النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ کتاب الصيد والذبائح وإن ماتت قبل قَطْع العروق : لم تؤكل. * قوله: (وإن ماتت قبل قَطْع العروق: لم تؤكل)؛ لأنها ماتت قبل وجود الذكاة في محلّها، كما لو ماتت حَتْفَ أنفها. - رجلٌ ذبح شاةً مريضةً، فلم يتحرك منها إلا فُوْها: إن فتحت فاها: لا تؤکل، وإن ضمّته: أُكلت. - وإن فتحت عينَها: لا تؤكل، وإن غمَّضتها: أُكلت. - وإن مدَّت رِجليها: لا تؤكل، وإن قبضتهما: أُكلت. - وإن لم يَقُم شعرُها: لا تؤكل، وإن قام: أُكلت. هذا كله إذا لم يُعلَم أنها حيةٌ وقتَ الذبح، أما إذا علمت يقيناً: أُكلت بكل حال. كذا في ((الواقعات)). - وفي ((الينابيع)): الشاة إذا مرضت، أو شقَّ الذئبُ بطنَها، ولم يبق فيها من الحياة إلا مقدارَ ما يعيش المذبوح: فعند أبي يوسف ومحمد: لا تحلّ بالذكاة. ءِ والمختار أن كل شيءٍ ذُبح وهو حيٌّ: حَلَّ أكلُه، ولا توقيتَ فيه، وعليه الفتوى؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْنُمْ﴾. المائدة/ ٣، من غير فصلٍ. - وإن ذبح شاةً أو بقرةً، وتحركت، وخرج منها الدمُ: أُكلت، وإن لم تتحرك، ولم يخرج منها الدم: لم تؤكل. - وإن تحركت ولم يخرج منها الدم: أُكلت. ٤٦٢ کتاب الصيد والذبائح وما استأنسَ من الصيد : فذكاتُه : الذَّبِحُ. وما توخَّش من النَّعَم: فذكاتُه: العَقْرُ، والجَرْحُ. - وإن خرج منها الدمُ ولم تتحرك، وخروجه مثل ما يخرج من الحي: أُكلت عند أبي حنيفة، وبه نأخذ. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (وما استأنس من الصيد: فذكاتُه الذبحُ)؛ لأنه مقدورٌ على ذبحه، کالشاة. * قوله: (وما توحَّش من النَّعم: فذكاتُه العَقْر، والجَرْح). والأصل في هذا: أن الذكاة على ضربين: اختياريةٌ، واضطراريةٌ، ومتىُ قَدَر على الاختيارية: لا تحلّ له الذكاة الاضطرارية، ومتى عجز عنها: حلَّت له الاضطرارية. فالاختيارية: ما بين اللَّبَّة واللَّحيين. والاضطرارية: الطعن والجرح، وإنهارُ الدم في الصيد، وكلّ ما كان في علة الصيد من الأهلي، كالإبل إذا ندَّت، أو وقع منها شيء في بئرٍ، فلم يقدر على نحره: فإنه يطعنُه في أيِّ موضعٍ قَدَرَ عليه، فيحلُّ أكلُه. - وكذا إذا تردَّتْ بقرةً في بئرٍ، فلم يَقْدِر على ذبحها: فإن ذكاتَها العَقْرُ والجرح ما لم يصادف العروق، على هذا أجمع العلماء؛ لأن الذبح فيه متعذّرٌ. - وأما الشاة فإنها إذا ندَّت في الصحراء: فذكاتُها العَقْر؛ لأنه لا يقدر عليها، وإن ندَّت في المصر: لم يجز عَقْرُها؛ لأنها لا تَدفع عن نفسها، فيمكن أَخْذُها في المصر. ٤٦٣ كتاب الصيد والذبائح والمستحبُّ في الإبل : النَّحْرُ، فإن ذَبَحَها: جاز، ويُكره. والمستحبُّ في البقر والغنم: الذَّبِحُ، فإن نَحَرَهما : جاز، ويُكره. - بخلاف البعير والبقرة، فإنهما إذا ندًّا في المصر أو الصحراء: فهو سواء، وذكاتُهما العَقْر؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما بقوتهما، فلا يُقدَر عليهما. * قوله: (والمستحبُّ في الإبل: النحرُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَاُنْحَرْ﴾. الكوثر / ٢، يعني البُدْن. ولأن اللبة من البدنة ليس فيها لحمٌ، فلذلك استُحِبَّ فيها النحرُ؛ لأنه أسهل على الحيوان، بخلاف الغنم والبقر، فإن حَلْقَهما على وجهِ واحد. * قوله: (فإن ذَبَحَها: جاز، ويكره). وقال مالك(١): لا يجوز، فإن ذَبَحَها: لم تؤكل. - وكذا عنده إذا نَحَرَ الشاةَ والبقرةَ: لا يؤكلان. لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنهِرِ الدمَ بما شئت))(٢). * قوله: (والمستحبُّ في البقر والغنم: الذبحُ). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾. البقرة/ ٦٧، وقال في الغنم: ﴿ وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ﴾. الصافات / ١٠٧. * قوله: (فإن نَحَرَها: جاز، ويكره). (١) جواهر الإكليل ٢١٢/١. (٢) سيأتي تخريجه الصفحة القادمة. ٤٦٤ كتاب الصيد والذبائح ٠٠ أما الجواز: فلقوله عليه الصلاة والسلام: (أنهِرِ الدمَ بما شئت))(١). وأما الكراهة: فلمخالفة السُّنَّة المتوارثة. - فإن قيل: ((روىُ جابرٌ قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنةَ عن سبعة، والبقرةَ عن سبعة))(٢). ولم يقل: ذبحنا البقرة. قيل: العرب قد تُضمِر الفعل إذا كان في اللفظ دليلٌ عليه، قال الشاعر: عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها أي وسقيتُها ماء بارداً، فأضمر الفعلَ، كذا هذا، معناه: وذبحنا البقرة. - والسُّنَّة في البعير أن يُنحَر قائماً، معقولَ اليد اليسرى، فإن أضجعه: جاز، والأول أفضل. - والسُّنَّ في الشاة والبقرة أن تُذبح مُضجَعةً؛ لأنه أمكنُ لقطع العروق. - ويَستقبلُ القِبلةَ في الجميع. - قال في ((الواقعات)): رجلٌ ذبح شاةً، وقَطَعَ الحُلقومَ والأوداجَ، إلا وُ أن الحياة فيها باقيةً، فقطع إنسانٌ منها قطعةً: يحلّ أكلُ المقطوع؛ لأن (١) وفي لفظ: أهرق، كما في النسائي (٤٣٠٤)، وفي لفظ: أمرَّ، وفي لفظ: أمرر، ينظر نصب الراية ١٨٧/٤، البدر المنير ٣٥/٢٣ - ٣٦، ونقل تصحيحه. (٢) صحيح مسلم (١٣١٨). ٤٦٥ کتاب الصيد والذبائح ومَن نَحَرَ ناقةً، أو ذَبَحَ بقرةً، أو شاةً، فوجد في بطنها جنيناً ميتاً: لم يؤكل، أشعر، أو لم يُشعِر. المخصوص بعدم الحِلَ: ما أُبِين من الحي، وهذا لا يسمى حياً مطلقاً. - قال في التفسير(١) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَيَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾. الحج /٣٦، يعني الإبل إذا سقطت بعد النحر، فوقعت جنوبُها على الأرض، وخرجت روحُها: فكلوا منها، ولا يجوز الأكل من البُدْن إلا بعد خروج الروح. * قوله: (ومَن نَحَرَ ناقةً، أو ذَبَحَ بقرةً أو شاةً، فوجد في بطنها جنيناً ميتاً: لم يؤكل، أشعر أو لم يُشعِر)، هذا قول أبي حنيفة وزفر. وعندهما: إن تمَّ خلقُه: أُكل، وإلا: فلا. لقوله عليه الصلاة والسلام: (ذكاةُ الجنين: ذكاةُ أمه))(٢). ولأنه في حكم جزءٍ من أجزائها؛ بدليل أنه يدخل في بيعها، ويَعْتِق بعثْقها، فصار كسائر أعضائها. ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾. المائدة/ ٣، وهي اسمٌ لما مات حَتْف أنفه، وهذا موجودٌ في الجنين؛ لأنه لا يموت بموت (١) ينظر تفسير المصنف الإمام الحداد (كشف التنزيل) ٤٢٧/٤. (٢) الترمذي (١٤٧٦)، وقال: حديث حسن، سنن أبي داود (٢٨٢١)، وله طرق تنتهض بها الحجة، كما في التلخيص الحبير ١٥٦/٤، وحسَّنه المنذري في اختصار سنن أبي داود ١٢٠/٤، نصب الراية ١٨٩/٤. ٤٦٦ کتاب الصيد والذبائح ولا يجوز أَكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السباع، ولا كلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير. أمه؛ لأنها قد تموت، ويبقى الجنين حياً في بطنها، ويموت وهي حيةً، فحياتُه غير متعلقةٍ بحياتها، فلا تكون ذكاتُها ذكاةً له، فصارا كالشاتين، لا تکون ذکاةُ إحداهما ذکاةً للأخرى. ولأنه أصلٌ في الحياة والدم؛ لأنه لا تُتصور حياته بعد موتها وله دمٌ على حدةٍ غير دمها، والذبحُ شُرع لتنهير الدم النجس من اللحم الطاهر، وذَبْحُها لا يكون سبباً لخروج الدم منه. وما روياه من الحديث: قد رُوي: ذكاةَ أُمِّه: بالنصب(١)، بنزع الخافض، أي: كذكاة أُمِّه. - وأما إذا خرج الجنينُ حياً، ومات: لم يؤكل، بالإجماع، وإنما الخلاف فيما إذا خرج ميتاً. - وإنما شَرَطًا أن يكون كاملَ الخلق؛ لأنه إذا لم يكمل: فهو كالمُضغة والدم، فلا يحل أكله. - ومعنى قوله: أشعر أو لم يُشعر: أي تمَّ خلقُه، أو لم يَتَمَّ. * قوله: (ولا يجوز أَكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السباع، ولا كلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير). (١) ينظر النهاية لابن الأثير ١٦٤/٢، نصب الراية ١٩١/٤. ٤٦٧ كتاب الصيد والذبائح المراد من ذي الناب: أن يكون له نابٌ يَصطاد به، وكذا من ذي المخلب، وإلا فالحمامة لها مخلبٌ، والبعير له نابٌ، وذلك لا تأثير له. - فذو الناب من السباع: الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والضّبع، والثعلب، والكلب، والسِّنَّوْر البرِّي والأهلي، والفيلُ، والقرد. وكذا اليربوع، وابن عُرْس من سباع الهوامٌّ. - وذو المخلب من الطير: الصقرُ، والبازي، والنَّسْر، والعُقَّاب، 93 والرَّخَم، والغُراب الأسود، والحِدَأة، والشاهين، وكلّ ما يَصطاد بمِخلبه. وقد روي ((أن النبي عليه الصلاة والسلام لعن يوم خيبر عشرةً، وحرَّم خمسةً: لعن آكلَ الربا، ومؤكِلَه، وكاتبه، وشاهدَه، ومُمليه، والواشمةَ، والموشومةَ، والواصلةَ، والموصولةَ، ومانعَ الصدقة. وحرَّم الخاطِفةَ، والمنتهِبةَ، والمُجِثَّمَةَ، والحمارَ الأهليَّ، وكلَّ ذي نابٍ من السباع))(١). وقال: ((أَكْلُ كلِّ ذي ناب من السباع حرامٌ)). - فالخاطفةُ هي: ما تخطف من الهواء، مثل البازي، والحدأة. - والمنتهبةُ هي: ما تنتهب من الأرض، مثل الذئب ونحوه. (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ينظر سنن البيهقي ٣٣٤/٩، ونصب الراية ١٩٦/٤. ٤٦٨ کتاب الصيد والذبائح ولا بأس بأكل غُرابِ الزرع. ولا يُؤكل الأبقعُ الذي يأكل الچِيَق. ويُكره أكلُ الضَّبُّع، والضبِّ، والحشراتِ كلِّها. ءِ - والمُجثّمة: يُروى بفتح الثاء، وكسرها، فهي بالفتح: كل صيدٍ جَثَمَ عليه الكلبُ حتى مات غمَّاً. وبالكسر هو: كل شيءٍ عادته أن ينجثم على الصيد، مثل الكلب، والذئب. * قوله: (ولا بأس بغُراب الزرع)؛ لأنه يأكل الحَبَّ، وليس هو من سباع الطير، ولا يأكل الجِيَفَ. - وكذا لا بأس بأكل العَقعَق، والهُدهد، والحَمَام، والعصافير؛ لأن عامة أَكْلها الحّبُّ والثمارُ. * قوله: (ولا يُؤْكل الأبقعُ الذي يأكل الجِيَف). - وكذا كلُّ غُرابٍ يَخْلِطِ الجِيَفَ والحَبَّ: لا يؤكل. - وأما الدجاج: فلا بأس بأكله، بإجماع العلماء. - وكذا البط الگگريُ في حكم الدجاج. * قوله: (ويكره أكل الضّبْع، والضبِّ، والحشرات كلِّها). وقال الشافعي(١): لا بأس بأكل الضبع والضب. (١) مغني المحتاج ٢٩٩/٤. ٤٦٩ كتاب الصيد والذبائح ولا يجوز أكْلُ لحم الحُمُر الأهلية، والبِغَالِ . ويُكره أكْلُ لحم الفرس عند أبي حنيفة. - وقوله: والحشرات كلِّها: يعني المائي والبري، كالضفدع وغيرها. - وكذا السَُّحْفَاةُ؛ لأنها من الحشرات. - وكذا الفئران، والأوزاغ، والعَظايات(١)، والقَنافذ، والحيَّات، وجميع الدبيب، والزنابير، والعقارب، والذباب، والجُعلان، والبرمان؛ لأن هذه الأشياء مستخبثةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾. الأعراف / ١٥٧. - وأما الوبر: فقال أبو يوسف: هو مثل الأرنب؛ لأنه يعتلف البقول، والنبت، ولا يأكل الجِيَف. - ويجوز أكل الظَّباء، ويقرِ الوحش، وحُمُرِ الوحش، والإبلِ، وهو الوَعْل. * قوله: (ولا يجوز أكل لحوم الحمر الأهلية، والبِغَال)؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام حرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية يوم خيبر، وأمر أبا طلحة أن يناديَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رِجسٌ، فأراقوا القدورَ وهي تغلي))(٢). - وأما البغل: فهو متولِّدٌ من الحمار، فكان مثلَه. قوله: (ويكره أكل لحم الفرس عند أبي حنيفة)، يعني كراهةً (١) جمع: العظاية (العظاءة): دويبة من الزواحف على خلقة سامّ أبرص. المصباح المنير (العظاءة)، المعجم الوسيط ٦١٠/٢. (٢) صحيح البخاري (٥٥٢١)، صحيح مسلم (١٩٤١). ٤٧٠ کتاب الصيد والذبائح ولا بأس بأكل الأرنب. تحریم، لا کراهةً تنزيه. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بأكله؛ لما روى جابرٌ قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحُمُرُ، وأَذِن في الخيل يوم خيير)). ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾. النحل /٨، خرج مخرج الامتنان، فلو جاز أكلها: لذَكَرَه؛ لأن النعمة بالأكل: أكثرُ من النعمة بالركوب، ألا ترى أن الإبل لما كانت تؤكل وتُركب: جَمَعَ بينهما، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾. يس / ٧٢. ولأن الخيل آلةُ إرهاب العدوِّ، فيكره أكلها؛ احتراماً لها، ولهذا يُضرب للفرس سهمان في الغنيمة. ولأن في إباحتها: تقليلَ الجهاد. - وأما لبنُها: فلا بأس به؛ لأنه ليس في شربه تقليلُ الجهاد. * قوله: (ولا بأس بأكل الأرانب)؛ لأنها ليست من السباع، ولا من آكلة الجيف، فأشبهت الظباء. - مسألة: الكلب إذا نزا علىُ مَعْزةٍ، فولدت ولداً رأسُه مثل رأس الكلب، وما سوى ذلك الأعضاء يُشبه المعز: - فإنه يُقَدَّم إليه اللحمُ والعلف، فإن تناول اللحمَ دون العلف: لم يؤكل؛ لأنه كلبٌ. ٤٧١ كتاب الصيد والذبائح وإذا ذُبِحَ ما لا يؤكل لحمُهُ: طَهُرَ لحمُه، وجلدُه إلا الآدميَّ، والخنزيرَ، فإن الذكاة لا تَعملُ فيهما . وإن تناول العلف دون اللحم: يُرمى بالرأس، ويؤكل ما سواه. فإن تناولهما جميعاً: يُضرب، فإن نَبَحَ: لا يؤكل، وإن نَعَرَ (١): يُرمىُ بالرأس بعد الذبح، ويؤكل ما سواه. وإن نبح ونَعَرَ: يُقرَّب إليه الماء، فإن ولغ: فهو كلبٌ، لا يؤكل، وإن شرب: يُرمى بالرأس، ويؤكل ما سواه. وقيل: إن خرج منه الكَرِشُ: يؤكل ما سوى الرأس، وإن خرج منه الأمعاء: لا يؤكل. * قوله: (وإذا ذُبح ما لا يؤكل لحمه: طَهُر لحمُه وجلدُه، إلا الآدميَّ، والخنزيرَ، فإن الذكاة لا تَعمل فيهما شيئاً). الآدمي؛ لحُرمته، والخنزير؛ لنجاسته، كما في الدباغ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((دباغُ الأديم: ذكاتُه)(٢). فكما يطهر بالدباغ: كذلك يطهر بالذكاة. - بخلاف ما ذبحه المجوسيُّ؛ لأن ذبحه إماتةٌ في الشرع، فلا بدَّ من الدباغ. (١) أي صاح. (٢) سنن النسائي ١٧٤/٧، سنن أبي داود (٤١٢٥)، وقد حسَّنه ابن الملقن في البدر المنير ٤٢٠/٢، وذكر له طرقاً عديدة. ٤٧٢ کتاب الصيد والذبائح - وكما يطهر لحمُهُ: يطهر شحمُه، حتى لو وقع في الماء القليل: لا يُفسِده. - وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل؟ قيل: لا يجوز، كالأكل، وقيل: يجوز، كالزيت إذا خالطه وَدَكُ الميتة والزيتُ غالبٌ: لا يؤكل، ويُنتفع به في غير الأكل. كذا في ((الهداية)) (١). - واختلفوا في الموجب لطهارة ما لا يؤكل لحمه: هو مجرد الذبح، أو الذبح مع التسمية؟ والظاهر: أنه لا يَطهر إلا بالذبح، مع التسمية، وإلا فيلزم تطهير ما ذبحه المجوسي. - ويُكره أَكْلُ لحوم الإبل الجلاَّلة، وشُرْبُ لبنها. - وكذا البقرة والشاة. والجلَّلةُ: هي التي تأكل العَذِرةَ والنجاسات، لا غير، أما إذا خَلَطَتْ: فليست بجلاَّلة. وقيل: هي التي الأغلبُ من أكلها النجاسةُ، ولذا ((نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُحَجَّ عليها، أو يُغزى عليها، أو يُنتَفَع بها في العمل، إلا أن تُحبس أياماً، وتُعلَف))(٢). (١) ٤ / ٦٩. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٣٢ (٢٥٠٩٧). ٤٧٣ كتاب الصيد والذبائح . · وهذا محمولٌ على أنها تُنتِنُ في نفسها، فمَنَعَ من استعمالها؛ حتى لا يتأذَّىُ الناسُ بريحها. - وكان أبو حنيفة لا يؤقُّت في حَبْسها وقتاً، وإنما قال: يَحبسها حتى يطيب لحمُها. وروي أنها تُحبس ثلاثةَ أيام. وقيل: سبعةَ أيام، وذلك موقوفٌ على زوال النَّتَن، ولا عبرة بالأيام. [مسائل توقَّف فيها الإمامُ أبو حنيفة :] وتوقَّفَ أبو حنيفة في ثمانِ مسائلَ، ولم يؤقُّت فيها وقتاً: أحدها: هذه: متى يطيبُ لحمها؟ والثانية: الكلبُ: متى يصير معلَّماً؟ والثالثة: متى وقت الختان؟ والرابعة: الخنثى المشكِلِ. والخامسة: سؤر الحمار. والسادسة: الدهرُ منكَّراً. والسابعة: هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ والثامنة: أطفالُ المشركين هل يدخلون النار؟ توقف في هذه المسائل؛ لغاية ورعه. ٤٧٤ كتاب الصيد والذبائح ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك. ويُكره أكلُ الطافي منه. - وأما الدجاج: فإنها لم تكره وإن تناولت النجاسةَ؛ لأنه لا يُنتِن كما تُنتنُ الإبل. - فإذا أُريد ذبحُ الجلَّلة حُبست ثلاثةَ أيام، أو نحوها، وتُعلف. - وهل تُحبس الدجاجة إذا أُريد ذبحها؟ قال أبو يوسف: لا. وروي أنها تُحبس ثلاثةَ أيام؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يَحبس الدجاجَ ثلاثاً، ثم يأكله))(١). وُ قلنا: هذا على طريق التنزّه، لا على الوجوب. - ولو ارتضع جَدْيُ بلبن كلبةٍ أو خنزيرةٍ، حتى كبُر: لا يكره أکله؛ لأن لحمه لا يتغير بذلك. * قوله: (ولا يُؤكل من حيوان الماء إلا السمك، ويكره أكلُ الطافي منه)، أي من السمك. - وأما ما تلف من شدة الحرِّ أو البرد: ففيه روايتان: إحداهما: يؤكل؛ لأنه مات بسببٍ حادثٍ، وهو كما لو ألقاه الماء على الشَّطِّ. (١) مصنف عبد الرزاق ٥٢٢/٤، مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٠٩٨). ٤٧٥ كتاب الصيد والذبائح ولا بأس بأكل الجِرِّيث، والمَارْماهي. ويجوز أَكلُ الجراد، ولا ذکاةً له. والثانية: لا يؤكل؛ لأنه مات حَتْفَ أنفه. - ولو أن سمكةً ابتلعت سمكةً: أُكلتا جميعاً؛ لأن المبلوعة ماتت بسببٍ حادثٍ. - وأما إذا خرجت من دُبُر السمك: لا تؤكل؛ لأنها قد استحالت عَذرةً. قوله: (ولا بأس بأكل الجِرِّيث والمارْماهي)؛ لأنهما من أنواع السمك، فالجِرِّيثُ: البكَّاس، والمارماهي: العربي، وقيل: القد. * قوله: (ويجوز أكل الجراد، ولا ذكاةً له)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُحلَّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمكُ والجرادُ، والدمان: الكبد والطحال))(١). وقد روي ((عن ابن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه (١) سنن ابن ماجه ١١٠٢/٢ (٣٣١٤)، سنن الدار قطني ٢٧٣/٤، مسند أحمد ٩٧/٢، سنن البيهقي ٢٥٤/١، ٢٥٧/٩، كلهم عن ابن عمر مرفوعاً، وموقوفاً، وقد رجَّح الدارقطني والبيهقي وقفه على ابن عمر رضي الله عنهما، وأن هذا الموقوف له حكم الرفع، وقد تُكلم في سند المرفوع، وأن فيه ضعفاء. لكن صحَّح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم، فيحصل به الاستدلال، لأنه في معنى المرفوع، كما قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٦/١، وينظر فتح الباري ٩/ ٦٢١، ونصب الراية ٢٠٢/٤. ٤٧٦ کتاب الصيد والذبائح وسلم سبع غزوات، نأكل الجراد))(١). ((وسئل عليٌّ رضي الله عنه عن الجراد يأخذه الرجلُ وفيه الميت؟ وَ. فقال: كُلْهُ كُلَّه))(٢). وهذا عُدّ من فصاحته، ودلَّ على إباحته. - مسألة: ((كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذبيحة سبعةً أشياء: الذَّكَرُ، والأُنثيين، والقُبُل، والغُدَد، والمَرارة، والمثانة، والدم))(٣). وزاد في ((الينابيع)): الدُّبُر(٤). قال أبو حنيفة: أما الدم: فحرامٌ بالنص، وأما الستة الباقية: فمكروهةٌ؛ لأن النفس تستخبثُها وتكرهها، والله أعلم. (١) صحيح مسلم ١٥٤٦/٣. (٢) قال الزيلعي في نصب الراية ٢٠٥/٤: غريب بهذا اللفظ، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن علي رضي الله عنه قال: ((الحِيتان، والجراد ذكي كله)). اهـ، لكن تعقبه العلامة قاسم في منية الألمعي ص ٤٠٥، فقال: قوله: غريب. قلت: رواه محمد بن الحسن في ((الأصل)) بهذا اللفظ. (٣) مصنف عبد الرزاق ٥٣٥/٤، سنن البيهقي ٧/١٠، مرسلاً عن مجاهد. (٤) وينظر لكراهة السبعة حاشية ابن عابدين ٧٤٩/٦ (ط البابي). ٤٧٧ كتاب الأُضحية كتاب الأُضْحِيَة الأضحيةُ واجبٌ. كتاب الأضحية الأُضحية: إراقة الدم من النَّعم، دون سائر الحيوان. - والدليل على أنها الإراقة: أنه لو تصدَّق بعين الحيوان: لم يُجْز. - والصدقةُ بلحمها بعد الذبح مستحبٌّ، وليس بواجب، حتى لو لم یتصدق به: جاز. - قال في ((الواقعات)): شراءُ الأضحية بعشرة دراهمَ خيرٌ من التصدق بألف درهم؛ لأن القُربةَ التي تحصل بإراقة الدم: لا تحصل بالصدقة. * قال رحمه الله: (الأضحيةُ: واجبةٌ). أي التضحية؛ لأن الوجوب من صفات الفعل، إلا أن الشيخ قال ذلك توسعةً ومجازاً. - ويعني بقوله: واجبةٌ: عملاً، لا اعتقاداً، حتى لا يُكفَر جاحدُها. وعن أبي يوسف: أنها سنَّةٌ مؤكدةٌ، وبه قال الشافعي(١). (١) مغني المحتاج ٢٨٢/٤. ٤٧٨ كتاب الأُضحية على كلّ حُرٍّ، مسلمٍ، مقيمٍ، موسٍ، في يومِ الأضحى، وذكر الطحاوي قولَ محمدٍ مع أبي يوسف. * قوله: (على كل حرِّ، مسلمٍ، مقيمٍ، موسرٍ، في يوم الأضحى). - شَرَطَ الحريةَ؛ لأن العبدَ لا يملك شيئاً. - وشَرَطَ الإسلامَ؛ لأنها عبادةٌ، والكافرُ ليس من أهلها. - وشَرَطَ الإقامةَ؛ لأنها لو وجبت على المسافر: لتشاغل بها عن سفره، ولأنه قد سقط عنه ما هو آكدُ منها، كالجمعة، وبعض الفرض، حتى لا يتشاغل عن سفره. - وتجب على أهل الأمصار، والقرى، والبراري. - ويشترط في وجوبها: اليسارُ؛ لأنها حقٍّ في مالٍ يجب على وجه القُربة، كالزكاة. - واحترز بقوله: على وجه القُربة: عن النفقة. - واشترط يومَ الأضحى؛ لأن اليوم مضافٌ إليها. - وأيامُ الأضحى ثلاثةٌ: يومُ النحر ويومان بعده، وأولُها: أفضلها. - والمستحب: ذبحُها بالنهار، دون الليل؛ لأنه أمكن لاستيفاء العروق، وإن ذبحها بالليل: أجزأه، مع الكراهة. - ولا تجب على الحاج المسافر. - فأما أهل مكة: فإنها تجب عليهم وإن حجُّوا. ٤٧٩ كتاب الأُضحية يذبح عن نفسه، ووُلْدِهِ الصغارِ . وفي الخُجَنْدي: لا تجب على الحاج إذا كان مُحرِماً وإن كان من أهل مكة. - وأما العَتِيرةُ: فهي منسوخةٌ، وهي شاةٌ كانت تُقام في رجب. * قوله: (يذبح عن نفسه، وعن أولاده الصغار)؛ اعتباراً بالفطرة، هذه روايةُ الحسن عن أبي حنيفة. وفي ظاهر الرواية: لا تجب إلا عن نفسه خاصةً، بخلاف صدقة الفطر؛ لأن السبب هناك رأسٌ يمونه، ويلي عليه، وهذه قُربةٌ مَحضةٌ، والأصل في القُرَب: أن لا تجب على الغير بسبب الغير، ولهذا قالوا: لا يجب أن يضحِّيَ عن عبده، بالإجماع وإن كان تجب عليه فطرتُه. - فإن كان للصغير مالٌ: ضحَّى عنه أبوه، أو وصيُّه من مال الصغير عندهما. وقال محمد وزفر: يضحِّي عنه أبوه من مال نفسه، لا من مال الصغیر، وهذا كلُّه على رواية الحسن. - والخلاف في هذا: كالخلاف في صدقة الفطر. وقيل: لا تجوز التضحية من مال الصغير، إجماعاً؛ لأن القُربة تتأدى بالإراقة، والصدقةَ بعدها: تطوعٌ، فلا يجوز ذلك في مال الصغير، ولا يمكن الصغير أن يأكله كلَّه. والأصح أنه يُضحِّي عنه من ماله، ويأكلُ منه الصغير ما أمكنه، ٤٨٠ كتاب الأُضحية ويَدَّخِرُ له قدرَ حاجته، ويبتاعُ له بما بقيَ ما يُنتفع بعينه، كما يجوز أن ينتفع البالغ بجلد الأضحية. - وقال في ((شاهان)): يشتري له به ما يُؤكل، كالحنطة والخبز وغيره. - وقال في ((الينابيع)): ولو كان المجنونُ موسراً: ضحَّى عنه وليُّه من ماله، في الرواية المشهورة. وروي أنه لا تجب الأضحية في مال المجنون، ولا يجب عليه أن يضحيَ عن أولاده الكبار؛ لأنه لا ولايةً له عليهم. - وأما ابنُ ابنه الصغير: فروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يضحِّي عنه إذا كان أبوه ميتاً، وإن كان حياً: لا تجب عليه؛ لأنه لا ولايةَ للجدِّ عليه، كالأخ. - وإن وُلد للرجل ولدٌ وهو موسرٌ في أيام الذبح: قال الحسن: عن أبي حنيفة: يجب عليه أن يذبح عنه ما لم تمضِ أيامُ الذبح؛ لأنه حَدَثَ في وقت الوجوب. - وإن مات ابنٌ له صغيرٌ في أيام النحر قبل أن يَذبح عنه: فليس عليه أن يضحيَ عنه؛ لأن العبادات المؤقتة تجب عندنا بآخر وقتها، فمن مات قبل الوجوب: لم يثبت في حقه. - وقد قال أبو حنيفة: ليس على المسافر أن يذبح عن نفسه، وعليه أن يذبح عن أولاده إذا كانوا مقيمين، فإن كانوا مسافرين معه: لم يضحِّ عنهم. كذا في ((الكرخي)).