النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب الأيمان ومَن حلف: لا يدخلُ هذه الدارَ، وهو فيها : لم يحنث بالقعود حتى یخرجَ، ثم يدخلَ. * قوله: (ومَن حلف لا يدخل هذه الدارَ، وهو فيها: لم يحنث بالقعود، حتى يخرج، ثم يدخل)؛ لأن الدخول لا دوامَ له، وإنما هو انفصالٌ من الخارج إلى الداخل، وليس المُكْثُ دخولاً، ألا ترى أن مَن دخل داراً يوم الخميس، ومكث إلى يوم الجمعة: لا يقول دخلتُها يوم الجمعة. ـ وسواء دخلها راكباً أو ماشياً أو محمولاً بأمره: فإنه يحنث؛ لأن اسم الدخول يتناول الجمیعَ. - فإِن أُدخلها مكرهاً: لا يحنث؛ لأنه ليس بداخل، وإنما هو مُدخَلٌ. - فإن أدخل إحدى رجليه، ولم يُدخل الأخرى: لا يحنث؛ لأنا لو جعلناه داخلاً بإحدى رجليه: جعلناه خارجاً بالأخرى، فلا يكون في وقتٍ واحدٍ داخلاً وخارجاً. - وإن أدخل رأسه، ولم يُدخل قدمیه: لم يحنث. - ولو حلف لا يدخل على فلانٍ، فدخل عليه في المسجد: لا يحنث؛ لأن هذا ليس بدخول عليه عادةً، وإنما الدخول المعتاد في البيوت خاصةً. - ولو حلف لا يخرج من المسجد، فأمر إنساناً، فحمله، وأخرجه: حنث، وإن أخرجه مكرهاً: لا يحنث. ٤٢ كتاب الأَيْمان ومَن حلف : لا يدخلُ داراً، فدخل داراً خَرَاباً : لم يحنث. ومَن حلف : لا يدخلُ هذه الدارَ، فدخلها بعد ما انهدمت، وصارت صحراء : حنث. - وإن حلف لا يخرج إلى مكة، فخرج من بلده يريدها، ثم رجع: حنث؛ لوجود الخروج على قصد مكة. - ولو حلف لا يأتي مكةَ: لم يحنث حتى يدخلَها؛ لأن الإتيان عبارة عن الوصول، قال الله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾. الشعراء/ ١٦. - وإن حلف لا يذهب إلى مكة: فهو كالإتيان. وقال بعضهم: هو كالخروج، وهو الأصح. كذا في ((الهداية))(١). * قوله: (ومَن حلف لا يدخل داراً، فدخل داراً خراباً: لم يحنث)؛ لأنه لما لم يعيِّن الدارَ: كان المعتبر في يمينه داراً معتاداً دخولُها وسكناها، إذ الأَيْمان محمولةٌ على العادة، ولهذا لو حلف لا يلبس قميصاً، فارتدى به: لم يحنث؛ لأن المقصود اللبسُ المعتاد. * قوله: (ومَن حلف لا يدخل هذه الدارَ، فدخلها بعد ما انهدمت، وصارت صحراء: حنث) لأنه لمَّا عيَّنها: تعلَّق ذلك ببقاء اسمها، والاسمُ فيها باقٍ، كما لو انهدمت سقوفُها، وبقيت حيطانها. - وعلى هذا إذا حلف لا يلبس هذا القميصَ بعَيْنه، فارتدى به: (١) ٧٨/٢. ٤٣ كتاب الأَيْمان حنث؛ لأن اليمين وقعت على الاسم، لا على المعتاد من اللبس. - والأصل في هذا: أن الصفة في الحاضر: لغوٌّ، وفي الغائب: شرطٌ، وقيام الاسم شرطٌ فيهما جميعاً. بيانه: إذا حلف لا يدخل هذه الدارَ، وأشار إليها، أو داراً بعينها، فدخلها بعد ما انهدمت، وصارت صحراء: حنث؛ لأن الاسم باقٍ، إذ الدار اسمٌ للساحة، والبناءُ وصفٌّ فيها، والصفة في الحاضر: لغوٌ. - وإن جُعلت مسجداً أو حمَّاماً أو بستاناً، فدخله: لم يحنث؛ لأن الاسم قد زال، فلو بناها داراً أخرى بعد ما جعلها مسجداً، فدخلها: لم يحنث؛ لأنها غير الدار الأُولى. - وإن بناها داراً بعد ما صارت صحراء، فدخلها: حنث. - ولو حلف لا يدخل داراً بغير عينها، فدخل داراً قد هُدمت، وصارت صحراء: لم يحنث؛ لأن الصفة في الغائب شرط، إلا إذا كانت حیطانها قائمةً حينئذ: يحنث. - وأما إذا حلف لا يدخل هذا البيتَ، فدخله بعد ما انهدم سقفُه: حنث؛ لأنه لم يَزُل غيرُ الوصف. - وإن زالت حيطانُه: لم يحنث؛ لأنه زال الاسمُ، ولا يسمىُ بيتاً بعد زوال الحيطان، بخلاف الدار، قال الشاعر: الدار دارٌ وإن زالت حوائطها والبيتُ ليس ببيتٍ بعد تهدیم ٤٤ كتاب الأَيْمان ولو حلف : لا يدخلُ هذا البيتَ، فدخله بعد ما انهدم: لم يحنث. ومَن حلف : لا يكلِّمُ زوجةَ فلان، فطلَّقها فلانٌ، ثم كلَّمها: حَنِثَ. * قوله: (وإن حلف لا يدخل هذا البيتَ، فدخله بعد ما انهدم: لم يحنث)؛ لأن البيت اسمٌ للمبنيِّ، فإذا زال البناء: لم يسمَّ بيتاً. - وإن كان انهدم سقفُه، وبقيت حيطانُه، فدخله: حنث؛ لأنه يُبات فيه، والسقفُ وصفٌ فيه، ولأنه بهدم السقف: لم يَزُل عنه اسمُ البيت ما دامت الحيطانُ باقيةً، وإنما يقال: بيتٌ خرابٌ. - وإن حلف لا يدخل بيتاً، فدخل بيتاً لا سقفَ له: لم يحنث؛ لأن البناء وصفٌ فيه، والوصف في الغائب شرطٌ. - وإن حلف لا يدخل هذا البيت، فانهدم وبنى بيتاً آخر، فدخله: لم يحنث؛ لأن الاسم لم يبق بعد الانهدام. قوله: (ولو حلف لا يكلم زوجةَ فلانٍ، فطلقها فلانٌ): أي طلاقاً بائناً، (ثم كلَّمها: حنث)، هذا إذا كانت اليمين على زوجةٍ معيَّنَةٍ مشارٍ إليها، بأن قال: زوجةً فلان هذه. - وكذا إذا حلف لا يكلم صديقَ فلانٍ، وعيَّنْه، فعاداه فلانَ، ثم کلَّمه: حنث. - وأما إذا لم يكونا معيَّنَيْن: لم يحنث عندهما. وقال محمد: يحنث. - وأما العبد إذا لم يكن معيّناً: لم يحنث، بالإجماع. ٤٥ كتاب الأَيْمان وإن حَلَف : لا يكلُّمُ عبدَ فلانٍ، أو: لا يدخلُ دارَ فلانٍ، فباع فلانٌ عبدَه، ودارَه، ثم كلَّم العبدَ، ودَخَلَ الدار: لم يحنث. - فإن كان معيناً فكذا أيضاً: لا يحنث عندهما، وقال محمد: يحنث * قوله: (وإن حلف لا يكلم عبدَ فلانٍ، أو لا يدخل دارَ فلانٍ، فباع فلانٌ عبدَه ودارَه، ثم كلَّم العبدَ، ودخل الدارَ: لم يحنث)، هذا قولهما. وقال محمد: يحنث، قاسه على صدیقِ فلانٍ، وزوجة فلان. ولهما: أن امتناعه من كلام العبد لأجل مولاه، إذ لو أراد العبدَ بعينه: لم يُضِفْه إلى المولى، فلما أضاف الملكَ فيه إلى المولىُ: زالت يمينُه عنه بزوال ملکه. - وكذا الدار لا تُعادى، ولا تُوالى، فإذا حلف على دخولها مع الإضافة: صار الامتناع باليمين لأجل صاحبها، فإذا زال الملك: زالت اليمين. ــ وكذا إذا حلف لا يلبس ثوبَ فلانٍ، أوْ لا يركب دابةَ فلانِ، فباعهما، فلبس الثوب، وركب الدابة: لم يحنث؛ لأنه لا يمنع منها إلا لمعنىَ في المالك، فصار كأنه قال: ما داما ملكاً لفلان. - وكذا العبد لا يُعادى، ولا يوالى لخساسته، وسقوط منزلته، وإنما يُمنَع منه لأجل مولاه. - وليس كذلك الصديق والزوجة والزوج؛ لأن هؤلاء يعادَوْن ويوالَوْن لأنفسهم، فعُلِم أنه قَصَدَهم باليمين. ٤٦ كتاب الأَيْمان وإن حلف: لا يُكلُّمُ صاحبَ هذا الطيلسان، فباعه، ثم كلَّمه : حَنِثَ. وكذلك إذا حلف: لا يكلِّمُ هذا الشابَ، فكلَّمه بعد ما صار شيخاً : حَنِثَ. - ولو حلف لا يدخل دارَ فلانٍ، فدخل داراً يسكنها فلانٌ بملك أو إجارة أو عاريةٍ: حنث. - وإن حلف لا يتزوج بنتَ فلانٍ، فولدت له بنتٌ بعد اليمين، فتزوجها: لم يحنث؛ لأن قوله: بنتَ فلان: يقتضي بنتاً موجودةً في الحال. - وإن قال بنتاً لفلانٍ، أو بنتاً من بنات فلان، ولا بناتَ له وقت اليمين، ثم وُلد له بعد اليمين بنتٌ، فتزوجها: حنث عند أبي حنيفة. - ولو حلف لا يأكل من طعامٍ فلانٍ، فأكل من طعامٍ مشترَك بينه وبين آخر، أو بينه وبين الحالف: حنث؛ لأن كل جزء منه يسمىُ طعاماً، فقد أكل من طعام المحلوف عليه. * قوله: (وإن حلف لا يكلم صاحبَ هذا الطَّْلسان، فباعه، ثم كلَّمه: حنث)؛ لأن هذه الإضافةَ لا تحتمل إلا التعريف؛ لأن الإنسان لا يُعادى لمعنىَ في الطيلسان، فصار كما إذا أشار إليه. * قوله: (وكذلك إذا حلف لا يكلِّم هذا الشابَّ، فكلَّمه، وقد صار شيخاً: حنث)؛ لأن الحكم تعلَّق بالمُشار إليه، إذ الصفة في الحاضر لغوٌ. - وإن قال: لا أكلم شاباً أو شيخاً أو صبياً، بلفظ النّكرة: تقيّد به. ٤٧ كتاب الأَيْمان أو حَلفَ : لا يأكلُ لحمَ هذا الحَمَلِ، فصار كَبْشاً، فأكله : حَنِث. وإن حَلَفَ : لا يأكلُ من هذه النَّخلةِ: فهو على ثمرها. قوله: (وكذلك إذا حلف لا يأكل لحمَ هذا الحَمَل، فصار كبشاً، فأكله: حنث)؛ لأن يمينه تعلَّقت بالمشار إليه. * قوله: (وإن حلف لا يأكل من هذه النخلة: فهو على ثمرها)؛ لأنه لا يتأتَى أَكْلُها، فكانت اليمين على ما يَحدُث منها. فإن أکل من عینھا: لم يحنث. وقال محمد: إذا أكل من ثمرها أو جُمَّارها أو طَلْعها أو دِبْسها: يحنث؛ لأن هذه الأشياءَ منها. - والمراد بالدِّبْس: الذي لم يطبخ، أما إذا طُبخ: لم يحنث بأكله. - فإن شرب من خَلُّها أو نبيذها: لم يحنث؛ لأن هذا قد تغيَّر بصَنْعة جديدة. - وإن حلف لا يأكل من هذا الكرم شيئاً: فهو عن عنبه وزَبِيبه وعصيره، والكَرْمُ: بمنزلة النخل. - وإن حلف لا يأكل من هذه الشاة: فهو على لحمها خاصةً، دون ما يُتَّخذُ من اللبن والزبد والجبن والأَقِط وغيره؛ لأن الشاةَ مأكولة في نفسها، فحُملت اليمين على لحمها، دون غيره، بخلاف النخلة، فإنها غير مأكولة في نفسها، فحُملت اليمين على ما يَحدثُ منها. ٤٨ كتاب الأَيْمان وإن حلف : لا يأكلُ من هذا البُسْر، فصار رُطَباً، فأكله : لم يحنث. وإن حلف : لا يأكلُ بُسْراً، فأكل رُطَباً: لم يحنث. - ولو نظر إلى عنبٍ، فحلف لا يأكلُ منه: فهو على العنب في نفسه، دون زبيبه؛ لأن العنب مأكول في نفسه، فانصرفت يمينه إليه، كالشاة. * قوله: (وإن حلف لا يأكل من هذا البُسْر، فصار رُطَباً، فأكله: لم يحنث)؛ لأن اليمين إذا تعلَّقت بعينٍ: بقيت ببقاء اسمه، وزالت بزواله، ومعلومٌ أن انتقاله إلى الرُّطَب: يزيل عنه اسم البُسر. - وكذا إذا حلف لا يأكل من هذا اللبن، فأكل من جُبْنٍ صُنع منه، أو مَصْلٍ، أو أَقِطِ ، أو شِيْراز: لا يحنث. المَصْلِ: المُوَاهِ(١)، والشِّيراز(٢): الجِدَابَة. - وكذا إذا حلف لا يأكل من هذه البيضة، فأكل من فَرْخِ خرج منها، أوْ لا يذوق هذه الخمرَ، فصارت خلاً، فشرب منه: لم يحنث. فإن نوئ ما یکون من ذلك: حنث؛ لأنه شدّد على نفسه. * قوله: (وإن حلف لا يأكل بُسْراً، فأكل رُطَباً: لم يحنث)؛ لأنه ليس بُسرٍ. (١) المَصْل: عصارة الأقط، وهو ماؤه الذي يُعصر منه حين يُطبخ. المصباح المنير (مصل). (٢) الشيراز: اللبن الرائب المصفى، يُستخرج منه ماؤه. المصباح المنير (شرز). وقد جاء رسم كلمة شرح الشيراز في نُسخ: الجدابة، وفي نُسخ: الحدابة، وفي نسخ: الحداية. ٤٩ كتاب الأَيْمان ومَن حَلَفَ: لا يأكلُ رُطَباً، فأكل بُسْراً مُذَنَّباً: حنث عند أبي حنيفة ومحمد . * قوله: (وإن حلف لا يأكل رُطَباً، فأكل بُسْراً مُذَنَّباً (١): حنث عند أبي حنيفة)، ووافقه محمدٌ في ذلك. وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ لأنه اختص باسم يخرج به من اسم الرطب. ولهما: أن المنفيَّ بيمينه: أَكْلُ الرطب، والبُسْرُ المذَنَّبُ فيه الرُّطبُ. ــ وكذا إذا حلف لا يأكل بسراً، فأكل رطباً فيه بُسْرٌ يسيرٌ: حنث عندهما؛ لما ذكرنا. وعند أبي يوسف: لا يحنث؛ لأن الذي في الرطب لا يسمىُ بُسْراً في الغالب. وأبو يوسف اعتبر الغلبةَ، فإن كانت الغلبةُ للمحلوف عليه: حنث، وإن كانت لغيره: لم يحنث. - فصار هنا أربع مسائل: ١ - إذا حلف لا يأكل بُسراً، فأكل بُسراً مذنباً. ٢- أو حلف لا يأكل رطباً، فأكل رطباً به بُسرٌ يسير: فعندهما: يحنث، وعند أبي يوسف: لا يحنث. (١) ما يكون في ذنبه قليلُ رُطبٍ. اللباب ٣٢/٥. ٥٠ كتاب الأَيْمان ٣- ولو حلف لا يأكل هذا الرطب، فأكله بعد ما صار تمراً: لا يحنث؛ لأنه زال الاسمُ. ٤- وكذا إذا حلف لا يأكل هذا البُسرَ، فأكله بعد ما صار رطباً: لا یحنث؛ لهذا المعنى. - هذا كله في اليمين على الأكل، أما في الشراء: إذا حلف لا يشتري بُسراً أو رطباً، فاشترى بسراً مذئَّباً: فإنه تُعتبر الغلبة، إجماعاً. فإن كانت الغلبة للمحلوف عليه: حنث إجماعاً، فأبو يوسف سوَّى بينهما، وهما فرَّقا بين الأكل والشراء، فقالا: إن الشراء يصادف الجملةَ، والمغلوب تابعٌ، فيتبع القليلُ فيه الكثيرَ. وفي الأكل يصادفه شيئاً فشيئاً، فكان كلّ واحدٍ منهما مقصوداً. - قال في ((الهداية))(١): إذا حلف لا يشتري رطباً، فاشترى كبَاسةَ(٢) بُسرٍ فيها رطبٌ: لا يحنث، لأن الشراء يصادف الجملةَ، والمغلوب تابعٌ. - وكذا إذا حلف لا يشتري شعيراً، أو لا يأكله، فاشترى حنطةً فيها حباتُ شعيرٍ، وأَكَلَها: فإنه يحنث في الأكل، دون الشراء؛ لما قلنا. - ولو حلف لا يأكل تمراً، ولا نية له، فأكل قَسْباً(٣) أو رطباً: لا يحنث إلا أن ينويَ ذلك. كذا في ((الكرخي)». (١) ٨٠/٢. (٢) الكِبَاسة: عنقود النخل. المصباح المنير (كبس). (٣) التمر اليابس. المصباح المنير (قسب). ٥١ كتاب الأَيْمان ومَن حلف : لا يأكلُ لحماً، فأكل السمكَ : لم يحنث. * قوله: (ومَن حلف لا يأكل لحماً، فأكل السمكَ: لم يحنث)؛ لأن إطلاق اسم اللحم: لا يتناوله في العرف والعادة، ولا اعتبار بتسميته لحماً في القرآن؛ لأن الأيمان لا تُحمل على ألفاظ القرآن، ألا ترى أن مَن حلف لا يَخربُ بيتاً، فخَرَبَ بيتَ العنكبوت، أوْ لا يركب دابةً فركب كافراً: لم يحنث، وإن كان قد سُمِّي الكافرُ دابةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾. الأنفال/ ٥٥. - وكذا جميع ما في البحر: حكمه حكم السمك. - وإن حلف لا يأكل لحماً: فأيَّ لحم أكله من سائر الحيوان غير السمك: فإنه يحنث، محرَّمه ومباحه، ومطبوخه ومشویّه. - وعلى أي حال أكله. - فإن أكل ميتةً، أو لحم خنزير، أو لحمَ إنسان: حنث في الجميع، ذلك لأنه يُسمى لحماً. - وهذا في اليمين على الأكل، أما إذا كانت يمينه على الشراء: فإنه يقع على اللحم الذي يجوز شراؤه. كذا في ((الخُجندي)). - وإن حلف لا يأكل لحماً، فأكل كَبِداً أو كَرِشاً أو رأساً أو الكلى أو الرئة وهي الفشاشة(١) أو الأمعاء أو الطُّحال: حنث في هذا كله. (١) وفي نسخ: أو الرئة أو الفشاشة. ٥٢ كتاب الأَيْمان وَمَن حلف: لا يشربُ مِن دِجْلَةَ، فشرب منها بإناءٍ : لم يحنث حتى يَكْرَعَ منها كَرْعاً في قول أبي حنيفة. - وأما شحم البطن: فليس بلحمٍ، ولا يحنث بأكله، إلا أن ينويَه. - وكذا الأَلْية حُكمها: حكم الشحم. - وإن أكل شحمَ الظهر، أو ما على اللحم: حنث؛ لأنه يقال له: لحمٌ سمينٌ. - فإن أكل لحم الطيور، أو لحمَ صيودِ البَرِّ: حنث. - وكذا لحمُ الرأس؛ لأن الرأس عضوٌ من الحيوان. - بخلاف ما إذا حلف لا يشتري لحماً، فاشترى رأساً: فإنه لا يحنث؛ لأنه لا يقال: اشترى لحماً، وإنما يقال: اشترى رأساً. - ولو حلف لا يشتري لحماً، ولا شحماً، فاشترى أَلْية: لم يحنث؛ لأنها ليست بلحمٍ ولا شحمٍ، وإنما هي نوعٌ ثالث. * قوله: (ومَن حلف لا يشرب من دِجلة، فشرب منها بإناءٍ: لم يحنث حتى يَكرَعَ فيها كرعاً عند أبي حنيفة)، وهو أن يباشر الماءَ بفِيْه، فإن أخذه بیده أو بإناءٍ: لم يحنث. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بالكَرْع والاغترافِ باليد والإناء. والأصل أن اليمين عنده: إذا كانت لها حقيقة مستعملة، ومجازٌ متعارَفٌ مستعمَلٌ: حُملت على الحقيقة، دون المجاز. وعندهما: يُحمل عليهما جميعاً. ٥٣ كتاب الأَيْمان ومَن حلف : لا يشربُ من ماء دجلة، فشرب منها بإناءٍ : حنث. ومعلومٌ أن الكَرْعِ في الدِّجلة هو الحقيقة، وهي مستعملَةٌ متعارَفةٌ، يفعلُها كثيرٌ من الناس، والمجاز أيضاً متعارَفٌ، وهو أن يأخذ منها بإناءِ، فحُملت عنده على الحقيقة، وعندهما على الأمرين. - فإن شرب من نهرٍ يأخذ من دِجلة: لم يحنث، إجماعاً، سواء كرع فيه أو شرب منه بإناء؛ لأنه لم يشرب من دجلة، وإنما شرب من غيره، كمَن حلف لا يشرب من هذا الكُوز، أو من هذا الإناء، فحَوَّل ماءَه إلى کوزٍ آخرَ أو إناء آخر: فإنه لا یحنث بشرب ذلك. - أما إذا حلف لا يشرب من ماء دِجلة، فكرع في نهرٍ يأخذ منها: حنث، إجماعاً؛ لأن ماء دجلة موجودٌ في النهر الذي يأخذ منها. - وإن حلف لا يشرب من ماء دجلة، فاستُقيَ له من نهر يأخذ منها، فشربه: حنث؛ لأن يمينه على الماء، وهو موجودٌ في هذا النهر. * قوله: (ولو حلف لا يشرب من ماءِ دِجلة، فشرب منها بإناء: حنث)؛ لأنه شرب ماءً مضافاً إلى دجلة، فحنث. - ولو حلف لا يشرب ماءً من دجلة، ولا نية له، فشربه منها بإناءٍ: لم يحنث حتى يضع فاهَ في الدجلة؛ لأنه لما ذَكَرَ: من: وهي للتبعيض: صارت اليمين على النهر، فلم يحنث إلا بالكرع. - وإن حلف لا يشرب من هذا الجُبِّ، فإن كان مملوءاً: فهو على الكرع، لا غير عند أبي حنيفة. ٥٤ كتاب الأَيْمان ومَن حلف : لا يأكلُ من هذه الحنطة، فأكل من خبزها: لم يحنث عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: على الكرع والاغتراف. وإن كان غير مملوء: فعلى الاغتراف، بالإجماع. - وإن حلف لا يشرب من هذه البئر، أو من ماء هذه البئر: فهو على الاغتراف؛ لأن الحقيقة غيرُ متعارفة فيها، فحملت اليمين على المجاز. - فإن تكلّف، وكرع من أسفلها: اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يحنث. * قوله: (ومَن حلف لا يأكل من هذه الحنطة، فأكل من خُبْزها: لم يحنث عند أبي حنيفة). وإنما يحنث إذا قَضَمَها؛ لأن لها حقيقةً مستعملة، فإنها تُغلىُ وتُقلى وتؤكل قَضْماً، والحقيقةُ مقدَّمةٌ على المجاز. وعندهما: يحنث إذا أكلها خبزاً، أو قضماً، وهو الصحيح؛ لعموم المجاز. - والخلاف فيما إذا لم تكن له نيةٌ، أما إذا نوى أن يأكلها حبًّاً، فأكل من خُبزها: لم يحنث، إجماعاً. - وإن حلف لا يأكل من هذه الحنطة، فأكل من سَوِيقها: لم يحنث عند أبي حنيفة، على أصله: أن اليمين تُحمل على الحقيقة، وحقيقتها أن تؤكل حبّاً. وقال محمد: يحنث، كما في الخبز، على أصله. ٥٥ كتاب الأَيْمان ولو حلف: لا يأكلُ من هذا الدقيق، فأكل من خبزه : حنث. ولو استفَّه كما هو : لم يحنث. وأما أبو يوسف: فمنهم من قال هو مع محمد، كما في الخُبز. وذكر في ((الأصل)) أنه مع أبي حنيفة، وفرَّق بين الخُبز والسَّويق؛ لأن الخبز يسمى حنطةً مجازاً، يقال: خُبز حنطةٍ، والسَّوِيقُ لا يسمى بذلك. - ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة، فزرعها، وأكل من غَلَّتها: لم یحنث. * قوله: (ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق، فأكل من خُبزه: حنث)؛ لأن العادة أَكْلُه هكذا، وليس له حقيقةٌ تُعرف غير ذلك. - وهذا إذا لم تكن له نيةٌ، فإن نوى أن يأكله بعينه: لم يحنث إذا أكل من خبزه؛ لأنه نوی حقيقةَ كلامه. * قوله: (ولو استفّه كما هو: لم يحنث)؛ لأنه لم تجرِ العادةُ باستعماله كذلك، لأن ما لَه مجازٌ مستعمَلٌ، وليست له حقيقةٌ مستعملَةٌ: تناولت اليمينُ المجازَ، بالإجماع، والدقيقُ بهذه المنزلة. - وكذا لو حلف لا يلبس هذا الغَزْلَ، فتعمَّم به قبل أن يُنسج: لم یحنث؛ لما ذكرنا. - وإن حلف لا يأكل هذا اللَّبَن، أو هذا العسل، أو هذا الخلَّ، فأكله بخُبز أو تمرٍ: حنث. - وإن شربه: لم يحنث؛ لأن الشرب لا يسمى أكلاً. ٥٦ كتاب الأَيْمان - ولو حلف لا يأكل هذا الخُبزَ، فجفَّفه، ودقّه، وشربه: لم يحنث؛ لأن هذا شُرْبٌ، وليس بأكل. - وإن حلف لا يأكل عنباً، فجَعَلَ يَمُصُّه، ويَرمي بثُفْله، ويبلع ماءه: لم يحنث في الأكل، ولا في الشرب؛ لأن هذا ليس بأكلٍ ولا بشربٍ، وإنما هو مص. - ولو حلف لا يأكل سُكَّراً، فجعل في فِيه سُكَّرَة، وجعل يبلع ماءها حتى ذابت: لم يحنث؛ لأنه حين أوصلها إلى جوفه: وصلت وهي مما لا يتأتى فيها المضغ. - ولو حلف لا يذوق الماءَ، فتمضمض للوضوء: لم يحنث؛ لأن المقصود به التطهيرُ، دون معرفة الطَّعْم. - ولو حلف لا يأكل طعاماً، فأكل خبزاً أو لحماً أو تمراً أو فاكهةً: حنث؛ لأن الطعام: كلَّ ما يُطعَم ويُؤكل بنفسه، أو مع غيره. - والإدام یسمی طعاماً، فيحنث به. - وإن أكل إهليلجاً(١) أو محمودةً: لم يحنث؛ لأنه لا يسمى طعاماً. - وإن حلف لا يأكل طعاماً من طعامٍ فلان، فأكل من خلُّه أو زيته أو ملحه، أو أخذ منه شيئاً فأكله بطعام نفسه: حنث. (١) ثمرٌ لشجر ينبت في الهند وكابُل والصين، على هيئة حب الصنوبر الكبار. المعجم الوسيط ٣٢/١. ٥٧ كتاب الأَيْمان وإن حلف : لا يكلِّمُ فلاناً، فكلَّمه وهو بحيث يَسمعُ، إلا أنه نائم : حنث. وإن أخذ من نبيذه، أو مائه، فأكل به خبزاً: لم يحنث. - وإن حلف لا يأكل سَمْناً، فأكل سَوِيقاً مَلتوتاً بسَمْنٍ، ولا نيةَ له: فإن كان السَّويق بحيث إذا عُصِر: سال منه السمنُ: حنث، وإلا: فلا. * قوله: (وإن حلف لا يكلّم فلاناً، فكلَّمه، وهو بحيث يسمعُ إلا أنه نائمٌ: حنث)؛ لأنه قد كلَّمه، ووصل إلى سمعه، إلا أنه لم يفهم؛ لنومه، كما لو كلَّمه وهو غافلٌ. - وكذا إذا ناداه، وهو بحيث يَسمع، إلا أنه لم يفهم؛ لغفلته. - وكذا لو دقَّ عليه البابَ، فقال الحالف: مَن هذا، أو مَن أنتَ؟: فإنه يحنث؛ لأنه مکلُّمٌ له. - ولو ناداه المحلوف عليه، فقال له: لبيك: حنث. كذا في ((النهاية)). - وإن حلف لا يَؤْمُّ أحداً، فافتتح الصلاةَ لنفسه، فجاء قومٌ، فاقتدَوْا به: حنث قضاءً، لا ديانةً؛ لأنه في الظاهر أمَّهم، فحنث قضاءً، لكنه لم يقصد إمامتَهم: فلم يحنث دیانةً. - وإن أَمَّهم في صلاة الجنازة، أو في سجدة التلاوة: لم يحنث، لا قضاءً، ولا ديانةً في كل الوجوه؛ لأن اليمين عند الإمامة تُصرف إلى الصلاة المعهودة، الفريضة والنافلة. ٥٨ كتاب الأَيْمان وإن حلف : لا يكلِّمُه إلا بإذنه، فأَذِن له، ولم يَعلَم بالإذن حتى کلَّمه : حنث في يمينه. وإذا استحلف الوالي رجلاً ليُعْلِمَه بكل دَاعِرٍ دَخَلَ البلدَ : فهذا على حال ولايته خاصَّة. * قوله: (وإن حلف لا يكلِّمُه إلا بإذنه، فأذن له، ولم يعلم بإذنه حتى کلّمه: حنث في یمینه)؛ هذا عندهما، وقال أبو يوسف: لا يحنث. - ولو حلف لا يكلم فلاناً حتى يأذن له زيدٌ، فمات زيدٌ قبل أن يأذن له: فعندهما تسقط یمینُه، فإن کلّمه بعد ذلك: لا يحنث. وعند أبي يوسف: متی کلّمه: حنث. - وإن قال: إن ضربتك فعبدي حرٌّ، فضربه بعد موته: لا يحنث. - وكذا إذا حلف لا يكسوه: فهو على الحياة أيضاً، حتى لو كفَّنه: لا يحنث، إلا أن ينويَ بالكسوة السترَ. - وإن قال: إن غسَّلتُك فعبدي حرٌّ، فغسله بعد موته: حنث. - ولو حلف لا يكلمه، أو لا يدخل عليه، ففعل ذلك بعد موته: لا یحنث. * قوله: (وإذا استحلف الوالي رجلاً ليُعلِمَه بكل داعرٍ خبيثٍ دخل البلد: فهذا على حال ولايته خاصةً)؛ لأن المقصود منه دفعُ شرِّه بزجره، فلا یفید فائدته بعد ولايته، والزوال بالموت. - وكذا بالعزل، في ظاهر الرواية. ٥٩ كتاب الأيمان ومَن حلف : لا يركبُ دابَّةَ فلانٍ، فركب دابَّة عبده: لم يحنث. ومَن حلف : لا يدخلُ هذه الدارَ، فوقف على سطحها، أو دَخَلَ دِهْلیزَها : حنث. - فإن عُزل، ثم عاد والياً: لم تَعُدِ اليمين، وتبقى اليمين ما لم يمت الوالي، أو يُعزل. صورته: استحلف رجلاً ليرفعنَّ إليه كلَّ من عَلِمَ به من فاسقٍ أو سارق في محلته، فلم يعلم شيئاً من ذلك حتى عُزل العامل من عمله، ثم علم: فليس عليه أن يرفعه، وقد خرج من یمینه، وبطلت عنه اليمين. - فإن عاد العامل عاملاً بعد عزله: لم يكن عليه أيضاً أن يرفعه إليه، وقد بطلت يمينه. الداعِر: بالعين المهملة: الفاجر الخبيث. * قوله: (ومَن حلف لا يركب دابةَ فلانٍ، فركب دابةً عبده: لم يحنث). المراد: عبده المأذون، سواء كان مديوناً، أم لا، وهو قولهما. وقال محمد: يحنث؛ لأن الدابة ملكُ المولى وإن أُضيفت إلى العبد؛ لأن العبد وما في يده لمولاه. * قوله: (ومَن حلف لا يدخل هذه الدارَ، فوقف على سطحها، أو دخل دِهلِيزَها: حنث)؛ لأن سطحها منها، ألا ترى أن المعتكف لا يفسد و اعتكافه بصعوده إلى سطح المسجد. - وكذا الدِّهليز من الدار؛ لأن الدار ما اشتملت عليه الدائرة. ٦٠ کتاب الأَیْمان وإن وقف في طاق الباب، بحيث إذا أُغلق البابُ كان خارجاً: لم يحنث . ومَن حلف: لا يأكل الشِّواءَ : فهو على اللحم، دون الباذنجان، والجزر. وقيل: في عرفنا: لا يحنث بالصعود إلى السطح. كذا في ((الهداية))(١). : قوله: (فإن وقف في طاق الباب، بحيث إذا أُغلق الباب كان خارجاً: لم يحنث). - وإن کان داخل الباب إذا أُغلق: حنث. - وإن أدخل إحدى رِجليه، ولم يُدخل الأخرى: إن كانت الدار منهبطة: حنث، وإن كانت مستویةً: لا يحنث. - وفي ((الكرخي)): لا يحنث، سواء كانت منهبطة أو مستويةً، وهو الصحیح. - وإن أدخل رأسَه، ولم يُدخل قدميه، أو تناول منها شيئاً بيده: لم يحنث؛ لأن هذا ليس بدخولٍ، ألا ترى أن السارق لو فعله: لم يُقطع. * قوله: (ومَن حلف لا يأكل الشِّواءَ: فهو على اللحم، دون الباذنجان والجزر)؛ لأن الشواء يُراد به اللحم، حتى لو أكل سمكاً مشوياً: لا يحنث، فإن نوى كلّ ما يُشوى من بيضٍ أو غيره: فهو على ما نوى؛ لأنه شدّد على نفسه. (١) ٢/ ٧٧.