النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الأَيْمان
ومَن حلف : ليصعدَنَّ السماءَ، أو: ليقلبَنَّ هذا الحجرَ ذهباً: انعقدت
یمینُه، وحَنِثَ عَقِيبها.
- وكذا إذا وَجَدَ البيت مغلوقاً، ولم يَقدر على فتحه، فخرج، وترك
متاعه: لم يحنث.
- وكذا لو كانت اليمين في جوف الليل، فلم يُمكنه الخروج حتى
يصبح، أو كانت أمتعتُه كثيرةً، فخرج وهو يَنقلُها بنفسه، ويُمكنه استئجار
الدواب والحمَّلين، فلم يفعل: لم يحنث.
- وكذا إذا خرج لدابةٍ يطلبها لينقل عليها المتاعَ: لم يحنث.
قوله: (ومَن حلف ليصعدنَّ السماءَ، أو ليَقلبنَّ هذا الحجرَ ذهباً:
انعقدت یمینه، وحنث عقيبها): أي بعد فراغه من اليمين.
وقال زفر: لا تنعقد يمينُه؛ لأنه مستحيلٌ عادةً، فأشبه المستحيلَ حقيقةً.
ولنا: أن البِرَّ متصوَّرٌ حقيقةً؛ لأن الصعود إلى السماء غير مستحيل،
وقد صعدت الأنبياء والملائكةُ عليهم السلام، وإنما تنقص قدرةُ غيرهم.
- وهذا إذا أطلق اليمينَ، أما إذا وقّتها: لا يحنث حتى يمضيَ الوقت،
كما إذا قال: لأصعدنَّ السماءَ اليومَ، فإنه يحنث عند غروب الشمس
عندهما.
وقال أبو يوسف: يحنث في الحال؛ لأنه إذا لم يُترقّب في اليمين بِرٍّ:
حنث في الحال.

٨٢
كتاب الأَيْمان
- ولو حلف ليَشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكُوز، ولا ماءَ فيه: لم يحنث
عند أبي حنيفة ومحمدٍ وزفر؛ لأنه ليس هناك ماء معقودٌ عليه، لا موجودٌ
ولا متوهّمٌ، فلم تنعقد یمینه.
وليس هذا كمَن حلف ليصعدنَّ السماء، أو لَيَقلبنَّ هذا الحجر ذهباً؛
لأن هذه الأفعال متوهَّمٌ وجودُها؛ لأنها قد تدخل تحت قدرة قادر؛ لأن
الملائكة يصعدون السماءَ في كل وقت، إنما تنقص قدرة غيرهم، فإذا
كانت اليمين متوهَّماً وجودُها: انعقدت، بخلاف مسألتنا.
وقال أبو يوسف: يحنث في الحال؛ لأن عدم الماء يؤكد شرطَ الحنث.
- هذا إذا لم يؤقّت، أما إذا قال: لأشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكُوز
اليومَ، ولا ماءَ فیه: فهو کذلك أيضاً عندهم لا يحنث.
وعند أبي يوسف: يحنث في الحال؛ لأن من أصله: أن اليمين المؤقتة
إذا لم يُترقّب لها بِرُّ: تنعقد في الحال، فكأنه قال: لأشربنَّ الماءَ الساعةَ،
ولا ماء فيه: فيحنث في الحال.
- هذا كله إذا حلف ولم يكن في الكوز ماء، أما إذا قال: لأشربن الماء
الذي في هذا الكوز، وفيه ماءٌ، فانصبَّ: حنث، إجماعاً؛ لأن اليمين
تناولت معقوداً عليه موجوداً، فإذا انعقدت يمينُه، ثم عُدِمِ شَرْط البر،
فحنث.
- فإن وقَّت، فقال: لأشربن الماءَ الذي في هذا الكوز اليومَ، وفيه ماء،

٨٣
كتاب الأَيْمان
ومَن حلف : ليقضينَّ فلاناً دَيْنَه اليومَ، فقضاه، ثم وَجَدَ فلانٌ بعضَه
زُيوفاً، أو نَبَهْرَجَةً، أو مستَحَقَّةً: لم يحنث.
وإن وجدها رَصاصاً، أو ستُّوقَةً: حنث.
فانصبَ قبل الغروب: لم يحنث عندهما؛ لأن اليمين لم تنعقد؛ لأن
المؤقتةَ يتعلق انعقادها بآخر الوقت عندهما، فكأنه قال: عند الغروب
لأشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكوز، ولا ماءَ فيه؛ فإن يمينه لا تنعقد عندهما.
وقال أبو يوسف: يحنث عند الغروب.
- وأما لو انصبَّ بعد الغروب: يحنث، إجماعاً؛ لأن اليمين انعقدت
بالاتفاق، ثم عُدم شرط البِرِّ، فحنث.
* قوله: (ومَن حلف ليقضينَّ فلاناً دينَه اليومَ، فقضاه، ثم وَجَدَ فلانَ
بعضَه زُيوفاً أو نَبَهْرَجَةً أو مُستَحَقَّةً: لم يحنث)؛ لأن الزيافة عيبٌ، والعيب
لا يعدم الجنسَ، ولهذا لو تُجُوِّز بها: صار مستوفياً، وقَبْضُ المستَحَقَّة
صحيحٌ، ولا يرتفع بردِّها البرُّ المتحقق.
الزُّيوف: ما ردَّه بيتُ المال، وهي دراهم فيها غِشَّ.
والتَّبَهْرجة: ما ضُرِب في غير دار الضرب.
* قوله: (وإن وجدها ستُّوقةً، أو رصاصاً: حنث)؛ لأنهما ليسا من
جنس الدراهم.
السَّتُّوقةُ: صُفْرٌ مُموَّهٌ بالفضة، وهي المشبّهة.

٨٤
كتاب الأَیْمان
ومَن حلف : لا يقبضُ دَيْنَه درهماً دون درهم، فقبض بعضَه: لم
يحنث حتى يقبضَ جميعَه متفرِّقاً.
- قال في ((الهداية))(١): وإن باعه بدينه عبداً، وقبضه: بَرَّ في يمينه؛ لأن
قضاء الدين طريقُه المقاصَّة، وقد تحققت بمجرد البيع.
- وإن وهب له الدينَ: لم يَبَرَّ؛ لعدم المقاصَّة؛ لأن القضاءَ فعْلُه،
والهبةَ إسقاطٌ من صاحب الدين، فلم يوجد شَرْط البِرِّ.
* قوله: (ومَن حلف لا يقبض دينَه درهماً دون درهم، فقبض بعضَه:
لم يحنث حتى يقبض جميعَه متفرِّقاً)؛ لأن الشرط قَبْضُ الكل، لكنه
بوصف التفرُّق، ألا يُرى أنه أضاف القبضَ إلى دينٍ معروفٍ مضافٍ إلیه،
فینصرف إلى کله، فلا يحنث إلا به.
ولأن يمينه وقعت على جميع دَيْنه أن لا يَقبضه متفرِّقا، فإن أخذ
بعضَه: لم يكن آخذاً لجميعه متفرِّقا، فلا يحنث.
وإن أخذ بقيتَه، وقد كان أخذ بعضَه متفرِّقاً: حنث؛ لأنه عُدِم شرط
البرِّ.
- ولو كان قال: إن قبضتُ منه درهماً دون درهم فعبدي حرٌّ، فقبض
بعضَه، ومضىُ: حنث؛ لأن: مِن: للتبعيض، فكأنه قال: إن أخذتُ بعضَه
درهماً دون درهم، وقد فعل، فحنث.
(١) ٢ / ٩٣.

٨٥
كتاب الأَيْمان
وإِن قَبَضَ دَيْنَه في وَزْنَتَيْن، لم يتشاغل بينهما إلا بعملِ الوزن: لم
یحنث، وليس ذلك بتفریق.
ومَن حلف : ليأتينَّ البصرةَ، فلم يأتها حتى مات : حَنِث في يمينه في
آخر جزءٍ من أجزاء حياته.
- وإن قال: إن قبضتُ اليومَ درهماً دون درهم: فأخذ في أول النهار
بعضَه، وأخذ الباقي في آخر النهار: حنث؛ لأن يمينه وقعت على أن لا
يأخذه متفرّقاً في اليوم، وقد أخذه، فحنث.
- ولو جعل يَزْنُه أوَّلاً فأوَّلاً: لم يحنث؛ لأن هذا لا يُعَدُّ متفرّقاً؛ لأنه
هکذا تُستوفی الدیون.
- ولو حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفيَ منه ما لَه عليه، فهرب، أو
غالَبَه على نفسه، أو مَنَعَه إنسانٌ منه، أو حال بينه وبينه: لم يحنث؛ لأن
يمينه وقعت على فعل نفسه، ولم توجد منه مفارقتُه بنفسه.
- فإن قال: لا يفارقني حتى أستوفيَ منه حقِّي، فوُجد ذلك منه:
حنث؛ لأنه حلف على فِعْل غيره، وقد وُجد شرطُ الحنث، فحنث. كذا
في ((شرحه)).
** قوله (وإن قبض دينَه في وَزْنَتَيْن: لم يتشاغل بينهما إلا بعمل الوزن:
لم يحنث، وليس ذلك بتفريق)؛ لأنه قد يَتَعذَّر قبضُ الكل دفعةً واحدةً،
فيصير هذا القدر مستثنى منه، ولأن الديون هكذا تُقبض.
* قوله: (ومَن حلف ليأتينَّ البصرةَ، فلم يأتها حتى مات: حنث في
آخر جزء من أجزاء حياته)؛ لأن البِرَّ قبل ذلك مرجوًّ.

٨٦
كتاب الأَيْمان
- قال في ((الينابيع)): حتى إنه إذا حلف بطلاق امرأته: فلا ميراث لها
إذا لم يدخل بها، ولا عدةً عليها، وإن كان قد دخل بها: فلها الميراث،
وعليها العدةُ أبعد الأجلين، بمنزلة الفارِّ.
- ولو ماتت هي: لم تطلق؛ لأن شرط البرِّ لم يتعذَّر بموتها.
- قال في ((الكرخي)): إذا قال لها: أنتِ طالقٌ إن لم تأت البصرةَ،
ومات الزوجُ قبل أن تأتيَها: لم تطلق.
- وإن ماتت هي قبل الزوج: طلقت في آخر جزءٍ من أجزاء حياتها،
ولم يرث الزوجُ منها؛ لأنه أسقط حقَّه بالطلاق، والله أعلم.

٨٧
کتاب الدعاوى والبيِّنات
كتاب الدَّعوىُ والبَيِّنات
المدَّعي : مَن لا يُجْبَر على الخصومة إذا تَركها.
کتاب الدعاوى والبیِّنات
هو جَمْعُ: دعوى، والدعوى في اللغة: قولٌ يَقصدُ به الإنسانُ إيجابَ
حقٍّ على غيره.
- وفي الشرع: عبارةٌ عن قولٍ لا حُجَّةَ لمدَّعيه على دعواه، حتى إن
مَن كان له حجة: يسمىُ مُحِقّاً، لا مدعياً.
- ويصح أن يقال: إن مسيلمةَ مدَّع للنبوة؛ لأنه لا دلالةَ معه، ولا يُقال:
إن النبي صلى الله عليه وسلم مدَّع للنبوة؛ لأن القرآن قد دلَّ على صدقه.
- وكذا الحاكم إذا قامت عنده البينة: لا يُقال للطالب أنه مدَّعٍ، وإنما
يقال له ذلك قبل إقامتها.
- ويقال: كلُّ مَن شهد على ما في يد غيره لنفسه: فهو مدَّعٍ.
وكلُّ مَن شهد أن ما في يد نفسه لنفسه: فهو منکِرٌ.
وكلُّ مَن شهد أن ما في يد غيره لغيره: فهو شاهدٌ.
وكلَّ مَن شهد أن ما في يد نفسه لغيره: فهو مُقْرٌّ.
* قال رحمه الله: (المدَّعي: مَن لا يُجبر على الخصومة إذا تَركَها،

٨٨
کتاب الدعاوى والبِّنات
والمدَّعى عليه : مَن يُجْبَر على الخصومة.
ولا تُقبل الدعوى حتى يَذكر شيئاً معلوماً في جنسه، وقَدْرِهِ.
فإن كان عَيْناً في يد المدَّعَى عليه: كُلُّف إحضارَها؛ ليُشير إليها
بالدعوى.
والمدَّعى عليه: مَن يُجبر عليها إذا تَركَها).
- ويقال: المدعي هو كل مَن ادعىُ باطناً؛ ليُزيل به ظاهراً.
والمدعى عليه هو: مَن ادعى ظاهراً، وقرَّر الشيءَ على ما هو عليه،
ویسمی المنکرُ
* قوله: (ولا تُقبل الدعوى حتى يَذكرَ شيئاً معلوماً في جنسه وقَدْره).
فجنسُهُ: أن يقول: ذهباً أو فضةً.
وقدره: أن يقول: عشرة دراهم، أو خمسة دنانير؛ لأنه إذا لم يبيِّن
ذلك: كان مجهولاً، والمجهولُ لا تصح إقامة البينة علیه.
- ولو نكل الخصمُ فيه عن اليمين: لا يُقضى عليه بشيء.
* قوله: (فإن كان عيناً في يد المدعى عليه: كُلِّف إحضارَها؛ ليُشير
إليها بالدعوى).
- وكذا في الشهادة والاستحلاف، حتى يقول الشاهد: إن هذه العين حقه.
- وكذا في الاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرطٌ، وذلك
بالإشارة في المنقول؛ لأن النقل ممكنٌ، والإشارةَ أبلغُ في التعريف.

٨٩
کتاب الدعاوى والبِّنات
وإن لم تكن حاضرةً : ذَكَرَ قیمتَها.
وإن ادَّعى عقاراً: حَدَّه، وَذَكَرَ أنه في يد المدَّعىُّ عليه، وأَنَّه يُطالبُه به.
وإن كان حقاً في الذمَّة : ذَكَرَ أنه یطالبه به.
* قوله: (وإن لم تكن حاضرةً: ذَكَرَ قيمتها)؛ لأن العين لا تُعرف
بالوصف وقد تعذّرت مشاهدة العین.
- ويُشترط مع بيان القيمة: ذِكْر الذكورة والأنوثة.
: قوله: (وإذا ادعى عقاراً: حدَّده، وذكر أنه في يد المدعى عليه،
وأنه يطالبه به)؛ لجواز أن يكون مرهوناً في يده، أو محبوساً بالثمن في
يده، وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال.
- ويَذكرُ الحدودَ الأربعةَ، ويَذكر أسماءَ أصحاب الحدود، وأنسابَهم،
ولا بدَّ من ذِكْر الجَدِّ عند أبي حنيفة، هو الصحيح.
وقيل: يُكتفى بذكر الأب في هذا الموضع.
- وإن كان الرجل مشهوراً: يُكتفى بذکْره.
- فإن ذکر ثلاثةَ حدود: يُكتفى به عندنا؛ لوجود الأكثر، خلافاً لزفر.
- وكما يُشترط التحديد في الدعوى: يشترط في الشهادة.
* قوله: (وإن كان حقاً في الذمة: ذَكَرَ أنه يُطالبه به)؛ لأن صاحب
الذمة قد حضر، فلم تبق إلا المطالبة، لكن لا بدَّ من تعريفه بالوصف؛
ليُعرف به.

٩٠
کتاب الدعاوى والبِّنات
فإذا صحَّت الدعوى، سأل القاضي المدَّعى عليه عنها، فإن اعترف :
قضی علیه بها .
وإن أنكر : سأل المدَّعي البَيَّنَةَ، فإن أحضرها : قضى بها.
وإن عجز عن ذلك، وطلب يمينَ خَصْمِهِ : استَحْلَفَه عليها.
* قوله: (فإذا صحَّت الدعوى: سأل القاضي المدعى عليه عنها، فإن
اعترف بها: قضى عليه بها).
- فإن قال المدعى عليه: لا أُقِرُّ، ولا أُنكِر: فهو منكِرٌ عندهما،
فُستحلف، وعند أبي حنيفة: ليس بمنکِر، فلا يُستحلف، بل يُحبس حتى
يُقِرَّ، فيقضي عليه، أو يُنكِرِ، فُيُستحلَف؛ لأن اليمين إنما تتوجه على
المنكِرِ صريحاً.
* قوله: (وإن أنكر: سأل المدعي البينةَ)؛ لأن من أصل أبي حنيفة:
أن لا يُحلَّف المنكرُ إذا قال المدعي: لي بينةً حاضرةً.
* قوله: (فإن أحضرها: قضى بها، وإن عجز عن ذلك، وطلب يمينَ
خصمه: استحلفه عليها).
- ولا يستحلفه إلا بمطالبته؛ لأن الاستحلاف حقّه؛ لأنه يجوز أن
ءِ
يختار تأخير اليمين إلى أن يقدر على البينة.
- فإن استحلفه: لم يأمن أن يرفعه إلى قاضٍ آخر لا يرى سماع البينة
بعد الیمین، فلذلك وقفت الیمین علی مطالبته.

٩١
کتاب الدعاوى والبِّنات
فإن قال المدَّعي: لي بيِّنَةٌ حاضرةٌ، وطلبَ اليمينَ: لم يُستحلَف عند
أبي حنيفة.
- ثم إذا قطع القاضي الخصومة بيمين المدعى عليه: فالمدعي على
دعواه بعد ذلك، حتى لو أقام البينة بعد ذلك: قُبلت، فإذا قُبلت: هل
يُظهِرِ كذبَه أم لا؟
فعند محمد: لا يُظهِر كذبَه، وعند أبي يوسف: يُظهِر.
والفتوى على أنه إذا ادعى المالَ من غير سببٍ، فحلف، ثم أقام
البيئةَ: لا يُظهر كذبَه بالبينة؛ لجواز أنه وجد القرضَ، ثم الإبراء.
وفي ((الجامع)): رجلٌ قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إن كان لفلانٍ عليَّ
شيء، فشهد شاهدان أن فلاناً أقرضه ألفاً قبل اليمين، فقضى القاضي
بالمال: لا يحنث؛ لجواز أنه وجد القرض، ثم الإبراء.
- ولو شهد أن لفلان عليه ألفاً، وقضى القاضي بذلك: يحنث. كذا في
((النهاية)).
قوله: (فإن قال المدعي: لي بينةٌ حاضرةٌ، وطلب اليمينَ: لم
يُستحلف عند أبي حنيفة)، معناه: حاضرة في المصر.
وقال أبو يوسف: يُستحلف.
وعن محمد: روايتان، ذكر الخَصَّاف أنه مع أبي يوسف، وذكر
الطحاويُ أنه مع أبي حنيفة.
- وأما إذا كانت البينةُ في مجلس الحكم: لم يُستحلَف، إجماعاً.

٩٢
کتاب الدعاوى والبيِّنات
ولا تُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي.
- وإن كانت خارج المصر: يُستحلف، إجماعاً.
- وإن قال: لي بينةٌ غائبةٌ، فحلَّفه، فإن حلف، ثم جاء بالبينة: حلّفه،
إجماعاً.
- فإن أحضر بينتَه بعد ما حلف: قُبلت بينتُه.
- وإن قال: لا بينةَ لي على دعوايَ، فحلَّفه الحاكم، ثم جاء بالبيئة:
ذكر الخُجَنديُّ أنها تُقبل عند أبي حنيفة، وقال محمدٌ: لا تقبل.
وفي ((شرحه)): تُقبل.
- ولو قال: لا بينةَ لي، وكل بينةٍ لي فهي زورٌ وبهتانٌ، ثم أقام بينةً:
قُبلت عندهما.
وقال محمد: لا تُقبل؛ لأنه مكذِّبٌ لبينته بإقراره المتقدِّم.
وهما يقولان: يجوز أن تكون له بينةٌ قد نَسِيَها، أو تكون له وهو لا
يعرفها، بأن يكون المدعى عليه قد أقرَّ عند رجلين عدلين(١) بغير علم
المدعي، ثم عَلِمَ المدعي بذلك بعد ما سبق منه هذا القول.
* قوله: (ولا تُردُّ اليمين على المدعي).
وقال الشافعي(٢): ثُردُّ.
(١) لفظ: عدلین: ثابت في نسخ، دون أخرى.
(٢) مغني المحتاج ٤٦٦/٤.

٩٣
کتاب الدعاوى والبیِّنات
ولا تُقبل بيِّنَةُ صاحب اليد في الملك المطلَق.
وإذا نَكَلَ المدَّعى عليه عن اليمين : قُضِيَ عليه بالتُّكول، ولَزِمَه ما
ادُّعِيَ علیه.
لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((البينة على المدعي واليمين على من
أنكر))(١).
* قوله: (ولا تُقبل بينةُ صاحب اليد في الملك المطلَق).
المطلَق: أن يدعي أن هذا ملکه، ولا یزید علیه.
وإن قال: اشتريتُه، أو ورثتُه: لا تكون دعوى ملك مطلق.
- قال في ((الهداية))(٢): وبينةُ الخارج أولى.
وقال الشافعي(٣): يقضي ببينة ذي اليد؛ لاعتضادها باليد، فيتقوى
الظهور.
ولنا: أن بينة ذي اليد لا تفيدنا أكثر مما تفيدنا يدُه، فلا معنىً
لسماعها، ولأن يده قد دلّت على الملك، فكانت بينة الخارج أكثر إثباتاً
وإظهاراً.
قوله: (وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين: قضى عليه بالنكول،
ولزمه ما ادُّعيَ عليه).
(١) سنن الدارقطني ٢١٨/٤، سنن البيهقي ١٢٣/٨، وهو بهذا اللفظ فيه
كلامٌ، لكن له طرقٌ وشواهد يتقوى بها، ينظر البدر المنير ٢٠ / ٥٦٤.
(٢) ١٥٧/٣.
(٣) مغني المحتاج ٤٨٠/٤.

٩٤
کتاب الدعاوى والبِّنات
١٤
وعند الشافعي(١): لا يقضي عليه، بل يَرد اليمينَ على المدعي، فإذا
حلف قضی علیه به.
- ثم النكول قد يكون حقيقةً، كقوله: لا أحلف.
وحُكماً: بأن يسكت، وحكمُه: حكمُ الأول إذا لم يكن أخرسَ، ولا
أصمّ.
- ثم النكول عند أبي حنيفة قائمٌ مقامَ البذل.
وعندهما: قائمٌ مقام الإقرار؛ لأن النكول يَثبت حكمُه من المكاتب
والمأذون والوكيل، وهؤلاء لا يصح بذلُهم، فلو كان بذلاً: لم يصح
منهم، فدل على أنه قائمٌ مقام الإقرار.
وله: أن المدعى عليه لمَّا كان بريئاً في الظاهر من الدعوى: جُعل له
الخيارُ بين إسقاطها عن نفسه باليمين، أو بالتزام الحقِّ وبَذْله، فلمَّا اختار
إحداهما: كان باذلاً لما اختاره.
ولأن الواهب لمَّا كان مخيّراً بين أن يهب، وبين أن لا يهب، فإذا
وهب کان باذلاً لما وهب.
- ولا كذلك الإقرارُ؛ لأنه إن كان حقاً: وجب عليه أن يُقِرَّ به، ولا
يحل له تَرْكُه، وإن لم يكن حقاً: لم يجز له أن يُقرَّ به؛ لأنه يكون كاذباً،
ولا يجوز أن يتعمد الكذبَ.
(١) كنز الراغبين ٣٤٢/٤.

٩٥
کتاب الدعاوى والبِّنات
وينبغي للقاضي أن يقول له : إنِّي أَعْرِض عليك اليمينَ ثلاثاً، فإن
حلفتَ، وإلا : قضيتُ عليك بما ادَّعاه.
فإذا كرَّر العَرْضَ ثلاث مرّات : قضی علیه بالنكول.
وإن كانت الدعوىُ نكاحاً: لم يُستحلَفِ المنكِرُ عند أبي حنيفة.
* قوله: (وينبغي للقاضي أن يقول له: إني أَعرِض عليك اليمينَ ثلاثاً،
فإن حلفتَ، وإلا قضيتُ عليك بما ادعاه، فإذا كرَّر عليه العَرْض ثلاث
مرات: قضی علیه بالنكول)
- هذا احتياطٌ، فلو قضى عليه بالنكول بعد العرض مرةً واحدةً: جاز.
وصورة العرض: أن يقول له القاضي: احلف بالله ما لهذا عليك هذا
المال، فإن أبى أن يحلف: يقول له ذلك في المرة الثانية، فإن أبى: يقول
له: بقيتِ الثالثةُ، فإن لم تحلف قضيتُ عليك بالنكول، فإن حلف، وإلا:
قضی علیه.
- قالوا: فإذا حلف، فأقام المدعي البينةَ: قضى بها، لما روي عن عمر
وشريح وطاوس أنهم قالوا: اليمين الفاجرة أحقُ أن تُردَّ من البينة العادلة.
* قوله: (وإذا كانت الدعوى نكاحاً: لم يُستحلف المنكِرُ عند أبي
حنيفة)؛ لأن النكول عنده بمنزلة البذل، والنكاح لا يصح بذله، وفائدة
اليمين: النكول، فلهذا لم يُستحلف فيه.
- ولا نفقة لها في مدة المسألة عن الشهود.

٩٦
کتاب الدعاوى والبِّنات
ولا يُستحلَف في النكاح، والرَّجعةِ، والفيء في الإيلاء، والرِّقِّ،
والاستيلادِ، والنَّسَب، والوَلاءِ، والحدود.
- قال في الذخيرة: إذا قالت المرأة للقاضي: لا يمكنني أن أتزوج؛
لأن هذا زوجي، وقد أنكر النكاحَ، فليُطلقني لأتزوج، والزوجُ لا يمكنه
أن يطلقها؛ لأنه بالطلاق يصير مقراً بالنكاح، فماذا يصنع؟
قال فخر الإسلام: يقول القاضي للزوج: قل لها: إن كنتِ امرأتي فأنتِ
طالقٌ ثلاثاً، فإنه على هذا التقدير لا يصير مقراً بالنكاح، ولا يلزمه شيء.
: قوله: (ولا يُستحلف في النكاحِ، والرجعةِ، والفيءِ في الإيلاء،
والرِّقِّ، والاستيلادِ، والنسبِ، والولاءِ، والحدودِ)، وهذا عند أبي
حنيفة؛ لما بيَّنَّا أن فائدة اليمين: النكولُ، وهو قائمٌ مقام البذل عنده، وهذا
الأشياء لا یصح بذلها.
- وصورة هذه المسائل: إذا قال لها: بلغك النكاح، فسكتٌّ، فقالت:
رددتُ: فالقول قولها، ولا یمین علیھا.
- وكذا إذا ادعت هي النكاحَ علیه، فأنكر: لم يُستحلف.
- وصورة الرجعة: ادعت عليه قبل انقضاء عدتها أنه راجعها في
العدة، أو ادعى هو ذلك عليها.
- وصورة الفيء: ادعى المولى عليها بعد انقضاء العدة أنه فاء إليها في
المدة، أو هي ادعت ذلك علیه.
- وصورة الرِّق: ادعى على مجهولِ أنه عبدُه، أو ادعىُ المجهولُ أنه
مولاه، وأنكر الآخر.

٩٧
کتاب الدعاوى والبِّنات
- وصورة الاستيلاد: أن تقول الجارية: أنا أمُّ ولدٍ لمولاي، وهذا ابني
منه، وأنكر المولى، أو ادعت أنها وَلَدت منه ولداً قد مات، وأنكر المولى.
وأما المولى إذا ادعى الاستيلادَ: يثبت بإقراره، ولا يُلتفت إلى إنكارها.
ففي هذه المسائل تُتصوَّر الدعوى من الجانبين، إلا في الاستيلاد خاصةً.
- وصورة الولاء: ادعى مجهولٌ على معروف أنه أعتقه، أو ادعى
المعروف عليه ذلك، أو كان ذلك في ولاء الموالاة.
- وصورتُه في النسب: ادعى على مجهول أنه ولده، بأن قال: هذا
ابني، وهو يُنكر، أو يدعي هو عليه.
- وأما الحدود: فأجمعوا أنه لا يُستحلف فيها، إلا في السرقة، فإنه
يُستحلف فيها؛ لأجل المال.
وصورتُه: ادعىُ على آخر سرقةً، فأنكر: فإنه يُستحلَف فيه بالإجماع،
فإن نكل: لم يُقطع، ويَضمن المالَ.
- وكذا اللعانُ لا يُستحلف فيه، بالإجماع؛ لأنه في معنى الحد.
وصورتُه: ادعت على زوجها أنه قذفها، وأرادت استحلافَه: فإنه لا
يستحلف.
و
- ثم معنى قوله: لا يُستحلف في النكاح: يعني إذا لم يقصد به المالَ،
أما إذا قصد به ذلك: وجب الاستحلافُ، بأن ادعت أنه تزوجها على كذا،
وأنه طلقها قبل الدخول، فلزمه نصفُ مهرها: فإنه يُستحلف لها، بالإجماع.

٩٨
كتاب الدعاوى والبيِّنات
وقالا : يُستحلَف في ذلك كلِّه، إلا في الحدود.
- وكذا إذا قصد الإرثَ والنفقةَ. كذا في ((المصفىُ)).
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يُستحلَف في ذلك كله، إلا في
الحدود، واللعان).
والفتوى على قولهما، ذكره في ((الكنز(١))، وذلك لأن النكول
عندهما: إقرارٌ، والإقرارُ يجري في هذه الأشياء، لكنه إقرارٌ فيه شبهة،
والحدود تندرئ* بالشبهات، واللعان في معنى الحد.
- وأما دعوى القصاص: فيُستحلف فيها؛ استحساناً؛ ((لأن النبي عليه
الصلاة والسلام استحلف في القسامة))(٢).
- فإن كانت دعوى القصاص في النفس، فامتنع المدعى عليه من
اليمين: حُبس حتى يحلف، أو يُقِرَّ؛ لأن حرمة النفس مستعظمةً، فلم
يُحكم فيها بالنكول، يعني إذا حلف: فإنه يبرأ، وإن نكل: لا يُقضى عليه
بشيء، ولكنه يُحبس حتى يُقِرَّ أو يَحلف، وهذا قول أبي حنيفة.
وعندهما: يُقضى عليه بالدية إذا نكل.
وقال زفر: يُقضى عليه بالقصاص.
- وإن كان القصاص فيما دون النفس: فإنه إن حلف فيها: برىء، وإن
نكل: اقتُصَّ منه عند أبي حنيفة.
(١) كنز الدقائق ص ٤٧٦، وينظر ما علَّقتُه على الكنز.
(٢) صحيح البخاري (٦٨٩٨)، صحيح مسلم (١٦٦٩).

٩٩
کتاب الدعاوى والبِّنات
وإذا ادَّعى اثنان عيناً في يدِ ثالثٍ، كلُّ واحدٍ منهما يَزْعمُ أنها له،
وأقاما البيّنة : قُضيَ بها بينهما.
وعندهما: يُقضى عليه بالأرش.
- قال في ((المنظومة))(١):
يُقتصُّ بالنُّكول في الأطراف وفي النفوس الحكمُ بالخلاف
يُحَبَس كي يُقرَّ أو كي يُقْسِما وبالنكول المالُ قالا فيهما
* قوله: (وإذا ادعى اثنان عيناً في يدِ رجلٍ واحدٍ، وكلّ واحدٍ منهما
يزعم أنها له، وأقاما البينةَ: قُضيَ بها بينهما)، يعني إذا ادعيا ذلك ملكاً
مطلقاً، ولا تاريخَ معهما، أو كان تاريخُهما واحداً.
- فإن كانت بينةُ أحدهما أسبق تاريخاً: فهي له عندهما.
وقال محمد: يُقضى بها بينهما نصفین.
- وإن أَرَّخ أحدُهما، ولم يؤرِّخ الآخرُ: فهي بينهما نصفان عند أبي
حنيفة، ولا عبرة للوقت.
وقال أبو يوسف: يُقضى بها لصاحب التاريخ.
وقال محمد: يُقضى بها للذي لم يؤرّخ.
- وهذا إذا كانت العينُ في يد ثالث، أما إذا كانت في يد أحدهما:
قُضيَ بها للخارج، إلا أن يذكرا تاريخاً، وتاريخ صاحب اليد أسبق:
(١) للنسفي ص ١٩٣.

١٠٠
کتاب الدعاوى والبِّنات
وإن ادَّعىُ كلُّ واحدٍ منهما نكاحَ امرأةٍ، وأقاما البَيِّنَةَ : لم يُقْضَ بواحدةٍ
من البِيِّنْتَيْن، ورُجِعَ إلى تصديق المرأة لأحدهما.
وإن ادَّعى اثنان على رجلٍ، كلّ واحدٍ منهما أنه اشترى منه هذا العبدَ،
وأقاما البِّنَةَ : فكلّ واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصفَ العبد بنصف
الثمن، وإن شاء تَرَكَ.
فحينئذ يكون صاحبُ اليد أَوْلى من الخارج.
* قوله: (وإن ادعىُ كلّ واحدٍ منهما نكاحَ امرأةٍ، وأقاما البينةَ: لم يُقض
بواحدة من البينتين)؛ لتعذّر العمل بهما؛ لأن المحل لا يقبل الاشتراك.
* قوله: (ورُجعَ إلى تصديق المرأة لأحدهما).
- فإن لم تُصدِّقْ أحداً منهما: فرَّق بينهما وبينها.
- فإن دخلا بها: فعلى كل واحد منهما نصفُ المهر.
۔ فإن ماتا: فلها نصف المهر، ونصفُ میراثٍ کلّ واحدٍ منهما.
- فإن ماتت هي قبل الدخول: فعلى كل واحد منهما نصفُ المسمى.
- وإن مات أحدهما، فقالت المرأة: هو الأولُ: فلها المهر والميراث.
قال في ((شرحه)): وإنما يُرجع إلى تصديقها إذا لم تكن في بيت
أحدهما، أو لم يَدخل بها، أو لم يكن وقت أحدهما أسبق، فإن وُجد
أحدُ هذه الأشياء: فصاحبها أوْلى.
قوله: (وإن ادعىُ اثنان على رجلٍ، كلُّ واحدٍ منهما يزعم أنه
اشترى منه هذا العبد): معناه من صاحب اليد، (وأقاما البينةَ: فكل واحد
منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصفَ العبد بنصف الثمن، وإن شاء ترك).