النص المفهرس
صفحات 1-20
رَدُ المَتََّ ح الدَّرِّ المختَار شَرِح تَويرِ الْأَبْصَار لخَاتِمَةِ المحققينُ محمد أمين الشهير بابن عابدين مَعَ تَكْمِلَة ابن عَابْدين لنحل المؤَّلف دَرَاسَة وتحقيق وتعليق الشيخ علي محمّد موض الشيخ عادل أحمد عبدالموجود قدَّم له وَقَّظه الأستاذ الدكتور محمد بكر إسماعيل كلية الدراسات من جامعة الأزهر الجُزء الأوّل المحتوى كتاب الطهارة دَارُ عَالِ الكتب للطباعة والنشر وَالتوزيع الّيَاضُ. : م حِقُوق الطَّبَعْ مَحِفُوظَة طبْعَة خاصة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م دَارِ عَالَم الكُتبُ للطباعة والنشر وَالتوزيع العُليا - غربْ مؤسَسَة التحلية ت : ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢ ص .ب: ٦٤٦٠ - الهاضْ: ١١٤٤٢ تليفاكس : ٤٦٣١٣٣٦ الملكة العَربيّة السّعوديّة طبعَت هذه الطَّعَة بموافقة خَاصّة مِنْن دار الكتب العلمية. رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١) صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان ٣ مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم تقريظ يعد كتاب حاشية ابن عابدين من أوسع وأفضل كتب الأحناف ولقد أطلعت بسرور بالغ إلى هذا التحقيق الوجيز البليغ، الوافي بكل شروط التحقيق، وأكبرت من قام بهذا العمل لما تميز به من التحري الدقيق في اختيار المراجع التي رجع إليها والمصادر التي استقى منها، والأدلة التي اعتمد إليها في التصحيح والترجيح، وتصويب الأخطاء اللّغوية وغيرها. فكان عند حسن ظننا به في هذا العمل وغيره من الأعمال التي سبق أن اطلعت عليها. وهذا العمل يدل على كثرة الإطلاع وسعة الباع في معرفة المواطن التي ينبغي النظر فيها والوقوف عندها طويلاً. وقدر کل امرىء ما کان يحسنه. وإني اسأل اللّه عزّ وجلّ أن يوفق المحققين النابهين إلى مواصلة العمل في تحقيق كتب أخرى تكون في انتظار نظرة الثاقب وقلمه السيّال. أ .د /محمد بكر اسماعيل الأستاذ بجامعة الأزهر ٥ مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّا الَّذِينَ آمَنُوا أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. ﴿يَا أَيُّا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقِ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءٌ، وَأَتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ . ٧١]. أما بعد: قبل الخوض في الكلام عن الفقه الإسلامي ونشأته يحسن بنا أن نتكلم عن الحالة السياسية والعلمية في عصر المؤلف وصاحب الحاشية. الحالة السياسية في القرن العاشر الهجري وما بعده. استمر حكم دولة الجراكسة لمصر والشام والحجاز واليمن طيلة مائة وثمانية وأربعين عاماً، حيث كان مولدها على يد مؤسسها السلطان برقوق الذي بويع ٦ مقدمة بالسلطنة بعد خلع الملك الصالح أمير حاج، آخر سلاطين دولة الاتراك، وذلك سنة ٧٨٤هـ وقد احتفظت مصر بولائها للخلافة العباسية، ولكنه كان ولاءً اسمياً فقط حيث كانت الخلافة ضعيفة فالخليفة يملك ولا يحكم، وإنما الذي يملك الحكم، ويصرف أحوال البلاد هو السلطان، ويعاونه في ذلك وزراؤه الذين يقوم بتعيينهم وعزلهم، وكان يشرف على كل صغيرة وكبيرة، وينوب عن السلطان في حكم البلاد النائية والمدن الكبيرة، نواب يقوم بتعيينهم السلطان . ولقد تتابع في هذه الدولة سلاطين كثيرون بلغوا اثنين وعشرين سلطاناً يعنينا منهم من يختص بحقبتنا التي نتحدث عنها، وهي بدايات القرن العاشر الهجري، فترى منهم على الساحة السلطان قايتباي الجركسي المحمودي الأشرفي ثم الظاهري . تولى السلطان قايتباي بعد الملك الظاهر أبي سعيد تمريغا الظاهري، الذي كان مملوكاً من مشتريات السلطان جقمق، وسبب تولية قايتباي هي ثورة المماليك على تمريغا، وعزله ثم مبايعة الأشرف قايتباي. وما يهمنا هنا هو أن نذكر خلاصة الإنجازات التي تعلقت بفترة قايتباي، وذلك أن السلطان قايتباي حكم ثلاثين عاماً، فهو عاش أكبر مدة حكمها سلطان من الجراكسة، وقد كان وافر العقل، سديد الرأي، شجاعاً، قال السخاوي: وبالجملة فلم يجتمع لملك ممن أدركناه ما اجتمع له، ولا حوى من الحذق والذكاء والمحاسن مجمل ما اشتمل عليه، ولا مفصله، وربما مدحه الشعراء، ولا يلتفت إلى ذلك، ويقول: لو اشتغل بالمديح النبوي كان أعظم من هذه المسالك. وتولى بعد قايتباي ابنه محمد، وكان صغير السن، فقام الأمير قانصوه فخلعه، وجلس على السلطنة، ولكن سرعان ما دارت بينهما المشاحنات التي انتهت بهزيمة قانصوه، ثم بويع الناصر محمد مرة أخرى، ولكنه كان نزقاً طائشاً، عسوفاً، فسرعان ما اغتاله الأمير طومان، وهو راجع من لهوه. وذلك بعد مدة من حكم استمرت سنتین وثلاثة شهور. ثم تولى بعده خاله الملك الظاهر سعيد قانصوه، ولكن حدثت فتن وملاحم بين قانصوه والأمير طومان باي، والتي انتهت بانتصار الأخير، وفرار الأول، بعد ٧ مقدمة التحقيق فترة ولاية دامت ثمانية أشهر ونصف، ومع هذا كان قانصوه هيناً ليناً، كثير البر والمعروف، بيد أنه كان مسلوب الإرادة. ثم تسلطن الملك الأشرف أبو النصر جان بلاط الأشرفي، وفي نفس العام حضر الأمير طومان باي، وقام بمحاصرة القلعة، ورميها بالبندق، وقتل خلق كثيرين ممن فيها، وتم القبض على جان بلاط، وإرساله إلى الإسكندرية مقبوضاً علیه ثم خنق ومات. لم تدم فترة سلطنة طومان باي أکثر من ثلاثة أشهر، فقد ثار عليه ممالیکه ثم قبض عليه، وقطع رأسه. استتب الأمر بعد ذلك الملك الأشرف قانصوه الغوري، وهو الملك العشرون من ملوك الجراكسة في الديار المصرية، فقام بإصلاحات إدارية في دولته، وغير في مناصبها، كما قام بتشييد المدارس والمساجد، وقام ببناء الجسور والقناطر والقنوات وإيصال المياه إلى جميع الأماكن واهتم بالزراعة، وقام بتأمين طريق الحج، وكانت إصلاحاته أكثر من أن تحصى، وكان ذا فطنة وذكاء، كثير الدهاء والعسف، قمع الأمراء، وأذل المعاندين، ولكن الأحوال لا تدوم، فقد ثارت بينه وبين سليم الأول معارك انتهت بمعركة مرج دابق سنة ١٥١٦، وذلك بالمكان المذكور على مقربة من حلب، وانهزم فيها عسكر قانصوه، ووقع تحت سنابك الخيل، فقتل ولم يدر أين ذهب، وذلك في سنة ٩٢٢هـ. جاء الخبر بمقتل السلطان الغوري بحلب، فاتفق الأمراء على تولية الأشرف طومان باي، فبويع بالقاهرة سنة ٩٢٢، والدولة في اضطراب وقلاقل نتيجة لخلو الخزائن من المال بسبب الحرب مع العثمانيين، ولاحتلال هؤلاء البلاد الشامية وزحفهم على مصر، فقام بأعباء الملك، ووصل الترك العثمانيون إلى غزة، فجهز جيشاً، وسيره لقتالهم، فانهزم، وحشد الجموع من كل أفق، ودافع عن القاهرة دفاع البطولة، فغلب على أمره، ودخلها العثمانيون يقودهم السلطان سليم العثماني، ولم يكد السلطان سليم يستقر حتى خرج طومان باي من مخبئه، وثار عليه، لكنه مع قلة عتاده وكثرة العثمانيين وقوتهم، خسر أمامهم معركته، وهرب منهم لكن دل عليه بعض الناس، فاقتيد إلى باب زويلة وأعدم شنقاً، وكان محمود السيرة في سياسته مع الرعية، أبطل كثيراً من المظالم، مدة سلطنته ثلاثة أشهر و ١٤ يوماً، وبمقتله دخلت مصر في حكم الدولة العثمانية. ٨ مقدمة التحقيق وقبل الحديث عن الدولة العثمانية وأثرها في العالم الإسلامي ينبغي تقديم بيان يوضح ملك الحملة الشعواء الظالمة على الدولة العثمانية، حتى وصفت بأنها الدولة المفتری علیھا، وأقول: بادىء ذي بدء إطفاء نور التاريخ الإسلامي هي حقيقة واقعة، وهي إحدى المؤامرات التي يقوم بها التغريب من خلال مؤسستيه الكبيرتين مؤسسة التبشير، ومؤسسة الاستشراق بهدف تشويه تاريخ الإسلام في نظر المسلمين، إن الأيدي التي كتبت هذا التاريخ وقدمته للمسلمين سواء ما هو في مقررات دراسية أو في كتب منشورة في مقدمتها (دائرة المعارف الإسلامية) قد مزجته بزيف كثير، واستطاعت قوى كثيرة أن تفرض مطامعها وأهواءها. ومن تلك النفئات السامة ما أرادوا وصم الدولة العثمانية به، ولعل السبب في حملتهم تلك ما أذاقه العثمانيون الغرب، فإن الأخير لا ينسى لهم سيطرتهم على أجزاء كبيرة من أوروبا سيطرة امتدت أكثر من ثلاثة قرون. وصفحات التاريخ تكشف عن صور مظلمة من المؤامرة على العثمانيين بهدف تحطيم وجودهم وإدانة سيطرتهم إذا كانوا حجر عثرة في وجه مطامع الغرب في السيطرة على العالم الإسلامي لقد كان يجب أن يكون هذا كله واضحاً في تقدير كتاب المسلمين الذين يجدون في الحملة على المماليك والعثمانيين منطلقاً لهدم الوحدة الإسلامية، وإعلاء مفهوم القومية العربية المستعلية بالعنصر، وهو المفهوم الذي حطمه الإسلام، وحاربه ودعا إلى التحرر منه، لأنه يحول دون وحدة المسلمين فكرياً وثقافياً من خلال العقيدة والمنهج الإسلامي. والملاحظ أن الاتهامات التي توجهت إلى الدولة العثمانية إنما تتركز في تلك المرحلة المظلمة التي تولاها الاتحاديون العلمانيون (١٩٠٩ -١٩١٨) والتي أسلموا فيها طرابلس الغرب للإيطاليين، وأدخلوا الدولة الحرب الكبرى لتنهزم، ودورهم في تسليم فلسطين لليهود، فالاتحاديون هم الذين دحروا الرابطة الإسلامية بين العرب والترك، وعلقوا زعماء العرب على المشانق، وفتحوا باب تتريك العرب، وحملوا لواء الدعوة إلى الطورانية وإذلال العرب مما دفع العرب إلى التماس مفهوم العروبة لمقاومتهم. ولقد تكشف في السنوات الأخيرة حقائق كثيرة بالنسبة للدولة العثمانية وأكدتها أبحاث ومؤلفات منصفة ردت الاتهامات الظالمة عنهم، وأهمها الاتهام أنهم ٩ مقدمة التحقيق كانوا مصدر التأخير والتخلف كما تكشف أكذوبة الاستعمار التركي، فقد كانت العلاقة بين العرب والترك علاقة العقيدة والتماس المسلم نصرة أخيه القوي. أما ما تورده كتب التاريخ من صور ومواقف فإنها هذه جميعاً (ابن تغري بردي و .. ) كانت تمثل نظرة إقليمية ضيقة، وبذلك عمد الاستشراق إلى الاهتمام بها وإحيائها في طريق دعوته إلى تفكيك وحدة الأمة الإسلامية التي كانت حول الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية. لقد كانت كراهية الدولة العثمانية عاملاً مشتركاً بين جميع القوى: الماركسيين والغربيين والكنيسة الغربية، واليهود، وقد صدرت كلها عن قوى تحاول أن تحمل دولة مجاهدة حامية أكثر من أربعمائة سنة بيضة الإسلام من حدود الجزائر إلى الخليج تبعة أخطاء لم يرتكبوها(١)، فإلى الله المشتكى. عود على بدء فما زلنا نتحدث عن أحداث القرن العاشر الهجري السياسية والتي ولد ومات فيها صاحب ترجمتنا الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، فأقول: سقطت دولة الجراكسة، وقامت خلفها وعلى رفاتها الدولة العثمانية بمصر، وذلك على يد السلطان سليم الأول بعد موقعة مرج دابق ٩٢٢هـ ١٥١٦م وسقطت الإمبراطورية المصرية التي كانت في عهد السلاطين المماليك، وأصبحت مصر ولاية عثمانية تابعة بعد أن كانت تسود وتحكم كثيراً من الأقطار الإسلامية وانتقلت الخلافة من عباسية عربية في القاهرة إلى تركية عثمانية في استانبول. ومكن نقل الخلافة إلى استانبول العثمانيين أن يقيموا امبراطورية واسعة مترامية الأطراف من شتى الأجناس. ولم يكن الأتراك أصحاب حضارة علمية كالعرب فلم يضيفوا شيئاً يذكر على علوم العرب، ولكن كانت لهم ملكة عسكرية مكنتهم من الدفاع عن البلاد الإسلامية ضد المطامع الأوروبية، بل مكنتهم من التوغل في قلب أوروبا حتى حاصروا فيينا، واستولوا على اليونان وكثير من دول البلقان. وما بدأ القرن الحادي عشر الهجري ( ١٧م) حتى كان ملك آل عثمان يمتد من اليمن جنوباً حتى النمسا شمالً، ومن البحر الأسود شرقاً إلى المغرب غرباً (١) منار الإسلام العدد السادس/ ص ٦٧ مقالة الأستاذ أنور الجندي، جمادى الآخرة ١٤١٠هـ/ يناير ١٩٩٠. وراجع مذكرات السلطان عبد الحميد، الدولة العثمانية المفترى عليها. ١٠ مقدمة التحقيق طولًا وعرضاً، وكان للأسطول العثماني السيادة في البحرين الأبيض والأحمر وأصبح الساحلان الإفريقي والآسيوي من البحر الأبيض أرضاً عثمانية، كما أصبح البحر الأسود بحيرة عثمانية. وضع سليم الأول نظاماً لحكم مصر يضمن بمقتضاه استمرار التبعية، وصد كل من تحدثه نفسه من الولاة من محاولة الاستقلال بها، فجعل السلطات الرئيسية في البلاد كما يلي: أولًا: الوالي ويلقب بالباشا: وهو عثماني دائماً، ويعين من استانبول، ويتجدد تعيينه غالباً في ذي الحجة من كل سنة. ثانياً: المماليك، وكان السلطان سليم قد وعدهم بالإبقاء على امتيازاتهم، فأنشأ لهم ٢٤ إمرة أو صنجقية، وهذا أيضاً كان عدد أمراء المائة مقدمي الألوف غالباً في عهد السلاطين المماليك. والصنجق(١) يحمل لقب بك أي أمير وكان القرار بتعيين الصناجق يصدر أول الأمر من استنابول، ثم لما قوي شأن المماليك، كانوا هم الذين يقدرون الأسماء التي تحل محل من يتوفى أو يفصل من الصناجق في حدود العدد المذكور. وكان رئيس الأمراء المماليك يلقب بشيخ البلد، وكانت هناك وظائف أخرى يتنازعون عليها مثل: * الدفتردار: وهي أقرب لوظيفة وزير الداخلية. وإمارة الحج. وفريضة الحج من أركان الإسلام. والحج كان محفوفاً بالمخاطر من الأعراب الذين كانوا يتربصون للحجاج طول الطريق في الذهاب والعودة. وبرغم ما كان يبذل للأعراب من الأموال نظير تأمين الطريق وخفارة الحجاج، فكثيراً ما نكث الأعراب بالعهود. وقلما كان يسلم الحجاج من النهب والسلب، بل والقتل أحياناً، وخطف النساء وردهن لأهليهن بمقابل من المال، أو بیعھن فيما بينهم بيع الرقيق. وكانت وظيفة الكاشف لكل إقليم كالمحافظ الآن والكاشف أقل من الصنجق. (١) صنجق، أصلها سنجق بمعنى الرمح، وكان العلم أو الراية ترفع فوق الرمح، وكان السنجقدار أي حامل العلم يمشي خلف السلطان في المواكب (القلقشندي ٤٤٧/٥). ١١ مقدمة التحقيق ووظيفة الكتخدا: ومعناها الوكيل. وقد حرفها العامة إلى كيخيا. فللوالي الباشا كتخدا، ويقال له: كتخد بك. ولكل صنجق كتخدا. ولكل أوجاق أي فرقة من الحامية العثمانية كتخدا .. وهكذا. كذلك وظيفة والي مصر. أي المديقة. ((وهو غير الوالي العثماني فلقبه الباشا)». كذلك وظيفة المحتسب: وقد سبق ذكرها وغير ذلك من الوظائف المختلفة . ثالثاً: الجيش: وقد كوَّن السلطان سليم جيش الحامية من ستة أوجاقات - أي فرق - ومن رؤساء هذه الفرق يتكون ((مجلس الباشا الوالي)). ومن حق هذا المجلس رفض أي قرار يصدره الباشا مخالفاً للمصلحة العامة . رابعاً: الديوان الكبير: يتكون ممن ذكروا في الديوان الصغير، مضافاً إليهم العلماء، ورأيهم استشاري .. وهكذا نرى أنه ولو لم يجعل العلماء إحدى السلطات؟ ولكنه اعترف بهم كأحد المصادر الفكرية في البلاد. توفي السلطان سليم الأول بعد أن تم على يديه وفي عهده سيطرة العثمانيين على أقطار العالم العربي، تولى ابنه السلطان سليمان خان الحكم، وأقام فيه تسعاً وأربعين سنة حيث مات سنة ٩٧٥هـ، ثم ولي من بعده ابنه السلطان سليم الثاني، وأقام في الحكم ثمان سنين وبضعة أشهر ومات سنة ٩٨٣هـ. ثم مات السلطان سليم الثاني بعد حكم استمر ثماني سنوات وبضعة أشهر، فتولى بعده ابنه السلطان مراد خان، وأقام فيه عشرين سنة حيث توفي في عام ١٠٠٣ هـ، وقد اشتهر عن السلطان مراد خان أنه كان ورعاً ومتزناً في تصرفاته، فساس الأمور بما يرضي الرعية، فعزل الأشرار من الولاة، وعين بدلاً منهم الصالحين، وشجع العلم والعلماء، فارتاحت البلاد في عهده، وتولى من بعده ولده محمد خان، وعرف عنه أنه كان من المصلحين، فقد أعاد بناء الأزهر، وجعل فيه الوظائف، ورمم المشهد الحسيني في مصر، وبذلك فقد تتبع سياسة أبيه في إصلاح الرعية والبلاد. أقام السلطان محمد خان في الملك تسع سنين إلا شهراً، ومات سنة ١٠١٢ هـ ثم تولى بعده ابنه السلطان أحمد خان، وأقام في الحكم أربع عشرة سنة حيث مات سنة ١٠٢٦ هـ، فتولى من بعده أخوه السلطان مصطفى خان الذي ما ١٢ مقدمة التحقيق لبث أن خلع عن الملك، ولم يعزل قبله أحد من سلاطين آل عثمان، وولى بدلاً منه السلطان عثمان ابن السلطان أحمد خان سنة ١٠٢٧هـ. ورغم هذه الصفات الحميدة التي تمتع بها سلاطين تلك الحقبة إلا أنه لم تخل هذه الفترة من ثورات وفتن وملاحم في هذه الدولة الواسعة المترامية الأطراف. فمع بداية القرن الحادي عشر الهجري حصلت في بلاد الأناضول ثورة داخلية كادت تكون وخيمة العاقبة على الدولة، خصوصاً ونيران الحرب مستعر لهيبها على حدود المجر والنمسا. ذلك أن بعض الولاة ومنهم والي بغداد رفع راية العصيان عالياً، وكفر بنعمة الدولة، وجاهر بعصيانها، فأرسل السلطان محمد خان صقللي حسن باشا مع جيش جرار، فأخمد الثورات ولكنه قتل، وبادر صاحب بغداد فاستولى على ديار بكر وحلب، ودمشق، وحاصر مدينة كوتاهية، واستفحل أمره، حتى خشيت الدولة العثمانية استفحال الأمر، فاستعملت الطرق السلمية والتودد، فأرسلت إليه العطايا، وأغدقت عليه الهبات، ثم عرض عليه ولاية ((بوسنة))، فقبلها بعد تعللات كثيرة، وأعلن إخلاصه للدولة العلية، واستعمل قوته لمحاربة الإفرنج على حدود الدولة، حتى هلكت جيوشه عن آخرها في المناورات المستمرة. وقد تبعت هذه الثورة ثورة أخرى، وكانت في حاضرة الخلافة العثمانية الأستانة، والتي كاد شررها يصل إلى مقام الخليفة نفسه. وكان سبب تلك الثورة أن «السباه» أي الخيالة طالبوا الدولة أن يعوضوهم عن الإقطاعات التي فقدوها في الثورة السابقة، ولكن خزانة الدولة كانت تعجز عن تلبية حاجياتهم، فثاروا وتمردوا، وأرادوا نهب ما في المساجد من التحف الذهبية والفضية، فاستعانت عليهم بالإنكشارية، وأدخلتهم في طاعتها بعد سفك الدماء. وبالإضافة إلى ما سبق فقد قامت ثورة عسكرية بمصر ترتب عليها عزل الوالي محمد باشا الشريف، وتولی علی أثره خضر باشا. ومن استعراضنا لهذه الثورات المتلاحقة يظهر جلياً أن النظام العسكري العثماني قد اختل في أوائل القرن الحادي، وكان لهذا أثره في تحرش أعداء الدولة في أوروبا وغيرها، فقامت الحروب الشديدة بين الدولة العثمانية والبندقية، وانتصر العثمانیون وفتحوا الکثیر من بلادها. ١٣ مقدمة التحقيق إذا نظرنا إلى الجناح الشرقي للدولة العثمانية نرى مراد الرابع فاتح بغداد ينشط فيجلس على كرسي الخلافة، وذلك سنة ١٠٣٢هـ، وبحكمه انبعثت روح الحياة في الدولة العثمانية وذلك بفضل توجيهات ((ماه بيكر)) والدته التي رزقت عقلاً وفيراً، ولم يكن هذا القرن بخير من سابقه، حتى توالت الثورات في عهد السلطان ((مراد خان الثالث)). تولى بعده أخوه السلطان إبراهيم ابن السلطان أحمد خان وذلك في سنة ١٠٤٩، وله من العمر خمس وعشرون سنة. وفي سنة ١٠٥٠هـ من عهده، تجددت المعاهدات مع الدول الأجنبية بهمة، وفي أثناء تلك السنة جاء السفراء من روسيا، وإيران بالهدايا الكثيرة، وشدد ((الصدر الأعظم)) في منع المسكرات، وشرب الدخان كلياً مما أجبر أصحاب الكيف - العكر - على استعمال النشوق. وتوالت السنون حتى انتهى عصر السلطان إبراهيم، وكانت الدولة في أخريات أيامه تعاني من ضعف، حيث عم الاختلال والارتباك كلَّ من الأناضول والروملي، وعلاوة على ذلك فالسلطان إبراهيم أكثر من القتل في الوزراء، وفي صرف المصاريف الباهظة بلا موجب، منها فرش كشكه من فراوي السمور، ثم تولى بعده السلطنة ابنه السلطان ((محمد خان الرابع ابن السلطان إبراهيم)) وكانت سنة ١٠٥٨ هـ وله من العمر سبع سنين، وتولت والدته وصايته وأمور إدارة المملكة، وظلت مدة إحدى وأربعين سنة. ثم تولى السلطان سليمان خان سنة ١٠٩٩، وله من العمر ٤٧ سنة. ثم تولى من بعده في ٢٦ رمضان سنة ١١٠٢ السلطان أحمد خان الثاني ابن السلطان إبراهيم. وكانت مبايعته في أدرنة. وكان الصدر الأعظم - مصطفى باشا الهمام - في حرب مستمرة مع دول الشمال، خصوصاً ألمانيا وأوستريا، حتى حصلت واقعة هائلة بعد جلوس السلطان أحمد المذكور بلغ فيها عساكر الدولة خيمة الإمبراطور، لكن بمهارة سر عسكر الأعداء حصلت مقاومة عنيفة وقع الصدر الأعظم فيها شهيداً، رحمه الله رحمة واسعة، وعين بعده خليل باشا السردار، وقد مات بهذه الواقعة نحو نصف الجيش من الطرفين، وبموت الصدر الأعظم انهزم جيش الدولة، فحاصر الأعداء قلعة ((وارادين))، وحاصر عساكر بلونيا قلعة قامنجة وفي سنة ١١٠٣ ذهب جيش ألمانيا وأوستريا إلى الصرب، فقاومهم العثمانيون هناك. ١٤ مقدمة التحقيق وفي أثناء ذلك جاء السفراء من بخارى وإيران، وطلب الإمبراطور الصلح بواسطة سفراء دولة هولندة، لكن لجسامة طلبات الإمبراطور لم يقبل السلطان، بل استمرت الحرب. وفي أثناء ذلك حصلت فتنة في مكة المكرمة بين الأشراف والسادات من جهة المزاحمة في إمارة مكة، فعزل الصدر الأعظم، وعين بدله الحاج علي باشا. وفي سنة ١١٠٤ قام الصدر الأعظم المذكور من أدرنة، وقبل وصوله للجيش استولى الأعداء المتفقون على قلعة يانوة، وشرعت في محاصرة بلغراد. أما من جهة بوسنة، فإن دولة الونديك لم تزل مستمرة على محاربتها، حتى صار جيش الدولة أربع فرق على أربع دول. ثم تحركت دولة روسيا أيضاً، فارتبك أمر الدولة، وملت عساكرها من استمرار الحروب. وفي هذا العام مات السلطان محمد خان الرابع المخلوع في سنة ١٠٩٩ ودفن في ساحة جامعه بالقرب من (ياغجة قبوسي)، أي باب البستان بالأستانة، رحمه الله تعالى وعفا عنه. وفي هذا العام لم تقتصر الحال على ما حصل للدولة من الكرب باتحاد الدول عليها، واستمرار الحروب، بل حصلت فتنة بالشام، فأرسلت إليها الدولة فرقة من العساكر لإيجاد الأمن بها. ثم حصل حريق هائل بالأستانة بادئاً من أيازمة قبوسي أحرق السليمانية وأت بازاري وغيرهما .. ثم تولى السلطان مصطفى خان الثاني ابن السلطان محمد الرابع في سنة ١١٠٦ هـ بالغاً من العمر اثنتين وثلاثين سنة وبعد جلوسه بيومين كتب بخط يده خطاباً شديد اللهجة للباب العالي مضمونه: أن أسلافه من مدة طويلة اختاروا الراحة، ولم ينظروا باهتمام إلى نظام الدولة. وأنه بعدئذٍ سيتولى بنفسه الإدارة العمومية، وسيكون موجوداً بميادين الحرب، وفي الحال اهتم بالتجهيزات الحربية، ولم يفرق العطايا لخلو الخزينة من النقود. فأظهر الأوجاقيون علامات الثورة، فوعدهم أن ذلك يكون بعد الانتصارات، واسترداد الممالك الضائعة، وإخراج الأعداء منها، حيث ذلك مفروض على جميع الأمة، وبعد ذلك تكون العطايا والهدايا والإنعامات. وفي سنة ١١٠٧ هـ ذهب بنفسه مع الجيش، وهجم على عساكر ألمانيا وأوستريا وانتصر عليهم. ودخل بلاد المجر، وفتح قلاع ليبوة ونتل وغيرهما، ١٥ مقدمة التحقيق واسترد بلغراد وتيجو وقرلسبورق، ثم حصلت الواقعة الحربية المشهورة بمحاربة لغوس، وقتل من الطرفين أكثر من خمسة عشر ألفاً. وانهزمت الأعداء، وعاد السلطان إلى الأستانة منصوراً مؤيداً وحصل للأمة السرور. ثم تولى السلطان أحمد خان الثالث ابن السلطان محمد الرابع، وجلس في السلطنة بناء على طلب أخيه السلطان مصطفى بالغاً من العمر إحدى وثلاثين سنة وذلك سنة ١١١٥، وكانت خلافته ثمان وعشرين سنة، ولقد توالت في عصره الفتن والمحن، حتى استقلت دول كثيرة كانت تحت القيادة الإسلامية في تركيا. ثم تولى من بعده السلطان محمود خان الأول وذلك سنة ١١٤٣ هـ بالغاً من العمر خمساً وثلاثين سنة، ومدة سلطنته ٢٥ سنة. ثم تولى من بعده السلطان عثمان خان الثالث ابن السلطان مصطفى الثاني. وجلس للسلطنة ١١٦٨ هـ بالغاً من العمر ٥٦ سنة. وفي أول جلوسه اهتم بإبقاء كافة المعاهدات والمصالحات، ثم اشتغل بالإصلاحات الداخلية، وأقفل كافة الخمارات بالأستانة، ومحا ما يخالف الشرع من البدع، ونهى عن مشي النساء في الأسواق بالزي المفتوح. واكتشف للرعية أزياء متنوعة الأجناس في الملابس. وفي هذا العام حصل نزاع في القدس الشريف بين الأروام واللاتينيين بسبب إخراج اللاتينيين عن محافظة وملاحظة الكنائس ببيت لحم وحلول الأروام محلهم، فتكدرت العلاقات بين الدولة وبين بعض الدول، خصوصاً دولة فرنسا، ثم انتهى الأمر بنفي بعض المتسببين هذا النزاع. ثم تولى السلطان مصطفى خان الثالث، وكان جلوسه للسلطنة سنة ١١٧١هـ بالغاً من العمر ٤٢ سنة، وكانت مدة خلافته ١٦ سنة، وكان في سنة ١١٧١هـ تعقب عربان الشام الذين قطعوا الطريق على الحجاج، واهتم بتأديبهم، وفتح طريق الحجاز للحج، ودفع طائفة نغاي التي تجاوزت الحدود الشمالية، وكان تجاوزها بدسائس روسيا، حيث إن امبراطورتها كاترين الثانية كانت شديدة العداوة للدولة العلية . وهي ليست من العائلة الملكية، بل كانت زوجة بترو حفيد بطرس الكبير، فتحايلت على خلع زوجها بدعوى أنه لم يتبع وصية جده بطرس الكبير في معاداة ١٦ مقدمة التحقيق الدولة العلية، والسعي في الاستيلاء على الأستانة باستمرار الاتفاق مع أوستريا وألمانيا. ثم إنها لم تكتف بخلع زوجها، بل تسببت في قتله حتى أنها تستقل بالأمر، وكانت ماهرة في الخداع والحيل فاستقلت بالرأي والحكم، وسعت لدى إنجلترا والدانمارك والبروسيا وأوستريا مع ألمانيا وأسوج للاتفاق معها على إعادة الإمبراطورية بالأستانة، ومحو دولة فرنسا. ومعنى ذلك هو طرد العثمانيين من أقاليم أوروبا، وإعادة الإمبراطورية الرومية في الأستانة. ومن العجيب أن بطرس الكبير لم يوص بإعادة الأمبراطورية الرومية بالأستانة مع أن كاترين المذكورة خدعت الأمة الروسية في خلع وقتل زوجها، بحجة أنه لم يتبع وصية بطرس كما تقدم، بل وخدعت أوروبا بدعواها أن الغرض هو رفع شأن المسيحيين بطرد العثمانيين من أوروبا، وإعادة الإمبراطورية بالأستانة مع أن حقيقة الأمر غير ذلك، بل كان غرضها الوحيد هو أخذ الأستانة وأوروبا التركية للروسية لا للأروام. فيهذه الحيلة قادت كاترين المذكورة أوروبا لتنفيذ أغراضها. وفي الحال قامت الدول المتفقة (الاتفاق (٤٥))، وفي مقدمتها كاترين، بدس الدسائس وإشعال نار الاختلال والثورة في البلقان ومورة. وأما فرنسا فكانت همتها متوجهة إلى تحريض الدولة العلية على محاربة الروسيا، قائلة لها: إن هذه الفتن من الروسيا التي هي العدوة الوحيدة للدولة العلية، وكان غرضها من ذلك اشتغال الروسيا عنها. أما رجال الدولة فمنهم الصدر الأعظم فقد نهى الدولة عن محاربة الروسيا، وصمم على ذلك مع استمرار التجهيزات الحربية، أما السلطان مصطفى، فإنه لم يحزم ولم يتدبر في هذا الأمر كما يجب، بل اشتغل بنظامات وتعديلات الداخلية، ورواج التجارة والصناعة، وتجديد بعض المعامل، وطرد الكسالى والمعروفين بالعكامين من الأستانة، وإرسالهم إلى بلادهم لمشغوليتهم بالزراعة. وفي سنة ١١٧٢ هـ حصل بين السادات والأشراف بمكة المشرفة الفتن والغوغاء، حتى نتج عن ذلك أن العربان قطعوا طريق الحج، فأرسلت الدولة عبديا باشا بفرقة من العسكر فأعاد الأمن. ١٧ مقدمة التحقيق وفي سنة ١١٧٣هـ حصل مثل ما تقدم في مكة من عربانها، فاهتمت الدولة بالتنكيل بالأشقياء القاطعين للطريق. وفي هذا العام زلزلت الأرض بالشام حتى خربت منها جملة مدائن، فأرسلت الدولة نقوداً كثيرة مع مأمورين لتعمير ما هدم. وفي سنة ١١٧٤ هـ شدّد السلطان بمنع المسكرات، وعدم خروج أحد بغير زيه، فانكب الناس على استعمال الأفيون والترياق . ثم تولى السلطان عبد الحميد خان الأول وذلك كان في سنة ١١٨٧هـ، ومدة سلطنته ١٦ سنة ولم يصرف العطايا المعتادة لعدم وجود نقدية بالخزينة، فاجتهد هو ووزراؤه في الحصول على الصلح، لكن لما رأت كترين من اليكيجريين الشقاق والامتناع عن الحرب، مع مصادفة وفاة السلطان مصطفى، توهمت أنها تستولي على الأستانة، فامتنعت عن الصلح، واهتمت بتقوية جيشها. وفي سنة ١١٨٨ هـ اجتهد الوزراء والضباط في تحريض العسكر على الحرب ولو دفعة واحدة ليتم الصلح، لكون الأعداء يريدون أخذ الأستانة، وتكلموا بالمواعظ الحماسية والنصائح الدينية، فوقعت الحرب بقرب نهر الطونة، فاضطرت العساكر الروسية إلى الانسحاب، ثم ظهر في الجيش من الشقاق والنفاق ما لا يوصف . ثم إن كاترين تيقنت عدم إمكانها الاستيلاء على الأستانة من الواقعة الأخيرة، فقبلت الدخول في الصلح. والسبب الأعظم في قبولها الصلح مسألة أخرى، وهي أن الدولة العلية كانت أرسلت في أوائل هذا العام دولة كراي خان الرابع خان قریم، والحاج علي باشا جانيكلي إلى طمان لجلب قبائل النوغاي، وأقوام الشراكسة لاستخلاص قريم من يد الروسيا، فقاما بهذه المأمورية أحسن قيام. وجمعا كثيراً من هؤلاء الأقوام، وانضم إليهم أهالي قريم، فانتقموا من الأعداء وانتصروا عليهم مراراً متوالية، وبالأسف لعدم معلومية الدولة جيداً بما حصل من انتصاراتها المتوالية، وعدم قيام اليكيجريين بواجباتهم الحربية، أسرعت الدولة بالصلح المسمى بمعاهدة قينارجة، باسم الجهة التي حصلت بها المعاهدة، وكان مضراً بها جداً، حيث كان من جملته استقلال قریم. ومن المصائب الكبرى أن أمراء بلاد المسلمين الممتازة والمستقلة لا ١٨ مقدمة التحقيق يتعظون بما يشاهدونه من الوقائع الماضية الموجبة لضياع بلادهم، حيث إن واقعة قريم كانت كافية لأن تكون موعظة للجزائر وتونس وأمثالهما. وإنما يتذكر أولو الألباب، وكان من ضمن الصلح ترك قلاع أذان وتيفان. وقليرون، ويكي قلعة، وکرش، والجهات الكائنة في نهري تن وداوزي. ثم بعد إتمام هذا الصلح، عاد محمد باشا بن محسن الصدر الأعظم بالجيش، ولما وصل إلى قرين أياد مات رحمة الله تعالى عليه. وأحضرت جنازته للأستانة، ودفن بالقرب من أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - وعين بدله للصدارة العظمى محمد باشا عزت. ثم تولى من بعده السلطان سليم خان الثالث ابن السلطان مصطفى الثالث وذلك في سنة ١٢٠٣هـ بالغاً من العمر ثمانية وعشرين سنة، ومدة سلطنته تسع عشرة سنة وشهور، وكان غيوراً على المملكة فطيناً بها منضبطاً فاستبشر الناس بتولیته. وفي سنة ١٢١٣ هـ من تولية السلطان سليم خان الثالث، ذهب بونابرت إلى مصر بعساكر كلية، وكتب جواباً لأهالي مصر والعلماء مضمونه: أنه آت لتأديب المماليك، وأنه مؤمن بالله ورسوله وصديق للسلطان سليم إلى آخره، فوقع بينه وبين المماليك محاربات ومناوشات عديدة، ولتفرق كلمتهم وسوء نظامهم انهزموا في أواخر كل الوقائع، حتى احتلت عساكر فرنسا القاهرة، فلما بلغ ذلك السلطان سليم اندهش وغضب في آن واحد. أما اندهاشه فمن تكرار إظهار بونابرت الإخلاص والمودة له، وبتسييره بجواباته عقب كل انتصار قبل أن يصل إليه الخبر بالوقائع الفرنساوية وتعظيم السلطان بجوابات معنونة بوكيل محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الألفاظ تماماً. وأما غضبه فلدخول العساكر الأجنبية في بلاده، ثم أرسل يوسف باشا الصدر الأعظم إلى الشام، ومنها إلى مصر بعساكر براً، وبعد وقائع حربية انتصر يوسف باشا على الفرنساويين، حتى طلبوا الصلح، فاصطلحوا على شرط أن يعطي ميعاداً إحدى وأربعين يوماً لجمع عساكره والجلاء عن مصر بشرط أن لا يحصل إهانة ولا استهزاء من أهالي مصر لهم. فبناء على هذا الاتفاق أعاد يوسف باشا أغلب العساكر إلى الشام، وبقي هو بشرذمة قليلة. فلما اجتمعت عساكرهم واستعدوا للقتال، أرسل قائدهم بلاغاً للصدر الأعظم يقول فيه: إنكم خالفتم شروط الصلح حيث إن أهالي مصر أهانوا عساكرنا مراراً عديدة، ١٩ مقدمة التحقيق كما قدّمنا لكم الشكوى في أوقاتها، فلذا لا نخرج من مصر لتأديب من استهزؤوا بنا . وبالفعل هجم على مصر فدافع الصدر الأعظم بشرذمته القليلة بإعانة من بعض الأهالي، فلم يقدر على مقاومة الجيش لكثرته عدداً وعدداً، فعاد إلى الشام، ودخل الفرنساويون مصر. ثم تولى السلطان مصطفى الرابع ابن السلطان عبد الحميد الأول وذلك سنة ١٢٢٢ هـ وقد رفعت الوقائع والفتن الداخلية، وأما الوقائع الخارجية فإن بونابرت إمبراطور فرنسا غيّ سياسته مع الدولة، وعرض على الروسيا وأوستريا تقسيم بلاد الدولة العلية. وقال: إنه يستحيل إبقاء الدولة العلية كما يشاهد من أحوالها، فجعل له بلاد البوسنة وألبانيا بما فيها یانية وبلاد اليونان وترحالة ومكدونیا، وللروسيا البغدان والأفلاق والبلغار، ولأوستريا الصرب. وقيل: إن الأستانة اختلفوا فيها، حتى قيض الله للدولة السلطان محمود، فبدأ فيها بتغيير أحوالها من الخطر إلى الصلاح ومن الضعف إلى القوة. ثم تولى سنة ١٢٢٣ هـ السلطان محمود عدلي الثاني ابن السلطان عبد الحميد الأول ومدة سلطنته اثنتان وثلاثون سنة. وكان محباً للسلطان سليم، وأفكارهما متطابقة. فاهتم بإيجاد النظام الجديد باسم سكبان احتراساً من تجديد الفتن من اليكيجريين. لكن لفرط شجاعة الصدر الأعظم، وعدم إلمامه بفن السياسة وحسن الإدارة بكتم ما يلزم كتمه، والمداراة أحیاناً، وشدة کرامیة الیکیجریین له، عادت الفتن كما كانت. ثم تولى السلطان عبد المجيد الأول ابن السلطان محمود، وجلس سنة ١٢٥٥ بالغاً من العمر ١٨ سنة، ومدة سلطنته اثنتان وعشرون، وفي سنة ١٢٥٦ هـ اهتم محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا بالحرب، وظنا أن موت السلطان محمود وجلوس السلطان عبد المجيد يكونان سبباً لإتمام انتصاراتهما. فأرسلت الدولة دونانمة عظيمة إلى ميناء وسواحل إسكندرية، وأحالت إدارة ولاية مصر مؤقتاً على محمد باشا عزت، فاستولت الدونانمة على قلاع جونية وصيدا وسوريا، وانتصرت عساكر الدولة براً على إبراهيم باشا. فلما رأى ذلك مير بشير رئيس المشايخ ترك مساعدة إبراهيم باشا، وانضم إلى عساكر الدولة، وكذلك أهالي ومشايخ جبل لبنان، ٢٠ مقدمة التحقيق والشيخ أحمد بك شيخ العربان. ثم استولت عساكر الدولة على قلاع صيدا وعكا وطرابلس وحماة وحمص. أما من جهة الدول فإن إنجلترا وأوستريا وبروسيا قطعوا العلاقات مع محمد علي باشا، بل إن إنجلترا أظهرت المساعدة للدولة. ثم بواسطة المذكورين وتعهداتهم بعدم عصيان محمد علي باشا مرة أخرى، تمَّ الصلح على ما هو معلوم. فبناء عليه عادت دونانمة الدولة السابق تسليمها إلى محمد علي باشا إلى الأستانة كما كانت. ثم تولى السلطان عبد العزيز في سنة ١٢٧٧هـ بالغاً من العمر اثنتين وثلاثين سنة . وفي سنة ١٢٨٤هـ ألغي المجلس المعروف بمجلس (والاي أحكام عدلية)، وتشكل بدله مجلس الشورى بالأستانة، وتشكل أيضاً للمجالس النظامية ابتدائية واستئنافية، وتمييز، وأحدث ديوان جسيم بالأستانة باسم (أحكام عدلية)، ومعناه بمصر الحقانية، وصار تعديل وإصلاح كيفية التدريس وزيادة المكاتب. وفي سنة ١٢٨٥ هـ دعا إسماعيل باشا خديوي مصر بعض ملوك أوروبا لفتح قنال السويس. وفي يوم الخميس المبارك الحادي عشر من شهر شعبان سنة ١٢٩٣هـ الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين جلس للسلطنة الوارث الشرعي ((شوكتلو مهابتلو)) ولي النعم السلطان عبد الحميد خان الثاني. وهكذا مرت الحياة السياسية في تلك الفترة المذكورة ما بين قوة وضعف، وبعد هذا نستطيع أن نكتب الحياة العلمية في تلك القرون المشار إليها سالفاً، إذ بالحياة السياسية تتضح الحياة العلمية. وليس لنا في ظل الحركات الصهيونية التي استهدفت العالم الإسلامي اليوم إلا أن نقبل على منهج الله تعالى، ونتقوى به، ونرفع أكف الضراعة إليه تعالى، فإنه مجيب الدعاء أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها وعزها، ويقيض لها من يأخذ بيدها ويضمد جراحها، ويعيد إليها ما أخذ منها شرقاً وغرباً، فإنه سميع الدعاء، وله الحمد والمنة.