النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب الوصايا ومَن أوصىُ بسهمٍ من ماله : فله أَخسُّ سهام الورثة، إلا أن يَنْقُصَ من السدس : فَيُتَمَّمَ له السدسُ. قوله: (ومَن أوصىُ بسهمٍ من ماله: فله أخسُّ سهام الورثة، إلا أن ينقص عن السدس، فيُتمَّم له السدس). وهذه إحدى الروايتين عن أبي حنيفة. قال في ((الهداية))(١): ولا یزاد عليه. وروي عنه رواية أخرى: أن له أخس سهام الورثة، إلا أن يزيد على السدس، فحينئذ يُعطى السدس فقط. فعلى هذه الرواية: يجوز النقصان عن السدس، ولا يجوز الزيادة عليه. واعتمدها السرخسي (٢)، وأخذ بها صاحب ((المنظومة))(٣)، حيث قال: والسهمُ أدنىُ حقِّ أهلِ الإرث فإن يَزِدْ فالسدسُ دون الثلث أي: فإن یزدْ أخسُّ سهام الورثة على السدس: فله السدس حينئذ. وقال أبو يوسف ومحمد: له أخسُّ سهام الورثة، إلا أن يزيد على الثلث: فحينئذٍ يُرَدُّ إلى الثلث؛ لأن الوصية لا مزيدَ لها على الثلث عند عدم الإجازة. (١) ٤ / ٢٣٧. (٢) المبسوط ١٤٥/٢٧. (٣) النسفي ص٢٥٦. ٤٠٢ كتاب الوصايا وإن أوصىُ بجزءٍ من ماله : قيل للورثة : أعطُوه ما شئتُم. - بيانُه: زوجةٌ، وابنٌ، وأوصىُ لرجلٍ بسهمٍ من ماله: فعلى الرواية الأولى عن أبي حنيفة: يُعطى الموصى له سدس المال؛ لأن أخسَّ سهام الورثة: الثّمُن، وهو نصيب الزوجة، وهو ناقص عن السدس، فيُتُمَّم له السدس. وعلى الرواية الثانية: يعطى مثل نصيب الزوجة، وإن كان ناقصاً عن السدس: فيزاد على الفريضة سهمٌ يكون تسعة، فيعطى الموصى له سهماً، والزوجة سهماً، ويبقى للابن سبعةً. - وكذا أيضاً على قولهما؛ لأن أخسَّ سهامهم لا يزيد على الثلث. - وإن ترك زوجةً وأخاً لأبٍ وأمِّ، أو لأب: فأخسُّ سهامهم الربع، فعند أبي حنيفة: يعطى السدس؛ لأنه لا تجوز الزيادة عليه. وعلى قولهما: يُعطى الربع؛ لأنه أقل من الثلث، ويُزاد على الفريضة سهمٌ، يكون خمسة، فيعطى الموصى له الخمس على قولهما. - وفي ((المنتقى)): إذا أوصى بسهمٍ من ماله، فمات، ولا وارثَ له: فله نصف المال، ويُجعل نصف المال بمنزلة ابنٍ واحدٍ. * قوله: (وإن أوصىُ بجزءٍ من ماله: قيل للورثة: أعطوه ما شئتم)؛ لأنه مجهولٌ، يتناول القليل والكثيرَ، غيرَ أن الجهالة لا تمنع صحةً الوصية، والورثةً قائمون مقامَ الموصي، فإليهم البيان. بخلاف السهم؛ لأنه عبارةً عن قدرٍ معلومٍ، فلا يقف على بيان الورثة. ٤٠٣ كتاب الوصايا ومَن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى : قُدِّمت الفرائض منها: قدَّمها الموصِي أو أخَّرها، مثلُ الحج، والزكاة، والكفارة. - وكذا إذا أوصى بحظٍّ من ماله، أو بشِقْصٍ من ماله، أو بشيءٍ، أو بنصيبٍ، أو ببعضٍ: فإن البيانَ إلى الموصي ما دام حياً، فإن مات: فالبيان إلى ورثته؛ لأنهم قائمون مقامه. ـ ومَن قال: سدسُ مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في مجلس آخر: له ثلث مالي، وأجازت الورثةُ: فله ثلث ماله، ويدخل السدسُ فیه. - وإن قال: سدسُ مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في غيره: سدسُ مالي لفلان: فله سدسٌ واحدٌ؛ لأن السدسَ ذُكر معرَّفاً بالإضافة إلى المال، والمَعرِفة متى أُعيدت: يُراد بالثاني عين الأول، وهو المعهود في اللغة. * قوله: (ومَن أوصىُ بوصايا من حقوق الله تعالى: قُدِّمت الفرائضُ منها، قدَّمها الموصي أو أخَّرها، مثل الحج والزكاة والكفارات)؛ لأن الفريضة أهمُّ من النافلة، والظاهرُ منه البداية بما هو الأهم؛ بحُسْن الظن به. - فإن كانت الفرائض كلها متساويةً في القوة: بدأ منها بما قدَّمه الموصي إذا ضاق الثلثُ عن جميعها. - واختلفت الرواية عن أبي يوسف في الحج والزكاة: فقال في إحدى الروايتين: يبدأ بالحج وإن أخَّرَه الموصي؛ لأنه يتعلق بالبدن والمال، والزكاةُ بالمال، لا غير، فكان الحج أَوْلى بالتقديم. ٤٠٤ کتاب الوصايا وقال في الرواية الأخرى: تُقدَّم الزكاة، وهو قول محمد؛ لأن كل واحدٍ منهما منصوصٌ عليه في القرآن، فهما متساويان في الفرضية، إلا أن الزكاة يتعلق بها حقُّ الآدمي: فكانت أقوى. - قال في ((الينابيع)): إذا أوصى أن يتخذ طعاماً للناس بعد موته للذين يحضرون التعزية ثلاثة أيام: قال أبو جعفر الهُنْدُواني: يجوز ذلك من الثلث للذي يطول مُقامه عندهم، وللذي يجيء من بعيد، ويستوي فيه الغنيُّ والفقير، ولا يجوز للذي لا یطول مقامه أن يأكل منه. وقال بعضهم: الوصية باطلةٌ. - وإن أوصى لرجلٍ بشيءٍ ليقرأ على قبره: فالوصية باطلةٌ. - وكذا إذا أوصى أن يَضرب على قبره قبةً، أو يُطيِّن قبره. - وإن أوصى بأن يُحمَل بعد موته إلى موضع كذا: فهو باطلٌ، فإن حَمَله الوصيُّ بغير إذن الورثة: ضمن ما أنفق في حمله. - ولو قيل لمريض: أوصٍ بشيءٍ، فقال: بثلث مالي، ولم يزد على هذا: إن أخرجه على إثر السؤال: يُخرِج ثلث ماله، ويُصرَف إلى الفقراء. - وإن قال: تصدقوا بألف درهم: فالوصية جائزةً، ومصرفها للفقراء. - وإن قال لغريمه: إذا مِتُّ فأنتَ بريءٌ من الدَّيْن الذي لي عليك: فهو ٤٠٥ کتاب الوصايا وما ليس بواجبٍ : قُدِّم منه ما قدَّمه الموصِي. ومَن أوصىُ بحَجَّةِ الإسلامِ: أَحَجُّوا عنه رجلاً من بلده، يَحجُّ عنه راكباً. وصيةٌ (١) تُعتبرٌ من الثلث. ** (١) = : قوله: (وما ليس بواجبٍ: قُدِّم منه ما قَدَّمه الموصي)، يعني النوافل، لأنها متساويةٌ، والإنسانُ يُقدِّم الأهمَّ، فكان ما قَدَّمه أَوْلى. قوله: (ومَن أوصى بحجة الإسلام: أحجُّوا عنه رجلاً من بلده، يَحجُّ عنه راكباً)؛ لأن الواجب عليه الحج من بلده. - وإنما قال راكباً؛ لأنه لا يجب عليه الحج ماشياً، فوجب عليه أن يُحَجَّ عنه كذلك. - وهذا إذا كان الثلث يتسع لذلك، فإن كان له أوطانٌ كثيرة: حَجَّ عنه راكباً من أقرب أوطانه إلى مكة. - وإن كان مكياً، فمات بخراسان، فإن أوصى أن يُحَجَّ عنه: حُجَّ عنه من مكة، إلا أن يوصيَ بالقِران: فُيُحَج عنه قارناً من خراسان. وإن لم یکن له وطنٌ: حُجَّ عنه من حیث مات. وإن کان ثلث ماله لا یفي بذلك: حُجَّ عنه من حيث يبلغ. (١) وفي نسخ: هبةٌ. ٤٠٦ كتاب الوصايا فإن لم تبلغ الوصيةُ النفقةَ : أحجُّوا عنه من حيث تبلغ. ومَن خَرَج من بلده حاجًّاً، فمات في الطريق، وأوصى أن يُحَجَّ عنه: حُجّ عنه من بلده عند أبي حنيفة، وقالا : يُحَجُّ عنه من حیث مات. ولا تصحُّ وصيةُ الصبيِّ، * قوله: (فإن لم تبلغ الوصيةُ النفقة: أحجُّوا عنه من حيث تبلغ)؛ لأنا نعلم أن الموصي قَصَدَ تنفيذ الوصية، فوجب تنفيذها ما أمكن، والممكن فیه ما ذکرنا. قوله: (ومَن خرج من بلده حاجاً، فمات في الطريق، وأوصى أن يُحجَّ عنه: حُجَّ عنه من بلده عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يُحَجُ عنه من حیث مات). - وقيَّد بقوله: خرج حاجاً: لأنه لو خرج للتجارة: فإنه يُحجّ عنه من بلده هناك، بالاتفاق. كذا في ((النهاية)). - وعلى هذا الخلاف: إذا مات الحاجُّ عن غيره في الطريق: فعندهما: يُحَجُّ عنه بالباقي من حیث مات. وعند أبي حنيفة: يُضَمُّ ما بقي في يده إلى مال الموصي، ويُؤخذ ثلثُه، ويُحَجُّ به عنه من وطنه، ولا ضمانَ على الأول فيما أنفق إلى وقت الموت. * قوله: (ولا تصح وصيةُ الصبي)؛ لأنها تبرُّعٌ، والصبيُّ ليس من أهل التبرع، ألا ترى أنه لا تصح هبتُه في حال صحته، وحالُ الصحة آكدُ في الثبوت من الوصية؛ بدليل أن للبالغ أن يَهَبَ جميعَ ماله في حال صحته، ولا يجوز أن يوصيَ بأكثر من الثلث، فإذا لم تجز هبته: لم تجز وصيته. ٤٠٧ كتاب الوصايا والمكاتَبِ وإن تَرَكَ وفاءً. ويجوز للموصي الرجوعُ عن الوصية . فإذا صرَّح بالرجوع، أو فَعَلَ ما يدلُّ على الرجوع: كان رجوعاً. - وكذا لو أوصى، ثم مات بعد الإدراك: لا تصح وصيته؛ لعدم الأهلية وقت المباشرة. - وكذا إذا قال: إذا أدركت فثلث مالي لفلان وصيةً: لم تصحَّ؛ لقصور أهليته، فلا يملكه تنجيزاً وتعليقاً، كما في الطلاق والعتاق. بخلاف العبد والمكاتب إذا أضافا الوصيةَ إلى ما بعد العتق، حيث تصح؛ لأن أهليتهما مستتمَّةٌ، والمانع حقُّ المولى، فتصح إضافتُهما إلى حال سقوطه. * قوله: (ولا تصح وصيةُ المكاتب وإِن تَرَكَ وفاءً)؛ لأن مالَه لا يَقبَل التبرع، وقيل: على قول أبي حنيفة: لا تصح، وعندهما: تصح. * قوله: (ويجوز للموصي الرجوعُ عن الوصية)؛ لأنها نوع تبرعٍ لم تتم، فجاز له الرجوع فيها، كالهبة، قالوا إلا فيما وقع لازماً، كالمحاباة المنجَّزة، والتدبير والهبة المقبوضة لذي رحمٍ مَحرم منه: فإنه لا يصح الرجوع فيها. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (فإذا صرح بالرجوع، أو فعل ما يدل على الرجوع: كان رجوعاً). ٤٠٨ كتاب الوصايا ومَن جَحَدَ الوصيةَ: لم يكن رجوعاً. ومَن أوصى لجيرانه : فهم الملاصِقون عند أبي حنيفة. - أما الصريح: فبقوله: أبطلتُ وصيتي، أو العبد الذي أوصيتُ به لفلانٍ فهو لفلانٍ، فهو رجوعٌ؛ لأن اللفظ يدل على قطع الشركة، إذ لو أرادها لبِيَّن لفظَها. - بخلاف ما إذا أوصى به لرجلٍ، ثم أوصى به لآخر: فإنه يكون بينهما؛ لأن المحل يحتمل الشركة، واللفظُ صالحٌ لها. - وأما الفعل الذي يدل على الرجوع: كما إذا أوصىُ بثوبٍ، ثم قطعه وخاطه، أو بغزل فنَسَجَه، أو بدار فبنى فيها، أو بشاة فذبحها، أو بأمة ثم باعها أو أعتقها أو كاتبها أو دبّرها، فهذا كله يكون رجوعاً، وإبطالاً للوصية. - وغَسْل الثوبِ الموصى به: لا يكون رجوعاً. * قوله: (ومَن جَحَدَ الوصيةَ: لم يكن رجوعاً). هذا عند محمد، ويكون رجوعاً عند أبي يوسف. * قوله: (ومَن أوصى لجيرانه: فهم الملاصقون عند أبي حنيفة). وقال أبو يوسف ومحمد: هم الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محلة الموصي، ويجمعهم مسجدٌ واحدٌ، وجماعةٌ واحدةٌ؛ لأن هؤلاء يُسَمَّون جيراناً. ٤٠٩ كتاب الوصايا ومَن أوصىُ لأصهاره : فالوصيةُ لكلِّ ذي رَحمٍ مَحْرَمٍ من امرأته. قال عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد))(١)، وفسَّروه: بكل مَن سمع النداء. ولأبي حنيفة: أن الجار من: المجاورة، وهي الملاصقة، ولهذا يَستحقُّ الشفعة بهذا الجوار. - وصورة المسألة: أن يقول أوصيتُ بثلث مالي لجيراني: فعند أبي حنيفة: هو لجيرانه الملاصقين لداره، ويستوي فيه الساكن والمالك، سواء كان مسلماً أو ذمياً، رجلاً كان أو امرأةً، صبياً كان أو بالغاً. - ويدخل فيه العبدُ الساكن عند أبي حنيفة. وعندهما: ليس للممالك والمدبرين وأمهات الأولاد من ذلك شيء؛ لأن الوصية لهم وصيةً للمولى؛ لأنه المستحق لذلك، وهو ليس بجارٍ للموصي. - وأما المكاتب: فيستحق ذلك، بالإجماع؛ ولأنه هو المستحق لذلك، دون مولاه. * قوله: (ومَن أوصى لأصهاره: فالوصية لكل ذي رَحمٍ مَحرم من امرأته). (١) سنن الدارقطني ٤٢٠/١، المستدرك للحاكم ٢٤٦/١، سنن البيهقي ٥٧/٣، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣١/٢ : ضعيفٌ، لیس له إسناد ثابت. اهـ ٤١٠ كتاب الوصايا ومَن أوصىُ لأَختانه : فالختَنُ: زوجُ كلِّ ذات رَحِمِ مَحْرَم منه. - ويدخل في ذلك أيضاً كل ذي رَحمٍ مَحرمٍ من زوجةِ ابنِهِ، ومن زوجة أبيه، ومن زوجة كل ذي رحم محرم منه، فهؤلاء كلهم أصهاره. - ولا يدخل في ذلك الزوجةُ، ولا زوجةُ الابن، ولا زوجةُ الأب، ولا زوجة كل ذي رحم محرم منه؛ لأن الأصهار يختصون بأهلها، دونها. - ولو مات الموصي والمرأةُ في نكاحه، أو في عدته من طلاق رجعي: فالصهر يستحق الوصية. - وإن كانت في عدةٍ من طلاقٍ بائن: لا يستحقها؛ لأن بقاء الصهرية ببقاء النكاح، وهو شرطٌ وقت الموت. * قوله: (ومَن أوصىُ لأختانه، فالخَتَنُ: زوجُ كلَّ ذات رَحمٍ مَحرم منه). - وكذا محارم الأزواج؛ لأن الخَتَنَ اسمٌ لزوج البنت، وزوجِ الأخت، وزوج كل ذات رحم محرم منه، ومَن كان ذا رحمٍ محرمٍ منهم؛ لأن الكل یسمی' ختناً. - وأم الزوج وجدتُه وغيرُهما فيه سواء. - قال في ((الهداية))(١): قيل: هذا في عُرفهم، أما عُرفنا: فلا يتناول الأزواج المحارم. (١) ٢٤٩/٤. ٤١١ كتاب الوصايا ومَن أوصىُ لأقربائه : فالوصيةُ للأقرب، فالأقربِ من كل ذي رَحِم مَحْرَمٍ منه. ولا يدخلُ فيهم الوالدان، والولد، وتكون للاثنين، فصاعداً. - ويستوي في ذلك الحر والعبد، والأقرب والأبعد؛ لأن اللفظ يتناول الكل، ويستوي فيه الغني والفقير، والذكر والأنثى، كلهم فيه سواء، لا يَفضُل أحدهم على الآخر من غير تفضيل من الموصي. * قوله: (ومَن أوصى لأقاربه: فالوصية للأقرب فالأقرب من كل ذي رحمٍ مَحرم منه). وصورته: أن يقول: ثلث مالي لذوي قرابتي. ــ وإنما اعتُبر الرحم المحرم؛ لأن المقصود بهذه الوصية: الصلةُ، فاختُصَّت بالرحم المحرم، كالنفقة وإيجاب العتق. * قوله: (ولا يدخل فيهم الوالدان، والولد)؛ لأن القرابة اسمٌ لما يقرُب من الإنسان بغيره، والأبوان أصلُ القرابة، والولدُ يَقْرُب بنفسه، فلا يتناولهم الاسم. ولهذا قالوا: مَن سمَّى والدَه: قريباً: كان ذلك عقوقاً منه. ولأن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين، والمعطوف غيرُ المعطوف علیه. * قوله: (وتكون للاثنين، فصاعداً)؛ لأنه ذكر ذلك بلفظ الجمع، وأقل الجمع في المواريث: اثنان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. النساء/ ١١، والمراد به اثنان فما فوقهما. ٤١٢ کتاب الوصايا وإذا أوصى بذلك وله عَمَّان، وخالان: فالوصيةُ لعمَّيْه عند أبي حنيفة. وإن كان له عمٌّ، وخالان: فللعَمِّ : النصفُ، وللخالَيْن : النصفُ. وهذا كله قول أبي حنيفة. ووجهه: أن الوصية أختُ الميراث، وفي الميراث يُعتبر الأقرب فالأقرب، وقد قالوا: إذا أوصى لذي قرابته، ولم يقل: لذوي: فهو على الواحد؛ لأن هذا اسمٌ للواحد. - فحاصله أن أبا حنيفة اشترط لهذه المسألة ستَّ شرائطَ: القرابةَ، وعدمَ الوراثة، وأن لا يكون فيهم أولادٌ، والجمعية، والمحرمية، والأقرب فالأقرب. ووافقه صاحباه في الثلاثة الأولى، وخالفاه في الثلاثة الأخيرة، فلم يشترطاها، وهي: الجمعية، والمحرمية، والأقرب فالأقرب. * قوله: (فإذا أوصىُ بذلك، وله عمَّان وخالان: فالوصية لعمَّيْه عند أبي حنيفة)؛ لِمَا بيّنًا أن مِن أصله: اعتبار الأقرب فالأقرب، والعمَّان أقرب من الخالین. قوله: (وإن كان له عمّ وخالان: فللعَمِّ النصفُ، وللخالين النصف)؛ لأن البعيد عنده لا يساوي القريبَ، فكأن العمَّ انفرد، فيستحقُّ نصفَ الوصية؛ لأن الموصي جعل الوصيةَ لجمع، وأقلَّه اثنان، فلا يَستحق العمُّ أكثر من نصفها، وبقي النصفُ الثاني لا مُستَحِقَّ له أقرب من الخالین: فكان لهما. ٤١٣ کتاب الوصايا وقالا : الوصيةُ لكل مَن يُنْسَب إلى أقصى أبٍ له في الإسلام. - ولو لم يكن له إلا عمّ واحدٌ، وليس له من ذوي الرحم المحرم غيره: كان له نصفُ الوصية؛ لأنه لا يستحق أكثرَ من النصف لما بيَّنَّا، وما بقي لا مُستَحِقَّ له، فتبطل فيه الوصية، فيُرَدُّ على الورثة. - بخلاف ما إذا أوصى لذي قرابته، حيث يكون للعم كلّ الوصية؛ لأن اللفظ للفرد، فيُحرِزُها كلها، إذ هو الأقرب. - ولو ترك عمَّاً وعمَّةً وخالاً وخالةً: فالوصية للعم والعمة، بينهما بالسوية؛ لاستواء قرابتهما، وهي أقوى من قرابة الأخوال. والعمة وإن لم تكن وارثة، فهي مستحقةً للوصية، كما لو كان القريب رقيقاً أو ذمياً. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: الوصيةُ لكل مَن يُنسب إلى أقصىُ أبٍ له في الإسلام)، ويستوي فيه الأقرب والأبعد، والواحد والجمع، والمسلم والذمي. - ويدخل في الوصية كلّ قريب يُنسب إليه من قِبَل الأب أو الأم. ءِ - وتكون الوصية لجميع قرابته، من جهة الرجال والنساء إلى أقصى أبٍ له في الإسلام، في الطرفين جميعاً، يشتركون في الثلث، والأقرب منهم والأبعد، والذكر والأنثى فيه سواء. - بيانُه: إذا أوصىُ رجلٌ من بني العباس لأقاربه: دخل في الوصية كل من ینسب إلى العباس. ٤١٤ كتاب الوصايا - وكذلك العلوي إذا أوصى لأقاربه: يدخل في الوصية كل مَن يُنسب إلى علي كرم الله وجهه، القريب والبعيد في ذلك سواء. - ثم على أصلهما: إذا أوصى لأقاربه، وله عمَّان وخالان: اشترك فيه العمان والخالان، فتكون بينهم أرباعاً؛ لأنهما لا يعتبران الأقرب. - وإن ترك عمَّاً وخالين: فللعم نصفُ الوصية، وللخالين نصف الوصية عند أبي حنيفة، وعندهما: هي بينهم أثلاثاً. - ولو كان له عمّ واحدٌ: لا يستحق إلا النصف عند أبي حنيفة، وعندهما: يستحق جميعَ الوصية، على أصلهما؛ لأن الواحد يستحق الجمیع. - ولو أوصى لأهل فلان: فهو على زوجته عند أبي حنيفة؛ لأن اسم الأهل حقيقة في الزوجة، قال الله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾. القصص /٢٩، ومنه قولهم: تأهَّل فلانٌ ببلد كذا: أي تزوج. وقال أبو يوسف ومحمد: اسم الأهل يتناول كلّ مَن يَعولُه، وتضمُّهم نفقتُه؛ اعتبارا للعُرف، وهو مؤيّدٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَتُونِ بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . يوسف / ٩٣. قال محمدٌ في ((الزيادات)): القياس في هذا أن الوصية للزوجة خاصةً، لكنا استحسنًا أن يكون لجميع مَن يعوله ممن يجمعهم منزلُه من الأحرار والزوجة، واليتيمٍ في حِجْرُه، والولدِ إذا كان يعولُه. ٤١٥ كتاب الوصايا ومَن أوصى لرجلٍ بثلث دراهمه، أو ثلث غَنَمِه، فَهَلَك ثلثا ذلك، وبقيَ ثلثُه، وهو يَخْرُجُ من ثلث ما بقيَ من ماله : فله جميعُ ما بقي. - فأما إذا كان كبيراً قد اعتزل، أو كانت بنتاً قد تزوجت: فليسا من أهله. - ولا يدخل في ذلك مماليكٌ، ولا وراث للموصي. - ولا يدخل الموصي لأهله في شيءٍ من هذه الوصية؛ لأنه أوصى لمَن أُضيف إليه، والمضاف غيرُ المضاف إليه، فلا يدخل في الوصية، كمن أوصى لولد فلان: لا يدخل فلانَ في الوصية. * قوله: (ومَن أوصى لرجلٍ بثلث دراهمه، أو بثلث غَنَمِه، فهلك ثلثا ذلك، وبقي ثلثُه، وهو يَخرُج من ثلث ما بقي من ماله: فله جميع ما بقي). وقال زفر: له ثلث ما بقي. - ولو أوصى بثلث غنمه، فهلك الغَنَمُ كله قبل موته، أو لم يكن له غنمٌ في الأصل: فالوصية باطلةٌ؛ لأن الوصية إيجابٌ بعد الموت، فيُعتبر قيامه حينئذ، وهذه الوصية تعلقت بالعين، فتبطل بفواتها عند الموت. - ولو قال: له شاةٌ من مالي، وليس له غنمٌ: يُعطى قيمة شاة؛ لأنه لما أضافها إلى المال: علمنا أن مراده الوصية بمالية الشاة. - وإن أوصىُ بشاةٍ، ولم يُضفها إلى ماله، ولا غنمَ له: قيل: لا يصح؛ لأن المصحَّح إضافته إلى المال، وبدونها تُعتبر صورة الشاة. ٤١٦ کتاب الوصايا وقيل: يصح؛ لأنه لما ذكر الشاة، وليس في ملكه شاة: عُلم أن مراده المالية. - ولو قال: شاةً من غنمي، ولا غنمَ له: فالوصية باطلةٌ. - وإن أوصى له بسيفه: قال محمد: أُعطيه السيفَ بجَفْنه وحِليته. وكذا قال زفر، يعني أن له جَفْنَه وحمائله. - وإن أوصى له بسَرْج، فله السرج وتوابعه، من اللَّبَد والرِّفادة. ۔ و کذا إذا أوصى له بمصحف: فله الغلاف عند زفر. وقال أبو يوسف: في السيف: له النصل، دون الجفن، وفي السرج: له الدفتان والرِّكابان، دون اللبد والميثرة، وهي قطنٌ محشوٌّ يُترك على ظهر البعير، وفي المصحف: له المصحف، دون الغلاف؛ لأن هذه الأشياء منفصلة، فلا تدخل إلا بالتسمية، کمن أوصى بدارٍ: لا يدخل فيها المتاع. والفتوى على قول زفر؛ لأن الغلاف تابعٌ للمصحف، كجَفن السيف، على أصله. - وإن أوصى له بميزانٍ: فله الكِفتان والعمودُ واللسان، وليس له الصَّنْجات، ولا التخت، وهذا عند أبي يوسف. ٤١٧ کتاب الوصايا وإن أوصى له بثلث ثيابه، فهلك ثلثاها، وبقيَ ثلثُها، وهو يَخرجُ من ثلث ما بقيَ من ماله : لم يَستحقَّ إلا ثلثَ ما بقيَ من الثياب. وقال زفر: له ذلك؛ لأنه من توابع الميزان؛ لأن المنفعة لا تكمل إلا بالجمیع. وأبو يوسف يقول: هي منفصلة، فلا تدخل إلا بالتسمية. قال محمد: ولو أوصى له بحنطة في جُوالق: فله الحنطة، دون الجُوالق. - وإن أوصى له بقَوْصَرَّة تمر: فله القَوْصرة والتمر؛ لأن القَوْصرة تدخل في بيع التمر في العادة، بخلاف الجوالق. - وإن أوصى له بعسل في زِقِّ، أو بسمن في ظرف، أو بزيت في إناء: لم تدخل الآنية، وإنما له العسل وحده، والسمن وحده. كذا في ((الکرخي)). * قوله: (ومَن أوصى بثلث ثيابه، فهلك ثلثاها، وبقي ثلثها، وهي تخرج من ثلث ما بقي من ماله: لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب). هذا إذا كانت الثياب من أجناسٍ مختلفة، أما إذا كانت من جنسٍ واحد: فهي بمنزلة الدراهم؛ لأن الثياب إذا كانت مختلفةً: لا يُقسم بعضها في بعض، فالباقي منها لا يجوز أن يستحقه الموصى له بالقسمة، فلم تكن الوصية متعلقة بالباقي، فلا يجوز أن يستحق الموصى له أكثرَ من ثلثه. ٤١٨ کتاب الوصايا ومَن أوصى لرجلٍ بألف درهم، وله مالٌ عَيْنٌ، ودَيْنٌ، فإن خرجت الألفُ من ثلثِ العین : دُفِعت إلى الموصى له. وإن لم تَخرج: دُفِعَ إليه ثلثُ العين، وكلَّما خَرَج شيءٌ من الدَّيْن : أَخَذَ ثلثَه، حتى يستوفي الألف. وتجوز الوصيةُ للحَمْلِ، وبالحَمْل إذا وُضِعَ لأقلّ من ستة أشهر من يوم الوصية . قوله: (ومَن أوصى لرجلٍ بألفِ درهم، وله مالٌ عينٌ، ودينٌ، فإن خرجت الألف من ثلث العين: دُفعت إلى الموصى له، وإن لم تخرج: دُفع إليه ثلث العين، وكلما خرج شيء من الدين: أَخَذَ ثلثَه حتى يستوفيَ الألف)؛ لأن الموصى له شريكُ الورثة، وفي تخصيصه بالعين بَخْسٌ في حق الورثة؛ لأن في العين فضلاً على الدَّين. : قوله: (وتجوز الوصيةُ للحَمْل، وبالحَمْل إذا وُضع لأقلَّ من ستة أشهر من يوم الوصية)، ولا يُحتاج إلى القبول. - أما الوصية له: فلأن الوصية استخلافٌ من وجه؛ لأنه يجعله خليفةً في بعض ماله، والجنينُ يصلح خليفةً في الإرث، فكذا في الوصية؛ لأنها أختُه، إلا أنها ترتدَّ بالرد؛ لِمَا فيها من معنى التمليك، بخلاف الهبة: فإنها لا تصح له؛ لأنها تمليكٌ محضٌّ، وليست باستخلاف، ولا ولايةَ لأحد عليه ليملِّكه شيئاً. - وأما الوصية به: فهي جائزةٌ أيضاً إذا عُلم وجودُه وقت الوصية؛ لأن ٤١٩ کتاب الوصايا ومَن أوصىُ لرجلٍ بجاريةٍ إلا حملَها : صحَّتِ الوصيةُ، والاستثناءُ. باب الوصية واسعٌ؛ لحاجة الميت وعجزه، ولهذا تصح في غير الموجود، کالثمرة، فلأن تصحّ في الموجود أولى. - وصورة المسألة: إذا أوصى لرجل بما في بطن جاريته، ولم يكن ذلك من المولى، أو بما في بطن دابته: فهو جائزٌ إذا عُلم وجوده في البطن. ومعرفة وجوده: أنها إذا ولدته لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي. وذكر الطحاوي: أنه تُعتبر المدة من وقت الوصية، وهو المذكور في ((الكتاب)). - وإن ولدته لستة أشهر فصاعداً بعد ذلك: فالوصية باطلةٌ؛ لجواز أن يكون الولد حدث بعدها، إلا إذا كانت الجارية في العدة حينئذ؛ لأجل ثبوت النسب يُعتبر إلى سنتين، فكذلك في جواز الوصية يُعتبر إلى سنتين. - وإن لم تكن في العدة: يعتبر لأقل من ستة أشهر، في الجارية والدابة سواء. - وإن أوصى بالجارية لرجل، وما في بطنها لآخر: جاز، إلا إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر، أو لستة أشهر، حينئذ تكون الجارية وولدها للموصى له بالجارية. * قوله: (ومَن أوصىُ لرجل بجاريةٍ إلا حملَها: صحَّت الوصيةُ والاستثناء)، أي أوصى بها، واستثنى ما في بطنها: فإنه يجوز؛ لأن ٤٢٠ کتاب الوصايا ومَن أوصىُ لرجلٍ بجاريةٍ، فولدت ولداً بعد موت الموصي قبل أن يَقْبَلَ الموصَىِّ له، ثم قَبِلَ، وهما يَخرجان من الثلث : فهما للموصى له. الوصية أختُ الميراث، فقد جعل الجاريةَ وصيةً، وما في بطنها ميراثاً، والميراثُ يجري فيما في البطن. ولأن اسم الجارية لا يتناول الحملَ لفظاً، لكنه يُستحق بالإطلاق تبعاً، فإذا أَفرد الأمَّ بالوصية: صحّ إفرادها. ولأنه يصح إفراد الحمل بالوصية، فجاز استثناؤه، وهذا هو الأصل: أن ما یصح إفراده بالعقد: صح استثناؤه منه، وما لا: فلا. - ولو أوصى برقبة الجارية لإنسانٍ، وما في بطنها لآخر، فمات الموصى له بالولد: انتقل الملك إلى ورثته. - فإن أوصى برقبتها لإنسان، ويخدمتها وغَلَّتها لآخر، فمات الموصى له بالخدمة والغلة: عاد الملك إلى صاحب الرقبة، دون ورثة الموصي. * قوله: (ومَن أوصىُ لرجلٍ بجاريةٍ، فولدت ولداً بعد موت الموصي قبل أن يَقبل الموصى له، ثم قَبِلَ، وهما يخرجان من الثلث: فهما للموصى له)؛ لأن الأم دخلت في الوصية أصالةً، والولدَ تبعاً حين كان متصلاً بها. - فإذا ولدت قبل القسمة، والتركةُ قبل القسمة مُبَقَّةٌ على ملك الميت حتى تُقضى بها دیونه: دخل في الوصية، فیکونان للموصى له.