النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ کتاب الوصايا وإن لم يَخرُجَا من الثلث: ضَرَبَ بالثلث، فَأَخَذَ ما يخصُّه منهما جميعاً في قول أبي يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة: يأخذ ذلك من الأم، فإن فَضَلَ شيءٌ: أَخَذَه من الولد . - وقوله: قبل أن يقبل الموصى له: لم يذكر هذا الشرط في ((الهداية))(١)، وصوابُه: قبل القسمة. - وقوله: فولدت بعد موت الموصي: إنما قيَّد به؛ لأنه لا يستحق ما ولدت قبل موت الموصي. ذكره في ((الكرخي)). * قوله: (وإن لم يَخرجا من الثلث: ضَرَبَ بالثلث، وأَخَذَ ما يَخصُّه منهما جميعاً)؛ لأن الوصية تتناولُهما جميعاً، ولهذا استحقهما الموصى له إذا خرجا من الثلث. فإذا لم يخرجا جميعاً من الثلث: ضرب فيهما بالحصة، (عند أبي حنيفة (٢)). * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذ ذلك من الأم، فإن فَضَلَ شيءٌ: أَخَذَه من الولد)؛ لأن الوصية تعلقت بعين الأم، والولدُ يدخل معها على طريق التبع. (١) ٤/ ٢٤٣. (٢) سيأتي تنبيه الشارح الحداد إلى أن الخلاف في الهداية مذكورٌ بين الإمام وصاحبيه على العكس، وأما نُسَخ القدوري فهي على ما أُثبتَ في الهداية، وهو ما أثبتُّه أعلى. ٤٢٢ کتاب الوصايا - فإذا لم يخرجا من الثلث: تعينت الوصية في الأم، فإن فَضَلَ من الثلث شيء: کان ذلك من الولد. وفي ((الهداية))(١): الخلاف على عكس هذا، فجعل قولَهما قولَ أبي حنيفة، وقولَ أبي حنيفة قولَهما. - وصورة المسألة: رجلٌ له ستمائة درهم، وأمةٌ تساوي ثلثمائة درهم، ولا مالَ له غير ذلك، فأوصىُ بالأمة لرجلٍ، ثم مات، فولدت ولداً يساوي ثلثمائة درهم قبل القسمة: فللموصى له: الأم، وثلث الولد، عند أبي حنيفة، وما بقي للورثة. وهذا يتأتى على ما ذكر في ((الهداية))، وهو ضدُّ ما في القدوري(٢). وعندهما: له ثلثا كل واحد منهما، وما بقي للورثة. وجه قول أبي حنيفة: أن الوصية قد صحت في الأم، وهي تخرج من الثلث، فلا يجوز أن تُفسخ الوصية في شيءٍ منها بعد صحتها. ولأن الأم أصلٌ، والولد تبعٌ، والتبع لا يزاحِم الأصلَ، فلو نفذنا الوصية فيهما جميعاً: تنتقض الوصية في بعض الأصل، وذلك لا يجوز. (١) ٤/ ٢٤٣. (٢) هذا بناء على نسخة الشارح الحداد من القدوري، ولكن نسخ القدوري التي عندي كالهداية. ٤٢٣ کتاب الوصايا وتجوز الوصيةُ بخدمة عبده، وسُكْنَى داره سِنينَ معلومةً، وتجوز بذلك أبداً. فإن خَرَجَت رقبةُ العبد من الثلث: سُلِّم إليه ليَخدُمه. وإن كان لا مالَ له غيرُه: خَدَمَ الورثةَ يومين، والموصَى له يوماً. ولهما: أن الولد قد دخل في الوصية تبعاً حالة الاتصال، فلا يخرج عنها بالانفصال. - هذا إذا ولدت قبل القسمة، فإن ولدت بعدها: فهو للموصى له؛ لأنه نماءَ خالصٍ ملکه؛ لتقرُّر ملكه فيه بعد القسمة. * قوله: (وتجوز الوصية بخدمة عبده، وسُكنى داره سنين معلومةً، وتجوز بذلك أبداً)؛ لأن المنافع يصح تمليكها في حال الحياة ببدلٍ وبغير بدل، فكذا بعد الموت، ويجوز مؤقتاً ومؤبداً. ونفقة العبد في الموضعين على الموصى له بالخدمة. : قوله: (فإن خرجت رقبةُ العبد من الثلث: سُلِّم إليه ليخدُمه)؛ لأن حق الموصى له في الثلث، ولا يزاحمه فيه الورثة. * قوله: (وإن كان لا مالَ له غيرُه: خَدَمَ الورثةَ يومين، والموصى له يوماً)؛ لأن حقّه في الثلث، وحقهم في الثلثين. - وهذا إذا لم تُجز الورثة؛ لأن العبد لا يمكن قسمته أجزاءً؛ لأنه لا يتجزأ، ویمکن استيفاء خدمته على المهاياة، بخلاف الوصية بسکنی الدار إذا كانت لا تَخرج من الثلث، حيث تُقسم عينُ الدار أثلاثاً للانتفاع؛ لأنه ٤٢٤ کتاب الوصايا فإن مات الموصى له : عاد إلى الورثة. فإن مات الموصى له في حياة الموصي : بطلت الوصية. وإذا أوصىْ لوَلَدِ فلانٍ : فالوصيةُ بينهم : الذكرُ والأنثى فيه سواءٌ. يُمكن القسمة بالأجزاء، وهو أعدل للتسوية بينهما زماناً وذاتاً، وفي المهايأة تقديم أحدهما زماناً. - ثم العبد الموصى بخدمته ليس للورثة أن يبيعوه، إلا إذا أجاز ءِ الموصى له بالخدمة، فإذا أجاز: لم ينتقل حقّه إلى العوض. * قوله: (فإن مات الموصى له: عاد إلى الورثة)؛ لأن الموصي أوجب الحقَّ للموصى له ليستوفي المنافعَ على حكم ملكه، فلو انتقل إلى وارث الموصى له: استحقها ابتداءً من ملك الموصي من غير رضاه، وذلك لا يجوز. * قوله: (وإن مات الموصى له في حياة الموصي: بطلت الوصيةُ)؛ لأن إيجابها تعلق بالموت، ولأن من شرط صحة الوصية: القبول، ومن شرط القبول: أن يكون بعد موت الموصي، فإذا مات الموصى له قبل ذلك: عُدم هذا. * قوله: (وإذا أوصىُ لولدِ فلانٍ: فالوصية بينهم: الذكر والأنثى فيه سواء)؛ لأن اسم الولد ينتظم الكلّ انتظاماً واحداً. - فإن لم يكن لفلانٍ ولدٌ من صُلبه: دخل في الوصية ولدُ الابن، الذكورُ دون الإناث عند أبي حنيفة، وعندهما تدخل الإناث، وتكون ٤٢٥ کتاب الوصايا الوصية لهما جميعاً، كما في ولد الصُّلب، فلا يدخل أولاد البنات في ذلك، في المشهور. - وإن أوصىُ لبني فلانٍ: فعن أبي حنيفة روايتان: في روايةٍ: أن الذكور ينفردون بذلك، دون الإناث؛ لأن الإناث لا یتناولهم اسم البنين. وفي رواية: يدخلون مع الذكور، ويكونون سواء، وهو قولهما؛ لأن اسم البنين يتناول الجميع في حال اجتماعهم، قال الله تعالى: ﴿يَنِىّ ءَادَمَ ﴾. الأعراف / ٢٦ ، فالخطاب متناوِلٌ للكل. - وأما إذا قال: لبني فلان: ولم يكن له إلا بنات منفردات: لم يكن لهنَّ شيء، بلا خلاف؛ لأن حقيقة الاسم للذكور. - ولو أوصىُ بثلث ماله لأمهات أولاده، وهنَّ ثلاثٌ، وللفقراء والمساكين: فلهنَّ ثلاثة أسهم من خمسةٍ عندهما. وقال محمد: يُقسم الثلث على سبعة، لهنَّ ثلاثة، ولكل فريق سهمان؛ لأن الفقراء والمساكين جنسان، والمذكورُ لفظ الجمع، وأدناه في الميراث اثنان؛ لما بيّنَّاه فیما تقدم، فكان من كل فريق اثنان. ولهما: أن الجمع المذكور بالألف واللام يُراد به الجنس، فيتناول الأدنى، كما إذا قال: لا أتزوج النساءَ، فإذا كان كذلك: اعتُبر من كل فريق واحدٌ. ٤٢٦ کتاب الوصايا ومَن أوصىُ لورثة فلانٍ : فالوصيةُ بينهم : للذكر مثلُ حظِّ الأُنثَيْن. - وإن أوصى بثلثه لفلانٍ والمساكينِ: فنصفُه لفلان، ونصفُه للمساكين عندهما، وقال محمدٌ: ثلثه لفلان، وثلثاه للمساكين. - ولو أوصىُ للمساكين: فله صَرْفُه إلى مسكينٍ واحدٍ عندهما، وعنده: لا يُصرف إلا إلى مساكين، على ما بيّنًا. - وإن أوصى بثلثه للبائسِ والفقيرِ والمسكينِ: قال أبو حنيفة ومحمد: يُجعل الثلث على ثلاثة أجزاء: جزءً للبائس، وهو الزَّمِن إذا كان محتاجاً، وجزءً للمسكين، وهو الذي يطوف على الأبواب، وجزء للفقير الذي لا يطوف على الأبواب، ولا يسأل. وقال أبو يوسف: يُجعل على جزءين: الفقيرُ والمسكين: واحدٌ، والبائس: واحدٌ. ـ ومَن أوصى لرجل بمائة درهم، ولآخر بمائة درهم، ثم قال لآخر: أشركتُك معهما: فله ثلثُ كلِّ مائة؛ للمساواة. - بخلاف ما إذا أوصى لرجل بأربع مائة، ولآخر بمائتين، ثم قال لآخر: أشركتُك معهما؛ لأنه لا يمكن تحقيق المساواة بين الكل؛ لتفاوت المالين، فحملناه على مساواة كل واحدٍ بتنصيف نصيبه؛ عملاً باللفظ بقدر الإمكان. * قوله: (ومَن أوصىُ لورثة فلانٍ: فالوصية بينهم، للذكر مثل حظًّ الأُنثيين)؛ لأنه لما نصَّ على لفظ الورثة: عُلِم أن قَصْده التفضيل، كما في الميراث. ٤٢٧ کتاب الوصايا ومَن أوصى لزيدٍ وعمرٍو بثلث ماله، فإذا عَمْرٌو ميتٌ: فالثلثُ كلُّه لزید . - وإن أوصى لعَقِب فلان: فالعقب عبارةٌ عمن وُجد من الولد بعد موت الإنسان، فأما في حال حياته: فليسوا بعقبٍ له، وعَقِبُ ولده: من الذكور والإناث. - فإن لم يكن له ولدٌ: فولدُ ولده، الذكور والإناث أيضاً، ولا يدخل فيهم ولد الإناث؛ لأن أولاد بناته ليسوا بعقبٍ له، وإنما هم عقبٌ لآبائهم. - ويُقدَّم ولد الصلب على ولد الولد؛ لأن الاسم يتناول الأعلى، ألا ترى أن ولد الولد عقبٌ لآبائهم، وآباؤهم عقبٌ لجدَّهم، فإن عُدم الآباء: فالعقب ولد الولد. * قوله: (ومَن أوصىُ لزيدٍ وعمرٍو بثلث ماله، فإذا عمرٌو ميتٌ: فالثلثُ كله لزيد)؛ لأن الميت ليس بأهل للوصية، فلا يُزاحِم الحيَّ الذي هو من أهلها، فصار كما إذا أوصىُ لزيدٍ وجدارٍ، وهذا كله في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه قال: إذا كان يعلم بموته: فهو كذلك، وإن كان لا يعلم بموته: فللحيِّ نصف الثلث؛ لأنه لم يرض للحي إلا بنصف الثلث، ونصفُه لورثة الميت. - ولو كانا حيين وقت الوصية، ثم مات أحدُهما قبل موت الموصي: بطلت حصته، وانتقل ذلك إلى ورثة الموصي، وللحيِّ نصف الثلث. ٤٢٨ کتاب الوصايا وإن قال : ثلثُ مالي بين زيدٍ وعمرو، وزيدٌ ميتٌ: كان لعَمْرٍو نصفُ الثلث . ومَن أوصىُ بثلث ماله، ولا مالَ له، ثم اكتسب مالاً: استَحقَّ الموصَیُ له ثلثَ ما يَملكُه عند الموت. - وإن مات أحدهما بعد موت الموصي: كان نصيبه موروثاً عنه. قوله: (وإن قال: ثلث مالي بين زيدٍ وعمرٍو، وزيدٌ ميتٌ: كان لعمرو نصفُ الثلث)؛ لأن كلمة: بين: كلمةً تقسيم واشتراك، فقد أوصى لكل واحدٍ منهما بنصف الثلث، بخلاف ما تقدم. ألا ترى أن مَن قال: ثلث مالي لفلان، وسكت: كان له كلُّ الثلث. ولو قال: ثلث مالي بين فلان، وسكت لم يستحق الثلث. - قال في ((الينابيع)): إذا أوصى بعبده سالمٍ لزيد، ثم أوصى به لعمرو: فهو بينهما نصفان، فإن مات أحدُهما في حياة الموصي: فهو للباقي منهما. - وإن قال أوصيتُ بثلث مالي لعمرو ولزيدٍ إن كان فقيراً: نُظر: إن كان زيدٌ وقت الموت فقيراً: فالثلث بينهما، وإن لم يكن فقيراً، ومات قبل ذلك: بطلت حصته، وانتقل إلى ورثة الموصي، ولعمرٍو نصفُ الثلث. ** قوله: (ومَن أوصىُ بثلث ماله، ولا مالَ له، ثم اكتسب مالاً: استحقَّ الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت)؛ لأن الوصية عقدُ استخلاف مضاف إلى ما بعد الموت، ويثبتُ حكمه بعد الموت، فيُشترط وجود المال عند الموت، لا قبله. ٤٢٩ کتاب الوصايا - وكذا لو كان له مالٌ، وهلك، ثم اكتسب مالاً؛ لما بيَّنَا. - مسائل: إذا أوصىُ بوصايا، وكانت زائدةً على الثلث، وأردتَ قسمةَ الثلث بينهم، فالوجه فيه: أن تَجمع الوصايا كلّها، ثم تَنظرَ إليها وإلى الثلث، وإلى نقصانه من الوصايا، فإن كان النقصانُ مثلَ نصف الوصايا: نقصتَ من كل وصيةٍ نصفَها، وإن كان النقصان مثلَ ثلث الوصايا: نقصتَ من كل وصية ثلثَها. - وعلى هذا القياس يكون العمل: مثالُه: إذا بلغت الوصايا ألف درهم، لأحدهم مائةٌ، ولآخر مائتان، ولآخر ثلاثمائة، ولآخر أربعمائة، وثلث ماله: خمسمائة، فالنقصان: من خمسمائة إلى مبلغ الوصايا، مثل نصف الوصايا خمسمائة، فيُنقص من كل وصية نصفُها، فلصاحب المائة: خمسون، ولصاحب المائتين: مائةً، ولصاحب الثلاثمائة: مائة وخمسون، ولصاحب الأربعمائة مائتان، وعلى هذا فقِس. - وإذا أوصىُ لرجلٍ بنصف ماله، ولآخر بربع ماله، ولثالث بثلث ماله: فعند أبي حنيفة: الثلث بينهم على أحد عشر سهماً، لصاحب الثلث: أربعةٌ، ولصاحب النصف: أربعةٌ؛ لأنه لا يضرب بما زاد على الثلث إلا بالثلث، ولصاحب الربع: ثلاثةٌ. - فإذا كان ثلثُ المال أحدَ عشر: كان جميعُه ثلاثةً وثلاثين، ووجهه: أن مخرج الثلث والربع اثنا عشر، فالموصى له بالنصف كأنه لم يوصَ له إلا بالثلث؛ لأنه لا يضرب إلا بالثلث، فتعطيه ثلثَ اثني عشر، وهو ٤٣٠ کتاب الوصايا أربعة، والثاني: أربعةٌ، وللموصى له بالربع: ثلاثةٌ، فذلك أحد عشر. وقال أبو يوسف ومحمد: يُقسم الثلث على ثلاثة عشر، لصاحب النصف: ستةٌ؛ لأنه عندهما يضرب بجميع وصيته، وهي النصف، وذلك ستةٌ من اثني عشر، ولصاحب الثلث: أربعة، ولصاحب الربع: ثلاثةً، فذلك ثلاثة عشرة، فيكون المال كله تسعةً وثلاثين. - وإن أوصى الرجل بجميع ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم تُجزِ الورثةُ: فالثلث بينهما نصفان عند أبي حنيفة، على أصله. - وإن أجازوا: لا نصَّ فيه عند أبي حنيفة. واختلفوا في قياس قوله: فقال أبو يوسف: هو بينهما أسداس: خمسة أسداس: لصاحب الجميع، والسدس: لصاحب الثلث، على طريق المنازعة، يعني أن صاحب الثلث لا منازعةً له في الثلثين، فسُلِّم ذلك لصاحب الجميع، واستويا في الثلث، فيُقسم بينهما نصفين. وقال الحسن: هذا قبيحٌ، فإن نصيب الموصى له بالثلث عند الإجازة مثل نصيبه عند عدمها، بل يجب له الربع، وللآخر ثلاثة أرباع. وقول أبي يوسف هو الصحيح، ذكره في ((الينابيع)). ويُخرَّج ما قاله الحسن: أن يُقسم الثلث أولاً بينهما نصفين؛ لأن الإجازة في الثلث ساقطةُ العبرة، ثم يُقسم الثلثين: فنقول: أصلها من ثلاثة؛ لحاجتنا إلى الثلث، ثم يُقسم الثلث بينهما نصفين؛ لاستوائهما فيه، ٤٣١ كتاب الوصايا فانكسر، فأضعفه، فيكون ستة، فصار الثلث سهمين بينهما، وبقي أربعة، فصاحب الجميع يدعي كلّها، وصاحبُ الثلث يدعي منها سهماً؛ ليصير له مع السهم الأول ثلث الجميع، فسلم لصاحب الجميع منها ثلاثة. واستوت منازعتهما في السهم الباقي، فيُقسم بينهما نصفين، فانكسر، فأضعِفِ الستة: تكون اثني عشر: لصاحب الجميع: تسعةً، وهي ثلاثة أرباع المال، وللآخر ثلاثة، وهو الربع؛ لأن المال إذا صار اثني عشر: قُسم ثلثُه بينهما أولاً نصفين، يبقى ثمانيةٌ: صاحب الجميع يدعي كلّها، والآخر لا يدعي منها إلا سهمين؛ ليكمل له ثلث الجميع، ولا منازعةً له في الستة الباقية، فسُلَّمت لصاحب الجميع، وبقي سهمان استوت منازعتهما فيهما، فتُقسم بينهما نصفين. - وعلى هذا: قول أبي حنيفة: كقولهما، إلا أن التخريج مختلفٌ، فعنده: بالمنازعة، وعندهما: بالعَوْل. وتخريج قولهما أن نقول: اجتمع وصيةٌ بالكل ووصيةٌ بالثلث، فكانت المسألة من ثلاثةٍ؛ لأجل الثلث، فصاحب الجميع يدعي كلّها، والآخرُ يدعي سهماً، فتعول إلى أربعة، لصاحب الثلث: سهمٌ، وللآخر: ثلاثةٌ. - ولو أوصى لإنسان بخدمة عبدٍ: فنفقتُه وکسوتُه وما يُصلحه على الموصى له بالخدمة؛ لأنه المنفرد بالانتفاع، دون الورثة، فصار في حكم المالك، والله تعالى أعلم. ٤٣٢ کتاب الفرائض كتاب الفرائض كتاب الفرائض الفَرْض في اللغة: هو التقدير، يقال: فَرَضَ القاضي النفقة: أي قدَّرها. والفرائضُ من العلوم الشريفة التي تجب العناية بها؛ لافتقار الناس إليها، قال عليه الصلاة والسلام: ((الفرائضُ نصفُ العلم، وهو أول علمٍ يُرفَع من الأمة))(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى لم يكِل قَسْمَ مواريثكم إلى مَلَكِ مقرَّبٍ، ولا إلى نبيِّ مرسَلٍ، ولكن تولىُ ربُّنَا بيانَها، فَقَسَمَها أبين قَسْمٍ، ألا لا وصيةَ لوارث))(٢). وقال عليه الصلاة والسلام: ((تعلَّموا الفرائضَ، وعلِّموها الناسَ، فإنها نصفُ العلم، وإني امرؤٌ مَقبوضٌ، وسيُنزَع العلمُ من أمتي، حتى يختلف الرجلان في الفريضة: فلا يجدان مَن يَعرف حكمَ الله تعالى فيها))(٣). (١) بلفظ: ((تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإنها نصف العلم)). سنن ابن ماجه (٢٧١٩)، وينظر التلخيص الحبير ٧٩/٣، وينظر الروايات الأخرى الآتية في حاشية (٣). (٢) كنز العمال (١٦٥٤٤)، جمع الجوامع للسيوطي (٤٩٧٦)، الدر المنثور ٢٥٠/٣. (٣) سنن النسائي الكبرى (٦٣٠٥)، سنن الترمذي (٢٠٩١)، وينظر البدر المنير ٤٣٣ کتاب الفرائض المُجْمَعُ على توريثهم من الذكور عشرةٌ : الابنُ، وابنُ الابنِ وإن سَفَل، والأبُ، والجدُّ أبو الأَبِ وإن علا، والأخُ، وابنُ الأخ، والعمُّ، وابنُ العم، والزوجُ، ومولىُ النِّعمة. - فإن قيل: ما معنى قوله: فإنها نصفُ العلم؟ قيل: لأن للإنسان حالتين: حالةُ حياة، وحالةُ موت، والفرائض من أحكام الموت، فيكون لفظ النصف ها هنا عبارةً عن قسمٍ من قسمين. ـ ومناسبتُها بالوصايا: أن الوصية تَصرُّفٌ في حال مرض الموت، والفرائض حكمٌ بعد الموت. * قال رحمه الله: (المُجْمَعُ على توريثهم من الذكور: عشرةٌ). إنما أراد بهذا مَن يَستحقُّ الميراثَ في الجملة، وإن اختلفوا في الاستحقاق، وتقدیم بعضهم على بعض فيه. * قوله: (الابنُ، وابنُ الابن وإن سَفَلَ، والأبُ، والجدُّ أبو الأب وإن علا، والأخُ، وابنُ الأخ، والعمُّ، وابنُ العمِّ، والزوجُ، ومولىُ النِّعمةِ). المراد بالجد: أبو الأب، أما أبو الأم: فهو رَحِمٌ، وليس بعصبة، فلا يرث إلا ميراث ذوي الأرحام إذا لم يكن أحدٌ من العصبات، على ما يأتي بیانُه إن شاء الله تعالى. ١٣/١٨، التلخيص الحبير/ ٧٩/٣، وقد جزم ابنُ الصلاح بضعفه، لكن للحديث شواهد عديدة، وطرق متعددة، وبألفاظ متقاربة، ينظر لها فتح الباري ٥/١٢، وعليه: فلا بأس به، والله أعلم. ٤٣٤ كتاب الفرائض ومن الإناث سَبْعٌ : البنتُ، وبنتُ الابن، والأمُّ، والجدَّةُ، والأختُ، والزوجةُ، ومولاةُ النّعمة. * قوله: (ومِن الإناث سبعٌ: البنتُ، وبنتُ الابن، والأمُّ، والجدَّةُ، والأختُ، والزوجةُ، ومولاةُ النِّعمة). فالجدة، ومولاة النّعمة: لا ذِكْرَ لميراثهما في القرآن، وإنما ثبت بالحديث، وذلك لما روي ((أن جدةً جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه تطلب ميراثَها، فقال لها: لم أجدْ لكِ في كتاب الله شيئاً. فقام إليه المغيرةُ بن شعبة، فقال: شهدتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءتْه جدةٌ تطلبُ ميراثَها، ففَرَضَ لها السدسَ، فأوجب لها أبو بكرٍ رضي الله عنه ذلك))(١) . - وأما مولاة النعمة: فلها الميراث؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: («تحوز المرأةُ ميراثَ عتيقها، ولقيطِها، وولدِها الذي لاعنت به))(٢). والمراد بلقيطها والله أعلم: ولدها من الزنا. (١) سنن الترمذي (٢١٠١)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٢٨٩٤)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٦٥/١٨. (٢) سنن أبي داود (٢٨٩٨)، سنن الترمذي (٢٧٨٦)، وقال: حسن غريب، المستدرك للحاکم ٣٤١/٤، ووافقه الذهبي على تصحيحه. اهـ ٤٣٥ کتاب الفرائض ومَن لا يَرِثُ بحالٍ أربعةٌ : المملوكُ، والقاتلُ من المقتول، والمرتدُّ، وأهلُ المِلَّتَيْن. وقال عليه الصلاة والسلام: ((الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمة النَّسَب)) (١). * قوله: (ومَن لا يرثُ بحالِ أربعةٌ: المملوكُ، والقاتلُ من المقتول، والمرتدُّ، وأهلُ المِلَّتَيْن). ١ - أما المملوك: فلأن الميراث نوعُ تمليكٍ، والعبدُ لا يملك، ولأن ملكَه لسيده، ولا قرابةَ بين السيد والميت. - وكذا كلَّ مَن في رقبته شيء من الرق، كالمكاتب والمدبر وأم الولد، فإنه لا يرثُ ولا يورَث، إلا المكاتب إذا مات عن وفاء: فإنه تُؤدى منه کتابته، ويُحكم بحريته قبل موته بلا فصل، وما فضل يكون ميراثاً عنه. - وأما المستسعى فإنه يُنظر: إن كان يسعى لفكاك رقبته: فهو كالمكاتب عند أبي حنيفة، وعندهما: كحرِّ مديون، وهذا مثل معتَق البعض. وإن كان يسعى لا لفكاك رقبته، ولکن لِحَقِّ فيها، کالعبد المرهون إذا أعتقه مولاه، والمأذونُ إذا أعتقه المولى وعلى المأذون دينٌ، أو الأمة إذا أعتقها المولى على أن يتزوجها، فأبت: فإنها تسعى في قيمتها وهي حرةً، فإن هؤلاء يرثون ويُورثون، بالإجماع. (١) صحيح ابن حبان (الإحسان) ٢٢٠/٧، المستدرك للحاكم ٣٧٩/٤، وقال: صحيح الإسناد. اهـ، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢١٤/٤ بعد ذكر طرقه، ومنها عند الطبراني في الكبير، ثم قال: وظاهر إسناده الصحة. اهـ ٤٣٦ کتاب الفرائض ٢ - وأما القاتل: فلا يرث من المقتول، لا من الدية، ولا من غيرها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يرث القاتل))(١). ولأنه حُرِم الميراثَ عقوبةً له؛ لأنه استعجل ما أخَّره الله، فمُنع من الميراث. - وهذا إذا كان قتلاً يتعلق به القصاص أو الكفارة، أما ما لا يتعلق به ذلك: لا يمنع الميراثَ، وقد بيَّا ذلك في الجنايات. ومِن الذي لا يوجب القصاص ولا الكفارة: هو الصبي والمجنون إذا قَتَلا مورِّتهما، فإنه لا يُحرَم ميراثَهما. - وكذا إذا قَتَلَ مورِّثَه بالسبب، كما إذا أشرع رَوْشناً، أو حفر بئراً على الطريق، أو وضع حجراً على الطريق، أو ساق دابةً، أو قادها، فوطئت مورِّتَه، أو قتله قصاصاً، أو رجماً، أو مال حائطُه فأشهد عليه، أو لم يُشهد حتى سقط على مورِّتُه، أو وُجد مورِّته قتيلاً في داره: تجب القسامة والدية، ولا يُمنع الإرث، وكذا العادل إذا قتل الباغي: لا يُمنع الإرث. - وأما إذا قتل الباغي العادل: إن قال: قتلتُه وأنا على الباطل، وأنا الآن أيضاً على الباطل، لا يرثُه، إجماعاً. (١) سنن ابن ماجه ٨٨٣/٢، سنن البيهقي ٢٢٠/٦، ونقل ابن الملقن في تحفة المحتاج ٣٢٦/٢ تصحيحه عن ابن عبد البر، وزاد نقل الاتفاق على ذلك، وينظر البدر المنير ١٠٣/١٨. ٤٣٧ كتاب الفرائض وإن قال: قتلتُه وأنا على الحق، وأنا الآن على الحق: فعندهما يرث، وعند أبي يوسف: لا يرث. - والأب إذا قتل ابنَه خطأً: لا يرث، وتجب الكفارة. - وإن قتله عمداً: لا يجب القصاص ولا الكفارة، ومع ذلك لا يرث. ويُشكل هذا على الأصل الذي ذكرناه، إلا أنا نقول: قد وجب القصاص، إلا أنه سقط للشبهة. ٣- وأما المرتد: فلا يرثُ من مسلمٍ، ولا ذمي، ولا مرتد. ٤- وأما أهل ملتين: فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يتوارث أهلُ ملَّتَيْن))(١). - ولا يرث الحربيُّ من الذميِّ، ولا الذميُّ من الحربيُّ. - وأهل الذمة يرث بعضُهم من بعض. - وأهلُ الحرب كلُّهم ملةٌ واحدةٌ، إلا إذا كانت دارُهم مختلفةً: فإنه لا يرث بعضُهم من بعض، كما إذا كانا في حصنين يستحل كل واحدٍ منهما دمَ الآخر. - فإن قُتل المرتدُّ، أو لَحِقَ بدار الحرب، وحُكِم بلَحاقه: ورثه ورثتُه المسلمون عندنا. (١) سنن النسائي الكبرى ٨٢/٤، سنن أبي داود (٢٩١١)، وإسناده جيد، كما في البدر المنير ١٨ /٩٥. ٤٣٨ كتاب الفرائض والفروضُ المحدودة في كتاب الله تعالى ستةٌ : النصفُ، والربعُ، والثمنُ، والثلثانُ، والثلثُ، والسدس. فالنصفُ فرضُ خمسةٍ : للبنتِ . وبنتِ الابن إذا لم تكن بنتُ الصلب. والأختِ من الأب والأمِّ. والأختِ من الأب إذا لم تكن أختٌ لأب وأم. وللزوج إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولدُ ابن. وقال الشافعي(١): يكون مالُه فيئاً، كمال الحربي، سواء كان ذلك المالُ اكتسبه في حال الردة، أو في حال الإسلام. وقال أبو حنيفة: كسبُ الردة: فيءَ، وكسبُ الإسلام: موروثٌ. وقال أبو يوسف ومحمد: كسبُ الإسلام والردة سواءً، يرثُه ورثتُه المسلمون. * قوله: (والفروض المحدودةُ في كتاب الله تعالى ستةٌ: النصفُ، والربعُ، والثمنُ، والثلثانُ، والثلثُ، والسدسُ. فالنصف: فرضُ خمسةٍ: للبنت، وبنتِ الابن إذا لم تكن بنتُ الصلب، والأختِ للأب والأم، والأختِ من الأب إذا لم تكن أختٌ لأبٍ وأمِّ)، ولا أخوها، (وللزوج إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولدُ ابنٍ). (١) مغني المحتاج ٤ /١٤٢. ٤٣٩ کتاب الفرائض والرُّبُعُ فرضٌ: للزوج مع الولد، أو ولدِ الابن، وللزوجات إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولدُ ابن. والثّمُنُ فرضٌ: للزوجات مع الولد، أو ولدِ الابن. والثلثان: لكل اثنين، فصاعداً ممن فرضُهُ النصفُ، إلا الزوج. والثلثُ: للأم إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولدُ ابن، ولا اثنان، فصاعداً من الإخوة، والأخوات. وما فَضَلَ من هذا: يُصرف إلى العصبة. * قوله: (والربعُ فرضٌ: للزوج مع الولد، أو ولدِ الابن، وللزوجات إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولدُ ابنٍ). - وإنما خصَّ ولدَ الابن في المسألتين؛ لأن ولد البنت ذو رحمٍ، لا يرث إلا مع ذوي الأرحام، فلا يَحجب الزوجين. : قوله: (والثُّمُنُ فرضٌ: للزوجات مع الولد، أو ولد الابن)، وهو منصوصٌ في القرآن. * قوله: (والثلثان: لكل اثنين، فصاعداً ممن فَرْضُه النصف، إلا الزوج)، يعني الابنتين والأختين فصاعداً. * قوله: (والثلثُ: للأم إذا لم يكن للميت ولدٌ، ولا ولدُ ابنٍ، ولا اثنان، فصاعداً من الإخوة والأخوات)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ, وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ، أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْثُّ فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. النساء/ ١١. ٤٤٠ کتاب الفرائض ويُفْرَضُ لها في مسألتين، وهما : زوجٌ وأبوان، وامرأةٌ وأبوان : ثلثُ ما يَبقىُ بعدَ فرض الزوج والزوجةِ، والباقي للأب. وهو لكل اثنين، فصاعداً من ولد الأم : ذكورُهم، وإناثهم فيه سواء. والسدسُ فرضُ سبعةٍ : لكلِّ واحدٍ من الأبوين مع وجود الولد، أو ولدِ الابن. وهو للأم مع الإخوة والأخوات من أيِّ جهةٍ كانوا. وهو للجدات، وللجدِّ مع الولد، ولبناتِ الابن مع البنت. وللأخواتِ لأبٍ مع الأخت لأبٍ وأم، وللواحد من ولد الأم. قوله: (ويُفرض لها في مسألتين، وهما: زوجٌ وأبوان، وزوجةٌ وأبوان: فلها ثلث ما بقي بعد فرض الزوج والزوجة، والباقي للأب). - ولو كان مكان الأب: جدّ: فلها ثلثُ جميع المال، بالإجماع، والباقي للجد. * قوله: (وهو لكل اثنين فصاعداً من ولد الأم، ذكورُهم وإناثُهم فيه سواءً)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِ﴾. النساء/ ١٢، وهذا يقتضي التساوي بينهم. : قوله: (والسدسُ فرضُ سبعة: لكلِّ واحدٍ من الأبوين مع الولد، أو ولد الابن، وهو للأم مع الإخوة والأخوات من أي جهةٍ كانوا، وللجد مع الولد، أو ولد الابن، وللجدات، ولبنات الابن مع بنت الصلب، وللأخوات لأبٍ مع الأخت لأبٍ والأم، وللواحد من ولد الأم).