النص المفهرس
صفحات 1-20
نَ التَّيَّرَة الجوهرة شَرٌْ لِخْتَصَر الإمَامِ القُدُورِيّ ٣٦٢-٤٢٨ هـ فِي الفِقْهِ الحَنَّفِيّ لِلإِمَامِ أبِي بَكْرِ بْن عَلِيّالحَدَّاد ٧٢٠ - ٨٠٠ هـ رَحِمَهُ اللهُ تعَالى تَحْقِيْقُ أ.د.سَائِد بكداش الجُزْءُ السَّادِسِ أروقة core 3 ء لِلِبُحُوثِ وَالاسْتِشَارَاتِ الْمَصْرِفِيَّة الإِسْلَامِيَّة شَرَكَة غَيْ رِبْحِيَّة أسَّسَتْهَا المَصَارِفِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي دَوْلَةَ قَطَر، وَهِيَ شَرِكَة تُعنى بِالُحُثِ وَالدِّرَاسَاتِ التي تَخْدِمُ تَطوُّرِ الصِّنَاعَةِ الْمَصْرِفِيَّة الإِسْلامِيَّة وَفْقَ آخِرِ المُسْتَجَدَّاتِ الفِقْهِيَّة وَتَعْمَل عَلَى إِعْدَادِ دَلِيْل عَمَل الزَامِّ يَسْتَنِدُ إِلى مَعَايِيْ وَضْوَابِطَ شَرْعِيَّة مُوَحْدَة لِكُلْ مُنْتَجَ وَتَعْمَل ◌َعَلَى تَخْطِ الْعُقُدِ الشّرْعِيَّة، وَاللهَنَتأل أن يَجْعَل شَرَكَة ((دِرَاسَات)) حِصْنًا مِنْ حُصُون الدّفَاعِ عَنْ دِيْنِهِ وَشَرْعِهِ، وَأَنْ يُوَفِّقَ القَائِمِينَ عَلَيْها إِلى مَافِيهِ الخَيْ وَالرَّشَاد د.وَلِتْدِبْنِهَادِي رَئيسْ هَيْة الرّقَابَة الشّرْعِيَّة الْمُشْرِفُ العَامَ عَلَى شَرَكَة ((دِرَاسَات)) ■ الجوهرة النيرة شرح لمختصر الإمام القدوري في الفقه الحنفي تأليف : الإمام أبي بكر بن علي الحداد تحقیق : الأستاذ الدکتور سائد بكداش الطبعة الأولى : ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م جميع الحقوق محفوظة باتفاق وعقد قياس القطع : ١٧ × ٢٤ الناشر S شركة دراسات للبحوث والاستشارات المصرفية الإسلامية Research Studies & Consulting Islamic Banking الدوحة - قطر التنفيذ الطباعي والتوزيع أزْوَقَةٌ لِلدَّرَاسَاِ وَالنّشْرِ هاتف وفاكس : ٤٦٤٦١٦٣ (٠٠٩٦٢٦) ص.ب : ١٩١٦٣ عمّان ١١١٩٦ الأردن البريد الإلكتروني : info@arwiqa.net الموقع الإلكتروني : www.arwiqa.net ٥ كتاب الأَيْمان کتاب الأيمان الأَيمان على ثلاثة أضْرُبٍ: يمينٌ غَمُوسٌ، ويمينٌ مُنْعِقِدةٌ، ويمينٌ لَغْوٌ. کتاب الأيمان الأَيْمان: جَمْعُ: يمينٍ، واليمينُ في اللغة: هي القوة، قال الله تعالى: وَلَأَخَذْ نَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ﴾. الحافة/ ٤٥، أي القوة، ومنه قول الشاعر(١): تلقَّاها عَرابةُ باليمين إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدِ أي: بالقوة، وعَرابةُ: اسمُ رجلٍ، معدودٌ من الصحابة. - وفي الشرع: عبارةٌ عن عقدٍ قَوِيَ به عَزْمُ الحالف على الفعل، أو الترك، وسمِّ هذا العقد بها؛ لأن العزيمة تتقوى بها. * قال رحمه الله: (الأيمانُ على ثلاثة أضرُبٍ: يمينٌ غَمُوسٌ، ويمينٌ منعقدةٌ، ويمين لغوٌ. (١) ممتدحاً للصحابي عرابة الأنصاري، والشاعر هو الشمَّاخ بن ضرار الذبياني، شاعر مخضرم، ترجم له ابن حجر في الإصابة ١٥٤/٢، توفي سنة ٢٢هـ، وله ترجمة في الأعلام للزركلي ١٧٥/٣. و(عرابة): هو الصحابي الجليل عَرَابة بن أوس الأنصاري، كان مشهوراً بالجُود، المتوفى سنة ٦٠هـ، ترجم له ابن حجر في الإصابة ٤٧٣/٢. ٦ کتاب الأَيْمان فاليمينُ الغموسُ هي : الحَلِفُ على أمرٍ ماضٍ يَتعمَّدُ الكذبَ فيه. فهذه اليمين يأثم بها صاحبُها، ولا كفارةَ فيها إلا الاستغفارُ. فاليمينُ الغَموس: هي الحَلِفُ على أمرٍ ماضٍ يَتَعمَّدُ الكذبَ فيه). مثل أن يحلف على شيءٍ قد فَعَلَه: ما فَعَلَه، مع علمه بذلك، أو على شيءٍ لم يفعله: لقد فَعَلَه، مع علمه أنه لم يفعله. وقد يقع على الحال أيضاً، ولا يختصُّ بالماضي، مثل أن يقول: والله ما لهذا عليَّ دينٌ، وهو كاذبٌ. أو يُدَّعىُ عليه حقٌّ، فيحلف بالله ما يستحقّه عليَّ، مع علمه باستحقاقه. فهذه كلها يمينُ الغموس؛ لأنه يَقطعُ بها حقَّ المسلم، والتجري على الله تعالى. وسمِيت غموساً؛ لأنها تَغمِس صاحبَها في النار. : قوله: (فهذه اليمينُ يأثمُ بها صاحبُها)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ حَلَفَ بالله كاذباً: أدخله الله النارَ)(١). قوله: (ولا كفارةً فيها إلا الاستغفار)، يعني مع التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ تَمَلِيلًا أُوْلَكَ لَ خَلَقَ لَهُمْ فِى اُلْآَخِرَقِ﴾. الآية. آل عمران/٧٧، ولم يذكر الكفارةَ. (١) قال في نصب الراية ٢٩٢/٣: غريبٌ بهذا اللفظ، لكن بلفظ: ((إن هو حلف كاذباً ليدخلنه الله النار))، في قصة حديث رواه الطبراني في معجمه. ٧ كتاب الأَيْمان واليمينُ المنعقدةُ هي : الحلفُ على الأمر المستقبل أن يَفعله، أو لا يفعله، فإذا حَنِث في ذلك : لزمته الكفَّارة. وقال عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثٌ من الكبائر: اليمينُ الغموس، وعقوقُ الوالدين، والفِرارُ من الزَّحْف))(١). ولأنها كبيرةٌ من الكبائر، فلا تؤثِّر فيها الكفارة. ولأن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة، والعقدُ ما تُصُوِّر 93 فيه الحلّ والعقد، وذلك لا يُتصوَّر في الغموس؛ لأنه لا يصح البقاء على عقدها؛ لأن المعنى الموجبَ لحلَّها، وهو الحنث، يقارنها، فلا تنعقد، كالبيع الذي يقارنه العتق، والصلاةِ التي يُقارنُها الحدث. - وصورة البيع الذي يُقارنه العتق: أن يوكِّلَ رجلاً ببيع عبده، ويوكل آخرَ بعتقه، فباع الوكيل، وأعتق الآخرُ، وخرج كلاهما معاً، فإن البيع لا ینعقد. - وقوله: إلا الاستغفار: وذلك على ثلاث حالات: الندم، والإقلاع، والعزمُ على أن لا يعود. * قوله: (واليمينُ المنعقدةُ هي: الحَلِفُ على الأمر المستقبَل أن يفعلَه، أوْ لا يفعله، فإذا حنث في ذلك: لزمتْه الكفارةُ). ثم المنعقدةُ ثلاثة أقسام: مرسَلٌ، ومؤقتٌ، وفورٌ. (١) مسند أحمد (٨٧٣٧)، وبدون ذكر الفرار في صحيح البخاري (٦٦٧٥): ((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)). ٨ كتاب الأَيْمان ١- فالمرسَلُ: هو الخالي عن الوقت في الفعل ونفيه، وذلك قد يكون إثباتاً، وقد يكون نفياً، فالإثبات: والله لأضربنَّ زيداً، والنفي: والله لا أضرب زيداً. ففي الأول: مادام الحالف والمحلوف عليه قائمين: لا يحنث، وإن هلك أحدهما: حنث. وفي الثاني: لا يحنث أبداً، فإن فعل المحلوفَ عليه مرةً واحدةً: حنث، ولزمته الكفارةُ، ولا تنعقد اليمين ثانياً. ٢ - والمؤقَّت: مثل: والله لأشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكُوز اليومَ، وفيه ماءَ، فهذا لا يحنث ما لم يَمض اليومُ، فإذا مضى، ولم يفعل: حنث، ولزمته الكفارة. - فإن مات قبل مضيِّ اليوم: لا يحنث، بالإجماع. - وإن صبَّ الماءَ الذي في الكُوز قبل مضيِّ اليوم: لم يحنث عندهما. وقال أبو يوسف: يحنث عند مُضيِّ اليوم. - وحاصله أن ما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين في الوقت: لا يحنث. فإذا فات الوقت وحده والحالف والمحلوف عليه قائمان: حنث، بالإجماع. فإن مات الحالف والوقت قائمٌ: لا يحنث، بالإجماع. ٩ كتاب الأَيْمان وإن فات المحلوف عليه وبقيَ الوقتُ والحالف: بطلت اليمين عندهما، فلا یحنث. وقال أبو يوسف: يحنث إذا مضى اليوم؛ لأن الأصل عندهما: أن قيام المحلوف عليه شرطٌ لانعقاد اليمين، ففواته يرفع اليمين. وعند أبي يوسف: ليس بشرط، وذلك بأن يقول: والله لأشربنَّ الماءَ الذي في هذا الكوز، وإذا هو ليس فيه ماء: فإنه لا يحنث عندهما، وعنده یحنث من ساعته. - فإن كان يعلم أنه لا ماءَ فیه: حنث، بالاتفاق. وعن أبي حنيفة: لا يحنث، عَلِم أو لم يعلم، وهو قول زفر. ٣- وأما يمين الفور: فهو أن يكون ليمينه سببٌ، فدلالة الحال توجب قَصْرَ يمينه على ذلك السبب، وذلك كل يمينٍ خرجت جواباً لكلامٍ، أو بناءَ على أمرٍ، فتتقيد به بدلالة الحال. نحو أن تتهيأ المرأة للخروج، فقال: إن خرجت فأنت طالقٌ، فقعدت ساعةً، ثم خرجت: لا تطلق. - وكذا لو أراد أن يضرب عبدَه، فقال رجلٌ: إن ضربته فعبدي حرٌّ، فمكث ساعةً، ثم ضربه بعد ذلك: لم يحنث؛ لأنه يقع على فوره، ولم يوجد شرطُ حِنْثه في فوره. - وكذا إذا قال له: تغدَّ معي، فقال: والله لا أتغدى معك، وإن ١٠ كتاب الأَيْمان واليمينُ اللغو : أن يحلف على أمرٍ ماضٍ، وهو يظن أنه كما قال، والأمرُ بخلافه، تغدَّيتُ فعبدي حرٌّ، فلم يتغدَّ معه، وذهب إلى بيته، وتغدَّى: فإنه لا يحنث في هذه الوجوه كلها؛ استحساناً، والقياس: أن يحنث. - ولو قال لرجلٍ: إذا فعلتُ كذا، ولم أفعل كذا فعبدي حرٍّ: قال أبو حنيفة: هو على الفور، فإن لم يفعل المحلوفَ عليه على إِثر فعله: حَنْثَ. - وإن كان قال: ثم لم أفعل كذا فهو كذا(١): فهو على الأبد. وقال أبو يوسف: كلاهما على الفور. وقال محمد: إذا قال لعبده: إن قمتُ فلم أضرِبْك فأنت حرٌّ: أنه على الفور. - ولو وهب السكران لامرأته درهماً، فقالت: إنك تستردُّه مني إذا صحوتَ، فقال: إذا استرددتُه منك فأنت طالقٌ، فاستردَّه منها في ساعته وهو سكران: لم يحنث، وتكون يمينه جواباً لكلامها. - ولو حلف غريمُهُ لا يخرج من البلد إلا بإذنه، فقضاه دَیْنَه، ثم خرج بغير إذنه: لم يحنث. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (ويمين اللّغْو: أن يحلف على أمرٍ ماضٍ، وهو يظنُّ أنه كما قال، والأمرُ بخلافه). (١) وفي نسخ بدون قوله: فهو كذا. ١١ كتاب الأَيْمان فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذَ الله تعالى بها صاحبَها . مثل: والله لقد فعلتُ كذا، وهو يظن أنه صادقٌ، أو: والله ما فعلتُ، وهو لا يعلم أنه قد فعل. - وقد يكون على الحال، مثل أن يرى شخصاً من بعيد، فيحلف أنه زيدٌ، فإذا هو عمرو، أو يرى طائراً، فيحلف أنه غرابٌ، فإذا هو غيرُه، أو: والله ما أكلتُ اليوم، وقد أكل. فهذا كله لغوٌ، لا حِنْثَ فيه. وقيل: إن يمين اللغو: ما يجري على الألسنة من قولهم: لا والله، بلى والله، من غير اعتقادٍ في ذلك. واللغو في اللغة: هو الكلامُ الساقط الذي لا يُعتدُّ به. * قوله: (فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذَ اللهُ بها صاحبَها). فإن قيل: قد أخبر الله تعالى أنه لا يؤاخذ بها على القطع، فلمَ علَّقه بالرجاء والشك؟ قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن اللغو الذي فسَّرناه لم يُعلم قطعاً أنه هو الذي أراده الله، أم لا؛ للاختلاف في تفسيره، وعدمِ العلم بالتوصل إلى حقيقته، فلهذا قال: نرجو. والثاني: أن الرجاء على ضربين: رجاءَ طمع، ورجاء تواضع، فيجوز أن یکون هذا الرجاء تواضعاً لله تعالى. و ١٢ كتاب الأَيْمان والقاصِدُ في اليمين، والمُكْرَهُ، والناسي : سواء. ومَن فَعَل المحلوف عليه قاصداً، أو مُكْرَهاً، أو ناسياً: سواءٌ. - قال ابن رُسْتُم عن محمد: ولا يكون اللغو إلا في اليمين بالله، أما إذا حلف بطلاقٍ أو عتاق على أمرٍ ماضٍ، وهو يظن أنه صادقٌ، فإذا هو كاذبٌ: وقع الطلاقُ والعتاق. وكذا إذا حلف بنذرٍ: لزمه ذلك. * قوله: (والعامد في اليمين، والمكرَهُ، والناسي: سواءً)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاث جِدُّهنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهنُّ جِدٌّ: الطلاقُ، والعَتَاقُ، واليمين))(١). وكذلك الخاطئء، كما إذا أراد أن يسبِّحَ، فجرى على لسانه اليمين: فهو کالعامد. قوله: (ومَن فعل المحلوفَ عليه عامداً، أو مكرهاً، أو ناسياً: فهو سواءً)؛ لأن الفعل الحقيقي لا ينعدم بالإكراه، وهو الشرط. - وكذا إذا فعله وهو مغمىَّ عليه، أو مجنونٌ؛ لتحقق الشرط. - فإن قيل: الكفارة شُرعت لأجل ستر الذنب، ولا ذنب للمجنون، فينبغي أن لا تجب الكفارة عليه إذا فعل المحلوفَ عليه حالةَ الجنون. (١) بدون ذكر اليمين في أبي داود (٢١٩٤)، سنن الترمذي (١١٨٤)، وقال: حسن غريب، وينظر البدر المنير ٥٣٣/١٩، التلخيص الحبير ٢٩٠/٣، وينظر ما علقته على اللباب ٩/٥، وما استدل به ابن الهمام في الفتح ٣٥٢/٤. ١٣ كتاب الأَيْمان واليمينُ بالله تعالى، أو باسْمٍ من أسمائه، كالرحمن، والرحيم، أو بصفةٍ من صفاتٍ ذاته، کعِزَّة الله، وجلاله، و کبریائه، قلنا: الحكم وهو وجوبُ الكفارة دائرٌ مع دليل الذنب، وهو الحنث، لا مع حقيقة الذنب، كوجوب الاستبراء، فإنه دائرٌ مع دليل شُغْل الرَّحِم، وهو استحداث الملك، لا مع حقيقة الشُّغْل، حتى إنه يجب وإن لم يوجد الشغل أصلاً، بأن اشترى جاريةً بكراً، أو اشتراها من امرأة. * قوله: (واليمينُ بالله تعالى، أو باسمٍ من أسمائه، كالرحمن، والرحيم)؛ لأن تعظيم اسم الله تعالى واجبٌ. ومن أصحابنا مَن قال: أسماء الله تعالى على ضربين: منها ما لا و اشتراك فيه، مثل: الله، والرحمن، فالحلف ينعقد به بكل حال. ومنها: ما هو مشترَكٌ، مثل: الكبير، والعزيز، والقادر، فإن أراد به اليمينَ: كان يميناً، وإن لم يُرِدِ به اليمينَ: لم يكن يميناً. وذكر أبو الحسن(١) القسمين، فجعلهما يميناً، ولم يفصِّل؛ لأن الظاهر أن الحالف قَصَدَ يميناً صحيحة. * قوله: (أو بصفةٍ من صفات ذاته، كقوله: وعِزَّة الله، وجلاله، وكبريائه). اعلم أن صفات الله تعالى على ضربين: صفاتُ الذات، وصفاتُ الفعل، فما كان من صفات ذاته: كان به حالفاً، وما كان من صفات فعله: لا یکون به حالفاً. (١) أي الإمام الكرخي، والله أعلم. ١٤ كتاب الأَيْمان إلا قولَه : وعِلْمِ الله : فإنه لا يكون يميناً. والفرق بينهما: أن كل ما وُصف الله به، ولم يجز أن يوصَف بضده: فهو من صفات ذاته، كالعلم، والقدرة، والقوة. وما جاز أن يوصف به وبضده: فهو من صفات فعله، کرحمته، وغضبه. فإذا ثبت هذا قلنا: مَن حلف بقدرة الله، أو بعظمته، أو بعزَّته، أو بقوته، أو ما أشبه ذلك من صفات ذاته: کان به حالفاً، کالحالف باسمه تعالی. فإذا قال: وقدرة الله: صار كأنه قال: والله القادر. قوله: (إلا قولَه: وعلم الله: فإنه لا يكون يميناً)، وكان القياس فيه أن يكون يميناً؛ لأنه من صفات ذاته، إلا أنهم استحسنوا أن لا يكون يميناً؛ لأن العلم قد يراد به المعلوم، يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، أي معلومك، ومعلومُ الله: غيرُه، فلا يكون يميناً. قالوا: إلا أن يريد به العلمَ الذي هو الصفة: فإنه يكون يميناً؛ لزوال الاحتمال. - وإن قال: ووجهِ الله: فهو يمينٌ؛ لأن الوجه يراد به الذات، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾. الرحمن / ٢٧. - قال الخُجَنديُّ: إذا قال: وحقِّ الله، ووجه الله: لا يكون يميناً فيهما عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يكون يميناً فيهما. ١٥ كتاب الأَيْمان وإن حَلَفَ بصفةٍ من صفات الفعل، كغَضَبِ الله، وسَخَطه: لم يكن حالفاً. وقال محمد في قوله: وحقِّ الله: لا يكون يميناً؛ لأن حقه على عباده طاعته، ولم يُرو عنه في: وجه الله: شيء. - وروى الكرخي عن أبي حنيفة في: وجه الله: يكون يميناً. - ولو قال: لا إله إلا الله لأفعلنَّ كذا: لا يكون يميناً، إلا أن ينويَها. - وكذا: سبحان الله، والله أكبر لأفعلن. - وكذا: بسم الله، إذا عنى به اليمينَ: كان يميناً. وعن محمد: أن: بسم الله: يمينٌ على كل حال؛ لوجود حرف القسم. - ولو قال: وملكوتِ الله، وجبروتِ الله: فهو يمينٌ؛ لأنه من صفات الذات. - وإن قال: لله عليَّ أن لا أُكلِّم فلاناً: فليس بيمين، إلا أن ينويَها، فإن نوىُ به اليمينَ، ثم كلِّمه: حنث، وعليه الكفارة. * قوله: (وإن حلف بصفةٍ من صفات الفعل، كغضب الله، وسخطه: لم يكن حالفاً)؛ لأن الغضب والسُّخْط هو العقاب والنار، وذلك ليس بيمين. - وكذا قوله: ورحمة الله؛ لأن الرحمة يُعبَّر بها عن الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَفِى رَحْمَةِ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِّدُونَ﴾. آل عمران/١٠٧، وقد يراد بالرحمة المطرُ أيضاً، وذلك كله لا يكون يميناً. ١٦ كتاب الأَيْمان ومَن حلف بغير الله: لم يكن حالفاً، كالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والقرآنٍ، والكعبة. والحَلِفُ بحروفِ القَسَم . وحروفُ القسم ثلاثةٌ : الواو، كقوله: والله، والباء، كقوله : بالله، والتاء، كقوله : تالله. وقد تُضْمَر الحروفُ: فيكون حالفاً، كقوله : اللهِ لا أفعلُ كذا. : قوله: (ومَن حلف بغير الله: لم يكن حالفاً، كالنبي صلى الله عليه وسلم، والقرآنِ، والكعبةِ). - أما إذا قال: هو بريء من النبي، أو من القرآن: كان حالفاً؛ لأن التبري منهما کفرٌ. قوله: (والحلفُ: بحروف القَسَم، وحروفُه: الواو، كقوله: والله، والباء، كقوله: بالله، والتاء، كقوله: تالله). فالباء أعمُّ من الواو والتاء؛ لأنها تدخل على المُظهَر والمُضمَر، فتقول: حلفتُ بالله، وحلفت به. والواو أعمُّ من التاء؛ لأنها تدخل على جميع أسماء الله وصفاته. والتاءُ مختصَّةٌ باسم الله تعالى، دون سائر أسمائه، تقول: تالله، ولا تقول: تالرحمن. قوله: (وقد تُضمر الحروف، فيكون حالفاً، كقوله: الله لا أفعل کذا). ١٧ كتاب الأَیْمان وقال أبو حنيفة : إذا قال : وحقِّ الله: فليس بحالفٍ. ويقال: إذا حَذَفَ حرف القسم: فهو على ثلاثة أوجه: إن سكّن حرفَ الإعراب: لا يكون يميناً، وإن كَسَرَه: يكون يميناً، وإِن نَصَبَه: اختلفوا فيه، والصحيح أنه يكون يميناً. - وإن قال: والله، أو بالله، أو تالله: فهو يمينٌ، سواء نَصَبَ أو كَسَرَ أو سَكَّن؛ لأنه قد أتى بحرف القسم. - وإن قال: لله: كان يميناً؛ لأن اللام قد تقام مَقَامَ الباء، وتُبدَل منها، قال الله تعالى: ﴿قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ,﴾. طه/ ٧١. وفي آيةٍ أخرىُ: ﴿ءَامَنْتُم بِهِء﴾. الأعراف / ١٢٣، والمعنى واحدٌ. * قوله: (وقال أبو حنيفة: إذا قال: وحقِّ الله: فليس بحالف)، وهو قول محمد؛ لأن حقَّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فإذا كان الحق عبارة عن الطاعات والعبادات: صار كأنه قال: والعبادات لأفعلنَّ، وذلك لا يكون يميناً. وعن أبي يوسف: أن قوله: وحقِّ الله: يمينٌ؛ لأن الله تعالى يوصف بأنه الحقُّ، فكأنه قال: واللهِ الحقِّ. - ولو قال: والحقِّ لأفعلنَّ كذا: قال ابن أبي مطيع: يكون يميناً؛ لأن الحق هو الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. المؤمنون/ ٧١. ١٨ كتاب الأَيْمان وإذا قال: أُقْسِمُ، أو: أُقْسِمُ بالله، أو: أَحِلِفُ، أو: أَحِلِفُ بالله، أو : أَشْهَدُ، أو: أَشهدُ بالله : فهو حالف. وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. النور/ ٢٥. وقال أبو نصر: لا يكون يميناً، لأن الحقَّ تُعرف به الحقوق. وفي ((الهداية)) (١): هو يمينٌ. - وإذا قال: حقاً لأفعلنَّ: لا يكون يميناً؛ لأن الحق من أسماء الله، والمُنكَّر يراد به تحقيق الوعد. * قوله: (وإذا قال: أُقسم، أو أُقسم بالله، أو أحلف، أو أَحلف بالله، أو أَشهد، أو أَشهد بالله: فهو حالفٌ)؛ لأن هذه الألفاظ مستعملةٌ في الحلف، وهذه الصيغة للحال حقيقةً، وتُستعمل للاستقبال بقرينة، فيكون حالفاً في الحال. والشهادةُ: يمينٌ، قال الله تعالى: ﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. المنافقون / ١، ثم قال: ﴿اَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾. - والحلف بالله: هو المعهود المشروع، وبغيره: محظورٌ، فينصرف إليه، ولهذا قيل: لا يُحتاج إلى النية، وقيل: لا بدَّ منها؛ لاحتمال العدَةُ(٢)، واليمينِ بغير الله. (١) ٧٣/٢. (٢) أي الوعد، ولاحتمال الحلف بغير الله، فلا تتعين اليمين إلا بالنية. البناية ١٦٦/٨. ١٩ كتاب الأَيْمان وكذلك قولُه : وعَهدِ الله، وميثاقِه، و: عليَّ نَذْرٌ، أو: نَذْرُ الله : فهو يمينٌ . - وإن قال: آليتُ لأفعلنَّ كذا: فهو يمينٌ؛ لأن الأَلِيَّة هي اليمين، قال الشاعر: قلیلُ الأَلایا حافظٌ لیمینه إذا بَدَرَتْ منه الأَلِيَّة بِرَّت * قوله: (وكذلك إن قال: عليَّ عهدُ الله وميثاقُه: فهو يمينٌ)؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ﴾. النحل / ٩١، فجعل العهد يميناً، والميثاقُ عبارةٌ عن العهد. - وكذا إذا قال: عليَّ ذمةُ الله: فهو يمينٌ؛ لأنها كالعهد. - أما إذا قال: وعهدِ الله، ولم يقل: عليَّ عهدُ الله: قال أبو يوسف: هو يمينٌ، كما في قوله: وحقِّ الله. وعندهما: لا يكون يميناً؛ لأن عهد الله هو أمرُه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ﴾. يس /٦٠، وقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ﴾. طه/١١٥. فصار كأنه قال: وأمرُ الله. كذا في ((شرحه)). * قوله: (وعليَّ نَذْرٌ، أو: نَذْرُ الله عليَّ). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن نذر نذراً سمَّاه: فعلیه الوفاء به، ومَن نذر نذراً لم يُسَمِّه: فعليه كفارة يمين))(١). (١) سنن أبي داود (٣٣١٥)، سنن البيهقي ٤٥/١٠، ورمز السيوطي لحسنه في ٢٠ كتاب الأَيْمان أو: إن فعلتُ كذا، فهو يهوديٌّ، أو نصرانيٌ، أو كافرٌ: فهو يمينٌ. - وكذا إذا قال: عليَّ يمينٌ، أو يمينُ الله عليَّ: فهو حالفٌ؛ لأنه صرَّح بإیجاب الیمین علی نفسه، والیمینُ لا تكون إلا بالله تعالی. · قوله: (وإن قال: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيّ، أو مجوسيٌّ، أو كافرٌ، أو مشركٌ: كان يميناً)، حتى إذا حنث في ذلك: لزمته کفارة یمین. - وكذا إذا قال: هو بريء من القرآن، أو من الإسلام إن فعل كذا: فهو یمینٌ. - وكذا إذا قال: هو بريء من هذه القبلة، أو من الصلاة، أو من شهر رمضان: فهو یمینٌ. - وهذا كله إذا حلف على المستقبل، أما إذا حلف على الماضي، مثل أن يقول: هو يهوديٌّ، أو نصرانيٌ، أو كافرٌ إن كان فعل كذا، وهو يعلم أنه قد فَعَلَه. قال محمد بن مقاتل: يُكفَر؛ لأن كلامه خرج مخرجَ التحقيق. ــ وكتب نَصِيرُ بن يحيى إلى ابنِ شجاعٍ يسأله عن ذلك، فقال: لا يُكفَر؛ لأن الكفر بالاعتقاد، وهو لم يعتقد الكفرَ، وإنما قصد أن يُصدَّق في مقالته. وهذا هو الصحيح. الجامع الصغير ٢٣١/٦ (مع فيض القدير).