النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب أدب القاضي ومَن قُلِّد القضاءَ : يُسلَّمُ إليه ديوانُ القاضي الذي قبله. وينظرُ في حال المحبوسِين، فمَن اعترف بحقٍّ: ألزمه إِيَّاه، ومَن أنكر : لم يَقْبَل قولَ المعزول عليه إلا ببيِّنة. - وفي ((الينابيع)): الطلب: أن يقول للإمام: ولِّني، والسؤال: أن يقول للناس: لو ولاَّني الإمامُ قضاءَ مدينة كذا لأجبتُه إلى ذلك، وهو يطمع أن يبلغ ذلك إلى الإمام، فيقلِّده القضاءَ. وكلُّ ذلك مكروهٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن طلب القضاءَ: وُكِل إلى نفسه، ومَن أُجبر عليه: نزل عليه مَلَكٌ يُسدِّدُه))(١). * قوله: (ومَن قُلُّد القضاءَ: يُسلَّمُ إليه ديوان القاضي الذي قبله)، وهي الخرائط التي فيها السجِلاَّت والصكوك، ونَصْبُ الأوصياء والقُوَّام بأموال الوقف. : قوله: (وَيَنْظُرُ في حال المحبوسين)؛ لأنه نُصب ناظراً في أمور المسلمين. * قوله: (فمَن اعترف منهم بحقٍّ: ألزمه إياه، ومَن أنكر: لم يُقبل قول المعزول عليه إلا ببينة)، يعني إذا قال المعزول: إني حبستُه بحقٍّ: لم يَلتفت إلى قوله بدون البينة؛ لأنه بالعزل التحق بسائر الناس، وشهادة و الفرد غير مقبولة، لا سيما إذا كانت على فعل نفسه. (١) سنن الترمذي (١٣٢٣)، (١٣٢٤)، وقال: حسن غريب، سنن ابن ماجه (٢٣٠٩)، وينظر نصب الراية ٦٨/٤. ٢٠٢ كتاب أدب القاضي فإن لم تَقُم بِّنةٌ؛ لم يَعْجَل بتخليته حتى يُنادَى عليه، ويَستظهرَ في أمره. ويَنظُرُ في الودائع، وارتفاعِ الوُقوف، فَيَعملُ على ما تقوم به البِّنة، أو یَعترفُ به مَن هو في یده. ولا يَقبلُ قولَ المعزول، إلا أن يَعترف الذي هو في يده أن المعزولَ سلَّمها إليه : فيَقبلُ قولَه فيها . ويجلسُ للحكم جلوساً ظاهراً في المسجد. : قوله: (فإن لم تقم بينةٌ: لم يَعجَلْ بتخليته حتى يُنادَى عليه، ويستظهر في أمره). - وصورة النداء: أن يُنادى في مجلسه أياماً: مَن كان يطلبُ فلانَ بن فلان المحبوسَ بحقٍّ فليحضر، فإن لم يَظهر له خصمٌ: أَخذ منه كفيلاً بنفسه، وأطلقه. - وإنما أُخذ الكفيل: لجواز أن يكون له خصمٌ غائب، فاستُحب أن يُتوثَّق في ذلك بأخذ الكفيل. * قوله: (ويَنظرُ في الودائع، وارتفاع الوقوف)، أي غَلاَّت الوقوف، (فيعمل على حسب ما تقوم به البينة، أو يَعترفُ به مَن هو في يده. ولا يَقبلُ قولَ المعزول في ذلك إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلَّمها إليه: فيَقبل قولَه فيها). : قوله: (ويَجلس للحُكم جلوساً ظاهراً في المسجد)؛ كي لا يشتبه مكانُه على الغرباء. ٢٠٣ كتاب أدب القاضي ولا يَقْبِلُ هديَّةً إلا مِن ذِي رَحِمٍ مَحْرَهٍ منه، أو ممَّن جَرَتْ عادتُه قبل القضاء بمهاداته. - ويَستقبلُ القِبلةَ في جلوسه، ويدعو الله أن يوفِّقَه ويسدِّدَه. - ويُقُبِلُ على الخصوم، مفرِّغاً نفسَه لهم. - فإن دخله همٍّ أو ضجرٌ أو نعاسٌ أو غضبٌ: كفَّ عن الحكم؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة: اشتغل قلبُه، فلم يَفهم كلامَ الخصوم. - ولا يقضي وهو جائعٌ أو عطشان أو حاقنٌ أو حاقِبٌ أو حابسٌ أو مريضٌ؛ لأن ذلك يُشغِل قلبَه. - ولا يقضي وهو راكبٌ، أو ماشٍ. - ولا يرتشي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله الراشي والمرتشي))(١). - وينبغي أن يتخذ كاتباً من أهل العفاف والصلاح، ويُقعده بحیث یری ما يكتب؛ لئلا يَكتبس عليه، وينبغي أن يكون الكاتبُ من أهل الشهادة؛ لأنه قد يحتاج إلى شهادته. * قوله: (ولا يَقبل هديةً إلا من ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه، أو ممن جرت عادتُه قبل القضاء بمهاداته). - وهذا إذا لم يكن للقريب خصومةٌ، أما إذا كانت: لا يَقبل. (١) سنن الترمذي (١٣٣٦)، وقال: حسن صحيح، صحيح ابن حبان (الإحسان) (٥٠٥٣)، وينظر البدر المنير ٥٠/٢٥. ٢٠٤ كتاب أدب القاضي ولا يَحْضُرُ دعوةً إلا أن تكون عامَّةً. ويَشهدُ الجنازةَ، ويعودُ المريضَ. ولا يُضَيِّفُ أحدَ الخصمَیْن دون خصمه. - وكذا المهدي إذا زاد على المعتاد، أو كانت له خصومةً: لا يقبل هدیته. * قوله: (ولا يحضر دعوةً، إلا أن تكون عامةً)، وهي التي ما لو علم المُضيفُ أن القاضي لا يحضرها: يعملها، وهذا أصح ما قيل في تفسيرها. وقيل: هي دعوة العُرس والخِتان، والخاصة هي: ما لو علم المضيف أن القاضي لا يحضرها: لم يعملها. - ثم إن الشيخ لم يَفْصِل في الخاصة بين أن تكون لأجنبيٍّ، أو الذي رحم محرم منه. - وفي ((الهداية))(١): لا يُجيبها إلا إذا كانت لذي رَحِمٍ مَحرم منه * قوله: (ويَشهد الجنائزَ، ويعودُ المرضى)؛ لأن ذلك من السُّنَّة، و ومن حقوق المسلم، فلا يَمنع القضاءَ منها، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يشهدُ الجنائزَ، ويعودُ المرضى، وهو أفضل الحكّام. * قوله: (ولا يُضيِّف أحدَ الخصمين دون خصمه)؛ لأن فيه تركَ التسوية، وفيه إشارةً إلى أنه لا بأس أن يضيِّفَهما جميعاً؛ لوجود التسوية. (١) ١٠٣/٣. ٢٠٥ كتاب أدب القاضي وإذا حَضَرًا : سوَّى بينهما في الجلوس، والإقبالِ، ولا يُسَارُّ أحدَهما، ولا يشيرُ إليه، ولا يُلقِّنُه حُجَّةً. فإذا ثبت الحقُّ عنده، وطَلَبَ صاحبُ الحقِّ حَبْسَ غريمِه: لم يَعْجَل بحبسه، وأَمَرَه بدَفْع ما علیه. * قوله: (فإذا حَضَرَا: سوَّى بينهما في المجلس، والإقبال)، وكذا في النظر إليهما، والكلام معهما. - وينبغي لمن يدخل مجلسَ القاضي لأجل الخصومة: أن لا يُسلِّم على القاضي، فإن سلَّم: لا يجب عليه ردُّ سلامه. فإن أراد جوابَه: لا يزيد على قوله: وعليكم السلام. - ويسلِّم الشاهدُ على القاضي، ويردُّ عليه. - ثم إذا سمع القاضي البينةَ، ولم يَحكم بها حتى غاب المدَّعى عليه: حَكَمَ بها، ولا ينتظرُ عودَه عند أبي يوسف. وقال محمد: لا بدَّ من إحضاره. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (ولا يُسارُّ أحدَهما، ولا يُشيرُ إليه، ولا يُلقِّنُه حجةً)؛ لأن فيه کسرَ قلبِ الآخر، وإضعافاً له. - وكذا لا يرفع صوته على أحدهما ما لم يرفعه على الآخر؛ لأن ذلك يُدهِشُه، وربما تحيّر، وترك حقَّه. ۔ و کذا لا يضحك في وجه أحدهما، دون صاحبه. * قوله: (فإذا ثبت الحقُّ عنده، وطلب صاحبُ الحقِّ حَبْسَ غريمِه: لم يَعْجَل بحبسه، وأَمَرَه بدفع ما عليه)؛ لأن الحبس إنما هو جزاء ٢٠٦ كتاب أدب القاضي فإن امتنع : حَبَسَه في كلِّ دَيْنٍ لزمه بدلاً عن مالٍ حصل في يده، كثمن المبيع، وبدل القرض، أو التزمه بعقد، كالمهر، والكفالة. المماطلة، فلا بدَّ من ظهورها. - وهذا إذا ثبت الحقُّ بإقراره؛ لأنه لا يُعرَف كونه مماطلاً في أول الوهلة، فلعله طمع في الإمهال، فلم يستصحب المالَ، فإذا امتنع بعد ذلك: حَبَسَه. - وأما إذا ثبت الحقُّ بالبينة: حَبَسَه حتى يثبت لظهور المَطْل بإنكاره. كذا في ((الهداية))(١). - وإذا طمع الحاكمُ في أن يَصطلح الخصمان: فلا بأس أن يردَّهما، ولا يُنفِذُ الحكمَ بينهما؛ لعلهما يصطلحان، أو يُعلِمهما أن الصلح خيرٌ. قال عمر رضي الله عنه: ((ردِّدوا الخصومَ كي يَصطلحوا، فإن فَصْلَ القضاء يُورِثُ الضغائن))(٢). - ولا ينبغي أن يردَّهم أكثر من مرتين. * قوله: (فإن امتنع: حَبَسَه في كل دينٍ لَزِمَه بدلاً عن مالٍ حصل في يده، كثمن المبيع، وبدلِ القرض، أو التزمه بعقدٍ، كالمهر والكفالة)؛ لأنه إذا حصل المال في يده: ثبت غناه. (١) ١٠٤/٣. (٢) المصنَّف لعبد الرزاق (١٥٣٠٤)، المصنف لابن أبي شيبة (٢٣٣٤٩)، سنن البيهقي ٦٦/٦. ٢٠٧ كتاب أدب القاضي ولا يَحبسُهُ فيما سوى ذلك إذا قال : إنِّي فقير، إلا أن يُثبت غريمه أن له مالاً، فَيَحبسُهُ شهرين، أو ثلاثة، ثم يسألُ عنه، فإن لم يَظهر له مالٌ: م خلَّی سبیلَه. - وإنما يَحبسه إذا كان موسراً، أما إذا كان معسراً: لا يحبسه. - وأما المهر: فالمراد به المعجَّلُ، دون المؤجل. * قوله: (ولا يحبسُه فيما سوى ذلك)، كعوض المغصوب، وأرش الجنايات، (إذا قال: إني فقيرٌ، إلا أن يُثبِتَ غريمُه أن له مالاً): فيحبسُه حينئذ. قوله: (ويَحبسُهُ شهرين أو ثلاثة، ثم يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ: خلَّى سبيلَه)؛ لأنه استحق الإنظارَ إلى الميسرة، فيكون حبسُه بعد ذلك ظلماً. - وليس تقدير مدة حبسه بشهرين أو ثلاثة بلازمٍ، بل التقدير فيه مفوّضٌ إلى رأي القاضي؛ لاختلاف أحوال الناس فيه، فمن الناس مَن يُضجِرُه الحبسُ القليل، ومنهم مَن لا يُضجِرُهُ الكثير، ففُوِّض ذلك إلى رأي الحاكم. - فإن قامت البينةُ على إفلاسه قبل حَبْسه، أو قبل المدة: تُقبل، في رواية، ولا تُقبل في أخرى، وهي المختار؛ لأن البينة لا تطلع على إعساره ولا يساره؛ لجواز أن يكون له مالٌ مخبوءٌ لا يطلع عليه الشهودُ، فلا بدَّ من حبسه. ٢٠٨ كتاب أدب القاضي ولا يَحُولُ بينه وبين غرمائه. ويُحبَسُ الرجلُ في نفقة زوجته. ولا يُحبَسُ والدٌ في دَیْن ولده، - ثم إذا حبسه القاضي المدةَ المذكورة، وسأل عنه، فأُخبر بإعساره: أخرجه من الحبس. - ولا يَحتاج إلى لفظ الشهادة، بل إذا أخبره بذلك ثقة: عَمِلَ بقوله، والاثنان أحوط. - وهذا إذا لم تكن الحالُ حالَ منازعةٍ، أما إذا كان، بأن ادعى المطلوب الإعسارَ، وقال الطالب: هو موسرٌ، فلا بدَّ من إقامة البينة. * قوله: (ولا يَحُولُ بينه وبين غرمائه) بعد خروجه من الحبس. - فإن دخل دارَه لحاجةٍ : لا يتبعونه، بل ينتظرونه حتى يخرج. - فإن كان الدَّيْن لرجلٍ على امرأة: لا يلازمها؛ لما فيه من الخلوة بها، ولكن يبعث امرأةً أمينةَ تُلازمها. * قوله: (ويُحبَس الرجلُ في نفقة زوجته)؛ لأنه ظالم بالامتناع عنها. - ويُحبس أيضاً في دَيْنِ مكاتَبِهِ وعبده المأذون المدیون. - ولا يُحبس المكاتب لمولاه بدينِ الكتابة؛ لأنه لا يصير ظالماً بذلك، والحبسُ إنما هو جزاءُ الظلم. * قوله: (ولا يُحبس والدٌ في دَيْن ولدِه)، يعني لا يُحبس الوالدون ٢٠٩ كتاب أدب القاضي إلا إذا امتنع من الإنفاق علیه . ويجوز قضاءُ المرأة في كلُّ شيء، إلا في الحدود والقصاص. ويُقبَلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شُهِد به عنده. وإن عَلَوْا لأجل دين الولد؛ لأن الحبس نوعُ عقوبة، فلا يستحقها الولد على والديه، كالحدود والقصاص. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾. الإسراء/ ٢٣، والحبسُ أشدُّ من ذلك. * قوله: (ويُحبس إذا امتنع من الإنفاق عليه)، إذا كان صغيراً فقيراً؛ لأن في ذلك إحياءَ الولد. - والنفقةُ لا تُستدرَك بمضيِّ الزمان. - بخلاف دَيْن الولد، فإنه إنما لا يُحبس به؛ لأنه لا يَسقط بمضيِّ الزمان. - قال الخُجَندي: إذا كان المديون صغيراً، وله وليّ يجوز له قضاء ديونه، وللصغير مالٌ: حبس القاضي الوليّ إذا امتنع من قضاء دیونه. قوله: (ويجوز قضاءَ المرأة في كل شيءٍ، إلا في الحدود والقصاص)؛ اعتباراً لشهادتها. قوله: (ويُقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق، إذا شُهِد بها(١) عنده)، يريد به من قاضي مصرٍ إلى قاضي مصرٍ آخرَ، ومن قاضي (١) وسيأتي بعد قليل تنبيه الشارح إلى أنه في نسخ أخرى: به، وسيشرح ذلك. ٢١٠ كتاب أدب القاضي مصرٍ إلى قاضي رُسْتاق. - ولا يُقبل كتاب قاضي الرُّستاق إذا ورد على قاضي مصرٍ. كذا في ((الينابيع)). - وأما شرط الشهادة: فلأن القاضي المكتوبَ إليه لا يعلم أنه كتاب القاضي إلا بها. - وقوله: إذا شُهِد بها عنده: يعني بالحقوق. ویروئ(١) : به عنده: أي بالكتاب. - وإنما يُقبل كتابُ القاضي إلى القاضي إذا كان بينهما مسيرةَ سفرٍ ثلاثة أيامٍ فصاعداً، أما إذا كان أقلّ من ذلك: لا يُقبل. وفي (نوادر هشام)): إذا كان في مصرٍ واحدٍ قاضيان: جاز كتاب أحدهما إلى الآخر في الأحكام. كذا في ((الينابيع)). - ولو مات القاضي الكاتبُ، أو عُزِل قبل وصول كتابه إلى المكتوب إليه: لا يُعمل به؛ لأن كتابه يقوم مقام خطابه، وخطابُه بعد العزل: لا يثبت به حكمٌ، وبعد الموت: يخرج من أن يكون كتابه بمنزلة خطابه؛ لأن خطابه قد بطل. - وإن وصل إليه الكتابُ، فقرأه، ثم مات الكاتب بعد ذلك، أو عُزِل: فذلك جائزٌ. (١) أي في نُسخ القدوري، وهو واقع النسخ أيضاً. ٢١١ كتاب أدب القاضي فإن شَهِدوا على خصمٍ : حَكَمَ بالشهادة، وكَتَبَ بحُكْمه. وإن شهدوا بغير حضرةٍ خصمٍ : لم يَحْكُم، وكَتَبَ بالشهادة ليحكمَ بها المکتوبُ إلیه. ولا يَقبلُ الكتابَ إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين. - وإن مات المكتوبُ إليه أوَّلاً، أو عُزل، ووليَ غيرُه القضاء: لم ينبغ له أن يقبل الكتابَ؛ لأنه کتَبَ إلى غيره. - وإن كان مات الخصم: يَنْفُذُ الكتابُ على ورثته؛ لقيامهم مَقامَه. * قوله: (فإن شهدوا على خصمٍ: حكَمَ بالشهادة، وكَتَبَ بحُكمه). صورته: رجلٌ ادعى على رجلٍ ألفاً، وأقام على ذلك بينةً، أو أقرَّ بذلك، فاصطلحا على أن يأخذها منه في بلد آخر: يكتب هذا القاضي كتاباً إلى ذلك القاضي مخافةَ أن يُنكِره، فيأخذُه بالكتاب. * قوله: (وإن شهدوا بغير حضرة خصم: لم يَحكُم): أي إن شهدوا عند القاضي الكاتب. * قوله: (وكَتَبَ بالشهادة لَيَحكم بها المكتوبُ إليه)، وإنما لم يَحكم بها؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز عندنا، ما لم يكن عنده خصمٌ حاضرٌ، وإذا لم يجز القضاء: كان كتابُه بمنزلة الشهادة عليه في إثبات الحق، فكأنه شهد بذلك علیه. * قوله: (ولا يقبلُ الكتابَ إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين)؛ لأن الكتاب يُشبه الکتابَ، فلا يثبت إلا بحجة تامة. ٢١٢ كتاب أدب القاضي ويجب أن يقرأ الكتابَ عليهم؛ ليعرفوا ما فيه. ثم يختمُهُ بحضرتهم، ویسلِّمُه إليهم. فإذا وَصَلَ إلى القاضي : لم يَقُلْه إلا بحضرة الخصم. قوله: (ويجب أن يقرأه عليهم؛ ليعرفوا ما فيه)، أو يُعلِمهم به؛ لأنه لا شهادةَ بدون العلم، (ثم يَخْتِمُهُ بحضرتهم، ويُسلِّمِه إليهم)؛ كي لا يُتُوهَّم التغيير، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن علم ما في الكتاب والخَتْم بحضرتهم شرطٌ عندهما. - وكذا حفظ ما في الكتاب أيضاً عندهما شرطٌ. وقال أبو يوسف: ليس شيء من ذلك شرطاً، والشرط أن يُشهِدَهم أن هذا کتابه وختمه. واختار السرخسيُّ(١) قولَ أبي يوسف. - ولا يفتحُه حتى يسألهم عند أبي حنيفة عمَّا في الكتاب، ويقول: هل قرأه عليكم؟ وهل خَتَمَه بحضرتكم؟ فإن قالوا: لا، أو قرأه علينا، ولم يختمه بحضرتنا، أو خَتَمَه بحضرتنا، ولم يقرأه علينا: لا يفتحه. وإن قالوا: نعم، قرأه علينا، وخَتَمَه بحضرتنا، وأشهدنا عليه: فَتَحَه حينئذ. * قوله: (فإذا وصل إلى القاضي: لم يَقبله إلا بحضرة الخصم)؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، فلا بدَّ من حضوره. (١) المبسوط ١٦ /٩٥. ٢١٣ كتاب أدب القاضي فإذا سلَّمه الشهودُ إليه: نَظَر إلى خَتْمه، فإن شهدوا : أنه كتابُ فلانٍ القاضي، سلَّمَه إلينا في مجلس حُكْمه، وقَرَأَه علينا، وخَتَمَه: فَضَّه القاضي، وقَرَأَه ونَشَرَه على الخصم، وألزمه ما فيه. ولا يُقبلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص. - ولا بدَّ أيضاً من حضور المشهود له؛ لأنه شهادة، والشهادة لا تَثبت إلا بمدّعِ وخصمٍ. * قوله: (فإذا سلَّمه الشهودُ إليه: نظر إلى خَتْمه، فإن شهدوا أنه كتابُ فلانٍ القاضي، سلَّمه إلينا في مجلس حُكمه، وقرأه علينا، وخَتَمَه: فضَّه حينئذٍ، وقرأه ونَشَره على الخصم، وألزمه ما فيه). - ومعنى قوله: في مجلس حکمه: أي في مجلسٍ يصح حُكمه فيه، حتى لو سلمه في غير ذلك المجلس: لا يصح. كذا في ((شاهان)». - وقوله: وقرأه علينا: فلا بدَّ من أن يقولوا ذلك عندهما. وقال أبو يوسف: إذا شهدوا أن هذا كتابُ فلانِ القاضي: قَبِله وإن لم يقولوا: قرأه علينا. قوله: (ولا يُقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص)؛ لأنهما يَسقطان بالشبهة، وفي كتاب القاضي إلى القاضي شبهةٌ؛ لأن الخط يُشبِه الخطَّ، فيمكن أنه لم يكن من القاضي، والحدود تدرأ بالشبهات. ٢١٤ كتاب أدب القاضي وليس للقاضي أن يَستخلف على القضاء، إلا أن یُقوَّض ذلك إليه. وإذا رُفِعَ إلى القاضي حُكْمُ حاكمٍ : أمضاه، إلا أن يُخالف الكتابَ أو السُّنَّةَ أو الإجماعَ، أو يكونَ قولاً لا دلیلَ علیه. [استخلاف القاضي نائباً عنه : ] : قوله: (وليس للقاضي أن يَستخلف على القضاء إلا أن يُفُوَّض ذلك إليه)؛ لأنه قُلِّد القضاءَ، دون التقليد فيه، فصار كتوكيل الوكيل، ولأن الشيء لا يتضمن مثلَه، كالوكيل لا يجوز له أن يوكِّل إلا إذا قيل له: اعمِل برأيك، وهنا إذا قال له الإمامُ: ولِّ مَن شئتَ: فإنه يتمكن من الاستخلاف. ومن الدلالة على أن القاضي في معنى الوكيل: أنه لا يجوز له أن يحكم في غير البلد الذي جُعل إليه، كما لا يجوز للوكيل أن يتصرف إلا فیما جعل إليه. - فإن قضى المستخلَف بمحضَرٍ من الأول، أو قضى المستخلَف، فأجاز الأول: جاز، كما في الوكالة؛ لأنه حضر رأيُ الأول، وهو الشرط. - واعلم أن القضاة لا ينعزلون بموت الأمراء، ولا الأمراء والقضاة بموت الخليفة؛ لأنهم نُوَّابٌ عن جماعة المسلمين، وهم باقون، ولا ينعزل السلطانُ بموت الخليفة. كذا في ((النهاية)). قوله: (وإذا رُفع إلى القاضي حُكمُ حاكمٍ آخرَ: أمضاه، إلا أن يخالف الكتابَ أو السنةَ أو الإجماعَ، أو يكون قولاً لا دليلَ عليه). - مخالفةُ الكتاب: مثل الحكم بحِلَّ متروك التسمية عمداً. ٢١٥ کتاب أدب القاضي ولا يَقضي القاضي على غائبٍ إلا أن يَحْضُرَ مَن يقومُ مَقامه. وإذا حكّم رجلانٍ رجلاً لیَحْگُم بینھما، ورَضِیا بحُكمه : جاز إذا كان بصفة الحاكم. والحكمِ بشاهدٍ ويمينٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾. البقرة/ ٢٨٢. - ومخالفةُ السُّنَّة: كحلِّ المطلّقة ثلاثاً بنفس العقد، كما هو مذهب سعید بن المسیب. - وقوله: أو الإجماعَ: مثل تجويز بيع أمهات الأولاد. [القضاء على الغائب: ] * قوله (ولا يقضي القاضي على غائبٍ)؛ لأنه يحتمل الإقرارَ والإنكارَ من الخصم، فَيَشتبه وجه القضاء، ولأن الغائب لا يجوز القضاء له، فكذا و لا يجوز القضاء عليه. * قوله: (إلا أن يَحضُرَ مَن يقوم مَقامَه)، كالوكيل، أو مَن نَصَبَه القاضي. [تحكيم الرجلين رجلاً بينهما : ] * قوله: (وإذا حكّم رجلان رجلاً لیحکم بينهما، ورضیا بحكمه: جاز إذا كان بصفة الحاكم)؛ بأن لم يكن كافراً، ولا عبداً، ولا صبياً. - ويُشترط أن يكون من أهل الشهادة وقتَ التحكيم والحكم، حتى لو ٢١٦ كتاب أدب القاضي كان وقت التحكيم عبداً ثم أُعتق، أو صبياً فبلغ، أو كافراً فأسلم، وحكَمَ: لا ینفذ حُكْمُه. - ((ويروى أنه كان بين عمرَ وأُبيِّ بن كعب رضي الله عنهما مخاصمةٌ، فحكَّما بينهما زيد بن ثابت، فأتياه، فخرج إليهما، فقال زيدٌ لعمرَ: هلاً بعثت إليّ فآتيكَ يا أمير المؤمنين! فقال عمر: في بيته يُؤتى الحُكْم، فألقى لعمرَ وسادةً، فقال عمر: هذا أولُ الجَوْرِ. وكانت اليمين على عمر، فقال زيدٌ لأَبيٍّ: لو أعفيتَ عنها أميرَ المؤمنين، فقال عمرُ: يمينٌ لزمتني، بل أحلف. فقال أُبيُّ: بل نُعفي أميرَ المؤمنين عنها، ونصدِّقه))(١). وهذا دليلٌ على جواز التحكيم. ودليلٌ على أن الإمام لا يكون قاضياً في حق نفسه. - وإنما حكَّماه؛ لفقهه، وقد كان معروفاً بالفقه فيهم، حتى ((روي أن ابنَ عباسٍ كان يختلف إليه، ويأخذ برِكابه إذا أراد أن يركب، وقال: هكذا أُمرنا بأن نصنعَ بفقهائنا، فيُقبِّل زيدٌ يدَه، ويقول: هكذا أُمرنا أن نَصنع بأشرافنا))(٢). (١) سنن البيهقي ١٣٦/١٠، وينظر التلخيص الحبير ١٨٦/٤. (٢) لم أقف على تخريجه. ٢١٧ كتاب أدب القاضي ولا يجوز تحكيمُ الكافر، والعبدِ ، والذمِّيِّ، والمحدودِ في القذف، والفاسقِ، والصبيُّ. ولكلٍّ واحدٍ من المحكِّمَيْن أن يرجع ما لم يَحْكُم عليهما، فإذا حَكَمَ علیهما : لزمهما. - وأما وَضْع زيدِ الوسادةَ لعمرَ: فامتثالٌ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أتاكم كريمُ قومٍ: فأكرِموه))(١). وإنما لم يَستحسنه عمرُ رضي الله عنه في هذا الوقت. - وفي قوله: هذا أول الجَوْر: دليلٌ على وجوب التسوية بين الخصمين. ولم يكن ذلك يخفى على زيدٍ، لكن وقع عنده أن المحكّم في هذا: ليس كالقاضي، فبيَّن له عمر رضي الله عنه أنه في حقِّ الخصمين: كالقاضي. * قوله: (ولا يجوز تحكيم الكافرِ، والعبد، والذميٌّ، والمحدود في قذفٍ، والفاسقِ، والصبيِّ)؛ لانعدام أهلية القضاء منهم؛ اعتباراً بأهلية الشهادة. * قوله: (ولكل واحدٍ من المحكَّمَيْن أن يرجع ما لم يَحكم عليهما)؛ لأنه مقلَّدٌ من جهتهما، فلا يَحكم إلا برضاهما. * قوله: (فإذا حكَمَ عليهما: لزمهما)، يعني إذا حَكَمَ عليهما قبل الرجوع؛ لصدور حکمه عن ولاية عليهما. (١) سنن ابن ماجه (٣٧١٢)، المستدرك ٢٩٢/٤، سنن البيهقي ١٦٨/٨، وسنده ضعيف، كما قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٥٥، لكن قال في كشف الخفاء ٧٧/١ : له طرق عديدة يتقوی بها. ٢١٨ كتاب أدب القاضي وإِذا رُفِعَ حُكْمه إلى القاضي، فوافق مذهبَه: أمضاه، وإن خالفه : أبطله . ولا يجوز التحكيمُ في الحدود والقصاص. وإن حَكَّما في دمِ خطأِ، فقضىُ الحَكَمُ بالدية على العاقلة: لم يَتْفُذْ 0 و حُكْمُه. * قوله: (وإذا رُفع ذلك الحكم إلى القاضي، فوافق مذهبَه: أمضاه)؛ لأنه لا فائدة في نَقْضه، ثم إبرامُه على ذلك الوجه. ۔ وفائدة إمضائه ها هنا: أنه لو رُفع إلى قاضٍ آخر يخالف مذهبَه: لیس لذلك القاضي ولاية النقض فيما أمضاه هذا القاضي. * قوله: (وإن خالفه: أبطله)؛ لأنه حكمٌ لم يصدر عن ولاية الإمام. - وإن حكَّما رجلين: فلا بدَّ من اجتماعهما. * قوله: (ولا يجوز التحكيمُ في الحدود والقصاص)؛ لأنه لا ولاية لهما علی دمهما. ولهذا لا يملكان إباحته، ولأن الحدود والقصاص يسقطان بالشبهة، ونقصانُ ولاية المحكَّم شبهةٌ في المنع منه، كشهادة النساء مع الرجال. - وفي ((الذخيرة)): يجوز في القصاص؛ لأنه من حقوق العباد. * قوله: (وإن حكَّمَا في دم الخطأ، فقضىُ الحَكَمُ بالدية على العاقلة: لم ينفذ حكمُه)؛ لأنه لا ولاية له عليهم، إذ لا تحكيم من جهتهم. ٢١٩ کتاب أدب القاضي ويجوز أن يَسمع البيِّةَ، ويقضيَ بالنُّكول. وحُكْمُ الحاکم لأبويه، وولده، وزوجته : باطل. * قوله: (ويجوز أن يَسمع البينة، ويقضيَ بالنُّكول). - وكذا بالإقرار؛ لأنه حكمٌ موافقٌ للشرع. قوله: (وحُكْمُ الحاكم لأبويه، وولده، وزوجته: باطلٌ): أي حكم المحكَّم، والمولَّى جميعاً؛ لأنه لم تُقبل شهادتُه لهم. - وكذا لا يصح القضاء لهم؛ لأجل التهمة. - بخلاف ما إذا حكَمَ عليهم: فإنه يجوز؛ لأنه تُقبل شهادتُه عليهم؛ لانتفاء التهمة، فكذلك القضاء. كذا في ((الهداية))(١)، والله أعلم. (١) ١٠٩/٣. ٢٢٠ كتاب القسمة كتاب القسمة ينبغي للإمام أن يَنْصِبَ قاسِماً يَرْزُقُه من بيت المال لَيَقْسِمَ بين الناس بغير أجرة. فإن لم يفعل : نَصَبَ قاسماً يَقْسِمُ بالأجرة. ويجب أن يكون عَدْلاً، مأموناً، عالماً بالقسمة. كتاب القِسْمة القِسْمةُ: تمييزُ الحقوق، وتعديلُ الأنصباء. * قال رحمه الله: (ينبغي للإمام أن يَنصِبَ قاسِماً يَرزقُه من بيت المال؛ لَيَقْسِمَ بين الناس بغير أجرٍ)؛ لأن القسمة من جنس عمل القضاء، من حيث إنه يتمُّ بها قَطْع المنازعة. - وإنما يَرزقُه من بيت المال: لأن منفعة نَصْب القاسم تعمُّ الكافةَ، فكانت كفايتُه في بيت مالهم؛ غُرْماً بغُنْم. قوله: (فإن لم يفعل: نَصَبَ قاسماً يقسمُ بالأجر)، معناه بأجرٍ على المتقاسمين؛ لأن النفع لهم على الخصوص. * قوله: (ويجب أن يكون عَدْلاً، مأموناً، عالماً بالقسمة)، يعني عدلاً فيما بينه وبين الله، أميناً فيما بين الناس، عالماً بأحكام القسمة؛ لأنه