النص المفهرس

صفحات 61-80

ويروى كذلك: الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة رواه ابن الأعرابي في معجمه
(١٢٧) والقضاعي في مسند الشهاب (١٦٩/١) وابن عدي (٦٥١/٢ و١٤٦٥/٤).
وهذه معانيها صحيحة، والصواب في غالبها الوقف، وليس محل الاقتصاد الفقر بل
ثبت في الحديث: ((ثلاث منجيات: القصد في الفقر والغنى ... )) وانظر مسند الشهاب
(١ / ٢١٤ - ٢١٥).
وفي وصف الاقتصاد قال صاحب شرح نهج البلاغة (٢٠ / ٢٨٣): (الاقتصاد تمسك
الإنسان بما في يده خوفاً على حريته وجاهه من المسألة فهو يضع الشيء موضعه ويصبر عما
لا تدعو ضرورة إلیه .. ).
ولا يسعني البسط أكثر مما فعلت فلذلك مجاله.
٣٣ - أخبرني أبو بكر المروزي قال: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت
أبا يوسف الغسولي يقول: إنه ليكفيني في السنة اثنا عشر درهما، في كل شهر
درهم، وما يحملني على العمل إلا ألسنة هؤلاء القراء يقولون: أبو يوسف من
أين يأكل؟ !.
٣٣ - أبو يوسف اسمه يعقوب بن المغيرة، ترجمه ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٨٤):
(من عبّاد أهل الثغر ممن كان لا يأكل إلا الحلال المحض، فإن لم يجده استف الرمل، له
مقدار خمسة أحاديث مسندة رواها عن ثور بن يزيد روى عنه أهل العراق)، وزاد في
المجروحين (١ / ١١٣) حين تعرض لذكر رواية له: (من أقران إبراهيم بن أدهم)،
قلت: روايته عن ابن عيينة في الشجرية (٢ / ١٧١) ونقل ابن الجوزي في صفة الصفوة
(٤ / ٢٥١) عن المروزي عن أحمد بن حنبل قال: أبو يوسف الغسولي قد خلف ابن
إدریس - یعني (عبدالله بن إدريس) في الورع، ونقل (٤ / ٢٥٠) عن سري أنه كان يلزم
الثغر ویغزو.
والأثر نقله ابن الجوزي في الصفوة (٤ / ٢٥٠) قال: (قال المروزي ... ).
وفي الأثر فائدتان: التقلل من الإنفاق، واتقاء ألسنة الناس والسمعة.
وفي (ب): (مزيز) بدل: (من أين).
٦١

٣٤ - وأخبرنا أبو بكر قال: سمعت حرمي بن يوسف قال: سمعت أبا
يوسف الغسولي يقول: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة.
(٣٤) نقله ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤ / ٢٥٠) من طريق أحمد بن محمد بن
عبدالخالق عن المروزي به، وأظنه في الورع لأحمد تصنيف المروزي.
وهذا قول جيد متين، وقليل من يرمي به وهمه إليه فقد غلب على الناس أن يأخذوا
الشيء لا يسألون عنه: أحلال هو أم حرام كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
((يأتي على الناس زمان لا يبالون فيه من أين أخذوا الشيء أحلال هو أم حرام)) رواه
البخاري في البيوع من صحیحه بنحوه.
ومن جهل فربما أكل الحرام وعدّه الحلال الطيب، وربما تبايع وتعامل بالربا وهو يظنه
البيع والشراء.
فليتق الله من ادعى أنه مطيع له فإنه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلُ ثْقَالَ ذَرَّةِشَزَّايَرَهُ﴾ الزلزلة (٨).
وانظر السادس والثلاثين.
ويُذكر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل
الربا شاء أم أبى). أورده الإسماعيلي والذهبي كلاهما في (مناقبه) - (إتحاف المتقين
٥/ ٤٢٢).
وقال أحمد بن حنبل: (الشراء والبيع على حكم الشرع حلال إلى يوم القيامة). (طبقات
الحنابلة ١ / ٣٣٠) فاسمع (على حكم الشرع).
وفي (ب): (أني أبو بكر) وأضيفت (يقول) بخط حديث وبجواره كتب: (صح لنا).
٣٥ - أخبرني أبو بكر المروزي قال: سمعت إسحاق بن داود قال: سمعت
الحسن بن الربيع يقول: لأن أكسب قيراطاً أحب إليَّ من أن يصلني أحد بعشرة
دراهم.
٣٥ - الحسن من شيوخ أحمد والبخاري ومسلم.
والقيراط: جزء من أجزاء الدينار (النهاية لابن الأثير ٤ / ٤٢).
٦٢
٠

وقد سبق هذا المعنى في التاسع، ويروي عن علي - رضي الله عنه -: (لدرهم حلال من
تجارة أفضل من عشرة حلال من غيره) رواه الواسطي في مسند زيد (٢٢٧) وإسناده واهٍ.
وفي (ب): (المروزي ثنا إسحاق)، وانظر (٩) ها هنا.
٣٦ - وأخبرني أبو بكر قال: سمعت محمد بن مقاتل يقول: ينبغي للرجل
أن ينظر [في] رغيفه من أين هو، وينظر في] درهمه من أين هو. قال سفيان:
اعمل عمل الأبطال - يعني كسب الحلال.
٣٦ - صحيح، والثوري من كبار أتباع التابعين، ومحمد بن مقاتل لعله المروزي شيخ
أحمد والبخاري، لا ذاك العباداني الذي يروي عن حماد بن سلمة وابن المبارك.
والأثر المذكور هاهنا رواه عن الثوري :
١ - محمد بن مقاتل.
٢ - محمد بن يوسف الفريابي عند الخطيب في الجامع (١ / ٩٨) وسنده محتمل،
ولفظه كالذي يليه .
٣ - سلام بن سليم قال: قال لي الثوري: (عليك بعمل الأبطال: الكسب من
الحلال والإنفاق على العيال) رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٨١) وسنده صحيح.
وذُكر هذا القول عن إبراهيم بن أدهم - وهو من تلامذة الثوري - نسبه إليه الطوسي
الصوفي في اللمع (٢٦٠).
ويُذكر عن محمد بن واسع أنه قال لمالك بن دينار (وهما من طبقة صغار التابعين):
(مالك لا تقارع الأبطال؟) فقال مالك: وما مقارعة الأبطال؟ قال محمد: (الكسب من
الحلال والإنفاق على العيال). رواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٧ / ٢) وغيره.
وقال عبدالله بن المبارك والصحيح (وهو من طبقة الثوري): (لا يقع من الفضل شيء ولا
الجهاد في سبيل الله مثل السعي على العيال). رواه البيهقي في الشعب (١/١٠٩/١).
وقال روي هذا مرفوعاً: ((طلب الحلال مثل مقارعة الأبطال في سبيل الله .. )). رواه
البيهقي في الشعب (١ / ١٠٧/ ٢) وإسناده ضعيف مرسل، وله شاهد من حديث ثوبان:
((أفضل دينار دينار ينفقه على عياله ثم دينار في سبيل الله)) رواه أحمد (٥/ ٢٨٤) وفي
٦٣

إسناده إرسال، وحديث رواه أبو داود ولا يحضرني الآن في رجل قالوا: لو كان في سبيل
الله فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لو خرج على صغار يعولهم فهو في سبيل الله)) بنحوه.
والكسب من الحلال والإنفاق على العيال عمل الأبطال فينبغي للمرء تعاهد ذلك فلا
ينفق على عياله من حرام ولا يكنز عنهم الحلال فيما ينفعهم دون إسراف وترف.
وهما (الكسب والإنفاق) مما يُسأل عنه العبد: فقد قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن ... ماله من أين اكتسبه، وفيم
أنفقه)) الحديث. رواه الترمذي في القيامة من جامعه واستغربه وخرّجه الألباني في صحيحه
(٩٤٦).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به)). رواه أحمد
(٠٠٠٣٢١/٣) والترمذي في الجمعة من جامعه والدارمي في الرقاق من سننه وغيرهم
وهو صحيح، وانظر كنز العمال (٤ / ١٤ - ١٦)، والترغيب (٥٥٢/٢ - ٥٥٣).
وهذا مما أخل به عامة الناس حتى وقعوا في الشبهات بل في الحرام وأكلوه بدعوى
العيال! وصدق فيهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يأتي على الناس زمان لا
يبالون فيه من أين أصابوا الشيء: أحلال هو أم حرام)). رواه البخاري في البيوع من
صحيحه، ولأن يطعمهم تراباً خير من أن يطعمهم حراماً .
وفي (ب): (يعني اکسب).
٣٧ - أخبرنا أبو بكر المروزي أنه قرأ على أبي عبدالله رحمه الله: ابن مهدي
عن سفيان عن عمرو بن قيس عن عاصم عن أبي وائل قال: درهم من تجارة
أحب إليَّ من عشرة من [عطائي].
٣٧ - هذا إسناد صحيح، وله طرق أخرى عن سفيان في التاسع والثلاثين وفي
الأربعين.
وأبو وائل هو: شقيق بن سلمة الأسدي من كبار التابعين من أصحاب عبدالله بن
مسعود - رضي الله عنه -.
وقد سبق لهذا المعنى شواهد في التاسع وفي الخامس والثلاثين، وهو موافق للحديث
الصحيح: ((أفضل الكسب عمل الرجل بيده)» ويأتي تخريجه.
٦٤

وفي (ظ): (عطاء)، وفي (ب): (قرأ على علي بن عبدالله بن مهدي!) وفيها: (عشرة
إليّ) و(أني أبو بكر).
٣٨ - أخبرني حرب قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الجعفي ثنا أبو أسامة عن
يزيد بن إبراهيم التستري عن الحسن قال: مطعمان طيبان: حمل الرجل على
ظهره وعمله بيده .
٣٨ - هذا إسناد صحيح، وفي الجعفي كلام لا يضره في مثل هذه المقطوعات وأثنى
عليه بالحفظ غير واحد.
وهذا قد رواه أحمد في الزهد (٢٧٢) قال: حدثنا روح ثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن
قال: كان يقول: (مطعمان طيبان: رجل يعمل بيده وآخر يحمل على ظهره). وهذا إسناد
صحيح .
وشواهد قول الحسن من المرفوع كثيرة تأتي في الحادي والأربعين (العمل باليد) وفي جزء
الكسب المستطاب (الحمل على الظهر).
٣٩ - أخبرني محمد بن إبراهيم بن مهدي ثنا عبدالله بن محمد بن ربيعة ثنا
ابن المبارك عن سفيان عن عمرو بن قيس عن عاصم بن أبي النجود عن أبي
وائل [ب] هذا الحديث.
٣٩ - قوله: هذا الحديث يعني السابع والثلاثين، وکان ینبغي أن يسوقه بعده دون
فصل.
وفي (ب): (ثنا ربيعة ثنا سفيان) وهو سقط لا شك، وفي (ظ): (هذا الحديث).
٤٠ - وأخبرنا محمد قال: ثنا وكيع عن سفيان عن عمرو بن قيس عن
عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل قال: درهم من تجارة أحب إليَّ من عشرة
من [عطائي].
٤٠ - هذا إسناد صحيح.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٧ / ١٦) عن وكيع - وهو شيخه - به مثله إلا
٦٥

أن أوله: (لدرهم).
وسبق في السابع والتاسع والثلاثين.
وفي (ب): (أني محمد أنا وكيع .. عن أبي وريك)، وفي (ظ): (عطاء).
٤١ - أخبرنا الحسن بن عرفة حدثني قدامة بن شهاب المازني البصري عن
إسماعيل بن أبي خالد عن وبرة عن ابن عمر قال: سئل النبي - صلى الله عليه
وسلم - عن أطيب الكسب فقال: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)).
٤١ - أ - تخريج الحديث.
رواه الذهبي في السير (١٨ / ٣٧٦) من طريق محمد بن أحمد الغساني وهو ابن جميع في
معجمه (٣٧٧) قال: (أخبرنا يعقوب بن عبدالرحمن الدوري ثنا الحسن بن عرفة (ولم
أجده في جزئه) ثنا قدامة بن شهاب المازني ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن وبرة عن ابن
عمر قال: (سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) الحديث.
ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة أحمد بن زهير، وفي الكبير كلاهما من طريق الحسن
به، وقال: (لم يروه عن إسماعيل إلا قدامة، تفرد به الحسن).
قلت: إسناده محتمل، وقال الدمياطي في المتجر الرابح (ص ٦٣٢): (الطبراني بإسناد
جيد) وقال المنذري (٢/ ٥٢٣) والهيثمي (٤ / ٦٠): (رواته ثقات) وقال العسقلاني في
التلخيص (٣/ ٣): (رجاله لا بأس بهم). غير أن أبا حاتم الرازي قال في العلل لابنه
(١ / ٣٩١): (هذا حديث باطل، وقدامة ليس بقوي)، وكون قدامة هكذا عنده لا يبرر
كونه باطلاً فلعله اطّلع على علة خفية، وقد قال عن قدامة: (محله عندي محل الصدق) كما
في الجرح (٧/ ١٢٨) فهو صدوق ليس بقوي عنده لكن قال أبو زرعة: (لا بأس به)،
ووثقه ابن حبان وقال: (ربما خالف)، وقد علمت أن هذا الطريق فرد فلا تتضح المخالفة
هاهنا، والله أعلم.
غير أن للحديث شواهد كثيرة وهو ثابت لا شك :
أولاً: المسانيد:
١ - حديث رافع بن خديج: رواه أحمد (٤ / ١٤١)، والبزار (٢ / ٨٣ / زوائد)،
والطبراني في الكبير (٤٤١١)، وابن الأعرابي في معجمه (٤٩١)، والحاكم (٢/ ١٠)،
٦٦

وانظر صحيح الألباني (٦٠٧)، والبخاري في الكبير (٥٠٢/٣)، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٠٧/١)، والتقييد لابن نقطة (٢٢٥/٢).
٢ - حديث البراء بن عازب: رواه البزار (٢ / ٨٣ / زوائد)، والحاكم (٢ /١٠).
٣ - حديث أبي بردة بن نيار: رواه أحمد، والحاكم (٢ / ١٠)، وانظر التاريخ الكبير
للبخاري (٣/ ٥٠٢)، وصحيح الألباني (٦٠٧).
٤ - حديث المقدام بن معد يكرب، ولفظه: ((ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل
من عمل يده)). رواه البخاري والبيهقي في الآداب (٤٦١ - ٤٦٢) والشعب
(١ / ١/١٠٧) وغيرهما، ورواه ابن ماجه في التجارات من سننه بلفظ: ((ما كسب الرجل
كسباً أطيب من عمل يده)).
٥ - حديث أبي هريرة، ولفظه: ((خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح)). رواه أحمد
(٢ / ٣٣٤) وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١ / ٣٥٦) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي،
ورواه الخطيب في الجامع (رقم ١١٤٠) من طريق علي بن حُجْر، ورواه البيهقي في
الآداب (٤٦١ - ٤٦٢) وفي الشعب (١ / ١٠٧ / ٢) من طريق سعيد بن منصور، ورواه
أحمد (٢ / ٣٥٧ - ٣٥٨) عن إسحاق - هو ابن عيسى بن الطباع، ورواه ابن خزيمة في
حديث علي بن حجر (ذكره البيهقي في الشعب (١ / ١٠٧ / ٢) كلهم قالوا: حدثنا
محمد بن عمار (كشاكش / رواية العقدي عند أحمد) (مؤذن مسجد الرسول - صلى الله
عليه وسلم - / إسحاق عند أحمد) (المؤذن / رواية سعيد عند البيهقي) قال: سمعت
سعيد بن أبي سعيد المقبري (رواية الخطيب: حدثني سعيد) يحدث عن أبي هريرة (رواية
إسحاق وسعيد بن منصور فيها: سمعت أبا هريرة)، ولفظ رواية العقدي عند أبي نعيم:
(( .. كسب العامل .. ))، ولفظ رواية إسحاق عند أحمد: ((إن خير الکسب کسب یدي
عامل إذا نصح)).
وهذا إسناد حسن، قال العراقي في المغني (إتحاف المتقين ٤١٥/٥): (سنده حسن) وقال
الهيثمي : (ثقات)، ورواه الديلمي.
٦ - حديث علي - رضي الله عنه -:
رواية الحارث الأعور عنه:
ولفظه: ((أزكى الأعمال كسب الرجل - أو المرء - بيده وكل بيع مبرور)). رواه البيهقي
٦٧

في شعب الإيمان (١ / ١٠٧ / ٢) عن الحاكم بسنده عن ابن خزيمة، وذكره ابن أبي حاتم
في العلل (١ / ٣٩٠)، وإسناده واهٍ فيه الحارث فيه مقال شديد، وبهلول بن عبيد قال أبو
حاتم: ذاهب الحديث.
- رواية الحسين عنه ولفظه: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول
الله أي الكسب أفضل؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع
مبرور، فإن الله يحب العبد المحترف، ومن كدّ على عياله كان كالمجاهد في سبيل الله عز
وجل)). رواه زيد بن علي في مسنده (٢٢٨) وسنده إلى زيد واهٍ، وذكر الاحتراف له شواهد سبقت في
الثامن والعشرين، وذکر الکدّلهشاهد صحیح في سنن أبي داود (٣٦) هنا.
٧ - حديث معاذ - رضي الله عنه -: ولفظه: ((إن أطيب الكسب كسب التجار الذين
إذا حدّثوا لم يكذبوا ... )) الحديث. رواه البيهقي في شعب الإيمان والترمذي الصوفي في
نوادره (كنز العمال ٤ /٣٠) والأصبهاني في الترغيب، وقال أبو حاتم (العلل لابنه
١/ ٣٨٥): (هذا حديث باطل)، وأشار الدمياطي في المتجر الرابح (ص ٦٣٥) إلى
ضعفه .
وقد يكون شاهداً على وجه من الوجوه حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، ولفظه:
(إن أطيب ما أكلتم من كسبكم)). رواه البيهقي في المعرفة (٣/ ٣٣٠/ ب) ورواه الخطيب
(١٢ / ٤٩) وأبو نعيم في أصبهان (٢ / ٢٢) والطحاوي في الشرح (٤ / ١٥٨) بنحو هذا
اللفظ، وانظر الجنائز للألباني (١٧١).
وهذا شاهد لأطيب الأكل لا لأطيب الكسب، ومثله حديث عائشة رواه أبو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢١٣٧) والبخاري في تاريخه (١ / ٤٠٧)، والبيهقي في
المعرفة (٣/ ٣٣٠/ أ) وفي السنن الكبرى (٧ / ٤٨)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل
(٣٢٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٢٩) والقضاعي في مسند الشهاب (٢ / ١٢٠)،
والحاكم (٢ / ٤٦)، وابن حبان في صحيحه (٢ / ٤٦)، وعبد بن حميد، وسعيد بن
منصور (٢ / ١٤٤ - ١٤٥)، والطيالسي في مسنده (ص ٢٠١).
ثانياً: المراسيل:
١ - مرسل سعيد بن جبير: ولفظه: ((أطيب الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع
مبرور)). رواه عبد بن حميد (الدر المنثور ١ / ٣٤٧) وابن قتيبة في عيون الأخبار
٦٨

(١/ ٢٥٠)، وإسناده - مع إرساله - ضعيف.
٢ - مرسل مشيخة عبدالرحمن بن زياد الإفريقي: ولفظه: ((أطيب كسب المسلم سهمه
في سبيل الله وصفقة يده وما تعطيه أرضه)). رواه سعيد بن منصور في سننه (٢ / ٣٦٧)
وإسناده ضعيف.
٣ - مرسل سعيد بن عمير: ولفظه: ((أطيب الكسب عمل الرجل بيده ... )). وانظر
البخاري في تاريخه الكبير (٣/ ٥٠٢) وصحيح الألباني (٦٠٧).
ثالثاً: الموقوفات ونحوها.
١ - قال إبراهيم بن يزيد النخعي - رحمه الله تعالى -: (كانوا يستحبون كسب اليد
على التجارة). رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٦٩/٧) وإسناده صحيح، وإبراهيم من
التابعين ويعني بقوله: (كانوا) الصحابة - رضي الله عنهم -: وله شواهد كثيرة بالاستقصاء
في مهن الصحابة .
٢ - ذُكر عن سلمان - رضي الله عنه -: (إني لأحب أن آكل من كدّ يدي). رواه أبو
نعيم في الحلية (١ / ٢٠٠)، وفي إسناده ضعف وله شواهد.
٣ - سبق من قول الحسن البصري في الثامن والثلاثين: (مطعمان طيبان: حمل الرجل
على ظهره وعمله بيده).
ب - في متن الحديث:
يدخل في عمل اليد الكتابة ونحوها إذ هي حقيقة من عمل اليد، ولعلهم لذلك
استثنوا العمل بنسخ الكتب من ذم التأكل بالعلم والحديث.
وقوله - صلی الله علیه وسلم -: (وکل بیع مبرور» فيه وجوه:
١ - أن تكون ((وكل بيعٍ مبرورٍ)) عطفاً على العمل باليد فيكون المعنى أن أطيب الكسب
العمل باليد والبيع المبرور، على تقدير ((مبرور)) صفة للبيع.
٢ - أن تكون ((وكلُّ بيع مبرورٌ)) فتكون الواو استئنافية ويكون التعلق بما سبق من
الكلام في أطيب الكسب تعلقاً عاماً لا خاصاً، وتكون ((مبرور)) خبراً لكل بيع على نحو
قول الله تعالى: ﴿وَأَعَ الَّ الْعُ وَّةُ الرََّوْ﴾ البقرة (٢٧٥)، بمعنى حل البيع في ذاته وأصله،
إلا أن يحرم البيع لشيء عارض من صفة أو عين مثل بيع المحرَّم أو الربا ونحوه.
٦٩
=

ج - اختلاف النسخ :
في (ب): (أخبرني الحسن .. ابن عمرو قال سئل رسول الله - صلى الله تعالى عليه
وسلم -.. ).
٤٢ - أخبرنا أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي قال ثنا بقية عن شعبة عن
الحكم.
ح وأخبرنا أحمد ثنا الحسن ثنا يحيى بن آدم ثنا عبد السلام وابن المبارك عن
شعبة عن الحكم عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَاكَسَبْتُمْ﴾ قال:
التجارة .
٤٢ - رواية (شعبة عن الحكم عن مجاهد) ثقات لكن قال شعبة: (الحكم عن مجاهد)
كتاب إلا ما قال سمعتُ، قلت: هذا لا يضر في ثبوت الإسناد وهو أخصّ من قول ابن
حبان: إن الحکم۔۔ وهو ابن عتيبة - مدلس، فانتبه فالإسناد حسن صحيح، وقد توبع
الحكم عن مجاهد كما يأتي (٤٣).
ورواه عن شعبة :
١ - عبدالسلام بن حرب.
٢ - عبد الله بن المبارك. عنهما يحيى بن آدم في كتاب الخراج له (ص ١٣٢) ومن
طريق يحيى رواه إسماعيل بن محمد الصفّار عن الحسن بن علي بن عفان عن يحيى،
ورواه الخلال هاهنا عن أحمد بن الفرج عن الحسن بن علي هذابه فهذه متابعة قوية
لأحمد بن الفرج.
٣ - بقية: ومن طريقه الخلّال.
٤ - وكيع: رواه عنه:
- محمد بن إسماعيل الأحمسي عنه الخلّال (٥٥).
- ابن أبي شيبة في مصنّفه (٧ / ١٩).
٥ - محمد بن جعفر (غُندَر) وهو أثبت الناس في شعبة، ورواه عنه:
- أحمدبن حنبل رواه أبو نعيم في الحلية (٢٩٩/٣): (حدثنا محمدبن أحمدبن
الحسن ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة) به.
٧٠

-الطبري في تفسیره عن محمدبن بشار عن محمدبن جعفر به .
٦ - عبدالوهاب بن عطاء: عنه يحيى بن أبي طالب، وعن يحيى رواه:
-اخلال هاهنا (٦٥).
- أبو العباس محمدبن يعقوب الأصم: ومن طريقه البيهقي في السنن (٢٦٣/٥):
(أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس).
٧ - شبابة بن سوار: ومن طريقه البيهقي في السنن (٢٦٣/٥): (أخبرنا أبو عبد الله
محمد بن عبدالله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب ثنا محمد بن عبيدالله ابن المنادي ثنا شبابة ثنا شعبة) به.
٨ - آدم بن أبي إياس عند ابن جرير ولفظه: (التجارة الحلال).
٩ - هشیم قال: ثنا شعبة عند ابن جرير.
١٠ - زید بن الحباب عند ابن جرير.
ووقع في النسخ الخطية: (كلوا من طيبات ما كسبتم) وهو خطأ صحته: ﴿كُلُوأمِن
◌َيِّبَّتِ مَارَزَقْتَكُمْ﴾ البقرة (١٧٢) والأعراف (١٦٠) هذا ما وقع في رواية شبابة وحده، وباقي
الروايات: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَبِّيْتِ مَاكَبْتُ﴾ البقرة (٢٦٧).
وصحفت (يحيى بن آدم) إلى (يحيى بن نافع).
وأثر مجاهد هذا نسبه في الدر المنثور (١ / ٣٤١) إلى رواية عبد بن حميد وسعيد بن
منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم.
وفي تفسير هذه الآية:
روي عن علي - رضي الله عنه - قال: (من طيبات ما كسبتم يعني من الذهب
والفضة). رواه ابن جرير وإسناده ضعيف جداً.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (من طيبات ما كسبتم
يعني من أطيب أموالكم وأنّفَسه) رواه ابن جرير، وفي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس مقال مشهور وتحتمل التحسين.
٧١

٤٣ - وأخبرنا الحسن بن علي ثنا يحيى بن آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح
عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ﴾ قال: من التجارة.
٤٣ - الآية (٢٦٧) من سورة البقرة.
ورواية (ابن أبي نجيح عن مجاهد) فيها مقال إذ إن في سماعه التفسير من مجاهد خلافاً
مشهوراً فقد قالوا إنه إنما تلقاه من القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، والقاسم ثقة، فهذه
الرواية لا بأس بها، وسبق في (٤٢) رواية (الحكم عن مجاهد).
وقفتُ عليه من طريق (ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد)، وعن ورقاء رواه:
١ - يحيى بن آدم في كتاب الخراج له (ص ١٣٢) وعنه الحسن بن علي بن عفّان،
ورواه عن الحسن :
- أبو العباس الأصم عند البيهقي في السنن (٤ / ١٤٦ / زكاة التجارة) قال:
(أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو بكر بن الحسن القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: ثنا
أبو العباس محمد بن يعقوب) به.
- أحمد بن الفرج وعنه الخلال هاهنا.
- إسماعيل بن محمد الصفّار راوي كتاب الخراج ليحيى.
٢ - آدم بن أبي إياس راوي كتاب تفسير ورقاء هكذا يسمى، وهو تفسيره عن ابن
أبي نجيح عن مجاهد فهو تفسير مجاهد (١ /١١٦ - ١١٧).
وفي نسخة (ب): يحيى وصوابها نجيح، والتجارة دون (من) قبلها.
٤٤ - أخبرنا أبو بكر المروزي ثنا الوَرْكاني ثنا المعافى بن عمران عن سفيان
عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال: التاجر خير من الجالس.
٤٤ - إبراهيم هو ابن يزيد النخعي التابعي الإمام، وسفيان هو الثوري، وإسناده
حسن صحيح، وعنعنة الأعمش عن إبراهيم لا تضر كما قرره الذهبي وغيره، والوركاني
هو محمد بن جعفر.
٧٢

وقول التابعي: (كان يقال) إما يقصد الصحابة ولما أعثر على رواية عنهم بذلك من غير
طريقه، وإما في الحكمة. والله أعلم، وهذا غير قوله: (كانوا يفعلون) فهو لا شك يعني
الصحابة أو التابعين.
و(الجالس) يعني دون عمل وتكسب، والتجارة وغيرها من الأعمال - في غالبها -
تقتضى كثرة الحركة والسعي في الأرض، وربما السفر.
٤٥ - أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي - رحمه الله - ثنا سفيان
عن أبي إسحاق قال: كانوا يرون السعة عوناً على الدين. قيل لسفيان: سفيان
الثوري ذكره قال: نعم.
٤٥ - سفيان شيخ أحمد هو ابن عيينة، وابن عيينة يرويه عن الثوري عن أبي إسحاق
هو السَّبيعي عمرو بن عبدالله وهو تابعي كبير رأى علياً - رضي الله عنه-، والإسناد
صحيح، وقوله: (كانوا) يعني الصحابة - رضي الله عنهم -، وأبو إسحاق رواه (٥٦) عن
عبدالرحمن بن أبزي (صحابي) من قوله أو قول نبي الله داود.
والسَّبيعي على اختلاط فيه وتدليس قد يُقبل قوله هذا وما يشاكله ممن يماثله لأمور منها:
أن ذلك رواية إما أن تكون عن رؤية أو سماع أو عن إسناد وأخبار فتُقبل روايته هذه
على أنها عمن رأى وأدرك من الصحابة فتكون متصلة لعمومها لا مدخل للتدليس فيها، إذ
غالب التدليس يكون في خصوص إسناد، على أنه قد يقال: إذا لم يُقْبل خبر المدلس عن
واحد فكيف عن جماعة فهو أدعى للريبة وأبعث على التدليس، وهذا اعتراض قوي لا
أجد له مدفعاً والله أعلم.
ولقول أبي إسحاق شواهد:
أولاً: من القرآن الكريم.
فقد قال عزّ وجلّ: ﴿وَلَاأُوْنُ الَُّّهَاء أَقْوَلَكُالَّى جَعَلُ اللّه ◌َكُمْ قِيْمًا ﴾ النساء (٥).
قال ابن كثير (١٨٦/٢): (أي تقوم به معايشهم).
والآيات كثيرة في إقامة أمر الدين بالجهاد وعمارة الأرض وذلك لا يكون إلا بالمال، ثم
هو كذلك عون للمرء على دينه فيتصدق ويتعبد .. .
٧٣

ثانياً: الأحاديث.
١ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله تعالى: ما جعلنا المال إلا لإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة .. )). رواه أحمد والطبراني بسند صحيح من حديث أبي واقد، وخرّجه
الألباني في صحيحه (١٦٣٦).
٢ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذا المال خَضِرة حُلْوة: فمن أخذه
بحقه ووضعه في حقه فنِعْم المعونة هو - وفي رواية: نِعْم صاحب المسلم هو ... ))
الحديث. رواه البخاري ومسلم واللفظ والرواية له، وانظر البيهقي في شعب الإيمان
(١ / ٢/١٠٨) وهاهنا (٥٤ و ١١٣).
٣ - روي من حديث معاوية بن حيدة مرفوعاً: ((نعم العون على الدِّين قُوت سنة)).
رواه الديلمي في الفِرْدوس بإسناد ضعيف (الضعيفة ٢٠٤٠).
وهذا قد روي مرسلاً بأسناد أصلح منه: فقد رواه القضاعي في مسند الشهاب
(٢ / ٢٦٠) من طريق (عيسى بن علي ثنا عبد الله البغوي ثنا عبدالرحمن بن صالح ثنا
عيسى بن يونس عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - نعم العون على تقوى الله المال).
قلت: هذا إسناد صحيح مرسلاً رجاله كلهم ثقات مشهورون، وعبدالرحمن ثقة
مشهور لكنه خولف فقد رواه غيره عن ابن سوقة موقوفاً: فقد رواه ابن حبان في روضة
العقلاء (٢٢٤ - ٢٢٥) من طريق موسى بن أيوب ثني عيسى بن يونس، ورواه أبو نعيم في
الحلية (٣ / ١٤٩) من طريق أبي سعيد الأشج ثنا عيسى بن يونس عن محمد بن سوقة عن
محمد بن المنكدر قال: (نعم العون على تقوى - الله عز وجل - الغنى). وأبو سعيد ثقة
وموسی لا بأس به، والوقف أصوب.
وهذا المتن ذاته يُذكر من قول نبي الله داود عليه السلام ويأتي في السادس والخمسين.
٤ - حديث: (الديْن شينْ الدِّين) وهذا قد روي عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعاً
عند القضاعي في مسند الشهاب (١ / ٥٣ - ٥٤)، ولا يصح، وروي مرسلاً عن مالك بن
يخامر عند أبي نعيم في الصحابة (٢ / ١٧٩ / ق) ولا يصح وانظر الميزان (٢ / ٤٣٩)،
وورد موقوفاً على معاذ وصوّبه الألباني في ضعيفه، وله شاهد مرفوع صحيح فقد ثبت أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر أن يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم
٧٤

والمَغْرم)» فسئل عن ذلك فقال: ((إن الرجل إذا غرم: حدّث فكذب ووعد فأخلف)). رواه
البخاري في الأذان ومسلم في المساجد من صحيحيهما، وقد تعوّذ - صلى الله عليه وسلم -
من الفقر.
ثالثاً: الموقوفات ونحوها.
١ - سبق عن معاذ (الديْن شيْنُ الدِّين) وعن ابن المنكدر (نعم العون على تقوى الله)
وعن السبيعي (كانوا- يعني الصحابة - يرون السعة عوناً على الدين)، وسبق في التاسع
عشر شيء من ذلك، ويأتي في (٥١ و٥٢) عن سعيد بن المسيب نحو ذلك.
٢ - روى ابن حبان في روضة العقلاء (٢٢٥) أن عبد الله بن المبارك - وهو إمام مشهور
من أتباع التابعين - بكى، فسُئل عن ذلك فقال: بضاعة لي ذهبت، فقيل: أو تبكي على
المال؟! قال: (إنما هو قوام ديني). وإسناده لا بأس به.
وروى البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٩ /١) من طريق إبراهيم بن بشار قال:
سمعت علي بن الفضيل يقول: سمعت أبي يقول لابن المبارك: (أنت تأمرنا بالزهد والتقلل
والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام. كيف ذا وأنت تأمرنا
بخلاف ذا؟!).
فقال ابن المبارك: (يا أبا علي، أنا أفعل ذا لأصون وجهي، وأكرم بها عِرْضي، وأستعين
بها على طاعة ربي: لا أرى الله حقاً إلا سارعتُ إليه حتى أقوم به).
فقال له الفضيل: (يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا).
٣ - وقال ابن عيينة: (قيل لابن عون (هو عبدالله بن عون تابعي ثقة كبير القَدْر):
تحب الدراهم!؟ قال: إنها تنفعني وتصونني). رواه البيهقي في شعب الإيمان
(١ / ١٠٨/ ١) وإسناده صحيح إلى سفيان، ويُنظر في سماعه ابن عون.
٤٦ - أخبرنا محمد بن مهدي بن جعفر الصُّوري بصُور قال: سمعت أبي
يقول: كنت بطرسوس عند قدوم المأمون إلى طرسوس ومعه أحمد بن حنبل -
رحمه الله ۔ وابن نوح، وکان هو وابن نوح مقیدین قال: فكتب إليّ أحمد بن
حنبل رقعة: قد علمت ما نحن فيه ولولا ذلك جئناك، فإن رأيت أن تصیر إلينا
صرت. فصرت إليهم حتی حدثتهم، فكان فيما كتب عني أحمد بن حنبل - رحمه
٧٥

الله - [تعالى]: ثنا ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة عن عبد ربه بن سليمان بن زنبور
عن ابن محيريز قال: ((ما من طعام أملأ به ما بين جنبي بعد سعبي يعد فيه بين
الأسود والأحمر أحب إليَّ من طعام تاجر صدوق)).
٤٦ - هذا الأثر لم يذكره ابن الجوزي في المناقب (٣٨٧ - ٣٩٣) في قصة أبي عبد الله
مع المأمون فيستدرك من هاهنا.
وابن محيريز هو عبدالله تابعي إمام، ومراده من هذا القول أمور:
أحدهما: فضل التاجر الصدوق. الثاني: أفضل الطعام من سعي المرء. الثالث: فضل
الطعام من حلال طيب.
وفيه التنبيه على مسألة مهمة من الورع بسطتها في كتابي الكبير: (إزالة النكرة) وهي
مسألة ترك طعام مشتبه المال أو مشتبه الحال.
وفي (ب): (أبي جعفر الصوري) بخط حديث: (أبي)، وفيها: (بن حنبل نوح ..
أحمد رقعة .. )، وفيها: (مجریز) بدل: (محيريز).
٤٧ - كتب إليَّ بشر بن موسى الأسدي ثنا عبدالله بن صالح العجلي ثنا
إسرائيل عن أبي حمزة قال: سألت إبراهيم عن رجل يترك التجارة - يعني ويقبل
على [العمل و] الصلاة، يعني ورجل يشتغل بالتجارة أيهما أفضل؟ قال: التاجر
الأمين.
٤٧ - إسناده ضعيف، أبو حمزة هو ميمون القصاب ضعيف خاصة في روايته عن
إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي .
وقوله: (ورجل يشتغل بالتجارة) أي مع محافظته على الصلاة المكتوبة، وإلا فلا، وأي
أمانة يصير بها أفضل وقد ضيع الصلاة وهي من أعظم الأمانات!؟، وليست سيرة
الصالحين الاشتغال بالتجارة متفرغاً لها عن العلم والعبادة، ولا التفرغ للعلم إن لم يكن له
ما يقوته وعياله غير مستشرف، وكان حماد بن سلمة وغيره إذا ربح نفقة يومه أغلق حانوته
وانصرف، وذُكر عن سلمان - رضي عنه -: (إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت
وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس). رواه أبو نعيم في الحلية (٢ / ٢٠٧) من طريقين
عنه .
٧٦

٤٨ - أخبرنا الحسن بن علي بن عفان ثنا يحيى بن آدم ثنا قيس عن عبدالله بن
عطاء عن أبي جعفر قال: ما قُتل ابن عفان حتى بلغت غلة نخله مائة ألف.
٤٨ - ضعيف: أبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع
من جده علي ولا من عثمان بن عفان - رضي الله عنهما -، وقيس هو ابن الربيع فيه مقال.
وهذا الأثر من رواية يحيى بن آدم في كتبه: الخراج (ص ٨٣ ح ١٢٦٣ باب غرس
النخل والزرع) وعنده: (حتى بلغت غلة علي مائة ألف) وأظنه تصحيفاً صحته ما في رواية
الخلال: (غلة نخله ... ) فعلي لا أعرف عنه هذا وهو بعثمان - رضي الله عنهما - أوْلى فقد
كان من مياسير الصحابة وسيرته في ذلك مشهورة، ووقع في نسخة (ظ): (نخلي) وهو
غلط بينَّ صوابه: (نخله).
وكتاب الخراج من رواية إسماعيل بن محمد الصفّار عن الحسن بن علي بن عفان عن
يحيى بن آدم فهذه متابعة قوية للخلال.
ومراد الخلال - رحمه الله - بيان تثمير المال وتكثيره من جهة، وبيان ما خلّفه الصحابة
والصالحون بعدهم وهم القدوة والأسوة الحسنة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا البيان مبسوط في طبقات ابن سعد (٣/ ٧٦ - ٧٧)، والسخاء للدارقطني
(١٤١)، والجامع لابن عبدالبر (٢/ ١٣) وغيرهم.
٤٩ - أخبرنا العباس بن محمد الدُّوري - أنا سألته - ثنا جعفر بن عون ثنا
الأعمش عن سلمة عن أبي ظبيان قال: قال عمر: يا أبا ظبيان اتخذ مالاً.
٤٩ - مداره على رواية أبي ظبیان في قول عمر - رضي الله تعالى عنه - له، - وعن أبي
ظبیان رواه:
١ - (سلمة بن كهيل): عند الخلال هاهنا، وعن سلمة رواه الأعمش بالعنعنة وهو
مدلس، وبقية إسناده ثقات مشاهير: فالدُّوري صاحب ابن معين وجعفر من رجال
مسلم .
٢ - (مسعر بن كدام): قال الدُّوري عن ابن معين (٢ / ٧١٢ / ترتيب): (يروي عنه
مسعر أن عمر قال له: مامالك).
٧٧

٣ - (موسى بن عبدالله بن يزيد الأنصاري): وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، ومن
طريقه رواه ابن عبدالبر في الجامع (٢ / ١٤) من طريق [الحسين بن الزبرقان النخعي ثنا
أبو أسامة عن عبدالله بن الوليد المزني عن موسى بن عبدالله بن يزيد الأنصاري عن أبي
ظبيان الأزدي قال: قال لي عمر بن الخطاب: ما مالك يا أبا الظبيان؟! قال: قلتُ: أنا في
ألفين وخمسمائة، قال: (فاتخذ سائماً، فإنه يوشك أن يجيء أغيلمة من قريش يمنعون هذا
العطاء)]. ورجاله كلهم ثقات مشاهير غير الحسين لم أعرفه، والسائم: الغنم،
والأغيلمة: يعني أمراء بني أمية صغار الأسنان سفهاء الأحلام.
قلت: فهو ثابت عن أبي ظبيان.
وأبو ظبيان هذا تابعي كبير اخُتُلف في تعيينه:
١ - أبو ظبيان صاحب الأعمش قال ابن معين (الدُّوري ٢ / ٢ / ٧١٢ / ترتيب): (أبو
ظبیان الذي روي عنه سلمة بن کھیل الذي يقول: كنت عند عمر .. ليس هو صاحب
الأعمش).
قلتُ: روى الدولابي في الكنى (٢ / ١٩) عن الدُّوري قال: (سألت يحيى عن حديث
الأعمش عن أبي ظبيان قال: قال لي عمر .. ).
فهذا يدل على أن الأعمش روى عنه لكن الأعمش مدلس وقد ثبت أن هذا رواه عن
سلمة عن أبي ظبيان، وعلى أي حال فكون صاحبنا هذا ليس هو بصاحب الأعمش فيها
نظر.
٢ - أبو ظبيان الذي يروي عن علي: قال ابن معين (الدولابي ٢ / ١٩): ( .. ليس
هذا أبو ظبيان الذي يروي عن علي .. ).
٣ - أبو ظبيان الجنْبي حُصيْنْ بن جندب أبو قابوس وهو تابعي ثقة روى عن عمر وعلي
وعنه سلمة بن كهيل وغيره جزم المزي وتبعه ابن حجر أنه غير أبي ظبيان صاحب الحديث
الذي هاهنا، وليس لهما مستند في ذلك الجزم إلا قول ابن معين.
قلت: وقد يكون ثمة مستند آخر لم يذكراه وهو أن أبا ظبيان صاحب حديث (اتخذ
مالاً) قال ابن معين: (هو أبو ظبيان القرشي يقولون: هذا رجل من قريش) وقرشيته هي
عمدة ابن معين - والله أعلم - في نفي أنه هو حُصَيْنْ فحصين جنبي من قبائل اليمن،
قلتُ: وقد وقع في رواية موسى بن عبدالله نسبة أبي ظبيان (الأزدي) فزاد الإشكال
٧٨

فالأزدي - وإن كان من اليمن - فهو غير الجنبي غير القرشي وبقرشيته جزم البخاري
ومسلم في الكنى: (أبو ظبيان القرشي سمع عمر روى عنه سلمة بن كهيل).
٤ - أبو ظبيان القرشي وفي رواية: الأزدي صاحب حديثنا هاهنا، كما رأيت فقد أفردوه
عن غيره وبيضوا له. بل قال ابن معين (الدُّوري ٢ / ٧١٢ / ترتيب): (لا أدري من
هو) .
ولم أقف على الرواية التي تنسبه قرشياً الآن، فنظرة إلى ميسرة للبحث في تراجم (أبي
ظبيان) فإني لا أنشط لذلك الآن، والله المستعان.
٥٠ - أخبرنا أحمد بن منصور زاج المروزي ثنا النضر بن شميل ثنا شعبة بن
الحجاج قال: سمعت قتادة قال: سمعت مطرف عن عبدالله بن الشخير عن
حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه فقال: ((عليكم بالمال
واصطناعه، فإنه منبهة الكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها
آخر كسب الرجل، فإذا ما مت فلا تنوحوا عليَّ، فإن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - لم يُنح علیه)).
٥٠ - فیه حکیم لم یوثقه غیر ابن حبان لكنه توبع، وقد رواه:
البخاري في تاريخه (١٢/٣) والأدب المفرد (رقم ٩٥٣)، وعبدالرزاق (١١ / ٩٢)،
وأحمد (٥ / ٦١)، والطبري في مسند عمر من تهذيب الآثار (١ / ٥٦ - ٥٧)، والطيالسي
في مسنده (١٤٦ و١٤٧)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ١٨٤)، وأبو ذر الهروي في
حديثه (١٧٢ / ق)، وابن الأعرابي في معجمه (٥٦)، وأبو يعلى في المفاريد (١٦ -
١٧/ ق) وفي المسند، والطبراني في الكبير (١٨ / ٣٣٩ - ٣٤١) وفي الأحاديث الطوال
(رقم ١٩)، والحاكم (٣ / ٦١١)، وابن حبان في الثقات (٦ / ٣٢٢) وروضة العقلاء
(١٤٥ و٢٢٤)، والخطابي في الغريب (٢ / ٥٦٠)، والأصفهاني في ترجمته من الأغاني،
وغيرهم وانظر: الإصابة (٣/ ٢٥٣)، والمطالب العالية (٢/ ٣٧٣) و(١ / ٢٤٦)، ومجمع
الزوائد (٤ / ٢٢١)، وإتحاف المهرة للبوصيري / الوصايا، والبيهقي في شعب الإيمان
(١ / ١٠٦ و١٠٧ و١/٢١٢/٣) وابن عبدالبر في الجامع (١٢/٢ - ١٣) وفي
الاستيعاب والقناعة لابن أبي الدنيا (١/٨٤ / مختصر).
٧٩

وقد سقت طرقه بألفاظها وشواهدها في كتابي عن وصايا العلماء، وهذه من الوصايا
الجامعة النافعة لمن تدبرها.
وقوله: (فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ینح علیه) له شاهد من حديث أبي
هريرة عند البزار (١ / ٣٧٧ / زوائد) باللفظ ذاته وقال البزار: (لم نسمعه إلا من عقبة)
وهو شيخه يعني أنه تفرد به، وهو عقبة بن سنان قال أبو حاتم: صدوق، وإسناده حسن
لا سیما ولهشاهدمن حدیث قیس بن عاصم وأحادیث وفاته صلی الله علیه وسلم.
وقوله: (لا تنوحوا عليَّ فإن ... ) معناه أن - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - لم يُنَحْ عليه مع كرامته على الله وعلى الخلق، فمن باب أولى ألا
يناح على غيره.
٥١ - أخبرنا حرب بن إسماعيل الكرماني ثنا بشار بن موسى ثنا عباد ثنا
يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ((لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به
دينه ويصون به عرضه، ويقضي به ذمامه، وإن مات تركه ميراثاً لمن بعده)).
٥١ - صحيح ، وإسناد الخلال ضعيف لضعف بشار بن موسى لكنه توبع فقد رواه أبو
نعيم في الحلية (٢ / ١٧٣) في ترجمة سعيد بن المسيب، قال أبو نعيم: (حدثنا أحمد بن
بندار ثنا أحمد بن محمد ثنا أبو مسعود ثنا محمد بن عيسى عن عباد عن يحيى) به.
ومداره - فيما وقفت عليه - على رواية يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري عن سعيد بن
المسيب (وفي رواية: سمعت سعيد بن المسيب) وهذا إسناد صحيح، ورواه عن يحيى :
أ - عبَّاد بن عباد: عنه بشار بن موسى عند الخلال، ومحمد بن عيسى بن الطباع عند
أبي نعيم، وعباد ثقة من رجال الجماعة.
ب - سفيان الثوري: عنه :
١ - وكيع عند الخلال (٥٢) وأشار إليه أبو نعيم والبيهقي.
٢ - محمد بن يوسف الفريابي ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ٢/١٠٨).
٣ - يحيى بن سعيد القطان.
٤ - عبدالرحمن بن مهدي ومن طريقهما ابن عبدالبر في الجامع (٢/ ١٣).
٨٠