النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ باب حد القذف • . - وإن قال: ليس هذا أباك: فإن قاله في رضاً: فليس بقاذف؛ لأنه يحتمل المَزْحَ، وإن قاله في غضبٍ: حُدَّ؛ لأنه قَصَدَ نفيَ نسبه عنه. - وإن قال: لستَ لأبيك، أو لستَ لأُمك: لم يُحَدَّ؛ لأنه كلامٌ موصولٌ. - وإن قال: لستَ لأمك: فليس بقاذفٍ؛ لأنه كذبٌ، فكأنه قال: لم تلدك أمُّك. - وكذا إذا قال: لستَ لأبويك: لم يكن قاذفاً. - وإن قال: لستَ بابنِ فلانٍ، يعني جدَّه: لا يُحَدُّ؛ لأنه صادقٌ. - ولو نسبه إلى جده: لم يحدَّ أيضاً. - وإن قال: لستَ لأبيك وأمه حرةٌ وأبوه عبدٌ: لزمه الحدُّ لأمه. - وإن كانت أمُّه أمةً، وأبوه حراً: لم يحدّ؛ لأن أمَّه ليست محصنةً، ويُعزَّر. - وقَيَّد بقوله: ميتةً: لأنه إذا قذفها وهي حيةٌ، ثم ماتت قبل إقامة الحد: بطل الحد؛ لأنه لا يورَث عندنا، خلافاً للشافعي(١). - ولو قال: يابْن الزانيتَيْن، وكانت أمُّه مسلمةً: فعليه الحدُّ، ولا يُبالىُ إن كانت الجدة مسلمةً أم لا. - وإن كانت الجدة مسلمةً، والأمُّ كافرةً: لا حدَّ عليه. (١) روضة الطالبين ٣٢٦/٨. ٣٦٢ باب حد القذف ولا يطالِبُ بحدِّ القذف للميت إلا مَن يقعُ القدحُ في نسبه بقَذْفه. - ولو قال: يا ولد الزنا، أو يابْن الزنا: حُدَّ؛ لأنه قَذَفَ أباه وأمَّه. - وإن قال: يابْن ألف زانية: حُدَّ؛ لأنه قَذَفَ الأمَّ ومَن فوقَها من الأمهات، وقَذْفُ الأم يكفي في إيجاب الحد. - ولو قال: يابْنِ القَحْبة: لم يُحدَّ، ويُعزَّر؛ لأن القَحْبة قد تكون المتعرِّضة للزنا وإن لم تفعل، فلم يكن هذا صريحٌ قَذْفٍ. - وكذا إذا قال: يابْنَ الفاجرة، أو يابْن الفاسقة. - ولو قال: يا قَوَّاد: فليس بقاذفٍ؛ لأنه يحتمل قَوَّادَ الدواب وغيرها. * قوله: (ولا يُطالِب بحَدِّ القذف للميت إلا مَن يقع القدحُ في نسبه بقذفه)، وهو الولد والوالد؛ لأن العار يلحق به؛ لمكان الحرية. وعند الشافعي(١): يثبت لكل وارث؛ لأنه عنده يورث. وعندنا: ولايةُ المطالبة ليست بطريق الإرث، بل بما ذكرنا، ولهذا يثبت عندنا للمحروم عن الميراث بالقتل، ويثبت لولد البنت، خلافاً لمحمد، ويثبت لولد الولد حال قيام الولد. كذا في ((الهداية)»(٢). - وأما الإخوة والأعمام والأخوال وأولادهم: فليس لهم حقُّ الخصومة. - ولو قال لرجل: لم يَلدْك أبوك: فلا حدَّ عليه؛ لأنه صادقٌ؛ لأن (١) روضة الطالبين ٣٢٦/٨. (٢) ١١٣/٢. ٣٦٣ باب حد القذف وإذا كان المقذوفُ محصَناً: جاز لابنه الكافر، والعبدِ أن يطالب بالحد . وليس للعبد أن يطالب مولاه بقَذْف أمِّه الحرة. حال ما طرحه الأبُ في رَحِم أمه إنما كان نطفةً، ولم يكن ولداً، وإنما ولدته أمُّه. * قوله: (وإذا كان المقذوفُ محصناً: جاز لابنه الكافر والعبدِ أن يطالب بالحد). وقال زفر: ليس لهما ذلك؛ لأن القذف يتناولهما؛ لرجوع العار إليهما. ولنا: أنه عيَّره بقذفِ محصَنٍ: فيجب عليه الحد. - ولو كانت المقذوفة ميتةً نصرانيةً، أو أمةً ولها ولدٌ مسلمٌ: لم يكن على قاذفها حَدٌّ؛ لأنه لم يَقذفْ محصنةً. * قوله: (وليس للعبد أن يُطالِبَ مولاه بقذف أُمِّه الحرةِ(١))؛ لأنه لا يملك مطالبةَ مولاه بحدِّ القذف لنفسه، فلا يملكه لأمه. - فإن أُعتق بعد ذلك: لم يكن له أن يطالب مولاه أيضاً؛ لأنه لما لم تثبت له المطالبة في الحال: لم تثبت له بعد ذلك. - وكذا الولدُ ليس له أن يطالب أباه بقذف أُمه الميتة؛ لأنه لا يملك ذلك على' أبیه لنفسه، فلا يملكه لأمه. (١) وفي نسخ أخرى من الجوهرة: ((الحرة المسلمة))، ولفظ: المسلمة: لم يثبت فيما لدي من نسخ القدوري. ٣٦٤ باب حد القذف وإن أَقرَّ بالقذف، ثم رجع: لم يُقْبَل رجوعُه. ومَن قال لعربيٍّ : يا نَّبَطِي : لم يُحَدَّ. - فلو كان لها ابنٌ من غيره، أو كان لأم المملوك ولدٌ حرٌّ غير المملوك: كان لهما المطالبةُ؛ لأنهما كالأجنبيين. * قوله: (فإن أقرَّ بالقذف، ثم رجع: لم يُقبل رجوعُه)؛ لأنه قد تعلق به حقُّ الآدمي. * قوله: (ومَن قال لعربيٍّ: يا نَبَطي: لم يُحدّ)؛ لأنه أراد به التشبيهَ في الأخلاق، وعدم الفصاحة، فلا يكون قذفاً. والنَّبَطُ: جيلٌ من الناس بسَواد العراق. - وكذا إذا قال: لستَ بعربيٍّ، أو يابْن الخيَّاط، أو يابْن الأعور، وليس أبوه كذلك: لم يكن قاذفاً. - ولو قال: لستَ بابْن آدم، أو لستَ بإنسان، أو لستَ برجلٍ، أو ما أنتَ بإنسان: لم يكن قاذفاً. - وإن قال: لستَ لأبٍ، أو لستَ ولدَ حلالٍ: فهو قذفٌ. - ولو قال الرجل: يا زانية: لم يُحَدَّ عندهما. وقال محمد: يُحدُّ؛ لأن الهاء قد تدخل في الكلام للمبالغة في الصفة، يقال: رجلٌ علاّمةٌ. ولهما: أنه أحال كلامَه، فوصف الرجل بصفة المرأة. ٣٦٥ باب حد القذف . - ولو قال لامرأة: يا زاني، بغير الهاء: فإنه يُحدُّ، بالإجماع؛ لأن الأصل في الكلام التذكير. - وإن قال الرجل: زنأتَ: حُدَّ. - وإن قال: زنأتَ في الجبل: حُدَّ أيضاً عندهما. وقال محمدٌ: لا يُحدُّ؛ لأن المهموز منه: للصعود حقيقةً. قالت امرأةٌ من العرب وهي تُرَقِّص ابنَها: ولا تكونَنَّ کھلَّوْفِ وَكَلْ أَشْبِه أبا أُمِّك، أو أشْبِهْ ((عَمَلْ)) وارْقَ إلى الخيرات زَنْئاً في الجبل يصبحُ في مضجعه قد انجدل ((عَمَل)): اسمُ خاله، أي لا تتجاوَزْنا في الشَّبَه. والهِلَّوْقُ(١) : الثقيلُ الجافي، العظيمُ اللِّحية. والوَكَلُ: العاجز، الذي يكِلُ أمرَه إلى غيره(٢). ولأن ذكْر الجبل يُقدِّرُه مرادُ أولُهما، أنه يُستعمل في الفاحشة مهموزاً أيضاً. وحالة الغضب والمشاتمة تُعيِّن الفاحشةَ مراداً، بمنزلة ما إذا قال: يا زانىء: بالهمز، أو قال: زنأتَ، ولم يذكر الجبلَ. (١) ينظر القاموس المحيط (هلف). (٢) ينظر لهذا الرجز: لسان العرب (وكل). ٣٦٦ باب حد القذف • وذِكْر الجبل إنما يُعيِّنُ الصعودَ مراداً إذا كان مقروناً بكلمة: على؛ لأنه هو المستعمل فيه. - ولو قال: زنأتَ على الجبل: لم يُحَدَّ؛ لما ذكرنا. وقيل: يُحدّ كذا في ((الهداية))(١). - ولو قذف رجلاً بغير لسان العرب، أيِّ لسانٍ كان: فهو قاذِفٌ. - ولو قال لامرأةٍ: يا زانية، فقالت: زنيتُ بك: حُدَّت المرأة، ولم يُحدُّ الرجل؛ لأنها صدَّقته حين قالت: زنيتُ، وقَذَفَتْه بقولها: بك، فسقط حكمُ قَذْفه، وبقي حُكْم ◌َذْفِها. - ولو قال: يا زانية، فقالت: لا، بل أنتَ الزاني: حُدَّا جميعاً؛ لأن كل واحدٍ منهما قَذَفَ الآخرَ، ولم يوجد من المقذوف تصديقٌ. - ولو قال: يا زانية، فقالت: زنيتُ معك: فلا حدَّ علىُ واحدٍ منهما؛ لأن قولها: زنيتُ: تصديقٌ، وقولها: معك: يحتمل أن يكون وأنتَ حاضرٌ، أو شاهدٌ، فلم يكن قذفاً. - ولو قال: يا زانية، فقالت: أنتَ أزنىُ مني: حُدَّ الرجلُ؛ لأنه قَذَفَها، وليست هي بقاذفةٍ؛ لأنه يحتمل: أنت أعلم مني بالزنا. - ولو قال لرجلٍ: ما رأيت زانياً خيراً منك، أو قال ذلك لامرأةٍ: فلا (١) ١١٤/٢. ٣٦٧ باب حد القذف · حدَّ عليه؛ لأنه جَعَلَ المخاطبين خيراً من الزناة، وهذا لا يقتضي المشاركة في الزنا. - ولو قال لامرأة: زنى بكِ زوجُك قبل أن يتزوجك: فهو قاذفٌ؛ لأن الزنا يصح منها قبل النكاح. - ولو قال: زنىُ فخذُك، أو ظهرُك: فليس بقاذف. - وإن قال: زنىُ فرجُك: فهو قاذفٌ. - وإن قال: زنى بك فلانٌ بأصبعه: فليس بقاذف. - وإن قال: زنيت وأنتِ صغيرةٌ أو مكرهةٌ أو نائمةٌ أو مجنونةٌ: لم يُحدَّ. - وكذا إذا قال: وُطئت وطئاً حراماً؛ لأن وطء الحرام قد يكون بالزنا وغيره. - ولو قال لأمة قد أُعتقت، أو الكافرةٍ قد أسلمت: زنيتِ وأنتِ أمة أو كافرة: فعليه الحد؛ لأنه قاذِفٌ يومَ تكلم بزناها، والمعتبرُ عندنا في القذف: حال ظهوره، دون حال الإضافة. - ولو قال لرجل: اذهب فقل لفلان: يا زاني، أو يابْن الزانية: فلا حدَّ على المرسِل؛ لأنه أَمَرَه بالقذف، ولم يقذف، والأمر: ليس بقذف، كما أن الأمر بالزنا: ليس بزناً. ٣٦٨ باب حد القذف ومَن قال لرجل : يابْن ماءِ السماء : فليس بقاذفٍ. وأما الرسول: فإن قذف قذفاً مطلقاً: حُدَّ، وإن قال له: إن فلاناً أرسلني إليك يقول لك: كذا: فلا حدَّ عليه؛ لأنه حاكِ للقذف عن غيره. - وإن قال: زنيتَ وفلانٌ معك: فهو قاذفٌ لهما. - وإن قال: عَنَيْتُ فلاناً معك شاهداً: لم يُلتفت إلى ذلك، وعليه الحد؛ لأنه عَطَفَ فلاناً على الضمير في: زنيتَ، فاقتضى اشتراكهما في الفعل. - وإن قال لامرأة: زنيتِ ببعيرٍ أو بثورٍ أو بحمارٍ أو بفرسٍ: فلا حدَّ عليه؛ لأنه أضاف الزنا إلى مَن يكون منه الوطء، فكأنه قال: وطئكِ حمارٌ أو ثورٌ. - وإن قال: زنيتِ ببقرةٍ أو بشاةٍ أو بثوبٍ أو بدراهم: فهو قاذفٌ؛ لأن الأنثى لا يكون منها فعل الزنا لأنثى، فحُمل ذلك على العوض. - وإن قال الرجل: زنيتَ ببقرةٍ أو بناقةٍ: فلا حدَّ عليه؛ لأنه لا يكون بذلك زانیاً. - وإن قال: زنيتَ بأمةٍ: حُدَّ. - وإن قال: زنيتَ بثورٍ أو ببعير: لم يكن قاذفاً. * قوله: (ومَن قال لرجلٍ: يابْنَ ماء السماء: فليس بقاذف)؛ لأنه = وسِ يحتمل المدح بحُسن الخلق والكرم والصفاء، ولأن ابنَ ماءِ السماء لُقُّب به لصفائه وسخائه، وهو اسمٌ لجد النعمان بن المنذر. ٣٦٩ باب حد القذف وإذا نَسَبَه إلى عمِّه، أو إلىُ خالِه، أو زوجٍ أمِّه: فليس بقاذفٍ. ومَن وطىء وطأَ حراماً في غير ملكه: لم يُحدَّ قاذفُه. * قوله: (وإن نَسَبَه إلى عمه، أو إلى خاله، أو زوج أمه: فليس بقاذفٍ)؛ لأن كل واحدٍ من هؤلاء يسمى أباً، قال الله تعالى: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾. البقرة/ ١٣٣، وإسماعيلُ كان عمّاً له. وفي الحديث: ((الخالُ أبٌ)(١). وزوجُ الأم يسمى: أباً؛ للتربية. * قوله: (ومَن وطئ وطئاً حراماً في غير ملكه: لم يُحدَّ قاذفُه). - قيَّد بغير الملك: احترازاً عن وطء امرأته الحائض، وأمته المجوسية، فإنه حرامٌ في الملك. - وإنما لا يُحدُّ قاذف الواطئ في غير الملك؛ لأن الوطء في غير الملك: يُشبه الزنا، وهو كمن وطئ المعتدةَ منه من طلاقٍ بائنٍ أو ثلاث، فهذا وطءَ حرامٌ في غير الملك. - وكذا إذا وطئ أمتَه وهي أختُه من الرضاعة، أو أمُّه من الرضاعة: لم يُحدَّ قاذفه؛ لأنها حرامٌ حرمةً مؤبَّدةً، بخلاف وطء امرأته الحائض، وأمته (١) قال في نصب الراية ٣٥٣/٣: غريب. اهـ لكن عزاه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١١١/٧ للخرائطي في مكارم الأخلاق، وقال: إسناده ضعيف، وعزاه العجلوني في كشف الخفاء ٤٤٨/١ لابن شاهين، نقلاً عن المقاصد الحسنة ص٢٠٨، وأنه حديث ضعيف. ٣٧٠ باب حد القذف المجوسية؛ لأنها حرمةٌ مؤقتة. - وكذا إذا تزوج أختين في عقدٍ واحدٍ، أو امرأةً وعمتَها أو خالتَها، ووطئهما: فلا حدّ على قاذفه. - وكذا إذا وطىء أمَةً بينه وبين غيره، أو جاريةَ أبيه أو أُمِّه، أو أمَةً قد وطئها أبوه، أو وطئ هو أمَّها: فلا حدَّ على قاذفه. - وإن وطئ مكاتبتَه: فعندهما يُحدُّ قاذفُه؛ لأنها ملْكه، وتحريمُها عارضٌ، فهي كالحائض، والمجوسية. وقال أبو يوسف وزفر: لا يُحدُّ قاذفُه؛ لأن ملكَه زال عنها(١)؛ بدلالة وجوب المهر عليه. - وإن تزوج امرأةً بغير شهودٍ، أو امرأةً وهو يعلم أن لها زوجاً، أو في عدةٍ من زوجٍ، أو ذات رَحِمٍ مَحرَمٍ منه، وهو يعلم، فوطئها: فلا حدَّ على قاذفه. - وإن أتى شيئاً من ذلك بغير علمٍ: قال أبو يوسف: يُحدُّ قاذفه. - وإن تزوج أمةً على حرةٍ، فوطئها: يُحَدُّ قاذفه. - وإن لَمَسَ امرأةً بشهوةٍ، أو قبَّلها، أو نظر إلى فرجها بشهوةٍ، ثم تزوج بنتها، ودخل بها، أو تزوج أمَّها، ودخل بها: لم يسقط إحصانه عند (١) وفي نسخ: لأن ملكه زال عن وطئها. ٣٧١ باب حد القذف والملاعَنَةُ بولدٍ : لا يُحدُّ قاذِفُها. وإن كانت الملاعَنَةُ بغير ولدٍ : حُدَّ قاذِفُها. ومَن قَذَفَ أمَةً، أو عبداً، أو كافراً بالزنا، أو قَذَفَ مُسلماً بغير الزنا، فقال : یا فاسق، أو: يا كافر، أو: يا خبيث : عُزِّر. أبي حنيفة، حتى إنه يُحَدُّ قاذفُه عنده. وقال أبو يوسف ومحمد: يسقط إحصانه، حتى إنه لا يُحدُّ قاذفُه. * قوله: (والملاعَنة بولدٍ: لا يُحَدُّ قاذفُها)؛ لأن ولدها غيرُ ثابت النسب من أحدٍ. - فإن ادعى الأبُ الولدَ بعد القذف: لم يُحَدَّ قاذفُها. - وإن قذفها قاذفٌ بعد ما ادعى الأبُ الولدَ: حُدَّ. - (وإن كانت ملاعَنَةً بغير ولد، فقذفها قاذفٌ: حُدَّ). - وإن دخل حربيٌّ إلينا بأمان، فقذف مسلماً: حُدَّ؛ لأن فيه حقَّ العبد. - وحدُّ الشُّرْب لا يُقام عليه، كالذمي. - وحد السرقة والزنا لا يُقام عليه عندهما. وقال أبو يوسف: يُقام علي. - وأما الذمي: فإنه يقام عليه حد الزنا، والسرقة، بالإجماع. * قوله: (ومَن قَذَفَ أمةً أو عبداً أو أمَّ ولد، أو كافراً بالزنا): عُزِّر، ويُبلَغ بالتعزير غايته؛ لأنه قَذْفٌ بجنس ما يجب فيه الحدّ. * قوله: (أو قَذَفَ مسلماً بغير الزنا، فقال: يا فاسق، أو: يا كافر، أو: يا خبيث: عُزِّر)، إلا أنه لا يُبلَغ بالتعزير غايتُه في هذا، بل يكون الرأي فيه ٣٧٢ باب حد القذف وإن قال: يا حمار، أو: يا خنزير: لم يُعزَّر. إلى الإمام، فُعزِّرُه على قَدْر ما یری. - وكذا إذا قال: یا فاجر، أو يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، أو يا كافر، أو يا مُخَّث، أو يابْن الفاسق، أو يابْن الفاجر، أو يابْن القَحبة، أو يابْن الفاسقة، أو يابْن الخبيثة، أو يالصُّ، أو يا سارق: فإنه يُعزَّر في جمیع ذلك. - أما إذا قال: يا فاسق، أو يا لصُّ، أو يا سارق وهو كذلك: لم يُعزَّر. - وكذا إذا قال: يا آكل الربا، أو يا شارب الخمر، وكان يفعل ذلك: لم يُعزَّر، وإن لم يفعله: عُزِّر. * قوله: (وإن قال: يا حمارُ، أو يا خنزيرُ: لم يُعزَّر). ۔ وکذا إذا قال: یا کلب، أو یا قِرْد، أو یا ثَوْر، أو یابْن الكلب، أو یابْن الحمار: لم يُعزَّر؛ لأنه كاذبٌ. ولأن العرب قد تتسمى بهذه الأسماء، يقال: سفيان الثّوْري، ودِحْية الكَلْبِي. وقيل: في عرفنا يُعزَّر في جميع ذلك؛ لأنه يُعدُّ سَبّاً. وقيل: إن كان المسبوبُ به من الفقهاء أو العَلوِيَّة(١): يُعزَّر، وإلا: فلا، وهذا أحسن. (١) نسبةً إلى سيدنا علي رضي الله عنه. ينظر ابن عابدين ط دمشق ٢٤٥/١٢. ٣٧٣ باب حد القذف والتعزيرُ أكثرُه: تسعةٌ وثلاثون سَوْطاً، وأقلُّه : ثلاثُ جلدات. - ولو قال: يا لاهي، أو يا مَسخرة، أو يا ضُحكة، أو يا مُقامر: فالظاهر أنه يُعزَّر. - وإن قال: يا بَلِيد: عُزِّر. كذا في ((الواقعات)). - وإن قال: يا سُفْلة: عُزِّر. واختلفوا في السُّقْلة: قال أبو حنيفة: هو الكافر. وقال أبو يوسف: هو الذي لا يبالي بما قال، وما قيل له. وقال محمد: وهو المقامِر، واللاعب بالطنبور. وقال محمد بن سَلَمة: هو الذي يأتي الأفعالَ الدنيئة. وقال نَصِيرُ بن يحيىُ: هو الذي إذا دُعي إلى الطعام أكل وحَمَلَ. [أحكام التعزير :] * قوله: (والتعزيرُ أكثرُه تسعةٌ وثلاثون سَوْطاً، وأقلُّه: ثلاثُ جلدات)، لأن أقلّ من ذلك: لا يقع به الانزجار، وهذا قولهما. - ولا يُبلَغ به إلى الأربعين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أتى حدَّاً في غير حدٍّ: فهو من المعتدين))(١). والأربعون: حدٍّ في العبيد في القذف، فيُنقَص منه سوطٌ. (١) الآثار لمحمد بن الحسن ص١٣٣، مرسلاً، سنن البيهقي ٣٢٧/٨، وقال: المحفوظ مرسل، ورواه ابن ناجية في فوائده، كما في نصب الراية ٣٥٤/٣. ٣٧٤ باب حد القذف وقال أبو يوسف: يُبْلَغُ بالتعزير خمسةً وسبعين سوطاً. - ويستوي في التعزير الحرُّ والعبد، والمرأةُ والرجل؛ لأن المقصود به الانزجار. * قوله: (وقال أبو يوسف: يُبلَغ بالتعزير خمسةً وسبعين سَوْطاً). ءِ اعتبر أبو يوسف أقلّ الحد في الأحرار، إذ الأصل هو الحرية، وأقلّ حدٍّ في الحرِّ: ثمانون، فيُنْقَص منه سَوْطٌ في رواية، وهو قول زفر. وفي رواية ((الكتاب)): يُنقَص منه خمسةُ أسواط، وهو مأثورٌ عن عليٍّ رضي الله عنه. وتأويله أن علياً كرَّم الله وجهه كان يَعقِد لكل خمسةٍ عُقدةً، فلما بلغ خمساً وسبعين: عَقَدَ، وذلك خمس عشرة عُقّدةً، ثم لم يَعقِد في الباقي، وهو أربع جلدات؛ لأنها لم تبلغ خمساً، فظنَّ الراوي أنه اقتصر على خمس وسبعين. - فأما العبد: فيُعزَّر على قول أبي يوسف خمساً وثلاثين؛ لأن أدنى حدِّ: أربعون، فيُنقَص خمسةً؛ قياساً على الحر. - وكذا أيضاً عند أبي حنيفة يُعزَّر العبدُ ما بين ثلاثة أسواطِ إلى تسعةٍ وثلاثين، على ما يراه القاضي. - ثم التعزيرُ على أربع مراتب: ١ - تعزيرُ الأشراف، كالدَّهاقِنة، والقُوَّاد. ٢- وتعزيرُ أشرافِ الأشراف، كالفقهاء، والعَلَوية. ٣٧٥ باب حد القذف وإن رأى الإمامُ أن يَضُمَّ إلى الضرب في التعزير الحبسَ : فَعَلَ. وأشدُّ الضرب : التعزيرُ، ٣- وتعزير الأوساط. ٤ - وتعزيرُ الخِسَاس. فتعزيرُ الأشراف: الإعلامُ، والجَرُّ إلى باب القاضي. وتعزيرُ أشرافِ الأشراف: الإعلامُ، لا غيرَ، وهو أن يقول له القاضي: بلغني أنك تفعل كذا. وتعزيرُ الأوساط، كالسُّوْقة: الإعلامُ، والجَرُّ إلى باب القاضي، والحَبْسُ. وتعزيرُ الخِسَاس: الجَرُّ، والضرب، والحبسُ. - ولا تُقبل في التعزير شهادةً النساء مع الرجال عند أبي حنيفة؛ لأنه عقوبة كالحد والقصاص. وقال أبو يوسف ومحمد: تُقبل فيه شهادة النساء مع الرجال؛ لأنه حقُّ آدمي، کالدیون؛ لأنه يصح العفوُ عنه. * قوله: (وإن رأى الإمامُ أن يَضمَّ إلى الضرب في التعزير الحبسَ: فَعَلَ)؛ لأن التعزير موقوفٌ على رأي الإمام، والمقصودُ منه الردع والزجر، فإذا رأى أن الشاتم لا يرتدع بالضرب: حَبَسَه أيضاً، وإن كان يرتدع: لا یحبسه. * قوله: (وأشدُّ الضرب: التعزيرُ)؛ لأنه مخفّفٌ من حيث العدد، فلا يُخفَّفُ من حيث الوصف؛ كي لا يؤديَ إلى تفويت المقصود، ولهذا لم ٣٧٦ باب حد القذف ثم حدُّ الزنا، ثم حدُّ الشرب، ثم حدُّ القذف. يُخفَّف من حيث التفريق على الأعضاء. * قوله: (ثم حدُّ الزنا)؛ لأنه ثابتٌ بالكتاب، ومؤكَّدٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾. النور / ٢. * قوله: (ثم حدُّ الشرب)؛ لأن سببه متيقّنٌ. * قوله: (ثم حدُّ القذف)؛ لأن سببه محتملٌ؛ لاحتمال كونه صادقاً، ولأنه قد جرى فيه التغليظ من حيث رد الشهادة، فلا يُغلَّظ من حيث الوصف. - قال في ((الفوائد)): واختلفوا في كيفية شدة التعزير: قال بعضهم: يُجمع في موضع واحد. وقال بعضُهم: الشدة من حيث الضرب. وفي حدود ((الأصل)): يُفرَّق على الأعضاء. وفي أشربة ((الأصل)): يُضرب في موضعٍ واحد. وقيل: إنما اختلف الجواب؛ لاختلاف الموضوع، فموضوع الأول: إذا بلغ بالتعزير أقصاه، وفي الثاني: إذا لم يبلغ به أقصاه. - فإن اجتمعت الحدودُ الأربعة: حدُّ القذف، وحدُّ السرقة، وحدُّ الزنا، وحدُّ الشرب: قال أبو حنيفة: يُبدأ بحد القذف، ثم يُحبس، فإذا برئ: فالإمامُ ٣٧٧ باب حد القذف ومَن حَدَّ الإمامُ، أو عزَّره، فمات : فدمُهُ هَدَرٌ. وإذا حُدَّ المسلمُ في القذف: سَقَطَت شهادتُه وإن تاب. بالخيار: إن شاء قدَّم حدَّ الزنا على حد السرقة، وإن شاء قدَّم حدَّ السرقة عليه، ثم يُحبس، فإذا برىء: حُدَّ في الآخر، ثم حُبِس حتى يبرأ، فإذا برئء: أقام عليه حدَّ الشرب. فإن كان معها رجمٌ: يُبدأ بحد القذف. - ويَضمن المالَ في السرقة، ثم يُرجم، ويَبطل ما عداها. - وإن كان فيها قصاصٌ في النفس، أو فيما دونها: يُبدأ بحد القذف، ثم يُقْتَصُّ فيما دون النفس، ثم يُقتصُّ في النفس، ويلغو ما عدا ذلك من الحدود. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (ومَن حَدَّه الإمامُ، أو عزَّره، فمات: فدمُه هَدَرٍّ)؛ لأنه فَعَلَه بأمر الشرع، وفِعْلُ المأمور به لا يتقيد بشرط السلامة. : قوله: (وإذا حُدَّ المسلمُ في القذف: سقطت شهادتُه وإن تاب)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْ لَمْ شَدَةً أَبَدًا﴾. النور / ٤. ولأنه آذى المقذوفَ بلسانه، فسَلَبَه اللهُ ثمرةً لسانه؛ مجازاةً له، وثمرةُ اللسان: نَفاذُ الأقوال، فلو قُبِل بعد التوبة: لتُوُهِّم أن قَذْفه كان صدقاً، فینهتك عرضُ المسلم. ٣٧٨ باب حد القذف وعند الشافعي (١): تُقبل شهادته إذا تاب؛ لقوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ . النور / ٥. قلنا: هذا الاستثناء راجعٌ إلى ما يليه من الفسق، دون المنع من قبول الشهادة، ولأنه أقرب إلى الاستثناء. ولأن الله تعالىُ ذَكَرَ شيئين: الفسقَ، وسقوطَ الشهادة، فبالتوبة: يزول عنه اسمُ الفسق، ويبقى المنعُ من قبول الشهادة؛ لأن الله أكَّد سقوطَ الشهادة بالتأبيد، فلو كانت شهادتُه تُقبل بالتوبة: لم يكن لذكر التأبيد معنىً. - فإن ارتدَّ بعد إقامة الحد عليه، ثم أسلم: لم تُقبل شهادتُه؛ لأنه حُدَّ في الإسلام حداً كاملاً. - وإن كان القاذفُ كافراً، فحُدَّ في حال كفره، ثم أسلم بعد ذلك: جازت شهادتُه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الإسلام يجُبُّ ما قبله))(٢). - وإن كان المحدود عبداً، فأُعتق: لم تجز شهادتُه أبداً وإن تاب؛ لأن له نوعَ شهادةٍ؛ بدليل أنه لو شهد برؤية هلالِ رمضان: قُبلت شهادتُه. - ولو قَذَفَ العبدُ رجلاً في حال الرق، ثم أُعتق: يُقام عليه حدُّ العبيد. (١) مغني المحتاج ٤٣٨/٤. (٢) مسند أحمد ٢٠٥/٤، ولفظ مسلم في صحيحه (١٩٢): ((الإسلام يهدم ما کان قبله)). ٣٧٩ باب حد القذف وإن حُدَّ الكافرُ في القذف، ثم أسلم: قُبِلت شهادتُه. * قوله: (وإن حُدَّ الكافرُ في القذف، ثم أسلم: قُبلت شهادتُه). - اعلم أن الكافر إذا حُدَّ في قذفٍ: لم تُقبل شهادته على أهل الذمة؛ لأن له شهادةً على جنسه، فتُردُّ؛ تتميماً لحدِّه. - فإن أسلم: قُبلت عليهم، وعلى المسلمين؛ لأنه بالإسلام حدثت له عدالةً لم تَخرج، وهي عدالة الإسلام. - بخلاف العبد إذا حُدَّ، ثم أُعتق، حيث لا تُقبل شهادته. - وإن كان القذف في حال الكفر، فحُدَّ في حال الإسلام: بطلت شهادتُه على التأبيد؛ لأن الحد حصل وله شهادةٌ، فبطلت؛ تتميماً لحدٍ .. - بخلاف ما إذا حُدَّ وهو كافرٌ؛ لأنه حُدَّ ولا شهادةَ له، فلم يصادف الحدُّ شهادةً يبطلها. - ولو حصل بعضُ الحد في حالة كفره، وبعضُه في حالة إسلامه: ففي ظاهر الرواية: لا تبطل شهادته على التأبيد، حتى لو تاب: قُبلت؛ لأن المبطل كمالُه، وكمالُه لم يوجد في حالة الإسلام. وفي رواية: إذا وُجد السوط الأخير في حالة الإسلام: بطلت شهادتُه على التأبيد؛ لأن المُبطِل للشهادة هو السوط الأخير؛ لأنه لو أُقيم عليه بعضُ الحد، ثم قَذَفَ آخرَ: فإنه يُضرب الباقي، وتبطل الشهادة. وفي رواية: اعتَبر أكثرَ الحدِّ، فإن وُجد أكثرُه في حالة الإسلام: بطلت شهادته على التأبيد، وإن وُجد أكثرُه في حالة الكفر: لا تبطل شهادته. ٣٨٠ باب حد القذف - وفي «الهداية» (١): إذا ضُرب الكافرُ سوطاً واحداً في قذفٍ، ثم أسلم، ثم ضُرب ما بقيَ: جازت شهادتُه. وعن أبي يوسف: تُردُّ شهادته، والأقلُّ: تابعٌ للأكثر. والأول أصحُّ: - ولو قَذَفَ، ثم أسلم، ثم حُدَّ كلّ الحد بعد الإسلام: لا تُقْبل شهادته، بالإجماع. - ولو ضُرب المسلمُ بعض الحد، ثم هرب قبل تمامه: ففي ظاهر الرواية: أنه تُقبل شهادتُه ما لم يُضرب جميعه. وفي رواية: إذا ضُرب سوطاً واحداً: لا تُقبل شهادته. وفي رواية: إذا ضُرب أكثره: سقطت شهادتُه، وإن ضُرب الأقل: لا تسقط. - قال في ((المنظومة))(٢): لأبي حنيفة: وجاء عنه إذ يُقام الأكثرُ شهادةُ الرامي بسَوْطٍ تُهدَر وذاك قول صاحبيه فاعلما وجاء عنه الردُّ حين تُمِّما والله أعلم. (١) ١١٦/٢. (٢) للنسفي ص١٣٣.