النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وتُقبلُ شهادةُ الرَّجل لأخيه، وعَمِّه. ولا تُقبل شهادةُ مُخَنَّثٍ، ولا نائحةٍ، ولا مغنِّيةٍ، ولا مُدْمِنِ الشرب على اللھو، * قوله: (وتُقبل شهادة الرجل لأخيه، وعمِّه)؛ لأن الأملاك متميِّزةٌ، والأيدي متحيِّزةٌ؛ لأنه ليس لأحدهما تبسُّطٌ في مال الآخر. * قوله: (ولا تُقبل شهادةُ مُخنَّثٍ)، يعني إذا كان رديءَ الأفعال؛ لأنه فاسقٌ. - أما الذي في كلامه لِيْنٌ، وفي أعضائه تكسُّرٌ، ولم يفعل الفواحشَ: فهو مقبولُ الشهادة. * قوله: (ولا نائحةٍ)، يعني التي تنوح في مصيبةٍ غيرها. - أما التي تنوح في مصيبتها: فشهادتُها مقبولةٌ. قال بعضهم: لا خير في النائحة؛ لأنها تأمر بالجَزَع، وتنهى عن الصبر، وتبكي شجوَ غيرِها، وتأخذ الأجرةَ على دمعها، وتُحزِن الحيَّ، وتؤذي الميت. * قوله: (ولا مُغَنِّيّةٍ)؛ لأنها مرتكبةٌ حراماً، ((فإن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصوتين الأحمقين: النائحة والمغنِّية))(١). * قوله: (ولا مُدْمِنِ الشُّربِ على اللهو)، يعني شربَ غيرِ الخمر من (١) سنن الترمذي (١٠٠٥)، وحسَّنه، وينظر نصب الراية ٨٤/٤. ١٦٢ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا مَن يلعب بالطيور، ولا منْ يُغنِّي للناس. الأشربة، أما الخمر فشُرْبُها يُسقط العدالةَ وإن كان بغير لهوٍ. والإدمانُ: المداومةُ والملازمةُ، أي يشرب ومِن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجدها. - وإنما شُرط الإدمان: ليكون ذلك ظاهراً منه، فأما مَن يُتَّهم بالشرب، ولم يظهر ذلك منه: لم يخرج من العدالة قبل ظهور ذلك منه. - وكذا مَن جلس في مجلس الفجور والشرب: لا تُقبل شهادته وإن لم یشرب. * قوله: (ولا مَن يَلعب بالطَّنْبور(١))، وهو المغنِّي. ــ وكذا مَن يلعب بالطيور والحَمَام: لا تُقبل شهادته؛ لأنه يُورِثُ غفلةً، وقد يقف على العورات بصعود سطحه إذا أراد تطير الحَمَام. - وأما إذا كان يبيعها ولا يُطيِّرِها، ولا يُعرَف فيها بقمارِ: قُبلت شهادته. * قوله: (ولا مَن يغنِّي للناس). لا يقال في هذا تكرارٌ؛ لأنه قد ذَكَرَ المغنِّية. قلنا: ذاك مخصوصٌ بالمرأة، وهذا عامٌّ، أو لأن الأول في التغني مطلقاً، وهذا في التغني للناس. (١) وفي نسخ من القدوري: بالطيور: بدل: بالطنبور. ينظر اللباب ١٣٥/٥. ١٦٣ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا من يأتي باباً من الكبائر التي يتعلَّق بها الحدُّ. - وقيَّد بالتغني للناس: لأنه إذا كان لا يُغنِّي لغيره، ولكن يُغنِّي لنفسه أحياناً؛ لإزالة الوحشة: فلا بأس بذلك. كذا في ((المستصفى)). - وروي ((أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى بيت عمرَ رضي الله عنه، فسمع عمرَ يترثَّم في بيته، فدعاه، فخرج إليه عمرُ خَجِلاً، فقال له: أَسَمِعْتَني يا عبد الرحمن؟ قال: نعم. قال له: إنا إذا خَلَوْنا: قلنا ما يقولُه الناسُ، قال: أتدري ما كنتُ أقول؟ قال: لا. قال: إني قلتُ: إلا التعرُّض للحُتُوف لم يبق من شرف العُلا بين الأسِنَّة والسيوف))(١) فلأرمينَّ بمُهجتي : قوله: (ولا مَن يأتي باباً من أبواب الكبائر التي يتعلَّق بها الحدُّ)، أي نوعا من أنواعها. [بيان المراد بالكبائر : ] - والكبيرة: ما كانت حراماً مَحضاً، شُرع عليها عقوبةٌ محضةٌ بنصِّ قاطع. قال عبد الله بن عمر: ((الكبائر سبعٌ: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، (١) لم أقف على تخريج هذا الأثر. ١٦٤ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل والقتلُ، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم ظلماً، وقذفُ المحصنات، واليمينُ الغموس)»(١). وقال ابن مسعود: تسعٌ، ولعله زاد: شهادة الزور، والإياسُ من رَوْح الله، أو شهادة الزور، والزنا. ((وسئل ابن عباس عن الكبائر أسبعٌ هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب))(٢). - وقيل: هي سبع عشرة: أربعٌ في القلب: الكفرُ بالله، والإصرارُ على معصية الله، والقنوطُ من رحمة الله، والأمنُ من مكر الله. وأربعٌ في اللسان: التلفظ بالكفر، وشهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس. وثلاثٌ في البطن: أكل الربا، وأكل مال اليتيم، وشرب الخمر. واثنان في الفرج: الزنا، واللواط. واثنان في اليد: القتل، والسرقة. وواحدةٌ في الرِّجل: الفِرار من الزحف. (١) سنن أبي داود (٢٨٦٧) مرفوعاً، وينظر لقول ابن مسعود رضي الله عنه مقدمة الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ٩/١. (٢) مصنف عبد الرزاق ٤٥٩/١٠، وينظر تفسير الطبري سورة النساء/ ٣١ عند قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾، والزواجر ٩/١. ١٦٥ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وواحدة في سائر البدن: عقوقُ الوالدين. - ومن الكبائر: السحر، وكتمان الشهادة من غير عذر، والإفطار في رمضان من غير عذر، وقطعُ الرحم، وترك الصلاة متعمِّداً، ومَنْعُ الزكاة، و ونسيانُ القرآن، وسبُّ الصحابة رضي الله عنهم، والخيانةُ في الكيل والوزن، وأخذ الرِّشوة، وضربُ المسلم بغير حقٍّ، وامتناعُ المرأة عن زوجها بلا سببٍ. والوقيعةُ في أهل العلم، وأكلُ الميتة ولحم الخنزير بغير اضطرار، والوطءَ في الحيض، والغِيْبةُ، والنميمةُ، والكذبُ، والنياحةُ، والحسدُ، والكِبْرُ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، وقتلُ الولد خشيةَ أن يأكل معه، والحَيْفُ في الوصية، وتحقيرُ المسلمين، والظُّهار. 93 - قال سعيد بن جُبير: ((كلّ ذنبٍ أوعد الله عليه النارَ: فهو كبيرةٌ. * والصغائر: النظر إلى ما لا يحلّ، واللمسُ، والقُبلة، وهجران المسلم فوق ثلاثة أيام، والبيع والشراء في المسجد، والعبثُ في الصلاة، وتخطي الرقاب يوم الجمعة، والكلامُ في حالة الخطبة، والتغوُّطُ مستقبل القِبلة أو في طريق المسلمين، والاستمناءَ، والخلوةُ بالأجنبية، ومسافرةٌ المرأة بغیر مَحْرَمٍ ولا زوج. والنَّجَّشُ، والسَّوْمُ على سَوْم أخيه، وتلقِّي الرُّكبان، وبيعُ الحاضر للبادي، والاحتكارُ، وبيعُ المَعيب من غير بيانٍ، والخِطبةَ على خِطبة ١٦٦ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا مَن يدخُلُ الحَمَّامَ بغير إزار، ولا مَن يأكلُ الربا، ولا المُقَامِرِ بالنَّرْد، والشِّطْرنج. أخيه، والتبخترُ في المشي، والصلاةُ في الأوقات المنهيِّ عنها، والسكوتُ ٩ عند سماع الغِيبة، ووطء الزوجة المظاهَرِ منها قبل التكفير. : قوله: (ولا مَن يَدخلُ الحَمَّامَ بغير إزار)؛ لأن كشف العورة حرامٌ مستقبحُ بین الناس. - وكذا مَن يمشي في الطريق بسروالٍ ليس عليه غيرُه. كذا في ((النهاية). * قوله: (ولا آكل الربا)؛ لأنه متأكِّدُ التحريم. وشَرَطَ في ((الأصل)) الشهرةَ في أكل الربا. - وكذا مَن اشتهر بأكل الحرام: فهو فاسقٌ، مردودُ الشهادة. * قوله: (ولا المُقامرِ بالنَّرْد، والشِّطْرنج)، بشرط القمار؛ لأن مجرد اللعب بالشطرنج لا يقدح في العدالة، أما القمار فحرامٌ، وفاعله فاسقٌ. وفي ((شرحه)): مَن لعب بالشطرنج من غير قمار، ولا ذِكْرٍ فاحشةٍ، ولا تَرْكِ صلاةٍ: فشهادتُه مقبولةٌ. وإن كان ذلك يقطعه عن الصلاة، أو يَذكر عليه فسقاً، أو يحلف عليه: لم تُقبل شهادته. - وأما اللعب بالنَّرْد وسائر ما يُلعب به: فإنه بمجرده يمنع قبول الشهادة؛ لإجماع الناس على تحريم ذلك، بخلاف اللعب بالشطرنج: فإن ١٦٧ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا مَن يفعلُ الأفعالَ المستخفَّةَ، كالبول على الطريق، والأكلِ على الطريق . ولا تُقبلُ شهادةُ مَن يُظهِرُ سبَّ السلف. فيه اختلافاً بين الناس. * قوله: (ولا مَن يفعلُ الأفعالَ المُسْتَخَفَّةِ(١))، كالبول على الطريق، والأكلِ على الطريق؛ لأنه تاركٌ للمروءة، فإذا كان لا يستحيي عن مثل ذلك: لا يمتنع عن الكذب. - وكذا مَن يأكل في السوق بين الناس. - قال في ((النهاية)): أما إذا شرب الماءَ، أو أكل الفولَ على الطريق: لا يقدح في عدالته؛ لأن الناس لا تَستقبح ذلك. - والمراد بالبول على الطريق: إذا كان بحيث يراه الناس. - وكذا لا تُقبل شهادة النخَّاس، وهو الدلاَّل، إلا إذا كان عدلاً لا یکذب، ولا یحلف. * قوله: (ولا تُقبل شهادةُ مَن يُظهر سبَّ السلف الصالح)؛ لظهور فسقه، والمرادُ بالسلف الصالح: الصحابة والتابعون. ــ وكذا لا تُقبل شهادة تارك الجمعة رغبةً عنها؛ لأن تاركها من غير عذر: فاسقٌ. (١) وفي نسخ من الجوهرة: المستقبحة. ١٦٨ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وتُقْبل شهادةُ أهلِ الأهواء، إلا الخَطَّابية. وتُقْبل شهادةُ أهل الذمَّة بعضِهم على بعضٍ وإن اختلفت مِلَلُهم. - وكذا لا تُقبل شهادةُ من اشتهر بترك زكاة ماله، ولا شهادةُ مَن هو معروفٌ بالكذب الفاحش، أما إذا كان لا يُعرف به، وإنما ابتُلي بشيءٍ منه، والخيرُ فيه أغلبُ: فشهادته مقبولةٌ. - ويروى أن وزير هارون الرشيد شهد عند أبي يوسف: فلم يقبله، فقال له هارون: ما منعك من قبول شهادته، ما أعلم منه إلا خيراً؟ قال: سمعتُه يوماً قال لك في مجلسك: أنا عبدك، فإن كان صادقاً: فشهادة العبد غير مقبولة، وإن كان كاذباً: فالكذب يقدح في العدالة. * قوله: (وتُقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخَطَّابيةَ). وهم قومٌ من الروافض، يشهد بعضُهم لبعض بتصديق المشهود له، يعتقدون بأنه صادقٌ في دعواه، نُسبوا إلى ابن الخطاب، وهو رجلٌ بالكوفة يَعتقد أن علياً هو الإلهُ الأكبرُ، وجعفرَ الصادقَ الإلهَ الأصغرَ، وقد قَتَلَه الأميرُ عيسى بن موسى، وصَلَبَه. قوله: (وتُقبل شهادةُ أهلِ الذمة بعضِهم على بعضٍ)، إذا كانوا عدولاً في دينهم. قوله: (وإن اختلفت مِلَّلُهم)، وهم اليهودُ والنصارى والمجوسُ إذا ضُرُبت عليهم الجزيةُ، وأُعطوا الذمةَ. - ولا تُقبل شهادتهم على المسلم. ١٦٩ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا تُقبلُ شهادةُ الحربيِّ على الذمِّي. وإن كانت الحسناتُ أغلبَ من السيئات، والرجلُ ممَّن يَجتنبُ الكبائرَ : قُبِلت شهادتُه وإنْ ألَمَّ بمعصيةٍ. ؛ قوله: (ولا تُقبل شهادةُ الحربيِّ على الذمي)، يعني بالحربي: المستأمِنَ. - وتُقبل شهادةُ الذميِّ عليه. - وتُقبل شهادةُ المستأمنين بعضهم على بعض، إذا كانوا من أهل دارٍ واحدة. - فإن كانوا من أهل دارين، كالروم والتُّرك: لا تُقبل. - وعلى هذا: الإرثُ؛ لأن اختلاف الدارين يقطع الولاية، ويمنع التوارثَ بينهما، بخلاف الذميين؛ لأنهم من أهل دارنا. - وتُقُبل شهادةُ المسلم على الذمي؛ لأن المسلم مُحِقٌّ في عداوته للذمي، فقُبلت شهادتُه عليه، والذميَّ مبطِلٌ في عداوته للمسلم، فلا تُقبل عليه. * قوله: (وإن كانت الحسناتُ أغلبَ من السيئات، والرجلُ ممن يجتنب الكبائرَ: قُبِلت شهادتُه وإن ألمّ بمعصية). - هذا هو حدُّ العدالة المعتبرة، إذ لا بدَّ من توقَّي الكبائر كلها، وبعد توقِيها: يُعتبر الغالب، فمن كَثُرت معاصيه: أَثَّر ذلك في شهادته، ومَن ندرت منه المعصيةُ: قبلت شهادته؛ لأن في اعتبار اجتناب الكل: سدَّ باب الشهادة، وهو مفتوحٌ؛ إحياءً للحقوق. ١٧٠ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وتُقبل شهادةُ الأقلفِ، والخَصيِّ، وولدِ الزنا. - وقوله: وإن ألمّ بمعصية: لأن كل واحدٍ من دون الأنبياء عليهم السلام لا يخلو من ارتكاب خطيئة، فلو وقعت الشهادةُ على مَن لا ذنب له أصلاً: لتعذَّر وجود ذلك في الدنيا، فسومح في ذلك، واعتُبر الأغلب. - وقوله: إن كانت الحسنات أغلبَ من السيئات: يعني الصغائر. وحاصله: أن كل مَن ارتكب كبيرةً، أو أصرَّ على صغيرة: فإنه تسقط عدالته. * قوله: (وتُقبلُ شهادةُ الأقلفِ)، وهو الذي لم يختتن. - وخصّه بالذَّكْر: للشبهة الواردة من قول ابن عباس: ((إنه لا تُقبل شهادته))(١). - وإنما تُقبل إذا ترك الاختتانَ من عذرٍ، أما إذا تَرَكَه استخفافاً بالدين، واستهانةً بالسُّنَّة: لم تُقبل شهادته. * قوله: (والخَصِيِّ)؛ لأنه قُطع منه عضوٌ ظلماً، فصار كما إذا قُطعت يده ظلماً. : قوله: (وولدِ الزنا)، يعني إذا كان عدلاً؛ لأن فِسْقَ الوالدين: لا یوجب فسقَ الولد، ککفرهما. وقال مالك(٢): لا تُقبل شهادتُه في الزنا؛ لأنه يُحِبُّ أن يكون غيره کمثله، فيُتَّهم. (١) مصنف عبد الرزاق ٤٨٤/٤، ١٧٥/١١، المحلى ٤٥٤/٧. (٢) جواهر الإكليل ٢٣٥/٢. ١٧١ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وشهادةُ الخُنثى جائزةٌ. وإِذا وافقت الشهادةُ الدعوىُ: قُبِلت، وإن خالفتها : لم تُقبل. ويُعتبر اتفاقُ الشاهدَيْن في اللفظ، والمعنى عند أبي حنيفة، فإن شَهِدَ أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألفين : لم تُقبل الشهادةُ عند أبي حنيفة. وعندهما تُقبل على ألف. قلنا: العدل لا يُحِبُّ ذلك، والكلامُ إنما هو في العدل. قوله: (وشهادةُ الخنثى: جائزةٌ)، المراد: المُشكِل، وحُكْمه في الشهادة: كحكم المرأة. : قوله: (وإذا وافقت الشهادةُ الدعوىُ: قُبلت، وإن خالفتها: لم تُقبل)، كما إذا ادعى ألف درهم، وشهد بمائة دينار، أو بِكُرِّ حنطة؛ لأن من حكم الشهادة: أن تطابق الدعوى في المعنى واللفظ. * قوله: (ويُعتبر اتفاقُ الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة)، في الأموال والطلاق، حتى لو شهد أحدهما أنه قال: أنتِ خليَّةٌ، وشهد آخرُ أنه قال: أنت بَرِيَّةٌ: لا يثبت شيء من ذلك وإن اتفق المعنى. * قوله: (فإن شهد أحدُهما بألفٍ، والآخرُ بألفين: لم تُقبل شهادتُهما عند أبي حنيفة)؛ لأنهما اختلفا لفظاً ومعنىً؛ لأن الألف لا يُعبَّر بها عن الألفین. (وعندهما: تُقبل على ألف)؛ لأنها داخلة في الألفين، فقد اتفقا عليها. ١٧٢ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وإن شهد أحدُهما بألف، والآخرُ بألفٍ وخمسمائة، والمدَّعي يدَّعي ألفاً وخمسمائة : قُبِلت شهادتُهما بألفٍ . - وهذا إذا كان المدعي يدعي ألفين، أما إذا ادعى ألفاً: لا تُقبل، بالإجماع. - وعلى هذا: المائة والمائتان، والطلقةُ والطلقتان، فإن شهد واحدٌ بطلقة، وواحدٌ بطلقتين، وشاهدٌ بثلاث، وقد دخل بها: فهي طالقٌ ثلاثاً. - وإن لم يدخل: يقع ثنتان. كذا في ((النهاية))؛ لأن الأُولى اتفقوا فيها جميعاً، والاثنتين اتفق فيهما شاهدُهما وشاهدُ الثلاث، فصاروا ثلاثاً. قوله: (فإن شهد أحدُهما بألفٍ، والآخر بألفٍ وخمسمائة، والمدعي يدعي ألفاً وخمسمائة: قُبلت الشهادة بألف). يعني بالإجماع؛ لاتفاق الشاهدين على الألف لفظاً ومعنىً؛ لأن الألف والخمسمائة جملتان، فالألف: جملةٌ، والخمسمائة: جملةٌ أخرى، والمدعي يدعي ألفاً وخمسمائة، فقد اتفقا على إحدى الجملتين مع دعوى المدعي لها، فثبت ما اتفقا عليه، ولم يثبت ما اختلفا فيه. - وليس هذا عند أبي حنيفة، كما لو شهد أحدهما بألفٍ، والآخر بألفين؛ لأن ذلك جملة واحدة، وقد اختلفا فيها: فلا تُقبل. - ولو كان المدعي إنما ادعى ألفاً، لا غير: لم تُقبل، بالإجماع؛ لأن شهادة الذي شهد بألف وخمسمائة باطلةٌ؛ لأنه كذَّبه المدعي في ذلك. ١٧٣ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وإذا شَهِدا بألفٍ، وقال أحدُهما: قضاه منها خمسَمائة : قُبلت شهادته بألفٍ، ولم يُسمَع قولُه : إنه قضاه، إلا أن يشهد معه آخر . وينبغي للشاهد إذا عَلِمَ ذلك أن لا يشهدَ بألفٍ حتى يُقِرَّ المدَّعي أنه قَبَضَ خمسمائة. - ونظيرُ مسألة الألف وخمسمائة: الطلقة والطلقة والنصف، والمائة والمائة والخمسون. - بخلاف العشرة والخمسة عشر؛ لأنه ليس بينهما حرفُ عطف، فهو نظير الألف والألفين. - قال الخُجَندي: هذا كله إذا كان دعوىً في مالٍ، کالقرض ونحوه، أما لو كان على دعوى عقد: لا تُقبل، بالإجماع في الفصول كلها، كما إذا ادعى أنه باع عبداً بألفين، والمشتري يُنكر، فشهد شاهدٌ بألف، والآخر بألفين، أو شهد أحدُهما بألف، والآخرُ بألف وخمسمائة: لا تُقبل، بالإجماع. قوله: (وإذا شهدا بألف، وقال أحدهما: قضاه منها خمسمائة: قُبلت شهادتُه بألف)؛ لاتفاقهما عليه، (ولم يُقبل قوله: إنه قضاه)؛ لأنها شهادةُ فردٍ، (إلا أن يشهد معه آخر). وعن أبي يوسف: أنه يقضي بخمسمائة؛ لأن شاهد القضاء مضمونٌ شهادته أنه لا دَيْن إلا خمسمائة، وجوابه ما قلناه. كذا في ((الهداية))(١). قوله: (وينبغي للشاهد إذا عَلِمَ ذلك أن لا يشهد بالألفِ حتى يُقُرَّ المدعي أنه قبض خمسمائة)؛ كي لا يصير مُعيناً له على الظلم. (١) ٣/ ١٢٧. ١٧٤ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وإذا شهد شاهدان أن زيداً قُتِلَ يومَ النحر بمكة، وشهد آخران أنه قُتِل يوم النحر بالكوفة، واجتمعوا عند الحاكم : لم يَقبلِ الشهادتين. - ومعنى قوله: ينبغي : یجب. * قوله: (وإذا شهد شاهدان أن زيداً قُتل يومَ النحر بمكة، وشهد آخران أنه قُتل يومَ النحر بالكوفة، واجتمعوا عند الحاكم: لم يَقبل الشهادتين)؛ لأن إحداهما كاذبةٌ، وليست إحداهما أَوْلى من الأخرى. ولأن القتل فعلٌ، والفعل لا يعاد ولا يُكرَّر. - وفائدة ذلك: فيما إذا قال: إن لم أحجَّ العام فعبدي حرٌّ، فأقام العبد شاهدين أنه قُتل يوم النحر بالكوفة، وأقام الورثةُ شاهدين أنه قُتل بمكة. - وإن شهدوا على إقرار القاتل بذلك في وقتين، أو في مكانين: قُبلت الشهادة؛ لأن الإقرار قولٌ، والأقوال تُعاد وتُكرَّر، فيجوز أن يكون أقرَّ بذلك في كل واحد من الوقتين، فتُقبل. - وعلى هذا: إذا شهد أحد الشاهدين أنه باعه هذا الثوبَ أمس، وشهد آخر أنه باعه اليوم، أو شهد أحدهما أنه أقرَّ أنه باعه أمس، وشهد الآخر أنه أقرَّ أنه باعه اليوم: قُبلت الشهادة؛ لأن المشهود به معنىً واحدٌ، وهو القول، والأقوال يجوز أن تعاد وتُكرّر. ۔ ولیس هذا من شرط صحة ثبوته حضورُ شاهدين، بخلاف النكاح، فإنه إذا شهد أحدُهما أنه تزوجها أمس، وشهد آخرُ أنه تزوجها اليوم: فإن شهادتهما لا تُقبل؛ لأن النكاح لا يصح إلا بحضور شاهدین، ولم یشهد ١٧٥ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل فإِن سَبَقت إحداهما الأخرى، وقضىُ القاضي بها، ثم حَضَرَتِ الأخرى : لم تُقبل . ولا يَسمعُ القاضي الشهادةَ علىُ جَرْح، ولا يَحكمُ بذلك. A3 أحدهما بالنكاح أنه وقع بشهادة اثنين، وإنما شهد كل منهما أن العقد وقع بشهادة واحد. * (فإن سبقت إحداهما الأخرى، وقضى القاضي بها، ثم حضرت الأخرى: لم تُقبل(١)). * قوله: (ولا يَسمع القاضي الشهادةَ على جَرْحٍ، ولا نفيٍ، ولا يَحكم بذلك). وهو أن يجرح المدعى عليه الشهودَ، فيقول: إنهم فسقةً، أو مستأجَرون على الشهادة، وأقام على ذلك بينةً، فإن القاضي لا يسمع بينتَه، ولا يَلتفت إليها، ولكن يسأل عن شهود المدعي في السرِّ، ويزكيهم في العلانية، فإذا ثبتت عدالتُهم: قَبِلَ شهادتَهم. - وقوله: ولا نفيٍ: الشهادةُ على النفي مقبولةٌ إذا كان النفي مقروناً بالإثبات، وكان ذلك مما يدخل تحت القضاء، كما إذا شهدوا أن هذا وارثُ فلانٍ، لا وارثَ له غيره، أوْ لا نعلم له وارثاً غيره: تُقبل هذه الشهادة، حتى إنه يُسلّم إليه كل المال. (١) هذه المقولة مثبتة في نسخ القدوري، وكذلك في نسخة الجوهرة ٩٧٤هـ. ١٧٦ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا يجوز للشاهد أن يَشهد بشيءٍ لم يُعايِنْه، إلا النسبَ، والموتَ، والنكاحَ، والدخولَ، وولايةَ القاضي، فإنَّه يَسَعُه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها مَن يَثِقُ به. - وكذا إذا قال لعبده: إن لم تدخل الدارَ اليوم فأنتَ حرٌّ، فشهد شاهدان أنه لم يدخل: قُبلت شهادتهما، ويُقضى بعتقه؛ لأن الشهادة على الشروط في النفي مسموعةٌ. - وإنما قال: إذا كان يدخل تحت القضاء: لأن الرجل إذا قال: إن لم أحجَّ هذا العام فعبدي حرٌّ، فشهد شاهدان أنه ضحَّى بالكوفة: لم يعتق عندهما؛ لأنها قامت على النفي، والتضحيةُ مما لا يدخل تحت القضاء. وقال محمد: يعتق؛ لأنها قامت على أمرٍ معلوم. - وقوله: ولا يَحكم بذلك: فإن قيل: لا حاجة إلى هذا، فإنه إذا لم يَسمع: فمعلومٌ أنه لا يَحكم. قلنا: يمكن أن لا يَسمع، ولكن جاز أن يحكم، فإن القاضي لا يجوز أن يسمع البينةَ في بيع المدبر، فأما إذا حكم بجواز بيعه: صحَّ؛ لأنه مختلفٌ فیه. - فإن عدَّل الشاهدَ واحدٌ، وجَرَحَه آخرُ، فسأل القاضي آخرَ: فإن عدَّله: قضى بذلك، وإن جرحه اثنان: لا يُقضى به وإن عدَّله بعد ذلك ألفٌ. : قوله: (ولا يجوز للشاهد أن يشهَدَ بشيءٍ لم يعايِنْه، إلا النسبَ، والموتَ، والنكاحَ، والدخولَ، وولايةَ القاضي، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها مَن يثقُ به)، وهذا استحسانٌ. ١٧٧ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل والشهادةُ على الشهادة جائزةٌ في كلِّ حقٍّ لا يَسقطُ بالشبهة . - ويُشترط أن يُخبره بذلك رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان ممن يَثِقُ بهم، ويقع في قلبه صدقُهم. - ويُشترط أيضاً أن يكون الإخبار بلفظ الشهادة. كذا ذكره الخَصَّاف. وقيل: في الموت يُكتفى بإخبارٍ واحدٍ، إما رجلٌ، وإما امرأةٌ واحدةٌ؛ لأنه قلَّما يشاهد حالَه غيرُ الواحد، إذ الإنسان يهابه، ويكرهه. - ولا كذلك النكاح، والنسب. - وينبغي أن يُطلِق أداءَ الشهادة، ولا يفسِّرِها، أما إذا فسَّرِها للقاضي، بأن قال: إني أشهد بالتسامع: لم تُقبل شهادتُه. - ثم إن الشيخ رحمه الله قَصَرَ الشهادةَ بالتسامع على خمسة أشياء، ولم يذكر غيرَها، وهذا ينفي اعتبارَ التسامع في الوَلاء، والوقف. وعن أبي يوسف: أنه يجوز في الولاء؛ لأنه بمنزلة النسب. وعن محمد: أنه يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مَرِّ العصور والدهور. - قال الإمام ظهير الدين المرغيناني: لا بدَّ في الشهادة على الوقف من بيان الجهة، بأن يشهدوا أنه وقف على المسجد أو المقبرة، حتى لو لم یذکروا ذلك في شهادتهم: لا تُقبل. : قوله: (والشهادةُ على الشهادةُ جائزةٌ في كلِّ حقِّ لا يَسقط بالشبهة)؛ احترازاً عن الحدود والقصاص. ١٧٨ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا تُقبل في الحدود والقصاص. وتجوز شهادة شاهدیْن على شهادة شاهدَیْن. ولا تُقبل شهادةُ واحدٍ على شهادة واحد . * قوله: (ولا تُقبل في الحدود والقصاص)؛ لأنها تؤثر فيها الشبهة، فلا تثبت بما قام مقام الغير. * قوله: (وتجوز شهادةُ شاهدين على شهادة شاهدین). وقال الشافعي(١): لا يجوز إلا أربعةٌ، على كل أصل شاهدان؛ لأن کل شاهدین قائمان مقام واحد. وصورته: شاهدان شَهِدا على شهادة رجلٍ، ثم إنهما بعينهما شهدا أيضاً على شهادة رجل آخر: فإنه جائزٌ؛ لأنه وُجد على شهادة كل واحد شاهدان. وعند الشافعي: لا يجوز، إلا أن يشهد على شهادة الأول شاهدان، وعلى شهادة الآخر شاهدان غیرُهما. - ويجوز عندنا شهادة رجلٍ وامرأتين على شهادة رجلين. * قوله: (ولا تُقبل شهادةُ واحدٍ على شهادةٍ واحد)؛ لأن شهادة الواحد لا تقوم بها حجة، فلا بدَّ من شهادة رجلين على شهادته. (١) هذا قولٌ عند الشافعية، والمعتمد عندهم كقول الحنفية أنه تكفي شهادة اثنین. مغني المحتاج ٤٥٥/٤. ١٧٩ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل وصفةُ الإشهاد : أن يقول شاهِدُ الأصل لشاهد الفرع : اِشْهَدْ على شهادتي، أني أشهَدُ أن فلانَ ابنَ فلانٍ أقرَّ عندي بكذا، وأَشهَدَني علىُ نفسه . وإن لم يقل : أَشهَدني على نفسه : جاز. - ولا يُشبه هذا إذا شهد اثنان على اثنين؛ لأن الشاهدين جميعاً يشهدان علی کل واحد منهما، فقد ثبتت شهادة كل واحد بشهادة شاهدین. * قوله: (وصفة الإشهاد: أن يقول شاهدُ الأصل لشاهد الفرع: اِشهَدْ على شهادتي أني أَشهد أن فلانَ ابنَ فلان أقرَّ عندي بكذا، وأشهدني على نفسه). - إنما يقول: وأشهدني: إذا كان المقرُّ أشهده على نفسه، أما إذا كان سمعه، ولم يُشهِده على نفسه: فإنه يقول: أقرَّ عندي، ولا يقول: أشهدني؛ کي لا يكون كاذباً. - ولو قال له في التحمُّل: اشهَدْ أن لفلان على فلان كذا، فاشهَدْ على شهادتي بذلك: کفی. - وإن قال: فاشهَدْ بمثل ما شهدتُ به، أو كما شهدتُ، أو على ما شهدتُ: لا يصح حتى يقول: فاشهَدْ على شهادتي. * قوله: (وإن لم يقُل: أشهَدَني على نفسه: جاز). - وأما قوله: اِشهَدْ على شهادتي: فلا بدَّ منه، وهو شرطٌ عندهما. وقال أبو يوسف: يجوز وإن لم يذكر ذلك. ١٨٠ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ويقول شاهدُ الفرع عند الأداء : أشهدُ أن فلاناً أشهَدَني على شهادته، أنه يشهد أن فلاناً أقرَّ عنده بكذا، وقال لي : اِشهدْ على شهادتي بذلك. ولا تُقبلُ شهادةُ شهودِ الفَرْع إلا أن يموتَ شهودُ الأصل، أو يَغِيبوا مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ، فصاعداً، أو يَمْرَضوا مرضاً لا يستطيعون معه حضورَ مجلس الحاكم. - ولا بدَّ من عدالة الأصل، والناقل. * قوله: (ويقول شاهدُ الفرع عند الأداء: أشهدُ أن فلاناً أشهَدَني على شهادته أنه يَشهَدُ أن فلاناً أقرَّ عنده بكذا، وقال لي: اشهَدْ على شهادتي بذلك)؛ لأنه لا بدَّ من شهادته، وذِكْرِ شهادة الأصل، ولفظِ التحمُّل. - ويُشترط بقاء شهود الأصل على أهلية الشهادة، حتى لو فَسَقًا، أو عَمِيَا، أو خَرِسًا: لم تُقبل شهادةُ الفرع. * قوله: (ولا تُقبل شهادة شهود الفرع، إلا أن يموت شهودُ الأصل، أو يَغيبوا مسيرة ثلاثة أيامٍ فصاعداً، أو يمرضوا مرضاً لا يستطيعون معه حضورَ مجلسِ الحاكم)؛ لأن شهود الفرع كالبدل من شهود الأصل، والبدلُ لا يثبت حُكمه مع القدرة على الأصل؛ بدلالة الماء والتراب. وعن أبي يوسف: إن كان في مكانٍ لو غدا لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله: صح الإشهاد؛ إحياءً لحقوق الناس. والأول أحسن، والثاني أرفق، وبه أخذ أبو الليث.