النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ کتاب الدعاوى والبِّنات فإن قَضَى به القاضي بينهما، وقال أحدُهما: لا أختار: لم يكن للآخر أن يأخذ جميعَه. وإِن ذَكَرَ كلُّ واحدٍ منهما تاريخاً : فهو للأول منهما. وإن لم يَذکرا تاریخاً، ومع أحدهما قَبْضٌ: فهو أَوْلى به. لأن كل واحد منهما عاقدٌ على الجملة، وقد سُلُّم له نصفُها، ولم يُسلَّم له الباقي، فكان له الخيار: بين الأخذ والترك. - هذا إذا لم يؤرِّخا: فإن أرَّخا: فأسبقُهما تاريخاً أَوْلى. - وإن أرَّخ أحدُهما، ولم يُؤْرِّخ الآخرُ: قُضي به لصاحب التاريخ. - بخلاف ما إذا ادعيا تلقّي الملك من رجلين: فإنه هناك إذا أرَّخ أحدُهما، ولم يُؤرِّخ الآخرُ: فهو بينهما نصفان. * قوله: (فإن قضى به القاضي بينهما، فقال أحدُهما: لا أختار): أي لا أختار النصفَ بنصف الثمن: (لم يكن للآخر أن يأخذ جميعَه). - هذا إذا كان بعد القضاء، أما إذا اختار أحدُهما التركَ قبل أن يقضيَ القاضي: فللآخر أن يأخذ الجميعَ بجميع الثمن. · قوله: (وإن ذَكَرَ كلُّ واحد منهما تاريخاً: فهو للأول منهما)؛ لأنه أثبت الشراء في زمانٍ لا ينازعه فيه أحدٌ، ويرد البائعُ على الثاني الثمنَ الذي دفعه إليه؛ لأنه دَفَعَ ذلك إليه ليُسلم له المبيعَ، فإذا لم يسلم له: كان له الرجوع. * قوله: (وإن لم يذكرا تاريخاً، ومع أحدهما قَبْضٌ: فهو أَوْلى به). ١٠٢ كتاب الدعاوى والبيِّنات وإن ادَّعى أحدُهما شراءً، والآخرُ هبةً وقَبْضاً، وأقاما البِّنَةَ، ولا تاریخَ معهما : فالشراءُ أَوْلىُ. وإن ادَّعى أحدُهما الشراءَ، وادَّعت امرأةٌ أنه تزوَّجها عليه: فهما سواء . معناه: أنه في يده؛ لأن تمكَّنه من قَبْضه: دليلٌ علىُ سَبْق شرائه. - فإن ذكر صاحبُه بعد ذلك وقتاً: لم يُلتفت إليه، إلا أن يشهدوا أن شراءه كان قبل شراء الذي هو في يده؛ لأن الصريح يفوق الدلالة. قوله: (فإن ادعى أحدُهما شراءً، والآخرُ هبةً وقَبْضاً)، معناه من واحدٍ، أما إذا كان من اثنين: تُقبل البينتان، ويتنصَّف، (وأقاما البينةَ، ولا تاريخَ معهما: فالشراءُ أَوْلِى)؛ لأنا إذا لم نعلم تاريخَهما: حكمنا بوقوع العقدين معاً، وإذا حكمنا بهما معا: قلنا: عقدُ الشراء يوجب الملكَ بنفسه، وعقد الهبة لا يوجب الملكَ إلا بانضمام القبض، فسَبَق الملكُ في البيع الملكَ في الهبة، فكان أولىُ. * قوله: (وإن ادعى أحدُهما الشراءَ، وادعت امرأةٌ أنه تزوجها عليه: فهما سواءً)، هذا قول أبي يوسف. وقال محمدٌ: الشراء أَوْلى من النكاح، ولها على الزوج القيمةُ؛ لأن من أصله: تصحيحُ البينتان ما أمكن، ويُمكن تصحيحهما هنا، بأن يقال: النكاح لا يَحتاج إلى تسمية عوضٍ في صحته، والبيعُ لا بدَّ من تسمية العوض في صحته، فصار عقدُ البيع منعقداً على المسمى، والنكاحُ منعقداً على غير المسمى. ١٠٣ كتاب الدعاوى والبيِّنات وإن ادَّعى أحدُهما رهناً وقَبْضاً، والآخرُ هبةً وقَبْضاً: فالرهنُ أَوْلىُ. وإن أقام الخارجان البَيِّنَةَ على الملكِ والتاريخ: فصاحبُ التاريخ الأبعدِ أَوْلى. وإن ادَّعيا الشراءَ من واحدٍ، وأقاما البَيِّنَةَ على التاريخَيْن: فالأولُ أَوْلىُ. وترجع المرأة بقيمة العبد على الزوج؛ لأن سبب الاستحقاق قائمٌ، وهو النكاح، وقد تعذّر تسلیمه، فرُجع إلی قیمته. ولأبي يوسف: أن النكاح والبيع يتساويان في وقوع الملك بنفس العقد، فهو كالبيعين، فعلى هذا تأخذ المرأةُ من الزوج نصفَ القيمة. * قوله: (وإن ادعى أحدُهما رهناً وقبضاً، والآخرُ هبةً وقبضاً: فالرهن أوْلى من الهبة)، يعني بغير عوض. - أما إذا كانت بشرط العوض: فهي أَوْلى؛ لأنها بيعٌ انتهاء، والبيع أَوْلىُ من الرهن. - وقوله: فالرهن أَوْلى: هذا إذا كانت دعواهما من واحدٍ، أما إذا كانا من اثنين: فهما سواء. * قوله: (وإن أقام الخارجان البينةَ على الملك والتاريخ: فصاحب التاريخ الأبعد أَوْلى)؛ لأنه أثبت أنه أول المالكين. - فإن كان المدعى به دابةً أو أمةً، فوافق سِنُّها أحدَ التاريخين: كان أَوْلى؛ لأن سنَّ الدابة مكذَّبٌ لأحدهما، فكان من صَدَّقه أولى. * قوله: (وإن ادعيا الشراءَ من واحدٍ): معناه: من غير صاحب اليد، (وأقاما البينةَ على تاريخين: فالأولُ أَوْلِى)؛ لأنه أثبتَه في وقتٍ لا منازعة له فیه. ١٠٤ كتاب الدعاوى والبيِّنات وإن أقام كلُّ واحدٍ منهما بيِّنَةً على الشراء من آخرَ، وذَكَرا تاريخاً : فهما سواء. وإن أقام الخارجُ البينةَ على ملكٍ مؤرَّخٍ، وأقام صاحبُ اليد البِّنَةَ علىُ ملكٍ أقدمَ تاريخاً: كان أَوْلىُ. * قوله: (وإن أقام كلّ واحدٍ منهما بينةً على الشراء من آخر، وذَكَرًا تاريخاً: فهما سواءٌ)؛ لأنهما يُثبتان الملكَ لبائعيهما، فيصيرا كأنهما حَضَرَا، وأقاما البينة على الملك من غير تاريخ. - وقوله: وذَكَرَا تاريخاً: فهما سواءٌ: يعني تاريخاً واحداً، أو كان أحدُهما أسبقَ، أو أرَّخ أحدُهما، ولم يؤرِّخ الآخرُ. - وقوله: فهما سواء: ويخيَّر كلّ واحدٍ منهما: إن شاء أخذ النصفَ بنصف الثمن، وإن شاء ترك. - وإن وقَّتت إحدىُ البَيِّتين وقتاً، ولم تؤقِّت الأخرى: قُضيَ بها بينهما نصفين؛ لأن توقيت إحداهما لا يدل على تقديم الملك؛ لجواز أن يكون الآخر أقدم. بخلاف ما إذا كان البائع واحداً؛ لأنهما اتفقا أن الملك لا يُتلقى إلا من جهته، فإذا أثبت أحدهما تاریخاً: حُكِم به حتى يتبين أنه تقدَّمه شراء غيره. و * قوله: (وإن أقام الخارجُ البينةَ على ملكِ مؤرَّخٍ، وأقام صاحبُ اليد البينةَ على ملكِ أقدم تاريخاً: كان أَوْلى)، هذا عندهما. ١٠٥ کتاب الدعاوى والبِّنات وإن أقام الخارجُ، وصاحبُ اليد كلُّ واحدٍ منهما بَيِّئَةً بالنِّتاج : فصاحبُ الید أَوْلیُ. وكذلك النَّسْجُ في الثياب التي لا تُنْسَجُ إلا مرَّةً واحدة، وكلّ سببٍ في الملك لا يتكرّر. وقال محمد: لا تُقبل بينةُ ذي اليد، وكأنهما أقاما البينةَ على الملك، فیکون بينهما. قوله: (وإن أقام الخارجُ وصاحبُ اليد كلُّ واحدٍ منهما بينةً بالنَّتَاجِ: فصاحب اليد أوْلى)، وهذا هو الصحيح، خلافاً لما يقوله عيسى بن أبان، أنه تتهاتر البينتان، ويُترك في يده، لا على طريق القضاء. وفائدته: أنه إذا أقام الخارجُ بينةً بعد ذلك: تُقبل عند ابن أبان؛ لأنه لم يصر مقضيًّاً عليه عنده، وعندنا: لا تُقبل. قوله (وكذلك النَّسْجُ في الثياب التي لا تُنسَج إلا مرةً واحدةً)، 93 كغزل القطن، (وكلّ سببٍ في الملك لا يتكرَّر)؛ كالأواني إذا كُسرت: لا تعود. - وأما التي تتكرَّر مرةً بعد أخرى: فإنه يُقضى به للخارج، بمنزلة الملك المطلق، وذلك مثل الثوب المنسوج من الشعر، والبناء، والغَرْس. - فإن أشكل أنه يتكرَّر أوْ لا: فإنه يُرجع فيه إلى أهل الخبرة، فإن أشكل عليهم: قُضيَ به للخارج. ١٠٦ کتاب الدعاوى والبِّنات ١٤ وإن أقام الخارجُ البَيَّنَةَ على الملك، وصاحِبُ اليد بيِّنَةً على الشراء منه : کان أَوْلىُ. وإن أقام كلَّ واحدٍ منهما البيِّنَةَ على الشراء من الآخر، ولا تاريخَ معهما : تَهَاتَرتِ البِّنتان. وإن أقام أحدُ المدَّعَيْن شاهدَيْن، والآخرُ أربعةً: فهما سواء. - وكلّ ما يُصنع من الذهب والفضة والحديد والصَّفْر والزجاج: فإنه ءِ یتکرَّر، ولا يكون بمنزلة النّتاج. - وإن كان حُلِيّاً: قُضيَ به للخارج؛ لأن الحُلِيَّ تُصاغُ مرةً بعد أخرى. * قوله: (فإن أقام الخارجُ بينةً على الملك المطلق، وصاحبُ اليد بينةً على الشراء منه: كان صاحبُ اليد أَوْلِى)؛ لأن البينة الأُولى إن كانت أثبتت أوليَّةَ الملك: فهذا تُلقِّيَ منه. * قوله: (وإن أقام كلّ واحدٍ منها البينةَ على الشراء من الآخر، ولا تاريخَ معهما: تهاترت البيِّتان): أي تساقطتا وبطلتا، وتُركت الدار في يد ذي الید، وهذا عندهما. وقال محمدٌ: أقضي بالبينتين، وأجعل الخارجَ هو الذي اشتراه آخراً، فیکون له. قوله: (وإن أقام أحدُ المدَّعيين شاهدين، والآخرُ أربعةً: فهما سواءً)؛ لأن شهادة الأربعة: كشهادة الاثنين. ١٠٧ کتاب الدعاوى والبِّنات ومَن ادَّعى قصاصاً على غيره، فجَحَدَه : استُحلف بالله. فإن نَكَلَ عن اليمين فيما دون النفس : لزمه القصاص. وإن نَكَلَ في النفس : حُبِس حتى يُقِرَّ، أو يحلف. وقالا : يلزمه الأرشُ فيهما. وإذا قال المدَّعي: لي بيِّنةٌ حاضرةٌ، قيل لخصمه: أعطِهِ كفيلاً بنفسك ثلاثةَ أيام، فإن فَعَلَ، وإلا : أُمِرَ بملازمته، : قوله: (ومَن ادعى قصاصاً على غيره، فجَحَدَه: استُحلف بالله، فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس: لزمه القصاص، وإن نكل في النفس: حُبِسَ حتى يُقِرَّ، أو يحلف)، وهذا عند أبي حنيفة. (وعندهما: يلزمه الأرشُ فيهما)؛ لأن النكول إقرارٌ فيه شبهةٌ عندهما، فلا يثبت به القصاص، ویثبت به الأرش. ولأبي حنيفة: أن الأطراف يُسلَك بها مسلك الأموال. * قوله: (وإذا قال المدعي: لي بينةٌ حاضرةٌ: قيل لخصمه: أعطه كفيلاً بنفسك ثلاثةَ أيام، فإن فعل، وإلا: أُمِرَ بملازمته)؛ كي لا يذهب حقّه. - وقوله: حاضرة: أي في المصر، حتى لو قال: لا بينةً لي، أو شهودي غُيَّبٌ: لا يكفل. - والتقدير بثلاثة أيام: مرويٌّ عن أبي حنيفة، وهو الصحيح. - ولا فرق بين الخامل والوجيه، والحقير من المال والخطير. ١٠٨ کتاب الدعاوى والبِّنات إلا أن يكون غريباً على الطريق : فيلازمُهُ مقدارَ مجلس القاضي. - ولا بدَّ من قوله: لي بينةٌ حاضرةً للتكفيل. - قال في ((شرحه)): يؤمر بإعطاء الكفيل؛ لأنه أخفُّ عليه من الملازمة، ولا يُجبر على ذلك، فإن فعل: أسقط الملازمةَ عن نفسه، وإن لم يفعل: بقيت الملازمة علیه. * قوله: (إلا أن يكون غريباً على الطريق: فيلازمه مقدارَ مجلسٍ القاضي). - وكذا لا يكفل إلا إلى آخر المجلس. - والاستثناء منصرفٌ إليهما، أي إلى أخذ الكفيل والملازمة؛ لأن في الملازمةِ وأخذِ الكفيلِ أكثرَ من ذلك: زيادةَ ضررٍ به، تمنعه من السفر، ولا ضررَ في هذا المقدار. - وقوله: بملازمته: ليس تفسيراً لملازمة المنع من الذهاب، لكن یذهب الطالب معه، ويدور معه أينما دار، فإذا انتهى إلى باب داره، وأراد الدخول: يستأذنه الطالب في الدخول، فإن أذن له: دخل معه، وإن لم يأذن له: يحبسه على باب داره، ويمنعه من الدخول. كذا في ((الفوائد)). - ثم إذا لازم المدعي غريمه بإذن القاضي: ليس له أن يلازمه بغلامه، ولا بغيره، وإنما يلازمه بنفسه إذا لم يرضَ المدعى عليه؛ لأنه هو الخصم وحده. كذا في ((الفتاوى)). ١٠٩ کتاب الدعاوى والبِّنات وإذا قال المدَّعىُّ عليه: هذا الشيءُ أودَعَنِيْهِ فلانٌ الغائبُ، أو: رَهَنَه عندي، أو : غصبتُه منه، وأقام بيِّنّةً على ذلك: فلا خصومةً بينه وبين المدَّعي. * قوله: (وإن قال المدعى عليه: هذا الشيء أَوْدَعَنِيه فلانٌ الغائبُ، أو رهنه عندي، أو غصبتُه منه، وأقام بينةً على ذلك: فلا خصومةً بينه وبين المدعي). - وكذا إذا قال أعارنيه، أو آجرنيه، وأقام بينةً؛ لأنه أثبتَ أن يده ليست يدَ خصومةٍ، ولا تندفع عنه الخصومة بمجرد دعواه، إلا إذا أقام البينة. وقال ابنُ أبي ليلى: تندفع بقوله، مع یمینه. وقال ابن شُبْرُمة: لا تندفع عنه ولو أقام البينة. وقال أبو يوسف: إن كان الرجلُ صالحاً، وأقام بينةً: اندفعت الخصومة، وإن كان معروفاً بالحِيَل: لا تندفع عنه؛ لأن المحتالَ قد يدفع مالَه إلى مسافرٍ يودِعه إياه، ويُشهِد عليه، فيحتال لإبطال حق غيره، فإذا اتهمه القاضي: لا يقبله. ولأنه قد يغصب مالَ إنسانٍ، ويدفعُه في السرِّ إلى مَن يريد السفر، ويأمرُهُ أن يودِعَه إياه علانيةً، ويُشهِد عليه الشهودَ، حتى إذا ادعاه المالك المغصوب منه: يقيم ذو اليد البينةَ أنه مودَعُ فلانٍ الغائب؛ ليدفع الخصومة عن نفسه، فإذا اتهمه القاضي: لا يقبل منه. - أما إذا كان عدلاً: فإنه يُقبل منه. ١١٠ كتاب الدعاوى والبيِّنات وإن قال : ابْتَعْتُه من الغائب : فهو خصم. وإن قال المدَّعي : سُرِقٍ مِنِّي، وأقام البيِّنَةَ، وقال صاحبُ اليد : أودَعَنِيه فلانٌ، وأقام البيّنةَ: لم تندفع الخصومةُ. - ولو أن المدعي إذا كان يدعي الفعلَ على صاحب اليد، كما إذا قال: غصبتَ مني هذا الشيء، أو سرقتَه: فإنه لا تُقبل بينة المدعى عليه، ولا يدفع الخصومة عن نفسه، بالإجماع وإن أقام ذو اليد بينةً على الوديعة. - وإن قال: غُصِب مني: على ما لم يُسمَّ فاعلُه: اندفعت، بالإجماع. * قوله: (وإن قال: ابتعتُه من فلانِ الغائب: فهو خصمٌ)؛ لأنه لما زعم أن يده يدُ ملك: اعترف بكونه خصماً، بخلاف المسألة الأُولىُ. * قوله: (وإن قال المدعي: سُرُق مني، وأقام البينةَ، وقال صاحب اليد: أَوْدَعَنِيه فلانٌ، وأقام البينةَ: لم تندفع الخصومة)، هذا قولهما. وقال محمد: تندفع؛ لأنه يدَّع الفعل عليه، فصار كما إذا قال: غُصب مني: على ما لم يُسمَّ فاعلُه. ولهما: أن ذِكْر الفعل يستدعي الفاعل، لا محالةَ، والظاهر أنه هو الذي في يده، إلا أنه لم يعيِّنه درءاً للحدِّ؛ شفقةً عليه، وإقامةً لحسْبة السَّتْر، فصار كما إذا قال: سُرِقتُ، بخلاف الغصب؛ لأنه لا حدَّ فيه، فلا يُحترز عن کشفه. ١١١ کتاب الدعاوى والبِّنات وإذا قال المدَّعي : ابتعتُه من فلانٍ، وقال صاحبُ اليد : أودَعَنيه فلان ذلك : سَقَطَتِ الخصومةُ بغير بِيِّنة. والیمینُ بالله تعالی دون غيره. وتُؤْكَّد بذِكْر أوصافه تعالى المُرْهِبةِ، كقوله: قل: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيبِ والشهادةِ، الذي يَعلَمُ من السِّرِّ ما يَعلَمُ من العلانية. قوله: (وإذا قال المدعي: ابتعتُه من فلانٍ): أي من زيدٍ، (وقال صاحب اليد: أودَعَنِيه فلانٌ ذلك بعينه: سقطت الخصومة بغير بينة)؛ لأنهما توافقا على أصل الملك فيه لغيره، فيكون وصولها إلى ذي اليد من جهته، فلم تكن يده يدَ خصومة، إلا أن يقيم بينةً أن فلاناً وكَّله بقبضه؛ لأنه أثبت ببينة أنه أحقُ بإمساكها. [كيفية اليمين والاستحلاف في الدعوى : ] قوله: (واليمينُ بالله تعالى، دون غيره)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان حالفاً فليحلف بالله، أو لَيَذَر))(١). * قوله: (وتُؤكَّد بذكر أوصافه)، يعني بدون حرف العطف، (مثل: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم) ما لفلانٍ عليكَ ولا قِبَلك هذا المالُ الذي ادعاه، وهو كذا وكذا، ولا شيء منه. (١) صحيح البخاري (٢٦٧٩)، صحيح مسلم (١٦٤٦)، بلفظ: أو ليصمت. ١١٢ کتاب الدعاوى والبِّنات ولا يُستحلَف بالطلاق، ولا بالعتاق. - وأما بحرف العطف: فإن اليمين تتكرر عليه، والمستَحَقُّ عليه يمينٌ واحدةٌ، فإنه لو قال: والله والرحمن والرحيم: كانت أيماناً ثلاثاً. - وإن شاء القاضي لم يُغلِّظ، فيقول: والله، أو: بالله. وقيل: لا يُغلِّظ على المعروف بالصلاح، ويُغلِّظ على غيره. وقيل: يُغلِّظ في الخطير من المال، دون الحقير من المال. * قوله: (ولا يُستحلَف بالطلاق، ولا بالعتاق). وقيل: في زماننا إذا ألحّ الخصمُ: ساغ للقاضي أن يحلِّفه بذلك؛ لقلة مبالاة المدعى عليه باليمين بالله تعالى، وكثرة الامتناع بسبب الحلف بالطلاق. كذا في ((الهداية))(١). - وفي ((النهاية)): ذكر بعضُهم أن القاضي إذا حلَّف المدعى عليه بالطلاق، فنَكَلَ: لا يقضي عليه بالنكول؛ لأنه نكل عما هو منهيٌّ عنه شرعاً. - وإن قال المدعى عليه: الشاهدُ كاذبٌ، وأراد تحليف المدعي: ما يعلم أنه كاذبٌ: لا يُحلِّفه. - وكذا لا يُحلِّفُ الشاهدَ؛ لأنا أُمرنا بإكرام الشهود، وليس من إكرامهم استحلافُهم. (١) ١٥٩/٣. ١١٣ کتاب الدعاوى والبِّنات ١٤ ويُستحلَفُ اليهوديُّ : بالله الذي أنزل التوراةَ على موسىُ. والنصرانيُّ : بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى. والمجوسيُّ : بالله الذي خَلَق النارَ. ولا يُحلّفون في بيوت عباداتهم . ولا يَجب تغليظُ اليمين على المسلم بزمانٍ، ولا بمكان. : قوله: (ويُستحلَف اليهوديُّ: بالله الذي أنزل التوراة على موسىُ، ءِ والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيلَ على عيسىُ، والمجوسيُّ: بالله الذي خَلَقَ النارَ). وعن أبي حنيفة: لا يُستحلَف أحدٌ إلا بالله خاصةً. - وذكر الخَصَّافُ أنه لا يُستحلف غير اليهودي والنصراني إلا بالله؛ لأن ذِكْرَ النار مع اسم الله تعالى: تعظيماً لها، فلا ينبغي أن تُذكَر، بخلاف الكتابَيْن؛ لأن كُتُبَ الله معظَّمةٌ. - ويُستحلَف الوثنيُّ بالله تعالى خاصةً، ولا يُستحلف بالله الذي خلق الوَثَن. * قوله: (ولا يُحلّفون في بيوت عباداتهم)؛ لأن القاضي ممنوعٌ من أن يَحْضُرَها. * قوله: (ولا يجب تغليظُ اليمين على المسلم بزمانٍ، ولا بمكانٍ)؛ لأن المقصود تعظيمُ المقسم به، وهو حاصل بدون ذلك. ١١٤ کتاب الدعاوى والبِّنات ومَن ادَّعى أنه ابتاع من هذا عبدَه بألفٍ، فجَحَدَه: استُحلفَ : بالله ما بينكما بيعٌ قائمٌ فيه، ولا يُستحلف بالله : ما بِعْتُ. ويُستحلَفُ في الغصب : بالله ما يَستحقُّ عليك ردَّه، ولا يُحلَّفُ: بالله ما غصبتُ. وفي النكاح : بالله ما بينكما نكاحٌ قائمٌ في الحال، ولا يُحلَّف : بالله ما تزوَّجْتُها . * قوله: (ومَن ادعى أنه ابتاع من هذا عبده بألفٍ، فجحده: استُحلف بالله: ما بينكما بيعٌ قائمٌ في الحال، ولا يُستحلَف بالله: ما بعتُ)؛ لأنه قد يُباع الشيءَ، ثم يقال(١) فيه، أو يُردُّ بالعيب. قوله: (ويُستحلَف في الغصب: بالله ما يستحق عليك ردَّ هذه العين، ولا ردَّ قيمتها، ولا يُحلَّف بالله: ما غصبتُ)؛ لأنه يجوز أن يكون غَصَبَه، ثم ردَّه إليه، أو وهبه منه، أو اشتراه منه. - وكذا دعوى الوديعة والعارية لا يُستحلف بالله ما أودعك، ولا أعارك، ولكن يُستحلف بالله ما يستحق عليك ردّ هذه العين، ولا ردّ قيمتها. - وإنما ذكر القيمة؛ لجواز أن يكون تلفت عند المودَع والمستعيرِ بتعدّ منهما. قوله: (وفي النكاح: بالله ما بينكما نكاحٌ قائمٌ في الحال، ولا يُحلَّف: بالله ما تزوجتُها). هذا على قول مَن يَستحلِف في النكاح. (١) من الإقالة. ١١٥ كتاب الدعاوى والبيِّنات وفي دعوى الطلاق: بالله ما هي بائنٌ منك الساعة بما ذَكَرَتْ، ولا يُستحلَف : بالله ما طلَّقْتُها. وإذا كانت دارٌ في يد رجلٍ، ادَّعاها اثنان: أحدُهما جميعَها، والآخرُ نصفَها، وأقاما البيِّنةَ: فلصاحب الجميع: ثلاثةُ أرباعها، ولصاحب النصف : رُبُعُها عند أبي حنيفة . - وإنما يُستَحلَف على هذه الصفة؛ لجواز أن يكون تزوجها، ثم طلَّقها، وبانت منه، أو خالعها، فإذا حلَّفه الحاكم: يقول: فرَّقتُ بينكما، هکذا روي عن أبي يوسف. وقال بعضهم: يقول القاضي: إن كانت امرأتُك فهي طالقٌ، فيقول الزوج: نعم. - والحِيلةُ في دَفْع اليمين في دعوى النكاح على قولهما: أن تتزوج بزوجٍ آخر، فإنه بعد ما تزوجت لا تُستحلف للمدعي. كذا في ((الذخيرة)). - ولا نفقةً لها في مدة المسألة عن الشهود. - ولو كان الزوجُ هو المدعي، وأقام البينةَ: لا نفقةَ لها أيضاً؛ لأن إنكارها للنكاح أكثرُ من النشوز. قوله: (وفي دعوى الطلاق: بالله ما هي بائنٌ منك الساعةَ بما ذكرتَ، ولا يُستحلَف بالله: ما طلقتُها)؛ لجواز أن يكون طلَّقها واحدةً، ثم استرجعها، أو طلقها ثلاثاً، ثم رجعت إليه بعد زوجٍ. * قوله: (وإذا كانت دارٌ في يد رجلٍ ادعاها اثنان: أحدُهما جميعَها، والآخرُ نصفَها، وأقاما البينةَ: فلصاحب الجميع ثلاثةُ أرباعها، ولصاحب النصف ربعُها عند أبي حنيفة)؛ لأن صاحب النصف لا يُزاحِم صاحبَ ١١٦ کتاب الدعاوى والبِّنات وقالا: هي بينهما أثلاثاً، ولو كانت في أيديهما : سُلَّم لصاحب الجميع : نصفُها؛ على وجه القضاء، ونصفُها؛ لا على وجه القضاء. الجميع في النصف الباقي، فانفرد به صاحبُ الجميع، والنصفُ الباقي استوت منازعتُهما فيه، فكان بينهما نصفين، وهذه القسمة على طريق المنازعة. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: هي بينهما أثلاثاً)؛ لأن صاحب الجميع يدعي سهمين، وصاحبَ النصف يدعي سهماً، فضُرِب كلُّ واحدٍ منهما بما يدعيه، وذلك ثلاثة أسهم، وهذه القسمة على طريق العَوْل. * قوله: (ولو كانت الدارُ في أيديهما: سُلُّم لصاحب الجميع نصفُها؛ على وجه القضاء)، وهو الذي في يد شريكه، (ونصفُها؛ لا على وجه القضاء)، وهو الذي في يده. ومعناه: قضاء تَرْكِ، لا قضاءَ إلزام. والفَرْقُ بين قضاءِ التَّرْك وقضاء الإلزام: أن في قضاء الإلزام إذا ادعى ثالثٌ، وأقام البينةَ: لا تُسمع بينتُه إلا بالتلقي منه، بخلاف قضاء الثَّرْك، فإنه تُقبل بينتُه بدون التلقي منه، وذلك لأن في يد كل واحدٍ منهما نصفها، س فبينة صاحب الجميع غير مقبولة على النصف الذي في يده، وقُبلت على النصف الذي في يد صاحبه. وبينةُ صاحب النصف غيرُ مقبولة، إذ النصف في يده، فحكمنا لصاحب الجميع بالنصف الذي في يد صاحبه، وبقي النصف الآخر في ١١٧ کتاب الدعاوى والبِّنات يده على ما كان عليه، فلهذا قلنا: إن صاحب الجميع يأخذ نصفَها علىُ وجه القضاء، والنصفَ الثاني يُترك في يده لا على وجه القضاء. - وهذا كله إذا أقاما البينةَ، فأما إذا لم تكن لهما بينةً: فلا يمين على مدعي الجميع؛ لأن مدعي النصف أقرَّ له بنصف الدار، ويدعي أن النصف الذي في يد نفسه له، فلا يمينَ على مدعي الجميع؛ لأن صاحب الجميع لا يدعي ذلك النصفَ الذي في يده، ويُحلّف مدعي النصف، فإذا حلف: تَرَك الدار في أيديهما نصفين، وإن نكل: قضى له. - مسألةٌ : دارٌ في يد ثلاثةٍ: أحدُهم يدعي جميعَها، والثاني: ثلثيها، والثالثُ: نصفَها، وأقام كلّ واحدٍ منهم البينةَ على ما ادعاه: فعند أبي حنيفة: تُقسم بينهم على طريق المنازعة، فتكون من أربعة وعشرين، لصاحب الجميع: خمسة عشر، ولصاحب الثلثين: ستة، ولصاحب النصف: ثلاثة. وطريق ذلك: أنا نسمِّي مدعي الكلّ: الكاملَ، ومدعي الثلثين: الليثَ، ومدعي النصف: النصرَ، فنَجعل الدار على ستةٍ؛ لحاجتنا إلى الثلثین والنصف، فیکون في ید کل واحدٍ سهمان، ثم يُجمع بین دعوى الكامل والليث، على ما في يد نصر، فالكاملُ يدعي كلّه، والليثُ يدعي نصفَه؛ لأنه يقول: حقي الثلثان، وبيدي الثلث، بقيَ لي الثلث: نصفه في ید الکامل، ونصفه في ید نصر. ١١٨ کتاب الدعاوى والبِّنات ومخرج النصف: اثنان: فالنصف للكامل، بلا منازعة، والنصف الآخر استوت منازعتُهما فيه، فيُقسم بينهما نصفين، وهو منکسرٌ، فاضرِبْ اثنين في ستة: یکون اثني عشر. ويُجمع بين دعوى الكامل ونصر على ما في يد الليث، وهو أربعةٌ من اثني عشر، فالكامل يدعي كلّه، ونصرٌ يدعي ربعَه؛ لأنه يقول: حقي النصف، ستة معي، منها الثلث أربعة، بقيَ لي السدس سهمان: سهمٌ في يد الليث، وسهمٌ في يد الكامل، فسَلِّم ثلاثةً للكامل، وتنازعا في سهمٍ، فانكسر، فاضرِب اثنين في اثني عشر: يكون أربعة وعشرين، فيُجعل في ید کل واحد ثمانية. ثم يُجمع بين دعوى الكامل والليث على الثمانية التي في يد نصر، فأربعةٌ سُلُّمت للكامل، بلا منازعة؛ لأن الليث لا يدعي إلا ستةَ عشر من الكل، فثمانية منها في يده، وأربعة في يد نصر، وأربعة في يد الكامل، فبقيت الأربعة الأخرى بينهما نصفين؛ لاستوائهما في المنازعة، فيحصل للكامل ستة، وللیث سهمان. ثم يُجمع بين دعوى الكامل ونصر على ما في يد الليث، فنصرٌ يدعي ربعَ ما في يده سهمين، فالستة سُلِّمت للكامل، واستوت منازعتهما في سهمين، فلكل واحدٍ سهمٌ، فحصل للكامل سبعةٌ، ولنصرٍ سهمٌ. ثم يُجمع بین دعوى الليث ونصرٍ على ما في يد الكامل، فالليث يدعي نصفَ ما في يده أربعة، ونصرٌ يدعي لأربعة، ما في يده سهمين، وفي ١١٩ كتاب الدعاوى والبيِّنات المال سعةٌ، فأخذ الليث أربعةً، ونصرٌ سهمين، ويبقى للكامل سهمان. فإذا حصل للكامل مما في يد نصرٍ ستةً، ومما في يد الليث سبعةٌ، ومعه سهمان: صار ذلك خمسة عشر، وهي خمسة أثمان الدار. وحصل لليث من نصرٍ سهمان، ومن الكامل أربعة، فذلك ستة، وهو ربع الدار. وحصل لنصرٍ من الليث سهمٌ، ومن الكامل سهمان، فذلك ثلاثةٌ، وهو ثمنُ الدار. وبالاختصار تكون من ثمانية: فخمسةُ أثمانها للكامل، وربعُها لليث، وثُمُنُها لنصرٍ، وهذا قول أبي حنيفة. وعلى قولهما: تقسيم الدار بينهم على طريق العَوْل، فتصح من مائةٍ وثمانين سهماً. ووجهه: أن يُجمع بين دعوى الكامل والليث على نصر، فالكامل و يدعي كلَّه، والليثُ نصفَه، وأقلُّ مالٍ له نصفُ اثنان، فالكامل يضرب بكله سهمين، والليثُ بنصف سهم، وعالت إلى ثلاثة. ثم يُجمع بين دعوى الكامل ونصر على الليث، فالكامل يدعي كلَّه، ونصرٌ يدعي ربعَه، ومخرج الربع أربعةٌ، يُضرَب هذا بربعه، وهذا بكله، فعالت إلى خمسة. ١٢٠ كتاب الدعاوى والبيِّنات ويُجمع بين دعوى الليث ونصر على الكامل، فالليث يدعي نصفَ ما في يده، ونصرٌ يدعي ربعَه، وذلك من أربعة، فيُجعل ما في يده على أربعة، وفيه سبعة، فنصفه سهمان لليث، وربعه سهمٌ لنصر، ويبقى الربع للكامل، فحصل ثلاثةٌ وأربعةٌ وخمسةٌ، وكلها متباينة، فاضرِب الثلاثة في الأربعة، ثم في الخمسة: يكون ستين، والدارُ بينهم على ثلاثةٍ، فاضرِب الستين في ثلاثةٍ، تكون مائةً وثمانين. يكون بيد كل واحد منهم ستون، فما في يد نصر: ثلثُه لليث عشرون، وثلثاه للكامل أربعون. والذي في يد الليث خُمُسه لنصر، وهو اثنا عشر، وأربعة أخماسه للكامل، وذلك ثمانية وأربعون، والذي في يد الكامل نصفه لليث، وذلك ثلاثون، وربعه لنصر، وذلك خمسة عشر، ويبقى في يده الربع خمسة عشر. فجميع ما حصل لليث خمسون: مرةً عشرون، ومرةً ثلاثون، وجميع ما حصل لنصر سبعةٌ وعشرون: مرةً اثنا عشر، ومرةً خمسة عشر. وجميعُ ما حصل للكامل مائةٌ وثلاثةٌ: مرةً أربعون، ومرةً ثمانية وأربعون، وبقيَ ما في يده خمسة عشر. * هذا كله إذا كانت الدار في أيديهم، أما إذا كانت في يد غيرهم: فإنها تُقسم بينهم عند أبي حنيفة على اثني عشر سهماً: لصاحب الجميع