النص المفهرس

صفحات 81-100

ج - الليث بن سعد: رواه أبو نعيم في الحلية (٢ / ١٧٣): (حدثنا عبدالرحمن بن
العباس ثنا أحمد بن داود السجستاني ثنا الحسن بن سوار ثنا الليث) به، ورواه البيهقي في
شعب الإيمان (١ / ١٠٨ / ٢) من طريق (عبدالله بن صالح ثنا الليث) به.
د - عبدالرحمن بن زياد بن أنعم هو الإفريقي: قال أبو نعيم: (حدثنا محمد بن أحمد بن
الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا عبدالرحمن المقري ثنا عبدالرحمن) به وفيه: (سمعت سعيد بن
المسيب) وعبدالرحمن فيه مقال.
وهذه متون روایاتهم :
١ - عبَّاد: متنها عند أبي نعيم: (أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال: ما
ترکتها إلا لأصون بها ديني وحسبي).
٢ - الثوري: متنها عند أبي نعيم: (ترك مائة دينار وقال: أصون بها ديني وحسبي)،
وعند البيهقي: (لما حضره الموت ترك دنانير قال: اللهم .. وحسبي). وعند ابن عبدالبر:
(ترك أربعمائة دينار وقال: (إني والله ما تركتها إلا لأصون بها عرضي أو وجهي) وقال: (لا
خیر فیمن لا يجمع المال یکف به وجهه ویؤدي أمانته).
٣ - اللیث: (لا خیر فیمن لا يحب هذا المال: يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني
به عن خلق ربه - عز وجل).
٤ - الإفريقي: (لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حلّه يعطي منه حقه ويكف به
وجهه عن الناس).
وسعيد من أكابر التابعين علماً وفقهاً وورعاً حتى كان يقال: (سيد التابعين) رحمه الله
تعالى، وقد روى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم.
وانظر الثاني، والثامن عشر، والخامس والأربعين.
وقد روي هذا المتن مرفوعاً:
قال البيهقي في شعب الإيمان (١ / ٢/١٠٨): [ ... الحسن بن الفضيل ثنا أبو النضر
عن رجاء بن مُرَجًّا عن شعبة عن قتادة عن أنس رفعه: (لا خير فيمن لا يحب المال: يصل
به رحمه، ويؤدي به أمانته، ويستغني به عن خلق ربه).
كذا وجدته في كتابي: (شعبة) وقال فيه غيره (يعني غير الحسن): عن أبي النضر
٨١

هاشم بن القاسم عن رجاء عن سعيد عن قتادة عن أنس.
(ثم رواه من طريق
٠٠
٠٠
العلاء بن مسلمة عن هاشم به).
ولكني هِبْتُه وإنما يُرْوَى هذا الكلام بعينه من قول سعيد بن المسيب ... ].
قلت:
رواه ابن حبان في المجروحين (٢ / ١٨٥) من طريق العلاء به في ترجمته، والعلاء هذا
كذاب فلا يصح من البيهقي معارضة رواية الحسن بن الفضيل بروايته، ورواه ابن
الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣٥) من طريق الدار قطني عن ابن حبان بسنده.
والحسن هذا لم أعرفه ولعله: الحسن بن الفضل الزعفراني البوصراني فهذا قد ترجمه
الخطيب في تاريخه (٧ / ٤٠١) وعنه ابن السمعاني في الأنساب والذهبي في الميزان وهو
يروي عن طبقة هاشم بن القاسم، قال ابن المنادي: (انكشف ستره فتركوه .. ) فيبدو أنه
كذاب.
وأما رواية سعيد موقوفة عليه فليست من طريق قتادة ولا سعيد ولا شعبة كما رأيت
لكنها ثابتة عنه.
٥٢ - أخبرنا محمد بن إسماعيل الأخْمسي أنبأ وكيع عن سفيان عن يحيى بن
سعيد عن سعيد بن المسيب أنه ترك دنانير فقال: ((اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها
إلا لأصون بها ديني وحسبي، لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دَيْنه ويكف به
وجهه)».
٥٣ - أخبرنا حرب بن إسماعيل ثنا أبو معن الرقاشي أنبأ عمر بن ذر عن
مجاهد قال سمعته يقول: ((إذا رزق الله أحدكم ألف درهم فلا ينفقها ويقول:
إن الله سيرزقني، ولكن يبتغي فيها من فضل الله)).
٥٣ - إسناده صحيح، وأبو معن هو زيد بن يزيد، ومجاهد هو ابن جبر أبو الحجاج
التابعي المفسر صاحب ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -.
وفيه نصح بليغ بالتجارة في المال وعدم إنفاقه كله، وللعامة مثل قبيح في الإنفاق -
مطلق الإنفاق وليته في طاعة - يقولون: أنفق ما في الجيب يأتك ما في الغيب، وقد أمر
٨٢

الله عز وجل بالسعي في الأرض وحث رسوله - صلى الله عليه وسلم - على الكسب الحلال
وذم المسألة .
٥٤ - أخبرنا محمد بن إسماعيل أنبأ وكيع عن موسى بن علي بن رباح
اللخمي عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: قال لي رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: ((يا عمرو أشدد عليك ثيابك وسلاحك وأنتني)) قال:
فشددت عليَّ ثيابي وسلاحي، ثم أتيته فوجدته يتوضأ، فصعَّد فيَّ البصر
وصوّبه، وقال: [يا عمرو إني أريد أن أبعثك وجهاً فيسلمك الله - عزّ وجلّ -
ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة] قال: قلت: يا رسول الله إني لم
أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الجهاد والکینونة معك، فقال: [یا
عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح].
٥٤ - أولاً: الإسناد.
أ - سرد الأسانيد:
ما وقفت عليه إلا من رواية موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عمرو، وروي عنه عن
أبيه عن أبي قیس عن عمرو ولا يصح کما سيأتي، ورواه عن موسى:
(١)- [وکیع] وعن وكيع رواه:
١ - محمد بن إسماعيل الأحمسي عند الخلال.
٢ - أحمد بن حنبل في مسنده (٤ /٢٠٢ - ٢٠٣) وفي فضائل الصحابة
(٩١٢/٢/ ١٧٤٥).
٣ - ابن أبي شيبة في مصنفه (٧ / ١٧ - ١٨) وعنه أبو يعلى في مسنده (مجمع الزوائد
٤ / ٦٤) وعنه ابن حبان في صحيحه (ص ٥٦٦ / زوائد).
(٢) - [عبدالرحمن بن مهدي] ثنا موسى به، رواه أحمد (٤ / ١٩٧).
(٣) - [عبدالله بن يزيد] ثنا موسى بن علي قال سمعت أبي يقول: سمعت عمرو بن
العاص. رواه عن عبدالله :
١ - أحمد بن حنبل في مسنده (٤ / ١٩٧) ولم يسق لفظه.
٢ - البخاري في الأدب المفرد (رقم ٢٩٩).
٨٣

٣ - بشر بن موسى: ومن طريقه الحاكم (٢ /٢) وعن الحاكم رواه البيهقي في
شعب الإيمان (١ / ١٠٨/ ١).
٤ - عبدالصمد بن الفضل.
٥ - أبو يحيى بن ميسرة المكي ومن طريقهما رواه الحاكم (٢ / ٢ في البيوع).
(٤)- [سعید بن عبدالرحمن الجمحي] عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عمرو،
رواه أبو عبيدالقاسم بن سلام في غريب الحديث (١ / ٩٣) ثنا سعيد به، ورواه البغوي في
شرح السنة (١٠ / ٩١) من طريق محمد بن قريش، ورواه القضاعي في مسند الشهاب
(٢/ ٢٥٩): [أخبرنا عبدالرحمن بن عمر البزاز ثنا أبو سعيد بن الأعرابي (لعله في
معجمه)].
قال ابن قريش وابن الأعرابي: (أخبرنا - ثنا) علي بن عبدالعزيز ثنا أبو عبيد به. ورواية
ابن الأعرابي مختصرة.
(٥) - [أبو الحسن الزبير] كذا ولم أقف عليه في الرواة عن موسى عند المزي، ولا في
الأنساب للسمعاني في باب (الزبيري)، وقد رواه ابن حبان في صحيحه (٢٦٨ / زوائد)
من طريقه: (ثنا موسى بن علي سمعت أبي سمعت عمرو بن العاص) به مختصراً.
(٦) - [عبدالله بن المبارك] رواه ابن حبان في روضة العقلاء (٢٢٣) قال: (ثنا أحمد بن
محمدبن الحسين ابن بنت الحسين بن عيسى بن ماسرجس ثنا جدي ثنا ابن المبارك
أنبأنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو ابن العاص عن
عمرو) به مختصراً، وهذا لا يصح فأحمد وجده لا يحتملان مخالفة الثقات الذين رووه (عن
موسی عن أبيه عن عمرو)، بل صرّح منهم في رواية وكيع وعبدالله بن يزيد والزبير بسماع
علي بن رباح من عمرو.
ب - من رواه ممن لم أقف على إسناده:
رواه أبو عوانة في الزكاة، والطبراني في الكبير والأوسط (مجمع الزوائد ٤ / ٦٤).
والطحاوي في المشكل (المعتصر ٢ / ٣٨٢).
ج - حال الإسناد :
قال الهيثمي (٤ / ٦٤): (رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح)، وقال الحاكم
٨٤

(٢/٢): (صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وهو صحيح فقط فإني
لم أقف في أطراف المزي على رواية (موسى بن علي عن أبيه عن عمرو)، والله أعلم،
وصححه ابن حبان.
قلت: إسناده صحيح، ورواية من رواه بزيادة (مولى عمرو) بين علي بن رباح وعمرو
شاذة أو منكرة كما سبق بيانه .
ثانياً: المتن.
قال عمرو:
(بعث [أرسل] إليَّ رسول الله [النبي / ٣١ و٤١] صلى الله عليه وسلم/ ٢١ و٣١
و٣٢ و٤١ و٤٢) (فأتيته / ٣٢) قال (فقال / ٢١) (لي / إلا ١٤ و٢١) رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: (يا عمرو/ إلا ٢١) اشدد (أن اجمع / ٤١ و٤٢) (خذ / ٢١) عليك
ثيابك وسلاحك (سلاحك وثيابك/١٢ و ١٤ و ٤١ و ٤٢) وائتني (ثم ائتني ٢١ و٤١ و٤٢)
فأمرني أن آخذ عليّ ثيابي وسلاحي ثم آتيه/ ٣١ و ٣٢) قال: فشددت عليَّ ثيابي وسلاحي
(ففعلتُ / ١٢ و١٤ و٣١ و٣٢) ثم أتيته (فأتيته / ٢١ و٣١ و٤١ و٤٢) (فجئته/١٢)
فوجدته (وهو / ١٢ و٢١ و٣١ و٣٢ و٤١ و٤٢) يتوضأ، فصعَّد فيَّ (إليَّ/ ٣١) النظر
(البصر / ١٢ و١٤ و٣١ و٣٢) وصوّبه (ثم طأطأ/ ٢١ و٣١ و٣٢) (جملة: فصعَّد
ليست في ٤٢)، وقال (فقال/ ٢١ و٤١ و٤٢) (ثم قال/ ١٤ و٣٢) (يا عمرو/ إلا
٢١): إني أريد أن أبعثك (إني أرسلت إليك لأبعثك ٤١ و٤٢) وجهاً (في وجه ٤١
و٤٢) (على جيش / ٢١ و٣١ و٣٢) فيسلمك (يسلّمك / ١٤ و٤١ و٤٢) الله (عز
وجل / إلا ١٢ و١٤ و٢١ و٣٢ و٤١ و٤٢) ويغنمك (فيغنمك الله/ ٣١ و٣٢)
(ويسلمك / ٣٢)، وأرغب (وأزعْب ٤١ و٤٢) لك (من المال/ ١٢ و١٤ و٢١) (في
المال / ١١) رَغْبة (زعْبة / ٤١ و٤٢) (من المال / ٣١ و٤١ و٤٢) (صالحة إلا ٤١ و٤٢)
(من المال/ ٣٢). (قال / إلا ٣١ و٤٢): قلت (فقلت/ ٣٢ و٤١ و٤٢): (يا رسول
الله / إلا ٣١) (إني / إلا ١٤ و٢١) لم أسلم (ما أسلمت / ٢١) رغبة في (من أجل / ٢١)
المال، إنما (ولكن / ٧) (ولكني / ٢١ و٣١) أسلمت رغبة في الجهاد (الإسلام / ٢١ و٣١
و٣٢ و٧) والكينونة معك (وأنْ / ٢١ و٣٢) (فـ / ٣١) (أكون مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم / ٢١ و٣١ و٣٢ و٧) (ما كانت هجرتي للمال وماكانت إلا لله ولرسوله / ٤١
و ٤٢) (قال/ ١٢ و١٤ و٤١ و ٤٢): فقال:
٨٥

(یا عمرو/ إلا ٤١ و ٤٢ و ٤٣) (نَعَمْ/ ٧) نِعْم (نَعِمًا/ ١٢) (نعمًا/ ١٢ و١٤ و٣٢
و ٤١ و٦١ و٤٢) المال (بالمال/١٢ و٣٢ و٧ و٤١ و٤٢) الصالح للمرء
(للرجل / ١٢ و١٤ و٣٢ و٤١ و٤٢ و ٤٣ و٥١ و٦١) الصالح.
رموز الروايات :
وكيع (١): الخلال (١١) أحمد (١٢) ابن أبي شيبة (١٣) ابن حبان (١٤).
ابن مهدي (٢): أحمد (٢١).
ابن يزيد (٣): البخاري (٣١) الحاكم (٣٢) أحمد (٣٣).
الجمحي (٤): أبو عبيد (٤١) البغوي (٤٢) (القضاعي ٤٣).
الزبير (٥): ابن حبان (٥١).
ابن المبارك (٦): ابن حبان (٦١).
رواية الطبراني (٧).
المختصر من المتون بذكر المرفوع فقط (نعم المال الصالح):
ابن يزيد عند أحمد ولم يسق تمام لفظه .
الجمحي عند القضاعي.
الزبير عند ابن حبان.
ابن المبارك عند ابن حبان .
ثالثاً: الشواهد.
أ - حديث أبي سعيد الخُدْري - رضي الله عنه - ولفظه: [إن هذا المال (خضرة) حلوة:
من (فمن) أخذه بحقه ووضعه في حقه فنِعْم المعونة هو]. وفي رواية: (ونِعْم صاحب
المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل).
رواه البخاري في الرّقاق من صحيحه - ما يحذر من زهرة الدنيا (١١ / ٢٤٤ / ٦٤٢٧)
ومسلم في الزكاة من صحيحه (٢/ ٧٢٧ - ٧٢٩ /١٠٥٢ - ١٠٥٤) والروايات له، وانظر
البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١/١٠٨).
ب - حديث يسار بن عبدالله - رضي الله عنه - ولفظه: [لا بأس بالغنى لمن اتقى الله
عز وجل والصحة لمن اتقى خير من الغنى وطيب النفس من النعم أو النعيم رواه أحمد
٨٦

وابن ماجه والحاكم (٣/٢) ورواه البيهقي - عن الحاكم -في شعب الإيمان (٨/١) واللفظ له
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وخرّجه الألباني عنهم في صحيحه (١٧٤)، وقال
البوصيري (٣/ ٦ / زوائد ابن ماجه): (رواه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة وهو في مسنده،
وهذا إسناد صحيح).
رابعاً: الشرح:
أ - الألفاظ :
١ - [زعب]: قال أبو عبيد (١ / ٩٤/ غريب الحديث): (قال الأصمعي: قوله:
أزعب لك زعبة من المال: أي أعطيك دُفعة من المال، والزعب هو الدفع .. ) ونقله
البغوي في شرح السنة (١٠ / ٩١) عن الأصمعي.
وقول صاحب حاشية شرح السنة: (في المسند: أرغب وهو تصحيف) فيه شيء فهو
هكذا بذكر الرغبة عند من أخرجه وهو رواية وليس تصحيفاً، ولعلها هي الأصح من
رواية (الزعب) ومما يؤيد أنها رواية وليست تصحيفاً قول عمرو إجابة على رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -: ((أرغب لك)) فقال عمرو: (إني لم أسلم رغبة) فناسب الجواب
القول، فانتبه.
٢ - [نعِمًا]: وقعت في رواية لأحمد مضبوطة بفتح النون وقال أحمد: (قال أبو عبيد:
نِعِّمًا بكسر النون)، قلت: هكذا هو عند أبي عبيد في الغريب (١ / ٩٤: نِعِمًا بكسر النون)
وهو الصواب، وصُحِّف أبو عبيد في مجمع الزوائد إلى (أبي عبيدة) والأول هو القاسم بن
سلّم، والثاني هو معمر بن المثنى.
قلت: وهي هكذا في القرآن: ﴿إِنَّاللَّه ◌ِمَا بَيْكُبِيّ﴾ النساء (٥٨) وقوله تعالى: ﴿إِنْتْبُدُوا
الصَّدَقَِّ فِيَابِرٌ ﴾ البقرة (٢٧١).
٣ - (الكينونة] مصدر كان يكون، وقد فُسِّرت بالرواية الأخرى: (أن أكون)، ولم
أجدها في كتب غريب الحديث.
ب -المتن.
قال ابن حبان في روضة العقلاء (ص ٢٢٤): (هذا الخبر يصرح عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - بإباحة جمع المال من حيث يجب، ويحل للقائم فيه بحقوقه، لأن في تقرينه
الصلاح بالمال والرجل معاً بياناً واضحاً، لأنه إنما أباح في جمع المال الذي لا يكون بمحرّم على
٨٧

جامعه، ثم يكون الجامع له قائماً بحقوق الله فيه).
قلت: في الحديث فوائد كثيرة شَرْحها يكون في مجلدة، وفيه إشارة إلى ماسبق في
السادس والثلاثين، ذلك أن: المال الصالح هو المكتسب من حلال (من أين اكتسبه)،
العبد الصالح هو المنفق في حلال (وفيم أنفقه). ومثل ذلك مثل الأعمال والنيات فالعمل
الصالح والنية الخبيثة لا ينفعان إن اقترنا، وكذلك النية الصالحة والعمل الخبيث، ولكن
نعم العمل الصالح بالنية الصالحة، ونعم المال الصالح للعبد الصالح.
٥٥ - أخبرنا محمد أنبأ وكيع عن شعبة عن الحكم عن مجاهد: ﴿أَنْفِقُواْ مِن
طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ﴾ قال: التجارة.
٥٥ - إسناده صحيح، وراجع الثالث والأربعين.
-وقع في الأصول: (ما رزقناكم)، والصحيح: ﴿مَاكََّبْتُ﴾ الآية (٢٦٧) من سورة البقرة.
٥٦ - أخبرنا محمد ثنا وكيع ثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن
عبد الرحمن بن أبزي قال: قال داود النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم العون
الغنی أو اليسار على الدین)).
٥٦ - مداره على رواية أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن أبزي، وعبدالرحمن صحابي، وأبو
إسحاق السَّبيعي مدلس لكنه صرح في رواية فبقي أمر اختلاطه ولا أظن أن يونساً سمع
منه قبل الاختلاط فقط، وقد رواه الثوري ۔ وهو من أثبت الناس في السَّبيعي - عنه قال:
کانوا یرون (يعني الصحابة) وهذا سبق (٤٥). وعن یونس رواه:
١ - وكيع: وعنه:
- محمد بن إسماعيل الأحمسي عنه الخلال هاهنا.
- ابن أبي شيبة في مُصَنَّفه (١٣ / ٢٠٤) قال: (ثنا وكيع عن يونس) به.
٢ - سَلْم بن قتيبة: ومن طريقه ابن عبدالبر في الجامع (٢ / ١٤)، ووقع في نشرة
الجامع السند مُصَحَّفاً: (مسلم بن قتيبة ثنا أيوب عن أبي إسحاق عن أبيه قال سمعت
٨٨

عبدالرحمن بن أبزي يقول: نعم العون على الدين اليسار) هكذا موقوفاً على عبدالرحمن من
قوله، وأما صحة الإسناد: (سَلْم بن قتيبة ثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه ... ).
وقد روي موقوفاً ومرفوعاً من طرق أخرى سبقت هاهنا (٤٥)، ورواه ابن حبان في
الروضة (٢٢٤ - ٢٢٥) من قول محمد بن المنكدر - وهو تابعي، فلعل محمداً تلقاه من هذا
الوجه أو من غيره، والله أعلم.
وفي (ب): (يساره) وفي غيرها: (اليسار) وهو الغِنى والسعة في المال.
والرواية عن بني إسرائيل وأنبيائهم - خاصة، وعن قصص الأولين عامة وردت من
طرق :
أ : - القرآن.
- والسنة الصحيحة، وهى رواية مقبولة بلا خلاف بين المسلمين إلا ما ادعاه بعض
المستشرقين والمتمسلمين مثل عميد الأدب العربي !.
ب: رواية الصحابي وهذه قسمان من حيث الأخذ عن بني إسرائيل:
- فالصحابي غير المعروف بالأخذ عنهم فلعله أخذه عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ولم يصرح بهذا الأخذ كما لم يصرح في كثير من الأحاديث خوف الخطأ ونحوه.
- والصحابي المعروف بالأخذ عنهم کابن عباس وابن عمرو، وغيرهما، فيه احتمالان:
الأخذ عنهم وهو الاحتمال الأقوى، والأخذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
ولأجل التردد في الظن، ولأجل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا حدثكم
بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإن كان حقاً فلم تكذبوهم وإن كان باطلاً فلم
تصدقوهم)). رواه أحمد وغيره انظر (الفتح الرباني ١ / ١٧٤ - ١٧٦) والجامع للخطيب
(الرقم ١٣٤٦).
فإن الرواية عنهم تقع في أمرين بعد هذا:
أولهما: ما علم صدقه بموافقته الكتاب والسنة فالمرجع فيه إليهما.
ثانيهما: ما علم كذبه بمخالفته الكتاب والسنة فهذا لا تجوز روايته إلا مع بيان كذبه،
وقد حرّفوا وبدّلوا.
وراجع مقدمة ابن كثير لتفسيره التي نقلها عن ابن تيمية - رحمهما الله تعالى - في مقدمته
٨٩

للتفسير في بيان هذا الأمر ففيها فوائد جمة، ثم إن الأمر يرجع إلى طريقين - بعد ثبوت
الرواية :
أ ۔ فإما أن تكون حجة أو لا تکون إن كانت في الأحكام وهذا مما جرى فيه اختلاف
كثير في مسألة (شرع من قبلنا)، وهذا إن لم يوجد ناسخ صريح في شرعنا، وإلا فالاتفاق
حاصل إن وُجِد ناسخ.
ب - إن كانت في العقائد - لا في الأحكام المؤدية إلى العقائد - فهي حجة كالقول في
صفات الله تعالى والملائكة والجنة والنار، وأعني بالأحكام كمثل النهي عن قول العبد (ربي
وربتي) لسيده وسیدته ونحو ذلك.
وإن كانت في مكارم الأخلاق والقصص فهي حجة وعبرة قصها الله تعالى ورسوله -
صلى الله عليه وسلم - لذلك. والله تعالى أعلم.
وإنما ساقني إلى ذك البسط - إلى حدٍّ ما - التأكيد على التحرز من نسبة قول إلى قائل
دون التثبت من صحة تلك النسبة كائناً من كان هذا القائل ويعظم الأمر إن كان نبياً،
والكذب واحد في نسبة الخير والشر وإن كان في الشر أعظم وأكبر. والمسألة تحتمل
التفصيل، والله المستعان .
٥٧ - أخبرنا محمد ثنا وكيع عن سفيان عن العلاء بن المسيب عن ابن منبه
قال: ((الفقر هو الموت الأكبر)).
٥٧ - إسناده صحيح، وابن مُنَبِّه هو وهب التابعي الثقة المشهور، ورواه أبو نعيم في
الحلية (٤ / ٤٨) من طريق عبدالله بن الديلمي عن وهب قال: (أربعة أحرف في التوراة
مكتوبة :.. والفقر الموت الأحمر ... ).
وقد روي من قول علي - رضي الله عنه -: (الفقر الموت الأكبر). ذكره صاحب نهج
البلاغة (١٨ / ٣٨٦/ الشرح).
وإنما سمي الفقر موتاً: أ - لأنه يفعل فعله، ويروي في نحو هذا المعنى عن موسى نبي
الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله قال له: (أما تعلم أن من أفقرته فقد أمتّه) ذكره ابن
الأثير في النهاية (٤ / ٣٦٩) والله أعلم بصحته.
ب - أو لأن الموت خير منه وهذا مما يقال للشيء المؤلم أو ذي العاقبة غير الحسنة وقد
٩٠

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إياكم والدخول على النساء)) قالوا: يا رسول
الله، الحمو!؟ قال: ((الحمو الموت)). رواه البخاري في النكاح ومسلم في السلام من
صحیحیھا .
وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعوذ من الفقر في غیر حدیث وتعوذ من
شر الغنى (صحيح الجامع ١ / ٤٠٦ - ٤٠٧)، وسبق قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم
المال الصالح للمرء الصالح)» - في الرابع والخمسين. ومسألة الفقر والغنى بسطها ابن
القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه: ((عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)).
٥٨ - أخبرنا محمد أنبأ وكيع عن محمد بن سليم عن ابن أبي مليكة عن
عائشة قالت: ((كان أبو بكر - رضي الله عنه - أتجر قريش حتى دخل في
الإمارة)).
٥٨ - إسناده صحيح، ومحمدبن سليم هو المكي، وقد توبع: فرواه عن ابن أبي مليكة
عبدالله بن عبيدالله :
١ - محمد بن سليم هاهنا.
٢ - محمد بن شريك عنه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ١٦) قال: حدثنا محمد ابن
شريك به ولفظه: (كان أبو بكر - رضي الله عنه - أتجر قريش) قلت: وابن شريك ثقة.
وله شاهد فقد قال ابن أبي شيبة (٧/ ١٦): (حدثنا وکیع ثنا یزید بن أبي سیرین قال:
نُبِّئْتُ أن أبا بكر كان أتجر قريش) هكذا هو في المصنف وهو تصحیف صحته (ثنا يزيد عن
ابن سيرين) ويزيد هو ابن إبراهيم التستري وهو ثقة فإسناده صحيح لكنه منقطع بين ابن
سيرين وأبي بكر كما هو ظاهر بل لم يسمع من عائشة، ويُنظر في روايته عن ابن أبي
مُلیکة.
وقول عائشة - رضي الله عنها -: (حتى دخل في الإمارة) أي فانقطع عن التجارة لمشاغل
المسلمين وفُرض له في بيت المال وذلك مشهور وانظر فتح الباري (٣٠٣/٤ - ٣٠٤) ولي
جزء في ذلك.
ثم إن ظاهر هذا أنه كان يتاجر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي وهذا قد رواه
الطبراني في الكبير والأوسط عن أم سلمة قالت: (لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله -
٩١

صلى الله عليه وسلم - تاجراً إلى بُصْرَى: لم يمنع أبا بكر الضن برسول الله - صلى الله عليه
وسلم - شحه على نصيبه من الشخوص للتجارة وذلك كان لإعجابهم بكسب التجارة
وحبهم للتجارة ولم يمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر من الشخوص في تجارته
بحب صحبته وضنه بأبي بكر فقد كان بصحبته معجباً لاستحسان رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - للتجارة وإعجابه بها).
قال الهيثمي (٦٣/٤): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، ورجال الكبير
ثقات). قلت: لم أجده في مسند الصدّيق - رضي الله عنه - من نشرة المعجم الكبير،
ومسند أم سلمة منه مفقود، وليست عندي نسخة زوائد المعجمين الآن، وكانت تجارته -
رضي الله عنه - في الأثواب.
وهذا الأثر ظاهر فيها ساقه فيه الخلال من الدلالة على فضل العمل والتجارة حتى إن
خير المسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعمل بالتجارة حتى شغلته
مشاغل الإمارة.
وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه: تلبيس إبليس (٢٨٢) حرف كثير من أكابر الصحابة
لبيان فساد قول الصوفية في ترك الحرف بدعوى التوكل !!.
وقالت عائشة - رضى الله عنها - (كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عمال أنفسهم). رواه البخاري في البيوع من صحیحه ـ باب كسب الرجل وعمله بيده
(٢٠٧١).
وانظر هاهنا (١٠٨).
٥٩ - أخبرنا محمد أنبأ وكيع عن الأعمش عن خيثمة ققال: قال أبو
الدرداء: ((كنت تاجراً قبل أن يُبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما بُعث
النبي - صلى الله عليه وسلم - أردت أن أجمع التجارة والعبادة فلم يستقم،
فتركت التجارة وأقبلت على العبادة)).
٥٩ - منقطع رواه خيثمة بن عبدالرحمن وعمرو بن مُرَّة المرادي - وهما ثقتان - عن أبي
الدرداء ولم يسمعا منه، وخيثمة أعلى روايته عن علي: وقدمات أبو الدرداء في خلافة
عثمان ولم يسمع خيثمة من ابن مسعود ولا من عمر ولا من عثمان.
٩٢

فأما رواية خيثمة فلم أقف عليها إلا من طريق (الأعمش عن خيثمة عن أبي الدرداء)
بعنعنة الأعمش وهو مدلس، وعن الأعمش رواه:
١ - وكيع: رواه عن وكيع:
- محمد بن إسماعيل الأحمسي عنه الخلال.
- ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ١٦).
٢ - سفيان الثوري: وعنه:
- عبدالرحمن بن مهدي: عنه أحمد في الزهد (١٣٨).
٣ - أبو معاوية محمد بن خازم: وعنه:
- ابن أبي شيبة في مصنفه (٣١٦/١٣) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢٠٩/١).
- أحمدبن منيع في مسنده (ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن خيثمة).
- ابن سعد في الطبقات (٣٩١/٧).
- أحمدبن عبدالجبار العطاردي: ومن طريقه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٩٣/٢):
(أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري ناأبو العباس محمد بن يعقوب الأصم نا أحمد).
ورواه الطبراني (مجمع الزوائد٩/ ٣٦٧) وابن عساكر (١٣ / ١/٣٧ عن حاشية سير
النبلاء ٢ / ٣٣٨) ولم أقف على إسناديهما.
وقال الهيثمي: (رجال الصحيح)، وقال البوصيري: (فيه مقال: خيثمة ضعّفه ابن
معين ووثقه غيره).
وأما رواية عمرو بن مرة المرادي فهي عند أبي نعيم (١ / ٢٠٩) من طريقين: فرواه
عمروبن زرارة عن المحاربي (عبدالرحمن بن محمد) عن العلاء بن المسيب عن عمرو قال
أبو الدرداء، ورواه محمد بن جنيد التّمّار عن المحاربي عن العلاء عن عمرو عن أبيه عن أبي
الدرداء، وعمرو أوثق من التمّار على أن العلاء ثقة قال الحاكم: له أوهام في الإسناد والمتن،
مُرَّة أبو عمرو لم أعرفه .
وأما متن الروايات:
[كنت تاجراً قبل أن يُبعث (النبي / ١) (رسول الله / ٢) (محمد / ٤٣) - صلى الله عليه
وسلم -، فلما بُعث النبي (محمد / ٣) - صلى الله عليه وسلم - (أردت أن أجمع / ١) (فلما
٩٣

تأملت / ٤) (زاولت / ٣) (فزاولت / ٢) التجارة والعبادة (فلم يستقم / ١) (فلما
يجتمعا/٤٣٢) فتركت التجارة وأقبلت على العبادة (فأخذت العبادة وتركت التجارة /٤٣٢)].
الخلال (١) الخطيب (٢) ابن أبي شيبة (٣) ابن منيع (٤).
ولفظ رواية عمرو بن مرة: (بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا تاجر، فأردتُ أن
تجتمع لي العبادة والتجارة، فلم يجتمعا، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة).
وهذا له شواهد عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -:
فقد ذُكر عنه أنه قال: [ما يسرني أني أقوم على هذا الدرج من باب المسجد فأشتري
وأبيع فاُصیب ۔ أو أربح - کل یوم ثلاثمائة دينار: أشهد الصلاة كلها - أو: كل يوم - في
المسجد (وفي رواية: والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن لي اليوم حانوتاً على باب
المسجد لا يخطئني فيه صلاة أربح فيه كل يوم أربعين ديناراً وأتصدق بها كلها في سبيل
الله) أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال - أو قال: ما أقول إن الله عز وجل لم يحل
البيع ويحرم الربا - ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم: ﴿يَجَّ لَّا ◌ُلْهِيَجُرُ وَ
عَنْ ذِكْرِاللَّهِ﴾ (وفي رواية: قيل له: يا أبا الدرداء وما تكره من ذلك؟ قال: شدة الحساب)].
رواه أحمد في الزهد (١٣٧) ومن طريقه أبو نعيم (١ / ٢٠٩)، ورواه ابن أبي حاتم في
تفسيره (ابن كثير ٦ / ٧٤) كلاهما من طريق ابن عبد رب وإسناده صحيح إليه، والرواية
الأخرى لأبي نعيم (١ / ٢٠٩) من طريق عمرو بن مرة كلاهما عن أبي الدرداء.
وعمرو وابن عبد رب لم يسمعا منه، لكن سمع ابن عبد رب من أم الدرداء الصغرى
فلعله تلقاه منها والله أعلم.
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: (إياكم والسوق فإنها تلهي وتلغي). رواه أحمد في
الزهد (١٣٥) بإسناد صحيح، وفي النشرة (سليمان بن عامر) وهو تصحيف صحته:
(سلیم بن عامر).
وقد ساق الخلال أثر عائشة لیبین فضيلة العمل ثم أثر أبي الدرداء لیبین أنه حالة خاصة
بمن لديه سعة من المال لينفق على العيال، وأثر أبي الدرداء - رضي الله عنه - ذكره الذهبي
في ترجمته من السير (٢ / ٣٣٧ - ٣٣٨) معلقاً فقال: (روى الأعمش ... ).
٩٤

ثم قال عقبه: (قلتُ الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة
من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك:
- فبعضهم يقوى على الجمع: كالصّدّيق وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك.
- وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة.
- وبعضهم يقوى في بدايته ثم يعجز، وبالعكس. وكلِّ سائغ ولكن لا بد من
النهضة بحقوق الزوجة والعيال).
قال أبو عبدالله :
قوله: (لا بد من النهضة .. ) يلغي قوله: (والصوفية) فإن الصوفية لا يفعلون ذلك في
أنفسهم ولا فيمن وجب أن يقوتوه، وهذا مبسوط هاهنا وفي كتابي: الصحبة، وفي كتاب
تلبيس إبليس لابن الجوزي .
وانظر الثالث والعشرين هاهنا.
وقد علل ترك التجارة بأمرين:
١ - خشية اللهوعن ذكر الله .
٢ - شدة الحساب لكثرة الشبهات فيها.
وإلى نحو ذلك قال محمد بن سيرين التابعي الإمام: (كان يقال: عجباً للتاجر كيف
يتجر؟) فقال يحيى بن عتيق له: (يَصْدق ويفعل ويفعل) قال محمد: (حتى دخل معي
يحيى في التجارة فقال لي: يا أخي ما من شيء إلا وقد رابني) قال محمد: (الآن حين
فقه). رواه البخاري في خلق الأفعال (٢٢٨) بإسناد صحيح .
ولكنك ترى في زماننا هذا من يأكلون الحرام بالشبهات بل بالبينات، والله المستعان. وأما
خشية اللهو عن ذكر الله فلا بأس إذا كان عند الرجل سعة من المال يكفي بها نفسه وأهله
أن يتفرغ لطلب العلم والدعوة إلى الله وهذا ما جعل الخطيب في كتابه: الفقيه والمتفقه
(٢ / ٩٢ - ٩٦) يسوق هذا الأثر وغيره في (باب حذف المتفقه العلائق) وساق فيه قول أبي
هريرة - رضي الله عنه -: (إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنتُ ألزم رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - لشبع بطني حین لا آكل الخمیر ولا ألبس الحبیر ولا يخدمني فلان
وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصى من الجوع).
٩٥

وفي نحو معنى أثر أبي الدرداء روي حديث مرفوع فقد روى الطبراني في الكبير
(٤ / ٦٣ / مجمع الزوائد). بإسناد ضعيف جداً من حديث صفوان بن أمية قال:
كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام عرفطة بن نهيك التميمي فقال يا
رسول الله إني وأهل بيتي مرزوقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة وهو مشغلة عن ذكر
الله وعن الصلاة في جماعة وبنا إليه حاجة أفتحله أم تحرمه، فقال أحله لأن الله عز وجل قد
أحله نعم العمل والله أولى بالعذر قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطاد ويطلب الصيد
ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك للجماعة وأهلها وحبك
ذكر الله وأهله واسع على نفسك وعيالك حلالاً فإن ذلك جهاد في سبيل الله عز وجل
واعلم أن عون الله في صالح التجارة.
وكذلك روی ابن عدي (٣/ ٩٣٩ و ٥ / ١٨٩٧) من حديث أبي الدرداء وابن مسعود
(ما أوحى الله إليَّ أن أكون تاجراً)، وإسناده ضعيف.
وأثر أبي الدرداء فيه جواز البيع على باب المسجد لا في المسجد ذاته فذلك قد نهى عنه
رسول الله - صلی الله عليه وسلم -.
٦٠ - أخبرنا محمد ثنا وكيع عن مسعر عن أبي يحيى عن شيخ لهم قال:
رأيت على عليّ إزاراً غليظاً فقال: اشتريته بخمسة دراهم، مَنْ أربحني فيه
درهماً بعته.
٦٠ - محمد هو ابن إسماعيل الأحمسي، وقد توبع فرواه عن وكيع:
١ - محمد هذا.
٢ - أحمد بن حنبل في الزهد (١٣٠) وفضائل الصحابة (١ / ٨٨٥/٥٣٢).
٣ - خلف (ولم أقف الآن على تعيينه أهو ابن سالم أو ابن هشام) عنه ابن أبي الدنيا
في المداراة (١/٤٦/ ق): (حدثنا خلف ثنا وكيع) به.
قلت: وعندهما: (عن أبي بحر) قال صاحب حاشية الفضائل: (هو عبدالرحمن بن أبي
بكرة) وعندنا في الأصول (أبو يحيى)، وهذا يحتاج إلى تحرير لا أنشط له الآن، وكذلك
معرفة شيخه المجهول فقوله (لهم) يعني أنه من رهطه ثقفي ولعله بالبحث عن شيوخ هذا
(أبو بحر .. ) الذين يروون عن علي - رضي الله عنه - يُعْرَف.
٩٦

وفي رواية أحمد وخلف زيادة في المتن من قول هذا الشيخ: (ورأيت معه دراهم
مصرورة فقال: هذه بقية نفقتنا من يَنْبُع).
قلت: ينبع بلدة معروفة على البحر بها إقطاع لعلي - رضي الله عنه، وهذه الدراهم إن
كانت معه وقت عرضه الإزار للبيع فذلك فيه دليل على أنه كان يتاجر - ولو كان معه مال
بغرض تثميره.
وفي الأثر فوائد منها:
- زهده - رضي الله عنه -: (إزار غليظ بخمسة دراهم).
- التجارة والربح في الشيء المستعمل.
- التجارة لا تغض منزلة الشريف ولا منزلة الأمير.
وبنحو معناه روى ابن أبي الدنيا في المداراة (٤٥ /٢ / ق) من طريق يعلى بن عبيد،
وأحمد في الإيمان (٥٠ و٥١) وعبدالرزاق والفسوي عن الثوري، وأحمد في فضائل
الصحابة (١ / ٥٤٩) من طريق ابن نمير كلهم عن أبي حيان التيمي عن مجمّع عن أبي
رجاء قال: خرج علينا عليّ ومعه سيف فقال: (من يبتاع مني هذا السيف فلو كان عندي
ثمن إزار ما بعته) الأثر.
وأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان، وأبو رجاء هو العطاردي، ومجمع هو ابن
سمعان التيمي، وهذا إسناد صحيح، وله رواية عند أحمد في الزهد (١٣١) والفضائل
(١ / ٥٣٧) عن زكريا بن يحيى الكسائي عن فضيل عن الأعمش عن مجمع عن يزيد بن
محجن، وزكريا ضعيف والأعمش مدلس، وقد وهم صاحب حاشية الفضائل فجعل
(مجمع أبي رجاء) ومجمع كنيته أبو حمزة، وإنما هو (مجمع عن أبي رجاء).
٦١ - أخبرنا محمد أنبأ وکیع عن شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن
ابن عباس قال: قدمت عيرُ المدينة فاشترى النبي - صلى الله عليه وسلم - منها
فربح أواقي فقسمها في أرامل بني عبد المطلب وقال: ((لا أشتري شيئاً ليس
عندي تمنه)» .
٩٧

٦١ - أولاً: الإسناد.
أ- سرد الإسناد.
ما وقفتُ عليه إلا من طريق شريك بن عبدالله عن سماك بن حرب عن عكرمة عن
ابن عباس، وجزم العسقلاني في الفتح (٥ / ٥٣) بتفرد شريك به.
ورواه عن شریك:
(١) - [وكيع] وعن وكيع رواه:
١ - محمد بن إسماعيل الأحمسي عند الخلال.
٢ - أحمد بن حنبل في مسنده (١ / ٢٣٥ و٣٢٣).
٣ - الجارود عند الترمذي الصوفي في كتاب الكسب (١٧٩ - ١٨١).
٤ - عثمان بن أبي شيبة عند أبي داود في السنن - البيوع - التشديد في الدین
(٤٤ ٣٣).
(٢) - [سعيد بن سليمان الواسطي] المشهور بسعدويه ثقة من رجال الجماعة، رواه
عنه :
١ - أحمد بن محمد بن أيوب.
٢ - الحسين بن بشار وعنهما الحاكم (٢ / ٢٤).
٣ - محمد بن العباس المؤدِّب.
٤ - أحمد بن يحيى الحلواني. وعنهما الطبراني في الكبير (١١ / ٢٨٢).
(٣) - [محمد بن سعيد الأصبهاني]:
قال الحاكم (٢ / ٢٤): (أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أنبأ علي بن عبدالعزيز ثنا محمد)
به .
(٤) - [أسود بن عامر] عنه أحمد (١ / ٣٢٣) به مسنداً.
(٥) - [قتيبة بن سعيد] عنه أبو داود في السنن (٣٣٤٤) به مرسلًا لم يذكر ابن عباس.
٩٨

(٦) - [عثمان بن أبي شيبة] عنه أبو داود في السنن (٣٣٤٤) به مرسلاً.
(٧) - [محمد بن عبدالله بن الزبير الزبيري] عنه أحمد (٣٢٣/١) (ثنا الزبيري وأسود قالا
ثنا شريك) مسنداً.
وعدّ الهيثمي للحديث من زوائد الطبراني على الكتب الستة (٤ / ١١٠) وهم شديد
فقد رواه أبو داود بالإسناد نفسه كما رأيت وذكره المزي في أطرافه من روايته، ثم أصابه
وهم آخر فذكره من رواية الطبراني فقط وقد رواه أحمد كذلك.
ب - حال الإسناد.
- قال الحاكم (٢٤/٢): (قد احتج البخاري بعكرمة، واحتج مسلم بسماك وشريك،
الحديث صحيح ولم يخرّجاه) ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (٤ / ١١٠): (رجاله ثقات).
- قال البخاري في الاستقراض (باب من اشترى بالديْن وليس عنده ثمنه) فقال
العسقلاني (٥/ ٥٣): (كأنه يشير إلى ما جاء عن ابن عباس).
قلت: الحدیث فيه علل:
الأولى: شريك هو القاضي الفاضل في حفظه شيء، وقد تفرد به.
الثانية: رواية سماك عن عكرمة فيها مقال مشهور قال لأجله أحمد وابن المديني
والفسوي أنها مضطربة ولذلك قال النسائي: (إذا انفرد - يعني سماكاً - بأصل لم يكن
حجة لأنه كان يتلقن) وقال ابن معين مع توثيقه: (أسند أحاديث لم يسندها غيره)، وقال
الفسوي: (من سمع منه قديماً مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحیح).
الثالثة: الاختلاف في الوصل والإرسال فرواه وكيع والواسطي والأصبهاني والزبيري
وأسود عن شريك مرفوعاً، ورواه قتيبة وعثمان بن أبي شيبة عنه مرسلاً، وعثمان في حفظه
مقال مشهور لكنه توبع، ولولا أن قتيبة ثقة وأن في شريك وسماك مقالاً لقلنا أن الاختلاف
من أحدهما، والله أعلم.
ومع هذا فلا يحسن أبداً أن يقال: (صحيح) ولا (ثقات) فغايته إن ثبت - ولا يثبت -
الحسن المنجبر، أما الثقة هكذا مطلقاً فما أحسن الهيثمي صنعاً - وهي عادته - فسماك - وإن
وُثَق - فما وُثِّق في روايته عن عكرمة! ولم أقف على شاهد له.
٩٩

ثانياً: المتن.
قدمت عِير (قريش/١) (إلى/١) (المدينة/ ٢١) فاشترى (فابتاع / ٦٤) النبي - صلى الله
عليه وسلم - (من عِير أقبلت/٦) (منها/٤١) (بيعاً / ٤٣) (تبيعاً/٣) (وليس عنده ثمنه/٣)
فربح (فأربح فيه/٣). أواقي (من ذهب/ ٥٤) (فباعه/٣) فقسمها (فتصدق/ ٥٤٣)
(بالربح / ٣) (بها/٥٤) في (على /٥٤٣) (بين/٦) أرامل (أبناء / ٤) (بني / إلا ٦) عبد المطلب
وقال (ثم قال/٦): لا أشتري (لا أبتاع/٦) (بعدها/٣) (شيئاً/ إلا ٤) (بيعاً/٦) (ما/٤)
لیس (إلا/٣) (و/٣) عندي ثمنه.
رموز الروايات :
الخلال (١) أحمد (٢) أبو داود (٣) الحاكم (٤) الطبراني (٥) الزبيري وأسود (٦)
وبداية رواية أبي داود: (اشترى من عير ... )، والزبيري .. (ابتاع ... ) وعند الطبراني:
(إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى عيراً قدمت فيها أواق .. )، والتبيع - وهو
ولد الناقة - رواية من رواية سنن أبي داود.
ثالثاً: الشرح.
- ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - اشترى ما ليس عنده ثمنه إلى أجل، واحتج به
البخاري في (الاستقراض) وهو حجة صحيحة وفقه متين أن يضع ذلك النوع من الشراء
في الاستقراض فالقروض مجمع على إباحتها، بل في فضلها أحاديث، وأما احتجاج
البخاري - رحمه الله تعالى - بحديث رهن الدرع على شعير فليس هو حجة في ذلك الباب
(ما ليس عنده ثمنه) إلا على وجه، وإلا فالدرع مال والرهن ضمان للمال، وحديثنا هذا
إن ثبت فقد يردّ بالنسخ أو خصوصية التحريم أو التنزيه مع إباحة الفعل.
- ليس هذا الباب كباب الشراء إلى أجل مع زيادة الثمن فذلك الأخير المشهور عند أهل
زماننا بالتقسيط ربا صريح، ولي في ذلك إجابة مفصلة في الفتاوي .
- مراد المصنّف من سياقة هذا الحديث هاهنا بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كان يتجر، وهذا شيء متواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته، أما بعد البعثة فلا
يحضرني الآن شيء، والله أعلم.
١٠٠