ولد سنة ٢٨٢، وكان
فقيهاً صالحاً، غلب عليه علم اللغة، وصنف فيه كتابه التهذيب، وشرح ألفاظ مختصر المزني، وله الانتصار
للشافعي. مات سنة ٣٧٠.
انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١٤٤/١، وفيات الأعيان ٤٥٨/٣، الأعلام ٦/ ٢٠٢.
(٢) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي، نصير المرأة في الجاهلية، وأحد الحكماء، وهو ابن عم
عمر بن الخطاب. لم يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان، كان عدواً لوأد البنات توفي سنة ١٧ قبل الهجرة.
انظر: الأغاني ١٥/٣، خزانة البغدادي ٩٩/٣، الأعلام ٣/ ٦٠.
(٣) إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل الكركي، أبو الوفاء، برهان الدين: قاض، من فقهاء الحنفية، قرأ
على علماء مصر. من كتبه: ((فيض المولى الكريم)) و ((حاشية على توضيح ابن هشام)) توفي سنة ٩٢٢.
انظر: شذرات الذهب ١٠٢/٨، النور السافر ١٠٨، الأعلام ٤٦/١.

٨٧
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
وبعد: فيقول فقير ذي اللطف الخفي، محمد علاء الدين
رحمة ربك﴾ وقوله تعالى ﴿كدأب آل فرعون﴾.
تنبيه حقائقا بالألف للسجع مع أنه ممنوع من الصرف على اللغة المشهورة، فصرفه هنا
على حد قوله تعالى ﴿سَلَاسِلاً وأغلالاً﴾ [الإنسان ٤] وقوله تعالى ﴿قَوَارِيراً﴾ [الإنسان ٧٦]
في قراءة من نونهما، وذكروا لذلك أوجهاً منها التناسب. ومنهم من قرأ ((سلاسلا)) بالألف
دون تنوین. قوله: (وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر لا يكون بينهما
مناسبة، فهي من الاقتضاب المشوب بالتخلص.
واختلف في أول من تكلم بها، وداود أقرب، وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، وهي
من الظروف الزمانية أو المكانية المنقطعة عن الإضافة، مبنية على الضم لنية معنى المضاف
إليه، أو منصوبة غير منونة لنية لفظه، أو منونة إن لم ينو لفظه ولا معناه. والثالث لا يحتمل
هنا لعدم مساعدة الخط إلا على لغة من لا يكتب الألف المبدلة عن التنوين حال النصب،
وعلى كل لا بد لها من متعلق، فإن كانت الواو هنا نائبة عن أمّا كما هو المشهور، فمتعلقها
إما الشرط أو الجزاء. والثاني أولى، ليفيد تأكيد الوقوع، لأن التعليق على أمر لا بد من
وقوعه يفيد وقوع المعلق البتة، والتقدير مهما يكن من شيء فيقول بعد البسملة والحمدلة
والتصلية وإن كانت الواو للعطف وهو من عطف القصة على القصة، أو للاستئناف فالعامل
فيها يقول، وزيدت فيه الفاء لتوهم إما إجراء للمتوهم مجرى المحقق كما في: ولا سابق
بالجر، والتقدير: ويقول بعد البسملة. وعلى الأول فهي في جواب الشرط لنيابة الواو عن
- أداته. واعترضه حسن جلبي في حواشي التلويح بأن النيابة تقتضي مناسبة بين النائب
والمنوب عنه، ولا مناسبة بين الواو وأما اهـ، ولا يصح تقدير ((أما)) بعد الواو لأن أما لا
تحذف إلا إذا كان الجزاء أمراً أو نهياً ناصباً لما قبله أو مفسراً له كما في الرضي، وما هنا ليس
كذلك. قوله: (فقير ذي اللطف)(١) أي كثير الفقر: أي الاحتياج لله تعالى ذي اللطف: أي
الرفق والبّ بعباده والإحسان إليهم. قوله: (الخفي) أي الظاهر فإنه من أسماء الأضداد، فإن
لطفه تعالى لا يخفى على شخص في كل شخص، أو المراد الخفيّ عن العبد، بأن يدبر له
الأمر من غير تعان منه ومشقة، ويهيئ له أمور دنياه وآخرته من حيث لا يحتسب، والله على
كل شيء قدير ط. قوله: (محمد) بدل من فقير أو عطف بيان، وعلاء الدين لقبه: أي معليه
ورافعه بالعمل به وبیان أحكامه. ومنع بعضهم من التسمي بمثل ذلك مما فيه تزكية نفس.
ويأتي تمام الكلام على ذلك في كتاب الحظر والإباحة إن شاء الله تعالى، وهو رحمه الله
تعالى كما في شرح ابن عبد الرزاق على هذا الشرح: محمد بن علي بن محمد بن علي بن
(١) في ط (قوله فقير ذي اللطف) الذي في النسخ التي بيدي وكتب عليها (فقير رحمة ذي اللطف) فلعها سقطت منه
نسخة هذا المحشي.

تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
الحصكفي، ابن الشيخ علي الإمام
عبد الرحمن بن محمد بن جمال الدين بن حسن بن زين العابدين الحصني الأثري المعروف
بـ«الحصكفي))(١) صاحب التصانيف في الفقه وغيره، منها هذا الشرح وشرح الملتقى وشرح
المنار في الأصول وشرح القطر في النحو ومختصر الفتاوى الصوفية والجمع بين فتاوى ابن
نجيم جمع التمرتاشي وجمع ابن صاحبها، وله تعليقة على صحيح البخاري تبلغ نحو ثلاثين
كراساً، وعلى تفسير البيضاوي من سورة البقرة إلى سورة الإسراء، وحواشي على الدرر
وغير ذلك من الرسائل والتحريرات، وقد أقرّ له بالفضل والتحقيق مشايخه وأهل عصره حتى
قال شيخه الشيخ خير الدين الرملي في إجازته له: وقد بدأني بلطائف أسئلة وقفت بها على
کمال روایته وسعة ملکته، فأجبته غیر موسع علیه، فکرّر عليّ ما هو أعلى فزدته فزاد،
فرأيت جواد رهانه في غاية المكنة والسبق، فبعدت له الغاية فأتاها مستريحاً لا يخفق،
مستبصراً لا يطرق، فلما تبين لي أنه الرجل الذي حدثت عنه وصلت به إلى حالة يأخذ مني
وآخذ منه، إلى أن قال في شأنه: [بحر الطويل]:
فَيَا مَنْ لَهُ شَكٌّ فَدُونَكَ فاسْأَل تِجِدْ جَبَلَا في العِلْمِ غَيرٍ مُخُلْخَل
وَيَبُزُ لِلْمَيْدَانِ غَيرٍ مُزَلْزَلِ
وَيَأْتِي بِمَا يُخْتَارُهُ مِنْ مُفَصَّلٍ
مِنَ الفَهْم والإدراكِ غَيرٍ مُحوَّلِ
وإِنْ رُمْتَ حلَّ الَصَّعْبِ في الحَالِ يَنْجَلِي
يُبَارِي فُحُولَ الفِقْهِ فِيمَا يَرَوْنهُ
يُقَشِّرُ عَنْ لُبِّ عُلُومَ قُشُورِهِ
وَيَقْوَى عَلَى التَّجِيحِ فيهِ بِثَاقِبٍ
وَفَكِّزْ إِذَا مَا حَاوَلَ الصَّخِرِ قِلَّةٌ
وَمَا قُلْتُ هَذَا القَوْلَ إِلَّ بُعَيد مَا سَبْتُ خَبَايَاهُ بِأفْحَمٍ مِقْوَلٍ
وقال شيخه العلامة محمد أفندي المحاسني(٢) في إجازته له أيضاً: وإنه ممن نشأ
والفضائل تعله وتنهله، والرغبة في العلم تقرب له ما يحاوله من ذلك وتسهله، حتى نال من
قداح الكمال القدح المعلى، وفاز بما وشح به صدر النباهة وحلى، وكان لي على الغوص
على غرر الفوائد أعظم معين، فأفاد واستفاد، وفهم وأجاد اهـ. وترجمه تلميذه خاتمة البلغاء
المحبي في تاريخه فقال ما ملخصه: إنه كان عالماً محدثاً فقيهاً نحوياً، كثير الحفظ
والمرويات طلق اللسان، فصيح العبارة، جيد التقرير والتحرير، وتوفي عاشر شوال سنة
١٠٨٨ عن ثلاث وستين سنة، ودفن بمقبرة باب الصغير. قوله: (الحصكفي) كذا يوجد في
(١) محمد بن علي بن محمد الحصيني المعروف بعلاء الدين الحصكفي: مفتي الحنفية في دمشق. كان فاضلاً عالي
الهمة عاكفاً على التدريس والإفادة من كتبه ((الدر المختار في شرح تنوير الأبصار)) و((إفاضة الأنوار على أصول
المنار)). توفي سنة ١٠٨٨. انظر: معجم المطبوعات ٧٧٨، خلاصة الأثر ٦٣/٤، الأعلام ٦/ ٢٩٤.
(٢) محمد بن تاج الدين بن أحمد المحاسني الدمشقي: من شعراء نفحة الريحانة. كان خطيب الجامع الأموي في دمشق.
له تعاليق على شرح مسلم في الحديث وتحريرات تدل على فضل وشعر، في موشحاته رقة. توفي سنة ١٠٧٢.
انظر: خلاصة الأثر ٤٠٨/٣، الأعلام ٦/ ٦٢.

٨٩
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
بجامع بني أمية، ثم المفتي بدمشق المحمية الحنفي :
بعض النسخ، وهو بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الکاف وفي آخره فاء، ویاء
النسبة إلى حصن كيفا، وهو من ديار بكر. قال في المشترك: وحصن كيفا على دجلة بين
جزيرة ابن عمر وميافارقين، وكان القياس أن ينسبوا إليه الحصني وقد نسبوا إليه أيضاً
كذلك، لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من مجموع الاسمين اسماً
واحداً ونسبوا إليه كما فعلوا هنا، وكذلك نسبوا إلى رأس عين راسعيني وإلى عبد الله وعبد
شمس وعبد الدار عبدلي وعبشمي وعبدري، وكذلك كل ما كان نظير هذا. ذكره المحبي
في تاريخه في ترجمة إبراهيم بن المنلا. قوله: (بجامع بني أمية) متعلق بالإمام والباء بمعنى
في ط. وقد بناه الوليد بن عبد الملك الأموي، نقل أنه أنفق عليه ألف ألف دينار ومائتي
ألف دينار، وفيه رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام، وفي حائطه القبلي مقام هود عليه
السلام، ويقال إنه أول من بنى جدرانه الأربع.
وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالتِّين ... ﴾ أنه مسجد دمشق، وكان بستاناً
لنبي الله هود عليه السلام، وأنه كان فيه شجر التين قبل أن يبنيه الوليد اهـ. فهو المعبد
القديم الذي تشرّف بالأنبياء عليهم السلام، وصلى فيه الصحابة الكرام.
وقد صرح الفقهاء بأن الأفضل بعد المساجد الثلاثة ما كان أقدم، بل ذكر في كتاب
أخبار الدول بالسند إلى سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وهو
ولله الحمد إلى وقتنا هذا معمور بالعبادة ومجمع للعلم والإفادة، ولا يزال كذلك إن شاء الله
تعالى إلى أن يهبط على منارته الشرقية البيضاء عيسى ابن مريم عليه السلام، إلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها من الأنام. قوله: (ثم المفتي الخ) أفاد أن الإفتاء لم يجتمع له مع الإمامة
وإنما تأخر عنها ط. وفي تاريخ المحبي أنه تولى الإفتاء خمس سنين، وكان متحريّاً في أمر
الفتوى غاية التحري، ولم يضبط عليه شيء خالف فيه القول المصحح. قوله: (بدمشق)
بفتح الميم وقد تکسر: قاعدة الشام، سمیت بیانیها دمشاق بن كنعان. قاموس، وقيل بانيها
غلام الإسكندر واسمه دمشق أو دمشقش، وهي أنزه بلاد الله تعالى. قال أبو بكر
الخوارزمي: جنات الدنيا أربع: غوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوان، وجزيرة نهر
الأبلة. وفضل غوطة دمشق على الثلاثة کفضل الثلاثة عن سائر الدنيا، وناهيك ما ورد فيها
خصوصاً وفي الشام عموماً من الأحاديث والآثار. قوله: (الحنفي) ذكر العراقي في آخر
شرح ألفية الحديث أن النسبة إلى مذهب أبي حنيفة وإلى القبيلة وهم بنو حنيفة بلفظ واحد،
وأن جماعة من أهل الحديث منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي(١) يفرقون بينهما
(١) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، أبو الفضل: رحالة مؤرخ، من حفاظ الحديث، له كتب كثيرة
منها ((معجم البلاد)) و((أطراف الغرائب والأطراف)) و((أطراف الكتب الستة)) و((تذكرة الموضوعات)). توفي =

٩٠
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
لما بيضت الجزء الأول من خزائن الأسرار، وبدائع الأفكار، في شرح تنوير الأبصار،
وجامع البحار، قدّرته في عشرة مجلدات كبار، فصرفت عنان العناية
بزيادة ياء في النسبة للمذهب ويقولون حنيفي، وأنه قال ابن الصلاح: لم أجد ذلك عن أحد
من النحويين إلا عن أبي بكر بن الأنباري. قوله: (لما بيضت) الجملة إلى آخر الكتاب في
محل نصب مقول القول، أو كل جملة من الكتاب محلها نصب بناء على أن جزء المقول له
محل، أو ليس له محل، وهما قولان ط. قوله: (من خزائن الأسرار) الخزائن جمع خزانة ألفها
زائدة تقلب في الجمع همزة كقلائد في الألفية: [بحر الرجز].
وَالْمَدُّ زِيدَ ثَالِئاً فِي الْوَاحِدِ هَمزاً يُرَى فِي مِثْلٍ كَالْقَلَائِدِ
فتكتب بهمزة لا بياء بنقطتين من تحت بخلاف نحو معايش فإن الياء في المفرد أصلية
فتکتب بها، ابن عبد الرزاق.
فائدة من لطائف المفتي أبي السعود أنه سئل عن الخزانة والقصعة أيقرآن بالفتح أو
بالكسر؟ فأجاب بقوله: لا تُفتح الخزانة، ولا تكسر القصعة. قوله: (وبدائع) جمع بديعة،
من ابتدع الشيء: ابتدأه. قوله: (الأفكار) جمع فكر بالكسر ويفتح: إعمال النظر في الشيء
كالفكرة والفكري. قاموس. والمراد ما ابتدعه بفكره من الأبحاث وحسن التركيب
والوضع، أو ما ابتدعه المجتهد واستنبطه من الأدلة الشرعية، وهذا بيان لمعاني أجزاء العلم
قبل العلمية، أما بعدها فالمجموع اسم للكتاب. قوله: (في شرح) إن كان من جزء العلم
فلا يبحث عن الظرفية، وإلا فالأولى حذف ((في)) لأن خزائن الأسرار هو نفس الشرح،
وظاهر الظرفية يقتضي المغايرة، أفاده ط. أقول: وقد تزاد في، وحمل عليه بعضهم قوله
تعالى: وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] ويمكن أن تتعلق بمحذوف حالاً والظرفية فيها
مجازية مثل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ويمكن تعلقه بمذكور نظراً إلى
المعنى الأصلي قبل العلمية، فإن الأعلام وإن كان المراد بها اللفظ قد يلاحظ معها المعاني
الأصلية بالتبعية، ولهذا نادى بعض الكفرة أبا بكر رضي الله عنه بأبي الفصيل. أفاده حسن
جلبي في حاشية التلويح عند قوله: الموسوم بالتلويح إلى كشف حقائق التنقيح. قوله:
(قدرته في عشرة مجلدات كبار) مجلدات جمع مجلد، واسم المفعول من غير العاقل إذا جمع
يجمع جمع تأنيث كمخفوضات ومرفوعات ومنصوبات، والمراد أجزاء، لأن العادة أن الجزء
يوضع في جلد على حدة ط. أي إنه لما بيض الجزء الأول منه قدّر أن تمام الكتاب على
منوال ما بيض منه يبلغ عشرة مجلدات كبار وذكر المحبي وغيره أنه وصل في هذا الكتاب إلى
باب الوتر؛ والظاهر أنه لم يكمله في المسودة أيضاً وإنما ألف منه هذا الجزء الذي بيضه
فقط، والله تعالى أعلم. قوله: (فصرفت عنان العناية) العنان بالكسر: ما وصل بلجام
= ببغداد سنة ٥٠٧. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٧٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٦، الأعلام ٦/ ١٧١.

٩١٠
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
نحو الاختصار، وسميته بالدرّ المختار، في شرح تنوير الأبصار، الذي فاق كتب هذا
الفن في الضبط والتصحيح والاختصار، ولعمري
الفرس، والعناية: القصد. وفي نهاية الحديث: يقال عنيت فلاناً عنياً: إذا قصدته، وتشبيه
العناية بصورة الفرس في الإيصال إلى المطلوب استعارة بالكناية، وإثبات العنان استعارة
تخييلية، وذكر الصرف ترشيح، وفيه الإيهام بكتاب العناية اهـ. ابن عبد الرزاق. قوله: (نحو
الاختصار) أي جهة اختصار ما في خزائن الأسرار. قوله: (وسميته بالدرّ المختار) أي
سميت هذا المختصر المأخوذ من الاختصار أو الشرح المتقدم في قوله تبييض هذا الشرح،
وسمى يتعدى إلى مفعولين: الأول بنفسه، والثاني بحرف الجر كما هنا، أو بنفسه كما في
سميت ابني محمداً. قال ابن حجر: وما اشتهر من أن أسماء الكتب علم جنس وأسماء
العلوم علم شخص نوقش فيه بأنه إن نظر لتعدد الشيء بتعدد محله فكلاهما علم جنس، وإن
نظر للاتحاد العرفي فعلم شخص. وأما التفرقة فهي تحکم وترجيح بلا مرجح اهـ. والدر:
الجوهر، وهو اسم جنس يصدق على القليل والكثير. والمختار: الذي يؤثر على غيره،
أفاده ط. قوله: (الذي فاق) نعت لتنوير الأبصار لا الدر المختار اهـ.ح. وهذا بناء على أن
قوله في شرح تنوير الأبصار متعلق بمحذوف حال من الدّر المختار ليس جزء علم، فلا يرد
أن جزء العلم لا يوصف، على أنه قد ينظر فيه إلى ما قبل العلمية كما قدمناه، فافهم. قوله:
(هذا الفن) في القاموس: الفن الحال والضرب من الشيء كالأفنون جمعه أفنان وفنون اهـ.
والمراد به هنا علم لأنه نوع من العلوم. قوله: (في الضبط) هو الحفظ بالحزم. قاموس.
والمراد به هنا حسن التحرير ومتانة التعبير، فهو مضبوط كالحمل المحزوم. قوله:
(والتصحيح) أي ذكر الأقوال المصححة إلا ما ندر. قوله: (والاختصار) تقدم معناه، فهو
مع حسن التحرير والتصحيح خال عن التطويل. قوله: (ولعمري) قال في المغرب: العمر
بالضم والفتح: البقاء، إلا أن الفتح غلب في القسم حتى لا يجوز فيه الضم، يقال لعمرك
ولعمر الله لأفعلن، وارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف اهـ: أي قسمي أو يميني، والواو
فيه للاستئناف واللام للابتداء. قال في القاموس: وإذا سقط اللام نصب انتصاب المصادر،
وجاء في الحديث النهي عن قول لعمر الله اهـ. قال الحموي في حاشية الأشباه: فعلى هذا
ما كان ينبغي للمصنف أن يأتي بهذا القسم الجاهلي المنهي عنه اهـ. وفي شرح النقاية
للقهستاني: لا يجوز أن يحلف بغير الله تعالی، ویقال لعمر فلان، وإذا حلف ليس له أن يبرّ،
بل يجب أن يحنث، فإن البّ فيه كفر عند بعضهم كما في كفاية الشعبي اهـ.
أقول: لكن قال فاضل الروم حسن جلبي في حاشية المطول: قوله لعمري يمكن أن
يحمل على حذف المضاف: أي لواهب عمري، وكذا أمثاله مما أقسم فيه بغير الله تعالى
كقوله تعالى ﴿وَالشَّمْس﴾ [الشمس: ١] ﴿والليل﴾ [الشمس: ٢] ﴿والقمر﴾ [الشمس: ٣]

٩٢
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
لقد أضحت روضة هذا العلم به مفتحة الأزهار، مسلسلة الأنهار، من عجائبه ثمرات
التحقيق تختار،
ونظائره: أي وربّ الشمس الخ. ويمكن أن يكون المراد بقولهم لعمري وأمثاله ذكر صورة
القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط، لأنه أقوى من سائر المؤكدات، وأسلم من
التأكيد بالقسم بالله تعالى لوجوب البرّ به، وليس الغرض اليمين الشرعي وتشبيه غير الله
تعالی به في التعظيم حتى يردّ عليه أن الحلف بغير اسمه تعالى وصفاته عزّ وجل مكروه كما
صرح به النووي في شرح مسلم، بل الظاهر من كلام مشايخنا أنه كفر إن كان باعتقاده أنه
حلف يجب البرّ به، وحرام إن كان بدونه كما صرح به بعض الفضلاء، وذكر صورة القسم
على الوجه المذكور لا بأس به، ولهذا شاع بين العلماء، كيف وقد قال عليه الصلاة
والسلام: ((قد أفلح وأبيه)) وقال عزَّ من قائل ﴿لَعَمْرُكَ إِنُهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الحجر: ٧٢]. فهذا جرى على رسم اللغة، وكذا إطلاق القسم على أمثاله اهـ. قوله:
(أضحت) أي صارت، وتستعمل أضحى بمعنى صار كثيراً كما ذكره الأشموني. قوله:
(روضة هذا العلم) الروضة من العشب: مستنقع الماء لاستراضة الماء فيها، وهذا معناها في
أصل الوضع، ولذا قال بعض العلماء: الروضة أرض ذات مياه وأشجار وأزهار، شبه الفقه
ببستان على سبيل الاستعارة بالكناية، وإثبات الروضة تخييل، وما بعده ترشيح للمكنية أو
للتخييلية باقياً على معناه مقصوداً به تقوية الاستعارة ويجوز أن يكون مستعاراً لملائم المشبه
كما قرّر في محله، بأن تشبه المسائل بالأزهار والأنهار على سبيل الاستعارة المكنية أيضاً
وإثبات التفتيح والتسلسل تخييل. قوله: (مفتحة الأزهار) أصله مفتحة الأزهار منها أو
أزهارها على جعل أل عوضاً عن المضاف إليه، والأزهار مرفوع بالنيابة عن الفاعل، فحوّل
الإسناد إلى ضمير الموصوف ثم أضيف اسم المفعول إلى مرفوعه معنى، فهو حينئذٍ جار
مجرى الصفة المشبهة، فافهم. قوله: (مسلسلة الأنهار) الكلام فيه كالذي قبله. وفي
القاموس: تسلسل الماء جرى في حدور. قوله: (من عجائبه) جمع عجيب، والاسم العجيبة
والأعجوبة. قاموس. والمراد بها مسائله العجيبة. و((من)) صلة لقوله تختار، وثمرات مبتدأ
والتحقيق مضاف إليه، ويطلق على ذكر الشىء على الوجه الحق وعلى إثبات الشيء بدليله،
وجملة تختار خبر المبتدأ، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبه التحقيق بشجرة، وإثبات
الثمرات لها تخييل.
ولا يخفى أن مسائل هذا الكتاب مذكورة على الوجه الحق، وثابتة بدلائلها عند
المجتهد، ولا يلزم من إثبات الشيء بدلیله أن یکتب دلیله معه حتى يرد أنه لم یذکر في
المتن الأدلة، وكذا لا يلزم من كون مسائله مذكورة على الوجه الحق أن يكون غيره من
المتون ليس كذلك، فافهم، ويجوز أن يراد بالثمرة الفائدة والنتيجة، والمعنى أن ما يستفاد
بالتحقيق ويستنتج به من الأحكام الشرعية يختار من مسائله المعجبة. قوله: (ومن غرائبه)

٩٣
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
ومن غرائبه ذخائر تدقيق تحير الأفكار، لشيخ شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد اللّه
جمع غريبة: أي مسائله الغريبة العزيزة الوجود التي زادها على المتون المتداولة فهي كالرجل
الغريب، أو المراد تراكيبه وإشاراته الفائقة على غيرها حتى صارت غريبة في بابها.
والذخائر: جمع ذخيرة بمعنى مذخورة ما يذخر: أي يختار ويحفظ. والتدقيق: إثبات المسألة
بدليل دقّ طريقه لناظريه كما في تعريفات السيد. وقيل إثبات دليل المسألة بدليل آخر.
وجملة تحير الأفكار صفة ذخائر الواقع مبتدأ مؤخراً خبراً عنه بالظرف قبله.
ولما كان التدقيق مأخوذاً من الدقة وهي الغموض والخفاء ذكر معه الذخائر التي تحفظ
عادة وتخبأ، وذكر معه أيضاً تحير الأفكار: وهو عدم اهتدائها، والمراد بها أصحابها، بخلاف
التحقيق فإنه لا يلزم أن يكون فيه دقة، والحق ظاهر لا يخفى، فلذا ذكر معه الثمرات التي
تظهر عادة. قوله: (الشيخ شيخنا) متعلق بمحذوف نعت لتنوير الأبصار أو حال منه: أي
الكائن أو كائناً اهـ.ح. قوله: (شيخ الإسلام) أي شيخ أهل الإسلام، وهذا الوصف غلب
على من كان في منصب الإفتاء أو القضاء. قوله: (محمد بن عبد الله) بن أحمد الخطيب ابن
محمد الخطيب ابن إبراهيم الخطيب اهـ.ح. ورأيت في رسالة لحفيد المصنف وهو الشيخ
محمد ابن الشيخ صالح ابن المصنف، زاد بعد إبراهيم المذكور ابن خليل بن تمرتاشي. قال
المحبي: كان إماماً كبيراً حسن السمت قويّ الحافظة كثير الاطلاع، وبالجملة فلم يبق من
يساويه في الرتبة، وقد ألف التأليف العجيبة المتقنة، منها التنوير وهو في الفقه جليل
المقدار جمّ الفائدة، دقق في المسائل كل التدقيق ورزق فيه السعد فاشتهر في الآفاق، وهو
من أنفع كتبه، وشرحه هو، واعتنى بشرحه جماعة منهم العلامة الحصكفي مفتي الشام،
والمنلا حسين بن إسكندر الرومي نزيل دمشق، والشيخ عبد الرزاق مدرس الناصرية، وكتب
عليه شيخ الإسلام محمد الأنكوري كتابات في غاية التحرير والنفع، وكتب على شرح مؤلفه
شيخ الإسلام خير الدين الرملي حواشي مفيدة، وله تآليف لا تحصى، توفي سنة ١٠٠٤ عن
خمس وستين سنة اهـ.
قلت: ومن تأليف المصنف كتاب معين المفتي، والمنظومة الفقهية المسماة تحفة
الأقران وشرحها مواهب الرحمن، والفتاوى المشهورة، وشرح زاد الفقير لابن الهمام،
وشرح الوقاية، وشرح الوهبانية، وشرح يقول العبد، وشرح المنار، وشرح مختصر المنار،
وشرح الكنز إلى كتاب الإيمان، وحاشية على الدرر لم تتم، ورسائل كثيرة منها رسالة في
العشرة المبشرين بالجنة، وفي عصمة الأنبياء وفي دخول الحمام، وفي لفظ جوزتك بتقديم
الجيم، وفي القضاء، وفي الكنائس، وفي المزارعة، وفي الوقوف بعرفة، وفي الكراهية،
وفي حرمة القراءة خلف الإمام، وفي جواز الاستنابة في الخطبة، وفي أحكام الدروز

٩٤
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
التمرتاشي الحنفي الغزي، عمدة المتأخرين الأخيار، فإني أرويه عن شيخنا الشيخ
عبد النبي الخليلي، عن المصنف عن ابن نجيم المصري، بسنده إلى صاحب
المذهب أبي حنيفة، بسنده إلى النبي ول﴿ المصطفى المختار، عن جبريل، عن الله
والأرفاض، وفي مشكلات مسائل وشرحها، وله رسالة في التصوف وشرحها، ومنظومة
فيه، ورسالة في علم الصرف، وشرح القطر وغير ذلك، ذكره بعضهم. قوله: (التمرتاشي)
نسبة إلى تمرتاش. نقل صاحب مراصد الاطلاع في أسماء الأماكن والبقاع أن تُمُزْتاش
بضمتين وسكون الراء وتاء وألف وشين معجمة: قرية من قرى خوارزم اهـ. ط. قلت:
والأقرب أنه نسبة إلى جده تمرتاشي كما قدمناه. قوله: (الغزي) نسبة إلى غزة هاشم، وهي
كما في القاموس: بلد بفلسطين، ولد بها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ومات بها هاشم بن
عبد مناف. قوله: (عمدة المتأخرين) أي معتمدهم في الأحكام الشرعية. قوله: (الأخيار)
جمع خيرّ بالتشديد: كثير الخير. قوله: (فإني أرويه) تفريع على قوله لشيخ شيخنا الخ، فإنه
لما جزم بنسبته إليه أفاد أن ذلك واصل إليه بالسند، والضمير لتنوير الأبصار، ولكن روايته
عن ابن نجیم باعتبار المسائل التي فيه مع قطع النظر عن صورته المشخصة کما أفادہ ح، أو
الضمير للعلم المذكور في قوله قد أضحت روضة هذا العلم كما أفاده ط. قوله: (عن ابن
نجيم) هو الشيخ زين بن إبراهيم بن نجيم وزين اسمه العلمي. ترجمه النجم الغزي في
الكواكب السائرة فقال: هو الشيخ العلامة المحقق المدقق الفهامة زين العابدين الحنفي.
أخذ العلوم عن جماعة، منهم الشيخ شرف الدين البلقيني، والشيخ شهاب الدين الشلبي،
والشيخ أمين الدين بن عبد العال، وأبو الفيض السلمي. وأجازه بالإفتاء والتدريس فأفتى
ودرس في حياة أشياخه وانتفع به خلائق. وله عدة مصنفات: منها شرح الكنز، والأشباه
والنظائر، وصار كتابه عمدة الحنفية ومرجعهم. وأخذ الطريق عن الشيخ العارف بالله تعالى
سليمان الخضيري، وكان له ذوق في حل مشكلات القوم. قال العراف الشعراني: صحبته
عشر سنين، فما رأيت عليه شيئاً يشينه، وحججت معه في سنة ٩٥٣ فرأيته على خلق عظيم
مع جيرانه وغلمانه ذهاباً وإياباً، مع أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال. وكانت وفاته سنة
٩٦٩ كما أخبرني بذلك تلميذه الشيخ محمد العلمي اهـ.
قلت: ومن تآليفه: شرح على المنار، ومختصر التحرير لابن الهمام، وتعليقة على
الهداية من البيوع وحاشية على جامع الفصولين. وله الفوائد والفتاوى، والرسائل الزينية.
ومن تلامذته أخوه المحقق الشيخ عمر بن نجيم صاحب النهر. قوله: (بسنده) أي حال كونه
راوياً ذلك بسنده، وقدمنا تمام السند. قوله: (المصطفى) من الصفوة: وهو الخلوص.
والاصطفاء: الاختيار، لأن الإنسان لا يصطفى إلا إذا كان خالصاً طيباً، وقوله المختار

٩٥
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
الواحد القهار، كما هو مبسوط في إجازاتنا بطرق عديدة، عن المشايخ المتبحرين
الكبار.
وما كان في الدرر والغرر لم أعزه إلى ما ندر، وما زاد وعزّ نقله عزوته لقائله، وما
للاختصار، ومأمولي من الناظر فيه أن ينظر بعين الرضا والاستبصار، وأن يتلافى تلافه
بمعناه، وهذان اسمان من أسمائه پ# ط. قوله: (كما هو) حال من قوله بسنده. قوله:
(عن المشايخ) متعلق بمحذوف حال من إجازتنا: أي المروية عنهم أو بإجازاتنا لتضمنه
معنى رواياتنا. ومن جملة مشايخه القطب الكبير والعالم الشهير سيدي الشيخ أيوب
الخلوتي(١) الحنفي. قوله: (في الدرر والغرر) كلاهما لمنلا خسرو، والدرر هو شرح
الغرر. قوله: (لم أعزه) أي لم أنسبه، من عزا يعزو، واسم المفعول منه معزو كمدعو،
بالتصحيح أرجح من معزى بالإعلال. قال في الألفية: [بحر الرجز].
وَصَحِّح المَفْعُولَ مِنْ نَحْوِ عَدَا وَاعْلِلْهُ إِنْ لَمْ تَتَحَرَّ الأَجْوَدَا
ويروى بالوجهين قول الشاعر: ((أنا الليث معدياً عليه وعاديا)) والثاني هو الجاري
على ألسنة الفقهاء. قوله: (وما زاد وعزّ نقله) أي وما زاد على الدرر والغرر وعزَّ نقله في
الكتب المتداولة عزوته لقائله. وفي بعض النسخ: وما زاد عن نقله: أي وما زاد عن
المنقول في الدرر والغرر)، فعن بمعنى على، والمصدر بمعنى اسم المفعول. قوله: (روما)
أي قصداً للاختصار علة لقوله لم أعزه، وفيه إشارة إلى كثرة نقله عن الدرر ومتابعته له كعادة
المصنف في متنه وشرحه، وهو بذلك حقيق فإنه كتاب مبني على غاية التحقيق. قوله:
(ومأمولي) من الأمل وهو الرجاء. قوله: (من الناظر) أي المتأمل. قال الراغب: النظر قد
يراد به التأمل والتفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، واستعمال النظر في
البصيرة أكثر عند الخاصة، والعامة بالعكس اهـ. وتمامه في حاشية الحموي. قوله: (فيه)
أي في شرحي هذا. قوله: (بعين الرضا) أي بالعين الدالة على الرضا، ولا ينظر بعين
المقت، فإن من نظر بها تبين له الحق باطلاً، كما قال الشاعر: [بحر الطويل].
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ كَمَا أنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
أو أنه شبه الرضا بإنسان له عين تشبيهاً مضمراً في النفس، وذكر العين تخييل ط.
قوله: (والاستبصار) السين والتاء زائدتان: أي والإبصار، والمراد به التبصر والتأمل ط.
قوله: (وأن يتلافى) أي يتدارك. في القاموس: تلافاه: تداركه. قوله: (تلافه) الذي في
القاموس وجامع اللغة ولسان العرب: التلف: الهلاك، ولم يذكروا التلاف،
(١) أيوب بن أحمد بن أيوب القرشي الماتريدي الحنفي الخلوتي: من كبار المتصوفين: تلقى أنواع العلوم وكان شيخ
وقته. له عدة رسائل منها: ((الرسالة الأسمّائية في طريق الخلوتية)) و((رسالة اليقين)) و((التحقيق في رسالة
الصديق)). توفي بدمشق سنة ١٠٧١. انظر: خلاصة الأثر ٤٢٨/١، الأعلام ٢/ ٣٧.

٩٦
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
بقدر الإمكان، أو يصفح ليصفح عنه عالم الأسرار والإضمار، ولعمري إن السلامة من
هذا الخطر لأمر يعزّ
فليراجع اهـ.ح. ووقع التعبير به لغير الشارح كالإمام عمر بن الفارض(١) قدس سرّه في
قصيدته الكافية بقوله: [بحر الخفيف].
وَتَّلَافِي إِنْ كَانَ فِيهِ أَثْتِلافي بِكَ عَجِّلْ بِهِ جُعِلْتُ فِدَاكًا
ويحتمل أن الألف إشباع وهو لغة قوم ط. وفسر العلامة البوريني(٢) في شرحه على
ديوان ابن الفارض التلاف بالتلف، وكذا قال سيدي عبد الغني النابلسي في شرحه علیه،
وتلافي مصدر مضاف إلى المتكلم، ووقع في كلام الشعراء كثيراً ومنه قول ابن عنين يخاطب
بعض الملوك وكان مريضاً: [بحر الكامل].
أنّظُرْ إِلَيَّ بِعَيْنِ مَوْلىّ لَمْ يَزَلْ يُولي النَّدَى وَتَلَفَ قَبْلَ تَّلافِي
أَنَا كَالَّذِي أَحتاجُ مَا يحتاجُهُ فَأَغْنَمْ دُعَائِي والثَّنَاءَ الوَافي
فجاءه الملك بألف دينار وقال له: أنت الذي، وهذه الصلة، وأنا العائد. قوله:
(بقدر الإمكان) متعلق بقوله يتلافى، والإضافة بيانية: أي إذا رأى فيه عيباً يتداركه بإمكانه،
بأن يحمله على محمل حسن حيث أمكن، أو يصلحه بتغيير لفظه إن لم يمكن تأويله. قوله:
(أو يصغي)(٣) في بعض النسخ بالواو: أي يسمح ولا يفصح. والصفح في الأصل: الميل
بصفحة العنق ثم أريد به مطلق الإعراض. قوله: (ليصفح عنه الخ) لأن الجزاء من جنس
العمل. قوله: (الإسرار) بكسر الهمزة مصدر أسرّ ليناسب الإضمار، وإن احتمل أن يكون
بفتحها جمع سرّ اهـ.ح. وعلى الأول فعطف الإضمار عليه عطف مرادف. وعلى الثاني
عطف مغاير. قال ط: والأولى أن يقول بدل الإضمار الإظهار ليكون في كلامه صنعة
الطباق، وهي الجمع بين لفظين متقابلي المعنى. قوله: (ولعمري) تقدم الكلام عليه، وهذه
الفقرة وقعت في خطبة النهر. قوله: (الخطر) هو الإشراف على الهلاك، والمراد به هنا
الشيء الشاق. وهو الخطأ والسهو المعبر عنه بالتلاف. قوله: (يعزّ) على وزن يقل أو يمل
(١) عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار، أبو حفص وأبو القاسم، شرف الدين
ابن الفارض، أشعر المتصوفين له ((ديوان شعر)) توفي سنة ٦٣٢.
انظر: وفيات الأعيان ١/ ٣٨٣، ميزان الاعتدال ٢٦٦/٢، الأعلام ٥٥/٥.
(٢) الحسن بن محمد بن محمد بن حسن الصفوري البوريني، بدر الدين: مؤرخ من العلماء بالأدب والحديث والفقه
والرياضيات والمنطق. كان يجيد الفارسية والتركية. من تصانيفه ((تراجم الأعيان من أبناء الزمان)) و((الرحلة
الحلبية)) و ((حاشية على أنوار التنزيل)) توفي بدمشق سنة ١٠٢٤.
انظر آداب اللغة ٢٩٣/٣، خلاصة الأثر ٢/ ٦٢.٥١، الأعلام ٢١٩/٢.
(٣) في ط (قوله أو يصغي) ليست في نسخ الشرح التي بأيدينا، والتي في هذا الشرح (أو يصفح) ولعلها في نسخة
أخرى.

٩٧
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
على البشر. ولا غرو فإن النسيان من خصائص الإنسانية، والخطأ والزلل من شعائر
الآدمية، وأستغفر الله مستعيذاً به
كما في القاموس، والمادة تأتي بمعنى العسر، وبمعنى الضيق، وبمعنى العظمة كما أفاده
في القاموس، وكل صحيح أفاده ط. قوله: (البشر) اسم جنس. والبشر: ظاهر البشرة،
وهو ما ظهر من الجحد. والجن: ما اختفى من الاجتنان، وهو الاستتار ط. قوله: (ولا
غرو) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة مصدر غرا من باب عدا، بمعنى عجب
بوزن فرح: أي لا عجب اهـ.ح: أي من عزّة السلامة مما ذكر. قوله: (فإن النسيان) الفاء
تعليلية: أي: لأن النسيان الذي هو سبب التلاف المتقدم ط. وعرفه في التحرير بأنه عدم
الاستحضار في وقت الحاجة، قال: فشمل السهو لأن اللغة لا تفرق بينهما اهـ. قوله: (من
خصائص الإنسانية) أي من الأمور الخاصة بالحقيقة الإنسانية: أي بأفرادها، والياء للنسبة
إلى المجرّد عنها. وروي عن ابن عباس أنه قال: سمي إنساناً، لأنه عهد إليه فنسي. وقال
الشاعر: [بحر الكامل].
لَا تَتْسَيْنُ تِلْكَ العُهُودَ فَإِنَّمَا سُمِّيتَ إِنْسَاناً لأنَّكَ نَاسي
وقال آخر: [بحر البسيط].
نَسِيتَ وَعْدَكَ والنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ ناسٍ أوَّلُ النَّاسِ
وقيل لأنسه بأمثاله أو بربه تعالى، قال الشاعر: [بحر الطويل].
وَمَا سُمِّيَ الإنْسَانُ إِلَّ لأُنْسِهِ وَلَ القَلْبُ إِلَّ أنه يَتَقلَّبُ
قوله: (والخطأ) هو أن يقصد بالفعل غير المحل الذي يقصد به الجنایة کالرمي إلى
الصيد فأصاب آدمياً تحرير. وفي القاموس: الخطأ ضد الصواب، ثم قال: والخطأ ما لم
يتعمد. قوله: (من شعائر الآدمية) الشعائر: العلامات كما في القاموس ح. قال في معراج
الدراية: وشرعاً ما يؤدى من العبادات على سبيل الاشتهار كالأذان والجماعة والجمعة
وصلاة العيد والأضحية. وقيل: هي ما جعل علماً على طاعة الله تعالى اهـ. قال ط: وإنما
عبر بها هنا وفيما تقدم بخصائص، لأن النسيان من خصائص الإنسان، والخطأ والزلل يكون
منه ومن غيره حتى من الملائكة، كما وقع لإبليس بناء على أنه منهم، ولهاروت وماروت
على ما قيل، كقولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ وكنظر بعض الملائكة إلى مقامه في
العبادة. وأما الجن فذلك أكثر حالهم. قوله: (وأستغفر الله) أي أطلب منه ستر ذنبي، وكأنه
أتى به لأن ما ذكره قبله فيه نوع [تبرئة](١) للنفس وهو مما لا ينبغي، بل الأولى هضم النفس
بالخطإ والنسيان وإن كانا من لوازم الإنسان. قوله: (مستعيذاً) حال من فاعل أستغفر.
(١) سقط في دص ٢٢.

٩٨
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
من حسد يسدّ باب الإنصاف، ويردّ عن جميل الأوصاف. ألا وإن الحسد حسك،
والعوذ: الالتجاء كالعياذ والمعاذة والتعوذ والاستعاذة. والعوذ: بالتحريك الملجأ كالمعاذ
والعياذ. قاموس. قوله: (من حسد) هو تمني زوال نعمة المحسود، سواء تمنى انتقالها إليه
أم لا. ويطلق على الغبطة مجازاً، وهي تمني مثل تلك النعمة من غير إرادة زوالها عن
صاحبها، وهو غير مذموم، بخلاف الأول، لأنه يؤديّ إلى الاعتراض على الله تعالى، ولذا
قال عليه الصلاة والسلام ((إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب))(1) وسماه عليه الصلاة والسلام حالقة الدين لا حالقة الشعر. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ
شَرِّ حَاسِدٍ إذا حَسَد﴾ [الفلق: ٦]. والحاسد ظالم لنفسه، حيث أتعب نفسه وأحزنها وأوقعها
في الإثم، ولغيره، حيث لم يحب له ما يحب لنفسه، ولذا قال أبو الطيب: [بحر الطويل].
وَأَظْلَمُ أَهْلِ الأرضِ مَنْ كانَ حَاسِداً لِمَنْ بَاتَ فِي نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ
قوله: (يسدّ باب الإنصاف) صفة تأكيدية، لأن حقيقة الحسد مشعرة بها، إذ الإنصاف
هو الجري على سنن الاعتدال والاستقامة على طريق الحق، وهذا الوصف لا يتأتى وجوده
مع الحسد، والغرض من الإتيان بهذا الوصف التأكيدي النداء على كمال بشاعة الحسد
وتقرير ذمه والتنفير عنه، ولا يخفى ما فيه من الاستعارة المكنبية والتخييلية والترشيح. قوله:
(ويردّ) أي يصرف صاحبه عن جميل الأوصاف: أي عن الاتصاف بالأوصاف الجميلة أو عن
رؤيتها في المحسود فلا يرى الحاسد له وصفاً جميلاً، لما أن عين السخط تبدي المساويا.
وردّ يتعدى بنفسه، ويتعدى بعن إلى مفعول ثان وإن لم يذكره في القاموس، فمن شواهد
النحاة قول الشاعر: [بحر الوافز].
أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وَبَعْدٍ عَطَائِكَ المائَةَ الرَّتَاعًا فافهم
وهذه الفقرة بمعنى التي قبلها، وفي الفقرتين من أنواع البديع الترصيع، وهو أن يكون
ما في إحداهما من الألفاظ أو أكثره مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية. والجناس
اللاحق وهو اختلاف اللفظين المتجانسين في حرفين، غير متقاربين ولزوم ما لا يلزم، وهو
هنا الإتيان بالصاد قبل الألف في الإنصاف والأوصاف، وقد أتى بهاتين الفقرتين المصنف
في المنح وابن الشحنة في شرح الوهبانية، وسبقهما إلى ذلك ابن مالك في التسهيل. قوله:
(ألا) أداة استفتاح يستفتح بها الكلام. قوله: (حسك) بفتحتين: شوك السعدان. والسعدان:
نبت من أفضل مراعي الإبل كما في القاموس ح. وهذا من التشبيه البليغ، فهو على حذف
الأداة، أو تجري فيها استعارة على طريقة السعد ط: وبين الحسد وحسك: الجناس اللاحق
(١) أخرجه ابن ماجة (٤٢١٠) وابن عدي في كامله ٥/ ١٨٨٧، ومن طريق آخر ٧/ ٢٥٥٤، وأخرجه الخطيب في التاريخ
٢٢٧/٢ وابن عساكر كما في التهذيب والسيوطي في الدر المنثور ٤١٩/٦ وانظر كشف الخفا ٤٢٦/١، ٤٣٠.

٩٩
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
من تعلق به هلك، وكفى للحاسد ذمَّا آخر سورة الفلق، في اضطرامه بالقلق، لله درّ
الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
أيضاً. قوله: (من تعلق به هلك) يشير إلى وجه الشبه، فإن الحسد إذا تعلق بإنسان أهلكه
لأنه يأكل حسناته ط. وظاهره أن الضمير في تعلق للحسد لا لمن، والأنسب إرجاعه لمن.
قوله: (وكفى للحاسد الخ) كفى فعل ماض، واللام في للحاسد زائدة في المفعول به على
غير قياس، وذماً تمييز، وتمييز كفى غير محوّل عن شيء كما ذكره الدماميني في شرح
التسهيل، ومثله: امتلأ الكوز ماء، وآخر بالرفع فاعل كفى، ولم يزد الباء في فاعلها لأنه غير
لازم بل غالب، بخلاف زيادتها في فاعل أفعل في التعجب فإنها لازمة؛ لكن قال الدماميني:
إن كان كفى بمعنى أجزا وأغنى أو بمعنى وقى لم تزد الباء في فاعلها، هكذا قيل. ولم أر
من أفصح عن معنى كفى التي تغلب زيادة الباء في فاعلها. وفي كلام بعضهم ما يشير إلى
أنها قاصرة لا متعدية، وفي كلام بعضهم خلاف ذلك اهـ. فافهم. ووجه الذم أنه تعالى أسند
إليه الشرّ وأمر نبيه ◌َ ﴿ بالاستعاذة منه، وأيّ ذم أعظم من ذلك. قوله: (في اضطرامه) متعلق
بكفى أو بمحذوف حال من الحاسد، أو في للتعليل كما في حديث ((إنَّ امرأةً دَخَلَتِ النَّارَ
في هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا)) أو بمعنى مع كما في . ادخلوا في أمم - والاضطرام كما قال ح عن جامع
اللغة: اشتعال النار فيما يسرع اشتعالها فيه. قال ط: شبه شدة تحسره لفوات غرضه
بالاشتعال. قوله: (بالقلق) هو بالتحريك: الانزعاج. قاموس. قوله: (لله درّ الحسد) في
الرضيّ: الدرّ في الأصل ما يدر: أي ما ينزل من الضرع من اللبن ومن الغيم من المطر،
وهو هنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه؛ وإنما نسب فعله لله تعالى قصداً للتعجب منه،
لأن الله تعالى منشئ العجائب، وكل شيء عظيم يريدون التعجب منه ينسبونه إليه تعالى
ويضيفونه إليه؛ فمعنى لله درّه: ما أعجب فعله! وفي القاموس: وقولهم ولله درّه: أي
عمله، كذا في حواشي الجامي للمولى عصام، ثم قال: فقول الشرح: يعني الجامي لله
خيره بجعل الدر كناية عن الخير لا يوافق تحقيق اللغة اهـ. ابن عبد الرزاق. قوله: (ما أعدله
الخ) تعجب ثان متضمن لبيان منشأ التعجب. وفي الرسالة القشيرية قال معاوية رضي الله
عنه: ليس في خلال الشرّ خلة أعدل من الحسد، تقتل الحاسد غماً قبل المحسود اهـ. لكن
شرطه ما قال الشاعر: [بحر البسيط].
دَع الحَسُودَ وَمَا يَلْقاهُ مِنْ كَمِدهُ كَفَاكَ مِنْهُ لَهيبُ النَّارِ في كَبِدِهْ
إِنْ لُمْتَ ذَا حَسَدٍ نَفَّسْتَ كُرْبَتَهُ وَإِنْ سَكَتَّ فَقَدْ عَذَّبْتَهُ بِيَدِهِ
وقال آخر وقد أجاد: [بحر مجزوء الكامل).
أَصْبْ عَلَى كَيْدِ الحَسُو دِفَإِنَّ صَبرِكَ يَقْتُلُهْ
الثَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَها إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُه

١٠٠
تقديم المؤلف حول البسملة والحمدلة
وَمَا أَنَا مِنْ كَيْدِ الحَسُودِ بِآَمِنٍ وَلَا جَاهِلٍ يُزْرِي وَلَا يَتَدَبَّرُ
بحر الطويل
ولله در القائل :
هِمْ يَحَسُدُونِي وَشَرُّ النَّاسِ كُلِّهِمُ مَنْ عَاشَ فِي النَّاسِ يَوْماً غَيرٍ مَحَسُودٍ
[بحر البسيط].
إذ لا يسود
قوله: (وما أنا الخ) البيت من المنظومة الوهبانية، قال شارحها العلامة عبد البرّ بن
الشحنة: الكيد الخديعة والمكر، والحسود فعول من الحسد فيه مبالغة في معنى الحاسد.
والآمن: المطمئن، ولا جاهل عطف على الحسود: يعني ولا من كيد جاهل، ويزري بفتح
التحتية من زرى عليه: إذا عابه واستهزأ به وأنكر عليه ولم يعده شيئاً أو تهاون به، ويجوز
ضمها من أزرى. قال في القاموس: لكنه قليل وتزرى وأزرى بأخيه: أدخل عليه عيباً أو
أمراً يريد أن يلبس عليه به. ولا يتدبر عطف عليه: أي لا يتفكر في عواقب الأمور. وسبب
هذا البيت أنه ابتلي بما ابتليت به من حسد الحاسدين وكيد المعاندين، والله المسؤول أن
يجعل كيدهم في نحرهم، فبعضهم استكثره عليه، والبعض قال: إنه مسبوق إليه اهـ.
ملخصاً. قوله: (هم يحسدوني) أصله يحسدونني حذفت إحدى النونين تخفيفاً اهـ. ح. وشرّ
أفعل تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال كما حذفت من خير، وإثباتها لغة قليلة أو رديئة
كما في القاموس، وكلهم بالجرّ تأكيد للناس لإفادة الشمول.
ولا يقال الكافر شرّ ممن لم يحسد، فكيف يكون من لم يحسد شراً منه؟ لأنا نقول: هو
من جملة من لم يحسد، بل ليس له ما يحسد عليه، لقوله تعالى: ﴿أَيُحِسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهمْ بهِ﴾
[المؤمنون: ٥٥] الآية، فافهم. وفي الناس بمعنى معهم، ويوماً ظرف لعاش وغيره
بالنصب حال. وقد/ أتى الشارح بهذا البيت تبعاً لابن الشحنة تسلية للنفس، فإن الحسد لا
يكون إلا لذوي الكمال المتصفين بأكمل الخصال، وفي معناه ما ينسب إلى عليّ كرَّمَ الله
وجهه: [بحر البسيط].
إِنْ يحسدُوني فَإِنِّي غَيْ لَائِمِهِمْ قَبْلِي مِنَ النَّاسِ أَهْلُ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا
فَدَامَ بِي وَبِهِمْ مَا بِي وَمَا بِهِمْ وَمَاتَ أَكْثَرُنا غَيْظاً بِما يَجِدُ
قوله: (إذ لا یسود) أي لا یصیر ذا سؤدد وفخار، وأصله يسود کینصر، نقلت حرکت
الواو إلى الساكن قبلها فسكنت الواو، وهذا علة لمفهوم وشرّ الناس، لأنه إذا كان شرّ الناس
من لم يحسد نتج أن خيرهم من يحسد، وإنما كان ذلك سبباً في سيادته، لأن المدح يترتب
عليه الرياسة والسؤدد، والقدح فيه يترتب عليه الحلم والتحمل والصفح، وذلك سبب في
السيادة أيضاً اهـ.ط.
قلت: والحسود أيضاً سبب في السيادة من حيث إنه سبب لنشر ما انطوى من