النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الأَيْمان
وإن قال: إن فعلتُ كذا فعليَّ غضبُ الله، أو سَخَطُه، أو هو زانٍ، أو
شارِبُ خمٍ، أو آكلُ ربا : فليس بحالف.
* قوله: (وإن قال: إن فعلتُ كذا فعليه غضبُ الله، أو سَخَطُه: فليس
بحالف).
- وكذا إذا قال: فعليه لعنةُ الله، أو عقابُه.
* قوله: (وكذلك إن قال: إن فعلتُ كذا فأنا زانٍ، أو شاربُ خمرٍ، أو
آكلُ رباً أو ميتةٍ: فليس بحالفٍ)؛ لأنها معصيةٌ، ومرتكبُها لا يكون كافراً.
ولأن الميتة قد أُبيحت عند الضرورة.
- وأما إذا قال: إن فعلتُ كذا فأنا مستحِلٌّ للخمر، أو للميتة، أو للربا:
فإنه يكون حالفاً؛ لأن مُعتَقِدَ ذلك كافرٌ، فهو كما إذا قال: فأنا يهوديٌّ.
ـ ومَن أَدخل بين اسمين حرفَ عطفٍ: كان يمينَيْن، مثل: والله والله،
أو: والله والرحمن.
- وإن كان بغير عطف، مثل: والله الله، أو: والله الرحمن: فهو يمينٌ
واحدة.
قال أبو يوسف: إذا قال: والله لا أكلمك والله لا أكلمك: فهما يمينان.
وعن محمد: إذا قال: هو يهوديٌ إن فعل كذا، وهو نصراني إن فعل
كذا، وهو مجوسيٌّ إن فعل كذا: لشيءٍ واحدٍ: فعليه لكل شيءٍ من ذلك
یمینٌ.

٢٢
كتاب الأَيْمان
وكفَّارةُ اليمين : عِثْقُ رقبة، يُجزىء فيها ما يُجزىء في الظّهار.
- وإن قال: هو يهوديٌّ هو نصرانيّ هو مجوسيٌّ إن فعل كذا: فهي
یمینٌ واحدةٌ.
- وإن قال: هو بريء من الله ورسوله: فهي يمينٌ واحدة.
- وإن قال: بريء من الله وبريء من رسوله: فهما يمينان، وفيهما
كفارتان.
- قال في ((الكرخي)): اليمينُ على نية الحالف: إذا كان مظلوماً، وإن
كان ظالماً: فعلى نية المستحلف.
قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن اقتطع حقَّ امرىءٍ مسلمٍ بيمينه: فقد
أوجب الله له النارَ، وحرَّم الله عليه الجنة.
قيل: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن كان قضيباً من أَرَاكِ))(١).
- قال في ((الواقعات)): أما إذا كانت اليمين بالطلاق أو العتاق: فعلى
نية الحالف، سواء كان ظالماً أو مظلوماً.
[كفارة اليمين : ]
* قوله: (وكفارةُ اليمين: عِثْقُ رقبةٍ يُجزىء فيها ما يُجزىء في الظَّهَار)،
يعني يجزئه عِثْقُ الرقبة المؤمنةِ والكافرةِ، والصغيرةِ والكبيرةِ.
- فإن قيل: الصغير لا منافع في أعضائه، فهو كالزَّمِن.
(١) صحيح مسلم (٢١٨).

٢٣
كتاب الأَيْمان
قلنا: منافع أعضائه كاملةٌ، وإنما فيها ضعفٌ، فهو كالكبير الضعيف.
- وإن أعتق حَمْلاً: لا يجوز وإن وُلد بعد يوم حياً؛ لأنه ناقصُ الخَلْق
ما لم ینفصل؛ لأنه لا يُبصر، فھو کالأعمى.
- وإن أعتق مدبراً، أو أمَّ ولدٍ: لم يجزئه؛ لأن رِقّهم ناقصٌ؛ بدليل
امتناع بيعهم.
- وأما المكاتب إن كان قد أدى شيئاً: لم يجز، وإن كان لم يؤد شيئاً:
جاز.
- ويجوز عتق الآبق، والأعور، ومقطوعٍ إحدى اليدين، أو إحدى
الرِّجلين، أو اليد والرِّجل من خلاف.
- ولا يجزئه مقطوعُ اليدين، أو الرجلين، ولا مقطوعُ اليد والرِّجل من
جانبٍ واحد.
- وكذا لا يجزئه عتق المجنون الذي لا يعقل، فإن كان يُجَنُّ ويُفيق:
أجزأه.
- ويجوز الأصمُّ إذا كان بحيث إذا صِيْح في أُذنه يسمع، وإلا؛ فلا.
- ولا يجوز المُفْعَدُ، ولا يابسُ الشق، ولا الزَّمِنُ، ولا أشلُّ اليدين،
ولا مقطوعُ الإبهام، ولا الأعمىُ، ولا الأخرسُ.
- وإن أعتق مباحَ الدم: أجزأه، إلا المرتد.
- وإن اشترى أباه أو أمَّه أو ابنَه ينوي بالشراء العتقَ عن يمينه: أجزأه.

٢٤
کتاب الأَیمان
وإن شاء كَسَا عشرةَ مساكين، كلَّ واحدٍ منهم ثوباً، فما زاد، وأدناه :
ما تجزىء فيه الصلاة .
- ويجوز مقطوعُ الأَذنين والأنف؛ لأن منفعة السمع والشمِّ باقيةً،
وإنما فاتت الزينةُ.
- ويجوز مقطوعُ الذكر؛ لأن عدمه أصلاً لا يمنع الجواز، بأن كان
أنثىَّ.
- ويجوز الخنثى، والخصيُّ، والعِنِّين، والرتقاء.
- ولا يجزئ الذاهبُ الأسنان، ولا مقطوع الشفتين إذا كان لا يقدر
على الأكل، فإن قدر: أجزأه.
* قوله: (وإن شاء كسا عشرةَ مساكين، لكل واحدٍ منهم ثوباً، فما
زاد، وأدناه: ما تجوز فيه الصلاة).
- ولا يجزئه العمامة والقَلَنْسوة والخُفَّان؛ لأنهما لا يسميان كسوة.
- وأما السروال: فالصحيح أنه لا يجزىء؛ لأنه لا بدَّ من ثوبٍ يستر
عورته وسائرَ بدنه.
وعن محمد: يجزئه؛ لأن الصلاة تجوز فيه.
- وهذا كله إذا كسا رجلاً، أما إذا كسا امرأةً: فلا بدَّ من أن يزيدها
خماراً؛ لأن رأسَها عورةٌ، ولا تجوز لها الصلاةُ مع كشفه.
- ولو أعطى عشرةَ مساكين ثوباً واحداً، وهو يساوي عشرة أثواب: لا
يجزئه إلا عند أبي طاهر الدباس.

٢٥
کتاب الأيمان
وإن شاء أطعم عَشَرَةَ مساكين، كالإطعام في كفّارة الظهار.
- فإن كانت قيمتُه مثلَ إطعام عشرة مساكين: أجزأه عن الإطعام
عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يجزئه ما لم ينوه عن الإطعام. كذا في ((الينابيع)).
- وأما إذا أعطاهم دراهمَ، وهي لا تبلغ قيمةَ الكسوة، وتبلغ قيمةً
الطعام: فإنه يجزئه عن الطعام، إجماعاً.
- وإن كانت لا تبلغ قيمةَ الطعام، وتبلغ قيمةَ الكسوة: جاز عن الكسوة.
- ولو كسا خمسةً، وأطعم خمسةً: أجزأه.
* قوله: (وإن شاء أطعم عشرة مساكين، كالإطعام في كفارة الظهار).
- ويجزىء في الإطعام التمليكُ والتمكينُ، فالتمليك: أن يُعطيَ كل
مسكين نصف صاعٍ من بُرٍّ أو دقيقه أو سويقه، أو صاعاً من شعيرٍ أو دقيقه
أو سويقه، أو صاعاً من تمرٍ.
وأما الزبيب: فالصحيح أنه كالحنطة، يجزئ منه نصفُ صاعٍ.
وفي رواية: كالشعير.
- وأما ما عدا هذه الحبوب، كالأرز والذَّرَة والدُّخْن: فلا يجزئه إلا
على طريق القيمة، أي يُخرج منها قيمةَ نصف صاع من بُرٍّ، أو قيمةَ صاع
من تمر، أو شعير.
- ولا يُعتبر في سائر الحبوب تمامُ كيله؛ لأن النص لم يتناوله، وإنما
المعتبر فيها القيمة.

٢٦
كتاب الأَيْمان
- وأما التمكين: فهو أن يُغدِّيَهم ويُعشِّيَهم، فيحصل لهم أكلتان
مشبِعتان، أو يعشِّيهم عَشاءين، أو يُغدِّيهم غداءين، أو يعشِّيَهم ويسحُّرهم.
- فإن أطعمهم بغير إدام: لا يجزئه، إلا في خبز الحنطة، لا غير.
- فإن أطعمهم خبزاً أو تمراً أو سويقاً، لا غير: أجزأه إذا كان ذلك من
طعام أهله.
- وإن أطعم مسكيناً واحداً عشرةَ أيام غداءً وعَشاءً: أجزأه وإن لم يأكل
في كل أكلة إلا رغيفاً واحداً؛ لأن المقصود إشباعُه، وإنما يُعتبر التقدير
في التمليك.
- وإن غدى عشرةً، وعشَّى عشرةً غيرَهم: لم يجزئه.
- وكذا إذا غدَّى مسكيناً، وعشَّى غيرَه عشرة أيام: لم يجزئه؛ لأنه فرَّق
طعام العشرة على عشرين، فلم يحصل لكل واحد منهم المقدارُ المقدَّر،
کما إذا فرق حصة المسكين على مسکینیْن.
- ولو غدَّى مسكيناً، وأعطاه قيمةَ العشاء فلوساً أو دراهم: أجزأه.
- وكذا إذا فَعَلَه في عشرة مساكين، فغدَّاهم وأعطاهم قيمةَ عشائهم
فلوساً أو دراهم.
- قال هشامٌ عن محمد: لو غدَّى مسكيناً عشرين يوماً، أو عشَّاه في
رمضان عشرين ليلة: أجزأه؛ لأن سدَّ الجَوْعة في أيامٍ لواحد: كسدِّ الجَوْعة
في يومٍ واحدٍ لجماعة. كذا في ((الكرخي)).

٢٧
كتاب الأَيْمان
فإن لم يَقْدِر على أحدِ هذه الأشياء الثلاثة المذكورة : صام ثلاثةَ أيامٍ
متتابعات.
- وإن أعطىُ مسكيناً واحداً طعامَ عشرة مساكين في يومٍ واحد: لم
يُجزه؛ لأن تكرار الدفع مستَحَقٌّ، كما إذا رمى الجمرة بسبع حصيات دفعة
واحدة: لم يجزه إلا عن واحدة، كذا هذا.
- ولو صام عن كفارة يمينه، وفي ملكه عبدُه قد نسيَه، أو طعامٌ قد
نسيَه، ثم تذكّر بعد ذلك: لم يُجزه الصوم، بالإجماع؛ لأن الله تعالى قيَّد
ذلك بعدم الوجود، وهذا واجدٌ.
۔ ولا يجوز صرف الكفارة إلى من لا يجوز دفع زكاته إليه، کالوالدين
والمولودِين وغيرهم، إلا أنه يجوز إلى فقراء أهل الذمة عندهما، بخلاف
الزكاة.
وقال أبو يوسف: لا يجوز صرفُها إليهم، كالزكاة.
- ولا يجوز صرفُها في كفن الموتى، وبناءِ المساجد.
* قوله: (فإن لم يقدر على أحدٍ هذه الأشياء الثلاثة المذكورة: صام
ثلاثةَ أيامٍ متتابعات)، هذه كفارة المعسر، والأولىُ كفارةُ الموسِر.
- وحدُّ اليسار في كفارة اليمين: أن يكون له فضلٌ عن كفاية مقدار ما
يُكفِّر عن يمينه.
وهذا إذا لم يكن في ملكه عينُ المنصوص عليه، أما إذا كان في ملكه
ذلك: لا يجزئه الصوم، وهو أن يكون في ملكه عبدٌ، أو كسوةٌ، أو طعامُ

٢٨
كتاب الأَيْمان
عشرة مساكين، سواء كان عليه دينٌ أم لا.
- وأما إذا لم يكن ذلك في ملكه: حينئذ يُعتبر اليسار والإعسار.
- قال في ((شرحه)): إذا ملك عبداً وهو محتاجٌ إليه: لم يجزه الصوم،
ووجب عليه عتقُه؛ لأنه واجدٌ للرقبة، فلا يجزئه الصوم.
- والمعتبر عندنا في اليسار والإعسار: بوقت الأداء، لا بوقت الوجوب،
حتى لو كان موسراً وقت الوجوب، ثم أعسر: جاز له الصوم.
- ولو كان معسراً وقت الوجوب، ثم أيسر: لا يجوز له الصوم عندنا،
خلافاً للشافعي(١).
- وقوله: متتابعات: التتابع شرطٌ عندنا، حتى لو فرَّق الصوم: لا يجوز.
وعند الشافعي(٢) إن شاء فرَّق، وإن شاء تابع.
- ومِن شَرْط هذا الصوم: النيةُ من الليل، فإن شرع فيه، ثم أيسر:
فالأفضل أن يُتمَّ صومَ ذلك اليوم، فإن أفطر: لا يجب عليه القضاء عندنا.
وقال زفر: يلزمه القضاء.
- والمرأة إذا كانت معسرةً: فلزوجها منعُها من الصوم؛ لأن كل صوم
وجب عليها بإيجابها: فله منعُها منه.
(١) تحفة المحتاج ١٨/١٠.
(٢) مغني المحتاج ٣٢٨/٤.

٢٩
كتاب الأَيْمان
وإن قَدَّم الكفارة على الحِنْث : لم يُجْزِه.
ومَن حَلَف على معصية، مثلُ : أن لا يصلِّي، أو: لا يكلِّمَ أباه، أو:
ليَقتلنَّ فلاناً: فينبغي أن يُحَنِّثَ نفسَه، ويُكفِّرَ عن يمينه.
- وكذلك في العبد، إلا إذا ظاهر من امرأته: ليس للمولىُ منعُه؛ لأنه
تعلَّق به حقُّ المرأة، إذ لا يصل إليها إلا بالكفارة.
* قوله: (فإن قدَّم الكفارةَ على الحنث: لم يُجزه)، هذا عندنا.
وقال الشافعي(١): يجوز، إلا إذا كفّر بالصوم: فإنه لا يجوز عنده أيضاً.
* قوله: (ومَن حلف على معصيةٍ، مثل أن لا يصليَ، أوْ لا يكلُّمَ
أباه، أو ليقتلنَّ فلاناً: فينبغي أن يُحِّثَ نفسَه، ويُكفِّر عن يمينه).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن حلف على يمينٍ، فرأىُ غيرَها خيراً
منها: فليأت الذي هو خيرٌ، ثم ليكفِّر عن يمينه)»(٢).
ولأن فيه تفويتَ البِرِّ إلى الجابر، وهو الكفارة، ولا جابرَ للمعصية في
ضده.
- وحُكي أن أبا حنيفة سأل الشعبيَّ عن هذه المسألة، فقال: لا كفارة
عليه؛ لأن هذه يمينٌ في معصية.
فقال: أليس جعل الله الظهارَ مُنْكَراً من القول وزوراً، وأوجب فيه
الكفارة؟
(١) مغني المحتاج ٣٢٦/٤.
(٢) صحيح مسلم (١٦٥٠).

٣٠
كتاب الأَيْمان
فقال له الشعبي: أنتَ من الأرأيتيين، أي ممن يقول بالرأي.
- وقوله: فينبغي أن يحنِّث نفسَه: أي يكلُّم أباه، ويصلي، ويعزم على
ترك القتل، ویکفِّر عن يمينه.
- فإن تَرَكَ الصلاةَ، ولم يكلُّم أباه، وقتل فلاناً: فهو عاصٍ، وعليه
التوبة والاستغفار، وأمرُه إلى الله، ولا كفارة عليه؛ لأنه لم يباشر المحلوف
علیه.
- وهذا كله إذا كانت اليمين مؤقّتةً، أما عند الإطلاق: فلا يحنث إلا
في آخر جزءٍ من أجزاء حياته.
- وأما النذر إذا كان في المباح، أو في المعصية: لا يلزمه، كما إذا
قال: لله عليَّ أن أذهب إلى السوق، أو أعود مريضاً، أو أطلَّق امرأتي، أو
أضرب، أو أشتم، أو غير ذلك.
- وإن نذر بذبح ولده: لزمه ذبح شاةٍ؛ استحساناً عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يلزمه شيء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نذر
في معصية))(١).
ولهما: أن ذبح الولد في الشرع عبارةً عن ذبح الشاة؛ بدليل أن الله
تعالى أمر إبراهيم عليه السلام حين نذر ذبحَ ولده أن يفيَ بنذره، ثم أمره
(١) صحيح مسلم (١٦٤١).

٣١
كتاب الأَيْمان
بذبح شاة، وقال: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَآَ﴾. الصافات / ١٠٥ ، فدلَّ على أن
الأمر بالذبح يتناول ما يقوم مقامَه، وقد أمر الله بالاقتداء بإبراهيم، فقال
تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾. النساء / ١٢٥.
- وإن نذر ذبحَ عبده: فعندهما: لا يلزمه شيء.
وعند محمد: تلزمه شاةٌ؛ لأنه أملكُ لعبده من ابنه.
- وإن نذر ذبحَ نفسِه: فكذا عندهما، لا يلزمه شيء.
وعند محمد: تلزمه شاةً؛ لأن ما جاز أن يلزمه عن ابنه: جاز أن يلزمه
عن نفسه، كصدقة الفطر.
- فحاصله أن هذا على ثلاثة أنواع: النذر بذبح ولده، وعبده، ونفسه:
فعند محمد: تجب شاةٌ في الثلاثة الأنواع.
وعند أبي يوسف: لا شيء فيها.
وعند أبي حنيفة: تلزمه شاةً في الولد خاصةً.
- وولدُ الابن في هذا: بمنزلة الولد.
- وأما في الأب والجد: لا يلزمه شيء، إجماعاً.
- قال الخُجَندي: هذا كله إذا لم يُرِد به تنفيذَ اليمين، أما إذا أراد تنفيذَ
الفعل في اليمين: لا يلزمه شيء؛ لأنه نذرٌ في معصية.

٣٢
كتاب الأَيْمان
وإذا حَلَفَ الكافرُ، ثم حَنِثَ في حال الكفر، أو بعد إسلامه: فلا
حِنْثَ علیه.
ومَن حَرَّم على نفسه شيئاً مما يَملكه : لم يَصِرِ مُحرَّماً عليه.
وعليه إن استباحه كفَّارةٌ يمين.
* قوله: (وإن حَلَفَ الكافرُ، ثم حنث في حال الكفر، أو بعد إسلامه:
فلا حِنْثَ عليه)؛ لأنه ليس بأهلٍ لليمين؛ لأنها تنعقد لتعظيم الله تعالى،
وهو مع الكفر لا يكون مُعَظِّماً، ولا هو من أهل الكفارة؛ لأنها عبادةٌ، من
شَرْطِها النية، فلا تصح منه، كالصلاة والصوم.
- وأما إذا حلف بطلاقٍ أو عتاقٍ: لزمه.
- وإن آلى من امرأته: صحَّ إِيلاؤه، حتى لو لم يقرَبْها أربعةَ أشهرٍ:
بانت منه عند أبي حنيفة، وقالا : لا یصح إيلاؤه.
* قوله: (ومَن حرَّم على نفسه شيئاً مما يملكه: لم يصر محرَّماً عليه،
وعليه إن استباحه: كفارة يمين).
و
بأن يقول: هذا الطعامُ عليَّ حرامٌ، أو حرامٌ عليَّ أكلُه، فإن أَكَلَه:
حنث، ولزمته الكفارة، وصار كما إذا حرَّم أمتَه أو زوجته.
- فإن قيل: قوله: إن استباحه: يناقض قوله: لم يَصِرْ محرَّمَاً؛ لأن
الاستباحةَ تقتضي الحرمة.
قلنا: لم يَصر محرَّماً حراماً لعينه.
والمراد من الاستباحة: أن يعامَلَ معاملةَ المباح؛ لأن المباح يؤكل،

٣٣
كتاب الأَيْمان
ءِ
فإن قال : كلّ حلالٍ عليَّ حرام: فهو على الطعام والشراب، إلا أن
ينويَ غيرَ ذلك.
وقد أكله بعد ما حلف، فيكون معامَلاً معاملةَ المباح، لا أن المراد صار
حلالاً بعد أن كان حراماً.
- ثم إذا فعل مما حرَّمه على نفسه قليلاً أو كثيراً: حنث، ووجبت عليه
الكفارةُ، وهو المراد من الاستباحة المذكورة؛ لأن التحريم إذا ثبت:
يتناول کل جزء منه.
- بخلاف ما إذا حلف لا يأكل هذا الطعامَ: فإن فيه تفصيلاً:
إن كان طعاماً يقدر على أكله مرةً واحدة، كالرغيف ونحوه: لم يحنث
بأکل بعضه.
وإن كان لا يستطيع أكله مرةً: حنث بأكل بعضه.
- وذكر في ((الأصل)): إذا حلف لا يأكل هذه الرمانةَ، فأكلها إلا حبةً
أو حبتين: حنث؛ استحساناً؛ لأن ذلك القدر لا يُعتدُّ به.
- وإن ترك نصفَها أو ثلثَها: لم يحنث؛ لأنه ليس بآكلٍ لجميعها.
- ولو حلف لا يبيع لحمَ هذا الجزور، أوْ لا يبيع هذه الخابيةَ الزيتَ،
فباع نصفها: لم يحنث؛ لأن البيع يمكن أن يأتي على الكل، فحُملت
اليمين على الحقيقة.
* قوله: (وإن قال: كلّ حلالِ عليَّ حرامٌ: فهو على الطعام والشراب،
إلا أن ينويَ غيرَ ذلك).

٣٤
كتاب الأَيْمان
وَمَن نَذَر نذراً مطلقاً : فعليه الوفاء به.
فائدته: أن امرأته لا تدخل في يمينه، إلا أن ينويَها، فإذا نواها: كان
إيلاءً، ولا تُصرف عن المأكول والمشروب.
- وكذا اللباسُ لا يَدخل في يمينه، إلا أن ينویَه.
- وإن قال: كلّ حلالِ عليَّ حرامٌ، ينوي امرأتَه: كان عليها وعلى
الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يلزمه بظاهر اللفظ، وتحريمُ المرأة
يلزمه بنيته.
- وإذا قال لامرأتيه: أنتما عليَّ حرامٌ، ينوي في إحداهما الطلاقَ،
وفي الأخرى الإيلاءَ: كانتا طالقتين جميعاً؛ لأن اللفظ الواحد لا يُحمَل
على أمرين، فإذا أراد أحدَهما حُمِل على الأغلظ منهما، وهو الطلاق.
- وكذا إذا قال لهما: أنتما عليَّ حرامٌ، ينوي في إحداهما ثلاثاً، وفي
الأخرى واحدةً: تطلقان ثلاثاً ثلاثاً؛ لما ذكرنا أن اللفظ الواحد لا يُحمَل
على معنيين، فيُحمل على أشدهما. كذا في ((الكرخي)).
* قوله: (ومَن نذر نذراً مطلقاً: فعليه الوفاء به)، بأن قال: لله عليَّ أن
أتصدق بمائة درهم، أو: لله عليَّ عشرُ حِجَج، روايةً واحدةً.
- وإن قال: لله عليَّ صومُ سَنَةٍ: فكذا أيضاً يلزمه الوفاء به، ولا يجزئه
كفارة يمين، في ظاهر الرواية.
٩
وفي روايةٍ: يجزئه، ويروى أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول.

٣٥
كتاب الأَيْمان
وإن علَّق نَذْرَه بشرطِ، فوجد الشرطُ : فعليه الوفاء بنفس النذر.
ورُوي أن أبا حنيفة رَجَعَ عن ذلك، وقال : إذا قال : إن فعلتُ كذا:
فعليَّ حَجَّةٌ، أو: صومُ سنةٍ، أو: صدقةُ ما أملكه: أجزأه عن ذلك كفَّارةُ
یمینٍ، وهو قول محمد .
- وقوله: فعليه الوفاء به: لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن نذر نذراً
سمَّه: فعليه الوفاء به، ومَن نذر نذراً لم يُسمِّه: فعليه كفارة يمين))(١).
قال في ((المستصفى)): هنا أربع مسائل:
- أحدها: أن يُطلق النذرَ، فيقول: لله عليَّ نذرٌ، أو: نذرٌ لله عليَّ:
فعلیه کفارةً یمین.
- الثانية: أن يقول: لله عليَّ صومُ يوم الجمعة: فعليه الوفاءُ به، وهي
مسألة الكتاب، فهو مطلَقٌ من حيث إنه لم يُعلَّقْه بشرط.
- الثالثة: أن يعلِّق نذرَه بشرط، وهي مذكورة في الكتاب بعد هذه.
- الرابعة: أن يقول: عليَّ نذرٌ إن فعلتُ كذا: فهذه تنعقد يميناً،
وموجبها: موجبُ الیمین.
* قوله: (وإن علَّق نَذْرَه بشرطِ، فوُجد الشرطُ: فعليه الوفاء بنفس
النذر، وروي عن أبي حنيفة أنه رجع عن ذلك، وقال: إذا قال: إن فعلتُ
كذا فعليَّ حجةٌ، أو صومُ سَنَةٍ، أو صدقةُ ما أملكه: أجزأه عن ذلك كفارةً
یمین، وهو قول محمد).
(١) تقدم ص١٩.

٣٦
كتاب الأَيْمان
ومَن حَلَفَ: لا يَدخل بيتاً، فدخل الكعبةَ، أو المسجدَ، أو البِيْعةَ، أو
الكنيسةً: لم يَحْتَث.
ويَخرج عن العهدة بما سمى أيضاً.
- وهذا إذا كان شرطاً لا يريد كونَه، بأن قال: إن كلَّمتُ زيداً فمالي
صدقةٌ، أو عليَّ حجةٌ؛ لأن فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره
نذرٌ، فَيَتخيَّر، ويميل إلى أيِّ الوجهين شاء.
- بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونَه، كقوله: إن شفى الله مريضي،
أو ردَّ غائبي، فشفى الله مريضَه، أو ردَّ غائبَه: فإن عليه الوفاء بالنذر، بلا
خلاف؛ لانعدام معنى اليمين فيه، وهذا التفصيل هو الصحيح. كذا في
((الهداية))(١).
- قال في ((الينابيع)): إذا قال: لله عليَّ صدقةٌ، ولم ينو شيئاً: تصدق
بنصف صاع.
- وإن قال: إطعامُ عشرة مساكين، ولم ينو شيئاً: لزمه إطعام عشرة
مساکین، لكل مسکین نصف صاع.
* قوله: (ومَن حلف لا يدخل بيتاً، فدخل الكعبةَ، أو المسجدَ، أو
البِيْعَةَ، أو الكنيسةَ: لم يَحنث)؛ لأن هذه لا تسمى بيوتاً في العادة،
والمعتبر في الأيمان: الاسم والعادة.
ولأن البيت هو ما أُعدَّ للبيتوتة، وهذه البقاع ما بُنيت لها.
(١) ٧٦/٢.

٣٧
كتاب الأَيْمان
ومَن حَلَفَ : لا يتكلَّم، فقرأ القرآنَ في الصلاة: لم يحنث.
ولا يقال إن الله تعالى سمى المساجدَ بيوتاً، فقال تعالى: ﴿فِی بُوتٍ
أَذِنَ اُللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾. النور/٣٦؛ لأن المعتبر هو المعتاد، دون تسمية القرآن.
: قوله: (ومَن حلف لا يتكلم، فقرأ القرآنَ في الصلاة: لم يحنث)؛
لأن القراءة في الصلاة ليست بكلامٍ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن هذه
الصلاةَ لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيحُ والتكبير
وقراءةُ القرآن))(١).
فدل على أن ما يُؤتى به في الصلاة من الأذكار: ليس بکلام، فلا يحنث.
- وكذا إذا سبّح في الصلاة، أو هلَّل، أو كَبَّر: لم يحنث.
- وإن قرأ القرآنَ في غير الصلاة، أو كبّر، أو هلَّل، أو سبَّح في غير
الصلاة: حنث؛ لأنه متكلِّمٌ.
وقيل: في عُرفنا: لا يحنث بذلك؛ لأنه لا يسمىُ متكلِّماً، بل يسمى
قارئاً، أو مسبِّحاً.
- وإن حلف لا يتكلم، فصلى: لم يحنث؛ استحساناً؛ لأنه غير مراد
بالیمین.
- وإن حلف لا يُكلم فلاناً، فصلى خلفَه، فسها الإمامُ، فسبَّح به
الحالفُ، أو فَتَحَ عليه بالقراءة: لم يحنث؛ لأن هذا لا يسمى كلاماً على
(١) صحيح مسلم (٥٣٧).

٣٨
كتاب الأَیْمان
الإطلاق؛ لأن الكلام يُبطل الصلاة، وهذا لا يُبطلها.
- وإن فتح عليه في غير الصلاة: حنث؛ لأنه كلامٌ.
- ولو كان الإمامُ هو الحالف، والمحلوف عليه خلفه، فسلّم: لم
يحنث؛ لأن سلام الصلاة ليس بكلامٍ، كتكبيرها والقراءة فيها.
- وإن حلف لا يقرأ كتابَ فلانٍ، فنظر فيه، وفَهِمَه، ولم ينطق فيه
بشيء: لا يحنث عند أبي يوسف؛ لأن القراءة فعلُ اللسان.
وقال محمد: يحنث؛ لأنه مجازٌ متعارَفٌ، والأيمان تقع على العُرف.
- قال في ((الواقعات)): رجلٌ حلف لا يقرأ سورةً من القرآن، فنظر فيها
حتى أتى على آخرها: لا يحنث، بالاتفاق.
فأبو یوسف سوَّی بین هذه وبین ما إذا حلف لا يقرأ كتاب فلان.
ومحمد فرَّق بينهما، فقال: المقصود من قراءة كتاب فلانٍ: فَهْمُ ما
فيه، وقد حصل بالنظر، وأما قراءةُ القرآن فالمقصود منها عين القراءة، إذ
الغرض من قراءة القرآن الثوابُ، وذلك إنما يكون بتحريك اللسان.
- ولو حلف لا يقرأ سورةً، فترك منها كلمةً: حنث.
وإن كان آيةً كاملةً: لا يحنث.
- وإن حلف لا يقرأ كتابَ فلان، فقرأه إلا سطراً: حنث، وكأنه قرأه
كلَّه؛ لأن الغرض منه الوقوفُ على ما فيه.

٣٩
كتاب الأَيْمان
ومَن حلف: لا يلبس ثوباً معيَّناً، وهو لابسُه، فنزعه في الحال : لم
يحنث.
- فإن قرأ نصفَه: لم يحنث، وكأنه لم يقرأه.
- قال في ((الهداية))(١): ولو قال: يومَ أكلِّم فلاناً فامرأتُه طالقٌ: فهو
على الليل والنهار؛ لأن اسم اليوم إذا قُرن بفعلٍ لا يمتدُّ: يُراد به مطلق
الوقت، والكلام لا یمتد.
- وإن عنى به النهارَ خاصةً: دُيِّن في القضاء.
- وعن أبي يوسف: لا يُديَّن في القضاء؛ لأنه خلافُ المتعارف.
- وإن قال: ليلةَ أكلمُ فلاناً: فهو على الليل خاصةً؛ لأنه حقيقة في
سواد الليل.
* قوله: (ومَن حلف لا يلبس ثوباً معيَّناً، وهو لابسُهُ، فَتَزَعه في
الحال: لم يحنث).
وقال زفر: يحنث؛ لأنه جُعل لابساً من وقت اليمين إلى أن نَزَعَه.
ولنا: أن الأيمان محمولةٌ على العرفِ والعادة، وقَصْدُ الإنسان في
العادة أن يحلف على ما يُمكن الاحترازُ عنه، وبقاء الثوب عليه بعد اليمين
إلى' أن ینزعه: لا يدخل تحت یمینه، فلهذا لم يحنث.
ولأن اليمين لا تُعقد على ما لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأن الإنسان إنما
(١) ٨٤/٢.

٤٠
كتاب الأَيْمان
وكذلك إذا حلف : لا يركبُ هذه الدابَّةَ، وهو راكبُها، فنزل في
الحال : لم يحنث.
وإن لَبِثَ ساعةً راكباً : حَنِثَ.
يحلف ليَبَرَّ، لا ليحنث، ومعلومٌ أن ما بين اليمين والنزع لا يمكن الاحتراز
عنه، فكانت الیمین على ما سواه.
* قوله: (وكذلك إذا حلف لا يركبُ هذه الدابة، وهو راكبُها، فنزل
من ساعته: لم يحنث، وإن لَبِثَ ساعةً راكباً: حنث)؛ لأن البقاء على
اللُّْس والركوب: لُبْسٌ وركوبٌ.
فإذا ترك النَّزْعَ والنزولَ بعد يمينه: جُعل راكباً ولابساً، فحنث.
- وإن حلف لا يكسو فلاناً شيئاً، ولا نيةَ له، فكساه قَلَتْسُوةً أو خُفَّيْن
أو نعلین: حنث؛ لأن هذه الأشياء مما ◌ُکسی.
ولأنه حلف على نفي الفعل، فحنث بوجود اليسير منه، كما لو حلف
لا یأکل ولا یشرب.
وعن محمد: لا يحنث؛ لأن الكسوة عبارةً عما يجزئ في كفارة
الیمین.
- وإن حلف لا يكسو فلاناً ثوباً، فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً: لم
يحنث؛ لأنه لم يَكْسُه، وإنما وهب دراهم، وشاوره فيما يفعل. كذا في
«الكرخي)).