النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب قُطَّع الطريق
وإن شاءَ صَلَبَهم .
يُصْلَبُ حَيَّاً، ويُبْعَجُ بطْنُه بِرُمْحٍ إلى أن يموت، ولا يُصلَبُ أكثرَ من
ثلاثة أيام.
وفي ((المنظومة)) (١): أبو حنيفة وحده.
* قوله: (وإن شاء صَلَبَهم)، يعني بعد القتل، أو قبله، على اختلاف
الرواية في ذلك.
* قوله: (ويُصلَبون أحياءَ، ثم تُبعَج بطونُهم بالرُّمح إلى أن يموتوا).
- وكيفية الصلب: أن تُغرَز خشبةٌ في الأرض، ثم تُربَطَ عليها خشبةٌ
أخرى عرضاً، فَيَضع قدميه عليها، وتُربط من أعلاها خشبةٌ أخرى، وتُربط
عليها يديه، ثم يُطعن بالرمح في ثديه الأيسر، وتُخَضْخَضُ بطنُه بالرمح
إلى أن يموت.
وفي هذه المسألة اختلاف رواية: فروي أنه يُصلب حياً.
وروى الطحاوي أنه يُقتل أوَّلاً، ثم يُصلب بعد القتل؛ لأن الصلب
حيَّاً مُثلةٌ، ولأنه يؤدي إلى تعذيبه.
والأول أصحُّ؛ لأن صلبه حياً أبلغُ في الردع والزجر من صلبه بعد
الموت.
* قوله: (ولا يُصلَبون أكثر من ثلاثة أيام)؛ لأنه بعد الثلاثة الأيام
(١) للنسفي ص١٣٨.

٤٢٢
باب قُطَّاع الطريق
فإن كان فيهم صبيٌّ، أو مجنونٌ، أو ذو رَحِمٍ مَحْرٍ من المقطوع
علیھم : سَقَطَ الحدُّعن الباقين،
يتأذى الناس برائحته، فإذا صُلب ثلاثةَ أيامٍ: خُلِّي بينه وبين أهله ليدفنوه.
وعن أبي يوسف: يُترك على خشبةٍ حتى يتمزَّق جلدُه؛ حتى يَعتبِر به
غیرُه.
قلنا: قد حَصَلَ الاعتبارُ بما ذكرنا.
قوله: (فإن كان فيهم صبيٌّ، أو مجنونٌ، أو ذو رَحِمٍ مَحرَمٍ من
المقطوع عليه: سقط الحدُّ عن الباقين)، وهذا عند أبي حنيفة وزفر.
وقال أبو يوسف: إن باشر الأخذَ الصبيُّ والمجنونُ: فلا حدَّ عليهم
جميعاً.
وإن باشره العقلاء البالغون: حُدُّوا، ولم يُحَدَّ الصبيُّ والمجنونُ؛ لأن
الصبيَّ والمجنونَ إذا باشرا: فهم المتبوعون، والباقون تبعٌ، فإذا سقط
الحدُّ عن المتبوع: فسقوطه عن التبع أُوْلی.
ولهما: أن الجناية واحدةٌ قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم
موجباً: كان فعلُ الباقي بعضَ العلة، وبه لا يثبت الحكم، كالمخطئء
والعامد إذا اشتركا في القتل.
- وأما إذا كان فيهم ذو رحمٍ مَحرَمٍ من المقطوع عليه: فإنه يسقط الحدُّ
عن الباقين؛ لأن لذي الرحم شبهةً في مال ذي الرحم؛ بدلالة سقوط
القطع عنه في السرقة، وإذا سقط الحدُّ: صار القتل إلى الأولياء: إن شاؤوا

٤٢٣
باب قُطَّاع الطريق
وصار القتلُ إلى الأولياء: إن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا عَفَوْا.
قتلوا، وإن شاؤوا عَفَوْا.
- وإن كان فيهم امرأةٌ: إن وليتِ القتلَ، فقَتَلَتْ وأَخَذَتِ المالَ، ولم
يفعل ذلك الرجالُ:
قال أبو يوسف: أقتل الرجالَ، وأفعلُ بهم ما أفعل بالمحاربين، ولا
أقتلُ المرأة.
وقال محمد: أقتلُها إن قتلتْ، وأُضمَّتُها المالَ إن أخذتْه، ولا أقتل
الرجالَ، ولكن أُوجِعُهم ضرباً، وأحبسُهم.
وعن أبي حنيفة: مثل قول محمد.
وعن أبي حنيفة أيضاً: أنه قال: أدرأ الحدَّ عنهم؛ لأنه اشترك في القتل
مَن يجب عليه الحدُّ، ومَن لا يجب عليه، فصار كالمخطئء والعامد.
- قال في ((الينابيع)): مَن باشر، ومَن لم يباشر: سواء.
- قال ابن مقاتل: لو أن عشرةً قطعوا الطريقَ، والتسعةُ منهم قيامٌ،
والواحد منهم يقتل ويأخذ المالَ: فإنهم يُقتلون.
- فإن تابوا، ثم أُخذوا: يُقْتَل الواحدُ منهم، لا غير.
* قوله: (وصار القتلُ إلى الأولياء: إن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا
عَفَوْا)، يعني: إن شاؤوا قتلوا مَن قَتَل، وهو رجلٌ ليس بمجنون، وقد قتل
بحديد.
- أما إذا قتل بعصاً أو بحجر: كان على عاقلته الديةُ لورثة المقتول.

٤٢٤
باب قُطَّاع الطريق
وإن باشَرَ القتلَ واحدٌ منهم : أُجريَ الحدُّ على جماعتهم.
- وإن كان الذي وليَ القتلَ الصبيُّ أو المجنونُ: كان على عاقلتهما
الديةُ، وإن كانا أخذا المالَ: ضَمِنا.
* قوله: (وإن باشر القتلَ واحدٌ منهم: أُجريَ الحدُّ على جميعهم)،
يعني مَن باشر القتلَ منهم، وأَخَذَ المالَ، ومَن لم يباشر، وكان رِدْءاً لهم:
فالحكم فيهم كلهم سواء، وما لزم المباشر: فهو لازمٌ لغيره ممن كان مُعيناً
لهم.
- ومَن قطع الطريقَ، وأَخَذَ المالَ، فطلبه الإمامُ، فلم يقدر عليه حتى
جاء تائباً: سقط عنه الحدُّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ
تَقَّدِّرُواْ عَلَيْهِمْ﴾. المائدة/ ٣٤. الآية.
- وإن تاب بعد القدرة عليه: لم يسقط عنه الحدُّ
- ثم إذا سقط الحدُّ بالتوبة قبل القدرة: دُفع إلى أولياء المقتول: إن
شاؤوا قتلوه إن كان قَتَلَ، واقتُصَّ منه إن كان جَرَحَ، وردّ المالَ إن كان
قائماً، وضمنه إن كان هالكاً؛ لأن التوبة لا تُسقِط حقَّ الآدميين.
- ثم إذا سقط الحدُّ في قطع الطريق وقد كان قَتَلَ: اعتُبرت الآلة عند
أبي حنيفة في وجوب القصاص، على أصله.
- والحرُّ والعبد في قطع الطريق سواءً، كالسرقة، والله تعالى أعلم.

٤٢٥
كتاب الأشربة
كتاب الأشربة
الأشربةُ المحرَّمةُ أربعةٌ :
الخمرُ، وهي : عصيرُ العِنَبِ إذا غَلَىُ، واشتَدَّ، وقَذَفَ بالزَّبَد .
والعصيرُ إذا طُبِخَ حتىٌ ذَهَبَ أقلّ من ثلثيه.
ونقيعُ الثَّمْرِ، والزبيبِ إذا اشتَدَّ.
كتاب الأشربة
الأشربة: جَمْعُ : شراب.
* قال رحمه الله: (الأشربةُ المحرَّمة أربعةٌ:
الخمرُ، وهي عصيرُ العنب)، يعني النِّيْءَ منه، (إذا غلى واشتدَّ،
وقَذَفَ بالزَّبَد) من دون أن يُطبخ.
قوله: (والعصيرُ إذا طُبخ حتى ذهب أقلُّ من ثُلُنَيه)، ويسمىُ:
الطِّلاء.
قوله: (ونَقِيعُ التمر إذ اشتدَّ وغلىُ)، ويُسمىُ: السَّكَر، (و) نقيعُ
(الزبيب إذا غلى واشتدَّ).
- والكلام في الخمر في عشرة مواضع:

٤٢٦
كتاب الأشربة
- أحدُها: في بيان ماهيتها: وهي: النِّيْءَ من ماء العنب إذا صار مُسكِراً.
و
- والثاني: في حد ثبوت هذا الاسم: وهو الذي ذَكَرَه من اشتراط
القذف بالزّبَد: هو قول أبي حنيفة.
وعندهما: إذا اشتدَّ وغلى، ولا يُشترط القذف بالزبد.
- والثالث: أن عينَها حرامٌ غيرُ معلولِ بالسُّكْر، ولا موقوفٌ عليه؛
لأنها رِجْسٌ، والرِّجْسُ مُحرَّمُ العين.
- والرابع: أنها نجسةٌ نجاسةً مغلظةً، كالبول.
- والخامس: أنه يُكفَر مُستَحلَّها.
- والسادس: سقوط تقوُّمِها في حق المسلم، حتى لا يَضمنُ مُتْلِفُها
وغاصبها.
- ولا يجوز بيعُها؛ لأن الله تعالى لما نجّسها فقد أهانها، والتقوُّم يُشعِر
بعِزَّتَها.
ـ ومَن كان له على مسلمٍ دينٌ، فأوفاه من ثمن خمرٍ: لا يحلّ له أن
یأخذه، ولا يحل للمدیون أن يؤدیَه؛ لأنه ثمن بيع باطل.
- وإن كان الدين على ذميٌّ: فإنه يؤديه من ثمن الخمر، وللمسلم أن
يستوفيه منه؛ لأن بيعها فيما بينهم جائزٌ.
- والسابع: حُرمة الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرامٌ، ولأن الخمر

٤٢٧
كتاب الأشربة
.
•
واجب الاجتناب، وفي الانتفاع به اقترابٌ، قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنْبُوهُ
المائدة / ٩٠.
.
- والثامن: أنه يُحدُّ شاربُها وإن لم يَسكر منها؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((مَن شرب الخمرَ فاجلدوه، فإن عاد: فاجلدوه، فإن عاد
فاجلدوہ))(١).
- والتاسع: أن الطبخ لا يؤثّر فيها بعد القذف بالزَّبَد، إلا أنه لا يُحدّ
فيها ما لم يَسكرْ منه، على ما قالوا؛ لأن الحد بالقليل في النِّيْءِ خاصةً،
وهذا قد طُبخ.
.
- والعاشر جواز تخليلها، وفيه خلاف الشافعى
(٢)
هذا هو الكلام في الخمر.
- وأما العصير إذا طُبخ حتى ذهب أقلّ من ثُلثيه: فهو المطبوخ أدنى
طبخٍ، وذلك حرامٌ إذا غلى واشتدَّ وقذف بالزبد على الاختلاف، ويسمى
الباذق.
- والمُنصَّف: وهو ما ذهب نصفُه بالطبخ، وهو حرامٌ عندنا أيضاً إذا
غلی واشتد.
(١) سنن الترمذي (١٤٤٤)، سنن أبي داود (٤٤٨٢)، وله طرق عديدة ينظر
نصب الراية ٣٤٦/٣.
(٢) نهاية المحتاج ٢٣٠/١.

٤٢٨
كتاب الأشربة
..
- وأما نقيع التمر: وهو يسمىُ السَّكَر، وهو النِّيْءٌ من ماء الرُّطَب: فهو
حرامٌ أيضاً إذا غلىُ واشتدَّ.
- وأما نقيعُ الزبيب: فهو النِّيْءَ من ماء الزبيب: فهو حرامٌ إذا غلى
واشتد.
- قال في ((الينابيع)): الأشربةُ ثمانيةٌ: الخمر، والسَّكَرُ، ونقيعُ الزبيب،
ونبيذ التمر، والفَضِيخ، والباذَق، والطِّلاء، والجُمهوريُّ :
فالخمر: هو النِّيْءَ من عصير العنب إذا غلى واشتد، على الاختلاف.
والسَّكَر: وهو النِّيْءَ من ماء الرطب إذا غلى من غير طبخٍ، واشتد
وقَذَفَ بالزبد.
ونقيع الزبيب: وهو النِّيء من مائه، وهو حرامٌ إذا غلى واشتد، على
الخلاف.
ونبيذ التمر: إذا غلى واشتد.
والفضيخ: وهو البُسْر، يُدَقِّ ويُكسَر ويُنقع في الماء، ويُترك حتى
يغلي ویشتدّ ويقذفَ بالزبد.
والباذِق: وهو العصير إذا طُبخ حتىُ ذَهَبَ أقلُّ من ثلثيه، وهو حرامٌ
إذا غلى واشتدً وقذف بالزبد.
والطلاء: ما طُبخ من عصير العنب، أو شُمِّس حتى ذهب ثلثاه.

٤٢٩
كتاب الأشربة
.
والجُمهوريُّ: هو الطلاء المذكور، ولكن صُبَّ فيه من الماء مقدارُ ما
ذهب منه بالطبخ، ثم طُبخ بعد ذلك أدنى طبخٍ، وصار مُسكِراً، وحكمُه:
حكم الباذق.
- ثم الخمرُ حرامٌ، قليلُها وكثيرُها، ومَن شرب منها قليلاً: وجب عليه
الحد.
- ولا يجوز التداوي بها.
- ويُكفَر مستحلُّها.
ـ ومَن شرب منها مقدارَ ما يصل إلى الجوف: وجب عليه الحد.
- ولو خُلط الخمر بالماء، وشَرِبَها: إن كان الخمر غالباً أو مثلَه: حُدَّ
في القليل منه إذا وصل جوفه، وإن كان الماء غالباً: لم يُحدَّ حتى يَسكر.
- وشُرْبُ ذلك حرامٌ، قلَّ أو كثُر؛ لأنها نجسةٌ، والنجاسة إذا خالطت
الماء: لم يجز شُرْبُه.
- ولو طُبخ الخمرُ أو غيرُه من الأشربة بعد الاشتداد حتى ذهب ثلثاه:
لم يَحلّ شربُه؛ لأن الحُرمة قد تقرَّرت فيه، فلا يُزيلُها الطبخ، فإن شَرِبَه
إنسانٌ: حُدَّ؛ لأن الطبخ حصل في عينٍ محرَّمٍ، فلا يؤثِّر في إباحتها،
كطبخ الخنزير.
- وليس كذلك العصير إذا طُبخ حتى ذهب ثلثاه؛ لأن الطبخ حصل
في عينٍ مباحةٍ، فتغيَّر عن هيئة العصير، فحدثت الشدة فيه، وهو ليس

٤٣٠
كتاب الأشربة
ونبيذُ التمرٍ والزبيبِ إذا طُبِخ كلَّ واحدٍ منهما أَدنى طبخٍ: حلالٌ وإن
اشتَدَّ، إذا شَرِبَ منه ما يَغلبُ على ظَنِّه أنه لا يُسْكره، من غيرِ لهوٍ، ولا
طَرَب.
بعصيرٍ، فلذلك حلَّ.
- ولو طُبخ العنب كما هو، ثم عُصر:
فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يحل بالطبخ.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يحلّ حتى يذهب ثلثاه
بالطبخ، وهو الأصح؛ لأن العنب إذا طُبخ: فالعصير قائمٌ فيه لم يتغير،
وطبخُه قبل العصر: كطبخه بعد العصر، فلا يحل حتى يذهب ثلثاه.
- ولو جُمع في الطبخ بين العنب والتمر، أو بين العنب والزبيب: لا
يحل حتى يذهب ثلثاه؛ لأن التمر وإن كان يُكتفى بأدنى طبخه، فعصير
العنب لا بدَّ فيه من ذهاب ثلثيه، فيُعتبر جانب العنب؛ احتياطاً.
- وكذا إذا جُمع بين عصير العنب ونقيع التمر؛ لما قلناه.
* قوله: (ونبيذ التمر والزبيبٍ إذا طُبخ كلّ واحدٍ منهما أدنى طبخ) أي
حتى ينضج: (فهو حلالٌ وإن اشتدَّ، إذا شَرِب منه ما يَغلب على ظنه أنه لا
يُسكِرِه، من غير لهوٍ ولا طرب)، هذا عندهما.
وقال محمد: هو حرام.
- والخلاف فيما إذا شربه للتقوَّي في الطاعة، أو لاستمراء الطعام، أو
للتداوي، وإلا فهو حرامٌ، بالإجماع.

٤٣١
كتاب الأشربة
ولا بأس بالخليطين.
ونبيذُ العسلِ، والتينٍ، والحنطةِ، والشَّعيرِ، والذَّرَةِ: حلالٌ وإن لم
يُطبخ.
قوله: (ولا بأس بالخليطين)، وهو أن يُجمع ماءُ التمر وماءُ
الزبيب، ويُطبخان أدنى طبخٍ.
وقيل: هما الجمع بين التمر والعنب، أو التمر والزبيب.
- ويُعتبر في طبخهما ذهابُ الثلثين.
- ولو سقى الشاةَ خمراً، ثم ذبحها:
ءِ
وِ
إن ذبحها من ساعتها: تحلّ مع الكراهة، وبعد يومٍ فصاعداً: تحلّ من
غير كراهة.
- ولو بلَّ الحنطةَ بالخمر: فإنها تُغسل، فإذا جفَّت وطُحنت: إن لم
يوجد فيها طعمُ الخمر، ولا رائحتُها: حلَّ أكلُها، وإن وُجد ذلك: لا يحلّ.
* قوله: (ونبيذُ العسل والتِّيْن والحنطةِ والشعيرِ والذَّرَة: حلالٌ وإن لم
يُطبخ)، هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا شربه من غير لهوٍ ولا طَرَبٍ.
- وكذا المتَّخذُ من الدُّخْن والإجاص والمشمش ونحوه؛ لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((الخمرُ من هاتين الشجرتين، وأشار إلى الكَرْمة،
والنخلة))(١).
(١) صحيح مسلم (١٩٨٥).

٤٣٢
كتاب الأشربة
وعصيرُ العنب إذا طُبِخ حتى ذَهَبَ منه ثلثاه، وبقي ثُلَثُه: حلالٌ وإن
اشتَدَّ .
- ثم قيل: يُشترط الطبخُ لإباحته، وقيل: لا يُشترط، وهو المذكور في
((الكتاب)).
- وهل يُحدّفي شُرب المتَّخذ من الحبوب إذا سكِر منه؟
قال الخُجَنديُّ: لا يُحدُّ، وصحَّح في ((الهداية))(١) أنه يُحدّ؛ لأن
الفُسَّاق يجتمعون إليه كاجتماعهم على سائر الأشربة، بل فوق.
- ثم إذا سكِرَ من الأشربة المتخذة من الحبوب: لا يقع طلاقه عند أبي
حنيفة، بمنزلة النائم، وذاهب العقل بالبنج.
وقال محمد: يقع طلاقه، كما في سائر الأشربة المحرَّمة.
- وهذا الخلاف فيما إذا شربه للتداوي، أما إذا شربه للَّهْو والطرب:
فإنه يقع طلاقه، بالإجماع.
قوله: (وعصيرُ العنب إذا طُبخ حتى ذهب منه ثلثاه، وبقي ثلثَه:
حلالٌ وإن اشتدّ)، هذا عندهما.
وقال محمد: حرامٌ.
- والخلاف فيما إذا قَصَدَ به التقوِّي، أما إذا قَصَدَ به التلهِّي: لا يحلّ،
إجماعاً.
(١) ٤ / ١١٢.

٤٣٣
كتاب الأشربة
ولا بأس بالانتباذ في الدَُّّاء، والحَنْثَمِ، والمُزَفَّتِ، والنَّقِيرِ.
وإذا تخَلََّتِ الخمرُ: حَلَّت، سواءٌ صارت خَلَّ بنفسها، أو بشيءٍ
طُرِح فيها.
- وقوله: حلالٌ وإن اشتدَّ: هذا إذا طُبخ كما هو عصيرٌ، أما إذا غلى
واشتد وقذف بالزبد من غير طبخ، ثم طُبخ: لم يحلّ، فإن شربه إنسانٌ: حُدَّ.
* قوله: (ولا بأس بالانتباذ في الدَُّّاء، والحَنْتَمِ، والمُزَفَّتِ، والنَّقِير،
و۔۔
والمُقَيَّر).
الدُّبَّاء: القَرْع.
والحَنْتَم: بفتح الحاء والتاء، وكسرهما: لغتان: هو جِرَارٌ خُضْرٌ.
والمُزَقَّت: الإناءُ المَطْلِيُّ بالزِّفْت، وهو القِيْرِ، وقيل: بالشمع، وقيل:
بالضفاع.
والنَّقِيرُ: عُوْدٌ منقورٌ.
والمُقَيَّر: المطليُّ بالقِيْرِ.
- وإنما لم يُكره ذلك؛ لأن الظروف لا تُحِلَّ شيئاً، ولا تُحرِّمُه.
* قوله: (وإذا تخلَّتِ الخمرُ: حَلَّت، سواءٌ صارت خَلاَّ بنفسها، أو
بشيءٍ طُرِحٍ فيها)، مثل أن يُطْرَحَ فيها الملحُ، أو يُصَبَّ فيها الماءُ الحارُّ،
أو ما أشبه ذلك.

٤٣٤
كتاب الأشربة
ولا يُكره تخليلُها .
خلافاً للشافعيّ(١).
13
- ثم إذا صارت خَلاَ: يَطهُر ما يوازيها من الإناء، فأما أعلاه، وهو
الذي نقص منه الخمر:
قيل: يطهر تبعاً، وقيل: لا يطهر؛ لأنه خمرٌ يابسٌ، إلا إذا غُسِل
بالخل، فتخلّل من ساعته: فيطهر. كذا في ((المصفّى)). ذكره في باب مقالات
الشافعي.
* قوله: (ولا يُكره تخليلها).
وقال الشافعي(٢): يكره.
- ولا يجوز أكل البَنْج، والحشيشةِ، والأَفيون، وذلك كلَّه حرامٌ؛ لأنه
يُفسِد العقلَ، حتى يصيرَ الرجلُ فيه خَلاعةٌ وفسادٌ، ويصدّه عن ذكر الله
وعن الصلاة، لكن تحريم ذلك دون تحريم الخمر.
- فإن أكل شيئاً من ذلك: لا حدَّ عليه وإن سكر منه، كما إذا شَرِبَ
البولَ، وأَكَلَ الغائط فإنه حرامٌ، ولا حدَّ عليه في ذلك، بل يُعزَّر بما دون
الحدِّ، والله أعلم.
(١) نهاية المحتاج ٢٣٠/١.
(٢) ينظر الحاشية السابقة.

٤٣٥
کتاب الصيد والذبائح
كتاب الصيد والذبائح
يجوز الاصطيادُ بالكلب المعلِّمِ، والفهدِ، والبازِي، وسائرِ الجوارحِ
المعلَّمة.
كتاب الصيد والذبائح
الصيدُ في اللغة: اسمٌ لما يُصطاد، مأكولاً كان أو غيرَ مأكول.
قال الشاعر:
صيدُ الملوكِ أرانبٌ وثعالبٌ وإذا ركبتَ فصيدُك الأبطالُ
إلا أنه في الشرع له أحكامٌ وشرائطُ، كما ذَكَرَ في المتن.
- والذبائح: جَمْع: ذبيحة.
* قال رحمه الله: (يجوز الاصطيادُ بالكلب المعلّم، والفهدِ المعلّم،
والبازي، وسائرِ الجوارح المعلِّمة)، مثل الأسد والنمر والدُّبِّ والفهد.
- ولا يجوز بالخنزير؛ لأنه نجسُ العين.
وعن بعض أصحابنا: أنه لا يجوز بالذئب والأسد؛ لأن الأسد لا
يَعمل لغيره؛ لما فيه من الكِبْر، والذئب لا يُتصوَّر منه التعلّم؛ لخيانته،
ولهذا يقال: من التعذيب: تهذيب الذئب.

٤٣٦
کتاب الصيد والذبائح
وتعليمُ الكلبِ : أن يَتَركَ الأكلَ ثلاثَ مرَّاتٍ.
- وإنما شُرط التعليم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾.
المائدة/ ٤، أي مسلَّطين، والتكليب: إغراء السَّبُع على الصيد.
- ثم للاصطياد سبعُ شرائط:
أربعٌ في المرسَل:
١ - وهو أن يكون معلَّماً.
٢- وأن يكون ذا جارحةٍ، غيرَ نجسِ العين.
٣- وأن يجرحَه الكلب أو البازي.
٤- وأن يُمسِك على صاحبه.
- وثلاث في المرسِل:
أحدها: أن يكون مسلماً، أو كتابياً يَعقل الإرسال.
والثاني: التسميةُ في حال الإرسال عند الذِّكْر.
والثالث: أن يَلحقَه المرسِلُ، أو مَن قام مَقامه قبل انقطاع الطلب
والتواري.
* قوله: (وتعليمُ الكلب: أن يَتركَ الأكل ثلاثَ مرات)، هذا عندهما،
وهي رواية عن أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت التعليمُ ما لم يُغلِبُ على ظنِّ الصائد أنه
تعلَّم، ولا يُقدَّر على ذلك بالثلاث، بل يُفوّض إلى رأي الصائد.

٤٣٧
کتاب الصيد والذبائح
وتعليمُ البازِي : أن يَرجع إذا دعوتَه.
- ثم على الرواية الأولى عنده: يحلّ ما اصطاده ثالثاً.
وعندهما: لا يحل؛ لأنه إنما يصير معلَّماً بعد تمام الثلاث، حتى إن
عندهما لا يؤكل إلا الرابع، وعنده: يؤكل الثالث.
- وإنما قدَّراه بالثلاث؛ لأنها مدةٌ ضُربت للاختبار، كما في مدة
الخيار، وقد قال موسى عليه السلام للخَضِر في المرة الثالثة: ﴿إِن سَأَلْتُكَ
عَن شَىعِ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى﴾. الكهف/٧٦.
وقال عمر رضي الله عنه: ((مَن اتَّجَرَ في شيءٍ ثلاثَ مرات، فلم يربح:
فلينتقل إلى غيره))(١).
- ثم إذا صاد الكلبُ معلّماً في الظاهر، فصاد به صاحبُه صيوداً، ثم
أكل بعد ذلك مما صاده: بطل تعليمه، ولا يؤكل ما صاده بعد هذا حتى
يُعلَّمَ تعليماً ثانياً، فيصير معلَّماً.
- وما كان قد صاده قبل ذلك من الصيود: لا يحل أكلها عند أبي حنيفة.
وقالا: يحل أكلُها.
* قوله: (وتعليمُ البازي: أن يرجعَ إذا دعوتَه)، وتَرْك الأکل فیہ لیس
بشرط.
وفي البازي: لغتان: تشديد الياء، وتخفيفُها، وجَمْعُه: بُزاةٌ، والباز:
(١) المصنف لابن أبي شيبة (٢٣٦٧٤) ١١ / ٦٧٤.

٤٣٨
کتاب الصيد والذبائح
فإذا أَرسل كلبَه المعلّمَ، أو بازِيَه، أو صقرَه على صيدٍ، وذَكَرَ اسمَ الله
تعالى عليه عند إرساله، فَأَخذ الصيدَ، وجَرَحَه، فمات: حَلَّ أَكْلُه.
وإن أَكَلَ منه الكلبُ: لم يُؤْكَل.
أيضاً لغة فيه، وجمعه: أبواز.
* قوله: (فإن أرسل كلبَه المعلّمَ أو بازِيَه أو صقرَه على صيدٍ، وذَكَرَ
اسمَ الله تعالى عليه عند إرساله، فأخذ الصيدَ، وجَرَحَه، فمات: حلَّ أكلُه).
- ولا بدَّ من التسمية وقت الرمي والإرسال، فإن رمى ولم يُسَمِّ
عامداً، أو أرسل كلبَه ولم يُسَمِّ عامداً: فالصيدُ ميتةٌ، لا يحل أكله عندنا،
خلافا للشافعي(١).
- وإن ترك التسميةَ عند ذلك ناسياً: حلَّ أكله.
- وإن رمى، ثم سمى بعد ذلك، أو أرسل كلبه، ثم سمى بعد ذلك:
لا يحل أكلُه؛ لأن المعتبر وقتُ الرمي ووقتُ الإرسال، هذا بالاتفاق.
- وقوله: وجَرَحَه: الجَرْح شرطٌ لا بدَّ منه، في ظاهر الرواية، ويُكتفى
به في أيِّ موضع کان من بدن الصید.
* قوله: (فإن أكل منه الكلبُ أو الفهد: لم يُؤكل)؛ لأنه إنما أمسك
على نفسه، وذلك يدل علىُ فَقْد التعليم.
- فإن شرب الكلبُ من دم الصيد، ولم يأكل منه: أُكل؛ لأنه أمسك
(١) مغني المحتاج ٤ /٢٧٢.

٤٣٩
كتاب الصيد والذبائح
·
الصيدَ على صاحبه، وهذا يدل على غاية علمه، حيث شرب ما لا يَصلح
لصاحبه، وأمسك عليه ما يصلح له.
- وإن أخذ الصائدُ الصيدَ من الكلب، ثم قَطَعَ له منه قطعةً وألقاها
إليه، فأكلها: جاز أكلُ الباقي.
- وكذا إذا وَثَبَ الكلبُ على الصيد وقد صار في يد صاحبه، فأخذ منه
لقمةً: فإنه يؤكل الباقي، بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يُحرزه صاحبُه.
- وكذا إذا سرق الكلبُ من الصيد بعد دفعه إلى صاحبه: فإنه يؤكل
الباقي.
- وإن أرسل كلبَه على صيدٍ، فأخطأه الكلب، وأخذ صيداً غيرَه،
فقتله: فإنه يؤكل.
- وكذا إذا أرسله على صيدٍ بعينه، فأخطأه، وأخذ غيرَه: أُكل.
- وكذا إذا أرسله على ظبي، فأخذ طيراً، أو على طيرٍ، فأخذ ظبياً: أُكل.
والطيرُ في هذا كله: بمنزلة الكلب.
- وإن انفلت كلبٌ على صيدٍ، ولا مرسِلَ له، فأغراه مسلمٌ، وسمَّى:
فإن انزجر بزَجْره: أُكل، وإلا: فلا.
- وإن أُرسل كلباً على صيدٍ، وسمَّى: فما أخذ في ذلك الفور من
الصيود، فقتله: أُكل كلُّه.
وإن أَخَذَ صيداً، فقتله، ثم أخذ صيداً آخر، فقتله: أُكل ذلك أيضاً.

٤٤٠
كتاب الصيد والذبائح
وإن أَكَلَ منه البازي : أُكِلَ.
وإن أدرك المرسِلُ الصيدَ حيَّاً: وَجَبَ عليه أن يُذَكِيُّه، فإن تَرَكَ تذكيتَه
حتى مات: لم يُؤْكَل.
- وكذا البازي على هذا إذا أخذ في فوره.
- وإن أخذ الكلبُ صيداً، فقتله، وجَثَمَ عليه طويلاً، ثم مرَّ به صيدٌ
آخرُ، فقتله: لم يؤكل؛ لأنه قد خرج عن إرسال الأول.
- ولو كَمَنَ الكلبُ حتى مرَّ عليه الصيدُ، فوَشَبَ عليه، فأخذه، وقَتَلَه:
أُكل؛ لأن كُمُونَه ليتمكّن من الصيد: من أسباب الاصطياد، فلا يَقطع
حكمَ الإرسال.
- وكذا البازي إذا أُرسل فسقط على شيءٍ، ثم طار، فأخذ الصيدَ:
أُكل؛ لأنه إنما سقط على الشيء ليتمكّن من الصيد، وهذا إذا لم يمكث
طويلاً.
- وكذا الرامي إذا رمى بسهمٍ، فما أصاب في سَنَنِه ذلك: أُكل، حتى
لو أصاب صيداً، ثم نَفَذَ منه إلى آخرَ، ثم نفذ منه إلى آخرَ: أُكلوا جميعاً.
- فإن أمالت الريحُ السهمَ إلى ناحيةٍ أخرى، يَمنةً أو يَسرةً، فأصاب
صيداً: لم يُؤكل.
* قوله: (وإن أكل منه البازي: أُكل)؛ لأنه ليس من شرط تعليمه تركُ
الأكل.
* قوله (وإن أدرك المرسلُ الصيدَ حياً: وجب عليه أن يُذكِيُّه، فإن
تَرَكَ تذكيتَه حتى مات: لم يُؤكل)؛ لأنه مقدورٌ على ذبحه، ولم يُذْبح،
فصار كالميتة.