النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب الحدود - وكذا العبد في مال مولاه، يأكل منه عند حاجته، فجاز أن يشتبه عليه الاستمتاعُ، فكان شبهةَ اشتباه، إلا أنه زناً حقيقةً، فلا يُحدُّ قاذفه. - وكذا إذا قالت الجاريةُ: ظننتُ أنه يحل لي، والفحلُ لم يدَّعِ الحِلّ؛ لأن الفعل واحدٌ، فأيهما قال: ظننت أنها تحل لي: دُرى عنهما الحدُّ، حتى يُقرَّا جميعاً أنهما قد علما أن ذلك حرامٌ عليهما. - قال في ((الواقعات)): رجلٌ زنى بجارية أبيه أو أُمه أو جدِّه أو جدته، وقال: ظننتُ أنها تحلّ لي، وقالت الجارية: إنه عليَّ حرامٌ: دُرئ الحدُّ عنهما، إجماعاً. - ولو كان على العكس، بأن قالت الأمة: ظننتُ أنه حلالٌ، وقال هو: علمتُ أنه حرامٌ: دُرى الحدُّ أيضاً عنهما عند أبي يوسف ومحمد. وعند أبي حنيفة: يجب عليه الحدُّ، ودُرئ عنها. - وقوله: وإن قال: ظننتُ أنها تحلّ لي: لم يُحدَّ: ولا يثبت النسبُ إذا ادعى أنه ابنُه من هذا الوطء. - فإن مَلَكَ الصبيَّ: عَتَقَ عليه. - وإن مَلَكَ أُمَّه: لم تَصرْ أمَّ ولدٍ له، وكان له بيعُها. - وإن وطئ جاريةً من المغنَم قبل القسمة وهو من الغانمين: فلا حدّ عليه وإن قال: علمتُ أنها حرامٌ؛ لأن الغنيمة مشتركةٌ بين الغانمين: فله حکم الملك، ولا يثبت نسب الولد. ٣٤٢ كتاب الحدود ومَن وطىء جاريةَ أخيه، أو عمِّه، وقال: ظننتُ أنها حلالٌ: حُدَّ. ومَن زُقَّت إليه غيرُ امرأتِه، وقالت النساءَ : إنها زوجتُك، فوطئها: فلا حدًّ علیه، وعلیه المھرُ. وَمَن وَجَدَ امرأةً على فراشه، فوطئها : فعليه الحدّ . ومَن تزوج امرأةً لا يَحِلّ له نكاحُها، فوطئها : لم يجب عليه الحدُّ. 93 * قوله: (ومَن وطئ جاريةَ أخيه أو عمِّه، وقال: ظننتُ أنها تحلّ لي: حُدَّ)؛ لأنه لا انبساطَ بينهما في المال. - وكذا سائر المحارم، سوى الأولاد. * قوله: (ومَن زُفَّت إليه غيرُ امرأته، وقالت النساء: إنها زوجتُك، فوطئها: فلا حدَّ عليه، وعليه المهرُ)، يعني مهرَ المثل، وعليها العدةُ. ولا يُحَدُّ قاذفُه؛ لأن وطأه في غير ملكه، ويثبت نسب ولدها. * قوله: (ومَن وَجَدَ امرأةً على فراشه، فوطئها: فعليه الحدُّ)؛ لأنه لا اشتباهَ بعد طول الصحبة. ولا تُشبه مسألةَ الزفاف؛ لأنه هناك جاهلٌ بها؛ لأن الإنسان لا يُفرِّق بين امرأته وغيرها في أول الوَهلة، ولهذا يثبت النسب في مسألة الزفاف، ولا يثبت في ولد هذه. - وكذا إذا كان أعمىّ؛ لأنه يُمكنه التمييز بالسؤال، إلا إذا دعاها، فأجابته أجنبيةٌ، وقالت: أنا زوجتُك، فوطئها: لم يُحدَّ، ويثبت نسب ولدها منه، وهي كالمزفوفة إلى غير زوجها. * قوله: (ومَن تزوج امرأةً لا يحلّ له نكاحُها، فوطئها: لم يجب عليه الحدُّ)، ويُعزَّر إن كان يعلم ذلك، وهذا عند أبي حنيفة. ٣٤٣ كتاب الحدود ومن أتى امرأةً في الموضع المكروه، أو عَمِلَ عملَ قوم لوطٍ : فلا حدَّ عليه عند أبي حنيفة، ويُعَزَّر. وقال أبو يوسف ومحمد : هو كالزنا، فيُحَدُّ. وعندهما: يُحدُّ إذا كان عالماً بذلك؛ لأنه عقدٌ لم يصادف محلّه، فیلغو. ولأبي حنيفة: أنه ليس بزناً؛ لأن الله تعالى لم يُبحِ الزنا في شريعةِ أحدٍ من الأنبياء، وقد أباح نكاحَ ذوات المحارم في شريعة بعض الأنبياء. - وإنما عُزِّر؛ لأنه أتىُ مُنكَراً. * قوله: (ومَن أتى امرأةً في الموضع المكروه، أو عَمِلَ عَمَلَ قومٍ لوطٍ: فلا حدَّ عليه عند أبي حنيفة، ويُعزَّر)، ويُودَع في السجن. (وقال أبو يوسف ومحمد: هو كالزنا، وعليه الحد). هذا على وجهين: إن كان فَعَلَه في زوجته أو أمته: فلا حدَّ عليه، ويُعزَّر. وإن فَعَلَه في أجنبيةٍ، أو في رجلٍ: فلا حدَّ عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يسمىُ زناً، ويُعزَّر؛ لأنه أتى مُنكَراً. وقيل: الخلافُ في الغلام، أما إذا أتى أجنبيةً في دُبرها: يُحدُّ، إجماعاً. - ولو فَعَلَه في عبده أو أمته أو زوجته: لا يُحدُّ، بلا خلافٍ، ويُعزَّر. كذا في ((الفتاوى)). ٣٤٤ كتاب الحدود ومَن وطىء بهيمةً : فلا حدَّ عليه. - والاستمناء: حرامٌ، وفيه التعزير. - ولو مكَّن امرأتَه أو أمته من العبث بذَكَره، فأنزل: فإنه مكروهٌ (١)، ولا شيء عليه. - ثم على قولهما: إذا أتى أجنبيةً في دُبرها، أو عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ: فإنهما يُحدَّان جميعاً إن كانا محصَنَيْن رجماً، وإن لم يكونا محصنين: جُلِدا؛ لأنه في معنى الزنا. - ثم الشهادة على اللواط لا بدَّ فيها من أربعة عندهما، كالزنا. وعند الشافعي (٢): مَن عَمِلَ عَمَلَ قومٍ لوطٍ: قُتِل الفاعلُ والمفعولُ به على كل حال، محصَنين كانا أو غير محصَنين. * قوله: (ومَن وطئ بهيمةً: فلا حدَّ عليه)؛ لأنه ليس بزناً. - وقوله: ويُعزَّر(٣)؛ لأنه مُنكَرٌ. - ويُقبل في ذلك شاهدان؛ لأنه ليس بزناً. (١) قال الشرنبلالي في غنية ذوي الأحكام على درر الحكام ٦٦/٢: ((مكروهٌ عند بعضهم، كما في السراج)). اهـ، وقال ابن عابدين ٩٣/١٢ عند ذِكْره لعبارة الجوهرة هذه: ((الظاهر أنها كراهة تنزيهية، ولا إثمَ، وقدَّمنا ٢٧٣/٦ عن المعراج: يجوز أن یستمني بید زوجته أو خادمته)). اهـ (٢) هذا قول عند الشافعية، والمعتمد أنه يحد كالزاني. مغني المحتاج ١٤٤/٤. (٣) هذا يُشعر أن في المتن زيادةٌ، وتكون العبارة: (فلا حدَّ عليه، ويُعزَّر). ٣٤٥ كتاب الحدود ومَن زنى في دار الحرب، أو في دار البغي، ثم خَرَجَ إلينا: لم نُقِم علیه الحدَّ. - ولو مكَّنت امرأةٌ قرداً من نفسها، فوطئها: كان حكمها: كإتيان الرجل البهيمةَ. * قوله: (ومَن زنى في دار الحرب، أو في دار البغي، ثم رجع إلينا: لم نُقِم عليه الحدَّ)، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: يُحدُّ. لنا: أنه زنى في موضعٍ لا يدَ للإمام فيه، فلم يُحدَّ، ولا يقام بعد ما أتانا؛ لأنه لم ينعقد موجباً. الأصل عند أبي حنيفة: أن الحربي المستأمِن، والحربيةَ المستأمنة: بمنزلة الغائب والغائبة. وعند محمد: بمنزلة المجنون والمجنونة، والصبيِّ والصبية. وعند أبي يوسف: بمنزلة الذميِّ والذمية. بيانه: أن المسلم والذمي إذا زنى بحربيةٍ مستأمِنة: فإنه يُحدُّ المسلم، ولا تُحدُّ المستأمِنة عند أبي حنيفة ومحمد. أما على قول أبي حنيفة: فلأنها كالغائبة، ومَن زنىُ بامرأةٍ، ثم غابت: يُحدُّ الرجل. وعند محمد: هي كالمجنونة، فصار كعاقلٍ زنى بمجنونة، فإنه يُحد. وعلى قول أبي يوسف: يُحدَّان جميعاً، كذميِّ زنى بذميةٍ. ٣٤٦ كتاب الحدود • . - ولو زنى حربيٌّ مستأمِنٌ بمسلمةٍ أو ذميةٍ: لا يُحدُّ الحربيُّ، وهو كغائب عند أبي حنيفة، وتحد الذمية أو المسلمة. وعند محمد: لا يحدّان جمیعاً، کمجنون زنى بعاقلة. وعند أبي يوسف: يُحدَّان جميعاً، كذميِّ زنى بذميةٍ، فإنهما يحدَّان جميعاً، بالإجماع. - ثم الأصل: أن الحد متى سقط عن أحد الزانيين بالشبهة: سقط عن الآخر للشركة، كما إذا ادعى أحدُهما النكاحَ، والآخرُ ينكر. - ومتى سقط لقصور الفعل: فإن كان القصور من جهتها: سقط الحدُّ عنها، ولم يسقط عن الرجل، كما إذا كانت صغيرةً أو مجنونةً أو مُكرَهةً أو نائمةً. - وإن كان القصور من جهته: سقط عنهما جميعاً، كما إذا كان مجنوناً أو صبياً أو مُكرَها. - ثم حدُّ السرقة والزنا لا يقام على المستأمِن عندهما. وقال أبو يوسف: يقام عليه. - وحدُّ الشرب لا يقام عليه، بالإجماع. - وحد القذف، والقصاص يقام عليه، بالإجماع. - وأما الذمي فهو فيما سوى حد الشرب: كالمسلم، إجماعاً، ولا يجب عليه حد الشرب. ٣٤٧ كتاب الحدود - وإذا زنى الصبيُّ أو المجنونُ بامرأة مطاوعةٍ: فلا حدَّ عليه، ولا عليها. وقال زفر: عليها الحدُّ. - وإذا زنى صحيحٌ بمجنونةٍ أو صغيرةٍ: حُدَّ الرجلُ خاصةً، إجماعاً. لنا: أن فعل الزنا يتحقق منه، وإنما هي محلّ للفعل، ولهذا يسمى هو: واطئاً وزانياً، وهي موطوءةٌ ومزنيٌّ بها، إلا أنها سُمِّيت زانيةً مجازاً؛ لكونها مسيِّية بالتمكين، فتعلَّق الحدُّ في حقها بالتمكين من قُبْح الزنا، وهو فِعْلُ مَن هو مخاطَبٌ بالكفِّ عنه، آثمٌ بمباشرته، وفِعْلُ الصبي ليس بهذه الصفة. - وإذا زنىُ بجاريةٍ، فقتلها بفعل الزنا: حُدَّ، وعليه القيمة. وعن أبي يوسف: لا يُحدُّ؛ لأن تقرر ضمانُ القيمة سببٌ لملكها، فكأنه اشتراها بعد ما زنی بها. ـ ومَن زنى بأمة، ثم اشتراها، أو وُهبت له وقَبَضَها، أو ورثها، أو أُوصيَ له بها، أو ملك شيئاً منها: دُرئ عنه الحد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: عليه الحد. - ولو غصب أمةً، فزنى بها، فماتت من ذلك، أو غصب حرةً ثيباً، فزنى بها، فماتت من ذلك: فإن أبا حنيفة قال: عليه الحدُّ في الوجهين، وعليه مع ذلك ديةُ الحرة، وقيمة الأمةُ. أما الحرة: فلا إشكالَ فيها؛ لأنها لا تُملك بدفع الدية. ٣٤٨ كتاب الحدود • وأما الأمة: فإنها تُملك بدفع القيمة، إلا أنه قال: إن الضمان وجب بعد الموت، والمیتُ لا يصح تملیکه. - ولو لم تَمُتْ، ولكن ذهب بصرُها: غَرِمَ القيمةَ على قول أبي حنيفة، ولا حدَّ عليه، وهذا بمنزلة الشراء. وقال أبو يوسف: ليس عليه حدٍّ في الأمة في الوجهين جميعاً؛ لأنه مَلَكَها بالضمان، فيصير كمِلْكها بالشراء. - قال ابنُ سَمَاعة: سمعتُ أبا يوسف قال في رجلٍ فَجَرَ بامرأةٍ، ثم تزوج بها، قال: لا حدَّ علیه. وروي عنه أيضاً: أن عليه الحدَّ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الحرة لا يُملك بُضْعُها بالنكاح. - وكذا يجب عليها الحدُّ أيضاً إذا زنى بها، ثم تزوجها. - ومَن أقرَّ أنه زنى بامرأةٍ، وهي تُنكر: لم يُحدَّ عند أبي حنيفة وزفر، وعندهما: يُحدُّ، والله أعلم. ٣٤٩ باب حد الشُّرْب باب حَدّ الشَّرب المحرّم ومَن شَرِبَ الخمرَ، فَأُخِذَ ورِيْحُها موجودةٌ منه، فشَهِدَ الشهودُ بذلك عليه، أو أقرَّ وريحُها موجودةٌ : فعليه الحَدُّ. وإن أقرَّ بعد ذهابِ رِيحها : لم يُحَدَّ. باب حد الشُّرْب * قال رحمه الله: (ومَن شَرِبَ الخمرَ، فَأُخِذ وريحُها موجودةٌ منه)، أو جاؤوا به سكرانَ، (فشهد عليه الشهودُ بذلك: فعليه الحدُّ. وكذا إذا أقرَّ وريحُها موجودةٌ معه: فعليه الحدُّ). - وسواء شرب من الخمر قليلاً أو كثيراً. - وإنما شُرط وجودُ ريحِها معه وقت الشهادة؛ لأن مَن شهد على رجلٍ بزناً متقادِمٍ، أو شُرْبِ خمرٍ متقادِمٍ، أو سرقةٍ قديمةٍ: لم تُقبل الشهادة. - قوله: (فإن أقرَّ بعد ذهاب ريحِها: لم يُحدّ)، هذا عندهما. وقال محمد: يُحدّ. - وكذا إذا شهدوا عليه بعد ذهاب ريحِها والسُّكْرِ: لم يُحدَّ عندهما. وقال محمد: يُحَدُّ. ٣٥٠ باب حد الشُّرْب ومَن سَكِرَ من النبيذ : حُدَّ. - فالتقادم يَمنعُ من قبول الشهادة، بالاتفاق، غير أنه قدَّره بالزمان؛ اعتباراً بحد الزنا، وعندهما: مقدَّرٌ بزوال الرائحة. - وأما الإقرار: فالتقادم لا يُبطله عند محمد، كما في حد الزنا. وعندهما: لا يُحدُّ إلا عند قيام الرائحة. - فإن أخذه الشهود وريحُها معه، أو سكران، فذهبوا به إلى مصرٍ فيه الإمامُ، فانقطعت الرائحةُ قبل أن يصلوا به: حُدَّ، إجماعاً. ((روي أن رجلاً جاء بابن أخيه إلى ابن مسعود رضي الله عنه، فقال له: إن هذا ابن أخي، وإنه كان يتيماً في حِجْري، وقد شرب الخمر. فسأله ابنُ مسعود، فأقرَّ، فقال لعمِّه: بئسَ كافلِ اليتيم أنتَ، إنك لم تُحسِن أدبَه، ولا سَتَرْتَ عليه خِزْيْتَه، ثم قال: تَرْتِروه، ومَزْمِزُوه، فإن وجدْتُم رِيحها: فاجلدوه))(١). التَّرْترة: أن يُحرَّك، ويُستَنْكَه. وهذا يدلُّ على أن بقاء الرائحة شرطٌ في إقامة الحد. وقوله: مَزْمِزوه: بالزاي: أي حرِّكوه، وأقبلوا به وأدبروا. * قوله: (ومَن سَكِرَ من النَّبيذ: حُدَّ). إنما شُرِط السُّكْر؛ لأن شُرْبه من غير سُكْر: لا يوجب الحدَّ، بخلاف (١) مصنف عبد الرزاق ٣٧٠/٧، سنن البيهقي ٣١٨/٨. ٣٥١ باب حد الشُّرْب ولا حَدَّ على مَن وُجِدَ منه رائحةُ الخمر، أو مَن تقيَّأها. ولا يُحَدُّ السكرانُ حتى يُعلَم أنه سَكِرَ من النبيذ، وشَرِبَه طَوْعاً. ولا يُحَدُّ حتى يزولَ عنه السُّكْر. الخمر، فإن الحد يجب بشرب قليلها، من غير اشتراط السُّكْر. * قوله: (ولا حَدَّ على مَن وُجد منه ريحُ الخمر، أو مَن تقيَّأْها)؛ لأن ذلك لا يدل على شُربها باختياره؛ لجواز أن يكون أُكره، أو شَرِبها في حال العطش مضطرًّاً؛ لعدم الماء، فلا يُحَدُّ مع الشك. * قوله: (ولا يُحدُّ السكرانُ حتى يُعلَم أنه سَكِرَ من النبيذ، وشَرِبَه طوعاً)؛ لأنه يحتمل أنه سكِرَ من غير النبيذ، كالبنج، ولبن الرِّماك(١)، أو شرب النبيذ مكرَها، فلا يحدُّ بالشك. قوله: (ولا يُحدُّ حتى يزولَ عنه السُّكْر)؛ ليحصل الانزجار؛ لأنه زائلُ العقل، كالمجنون. - والسكرانُ الذي يُحدُّ هو: الذي لا يَعقلُ نُطقاً ولا جواباً، ولا يعرف الرجلَ من المرأة، ولا الأرضَ من السماء، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: هو الذي يَهذي ويَخلط كلامَه، وإلى هذا مال أكثرُ المشايخ. وعند أبي يوسف: يُستقرأ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، فإن أمكنه قراءتها، وإلا: حدَّ. (١) لبن أنثىُ الفَرَس. المغرب (رمك). ٣٥٢ باب حد الشُّرْب وحَدُّ الخمر، والسُّكْرِ في الحرِّ: ثمانون سَوْطاً، . قال في ((النهاية)): روي أن بعض الشُّرَط أتى بسكران إلى أمير بلخ، فأمر الأميرُ السكرانَ أن يقرأ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، فقال له السكران: اقرأ أنتَ سورة الفاتحة أولاً، فلما قال الأمير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾: قال له السكران: قف فقد أخطأتَ من وجهين: أحدهما: أنك تركتَ التعوذ عند افتتاح القراءة. والثاني: أنك تركتَ التسمية، وهي آيةٌ من أول الفاتحة عند بعض الأئمة والقرّاء. فخجل الأمير، وجعل يضرب الشرطيَّ، ويقول: أمرتُكَ أن تأتيني بسكران، فأتيتني بمقرئ بلخ. - ولا يُحدّ السكرانُ بإقراره على نفسه في حال سُكْره؛ لاحتمال الكذب في إقراره، فيُحتال الدرء به؛ لأنه خالصُ حقِّ الله، بخلاف حد القذف، لأن فيه حقَّ العبد، فالسكران فيه: كالصاحي؛ عقوبةً له. - ولو ارتدَّ السكران: لا تَبِينُ منه امرأتُه؛ لأن الكفر من باب الاعتقاد، فلا يتحقّق مع الشك. * قوله: (وحَدُّ الخمر والسُّكْرِ من النبيذ في الحُرِّ: ثمانون سَوْطاً). يجوز في: السُّكْر: ضمُّ السين، وفتحُها، مع سكون الكاف، ويفتح السين، مع تحريك الكاف. فإذا قال: بفتحتين: يكون: العصير. ٣٥٣ باب حد الشُّرْب ◌ُفَرَّقُ على بدنه، كما ذكرنا في الزنا. وإن كان عَبْداً: فحدّه أربعون سَوْطاً. ومَن أقرَّ بشرب الخمرِ، أو السُّكْرِ، ثم رَجَعَ : لم يُحدَّ. ويَثْبتُ الشربُ بشهادة شاهدَيْن، أو بإقراره مرةً واحدةً. ولا تُقبل فيه شهادةُ النساء مع الرجال. وإذا قال: بالسكون، وضمّ السين: يكون حدُّ الخمر بمجرد الشرب، وحدُّ سائر الأشربة: بعد حصول السُّكْر. والشيخ رحمه الله مال إلى السكون، والضم. * قوله: (يُفرَّق الضربُ على بدنه، كما ذكرنا في حدِّ الزنا)، ويُجتَنَب الوجهُ والرأسُ، ويُجرَّد في المشهور، وعن محمد: لا يُجرَّد. * قوله: (وإن كان عبداً: فحدُّه أربعون سَوْطاً)؛ لأن الرِّقَّ منصّفٌ. * قوله (ومَن أقرَّ بشُرْب الخمر، أو السَّكَر، ثم رجع: لم يُحدّ)؛ لأنه خالصُ حقِّ الله، فيُقبَل فيه الرجوعُ كحدٍّ الزنا والسرقة. والسَّكَر: ههنا: بفتحتين متواليتين. * قوله: (ويثبت حدُّ الشُّرْب بشهادة شاهدين، أو بإقراره مرةً واحدةً). وعن أبي يوسف: يُشترط الإقرارُ مرتين. * قوله: (ولا تُقبل فيه شهادةُ النساء مع الرجال)؛ لأنه حدٌّ، ولا مَدخلَ لشهادة النساء في الحدود، والله أعلم. ٣٥٤ باب حد القذف باب حَدّ القَذْف إذا قَذَفَ رجلٌ رجلاً مُحْصَناً، أو امرأةً محصَنةً بصريح الزنا، وطالَبَ المقذوفُ بالحدِّ : باب حد القذف الأصلُ فيه: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ .. ﴾ الآية ٤ / النور، والمراد بالرمي: الرميُ بالزنا، بالإجماع، دون الرمي بغيره من الفسوق والكفر وسائر المعاصي. وفي النص إشارةٌ إليه، وهو اشتراط أربعة من الشهود، وذلك مختصّ بالزنا. * قال رحمه الله: (إذا قذف الرجلُ رجلاً مُحصَناً، أو امرأةً مُحصَنَةً بصريح الزنا) بأن قال: يا زاني، أو: أنتَ زنيتَ، أو أنتَ زاني. - أما إذا قال: أنتَ أزنىُ الناسِ: فإنه لا يُحدُّ، فإن معناه: أنت أقدر الناس على الزنا. - وإنما قال: بصريح الزنا؛ لأنه لا يجب بالكناية، حتى لو قذف رجلاً بالزنا، وقال له آخرُ: صدقتَ: لا حدَّ على الذي قال: صدقتَ؛ لأنه ليس بصريحٍ في القذف. * قوله: (فطالَبَه المقذوفُ بالحدِّ)، تُشترط مطالبتُه؛ لأنه حقُّه. ٣٥٥ باب حد القذف حدَّه الحاكمُ ثمانينَ سَوْطاً إن كان حراً. - ولا بدَّ أن يكون المقذوفُ ممن يُتصوَّر منه فعل الزنا، حتى لو كان مجبوباً، أو خنثىَ: لا يُحدُّ قاذفه. - ويَسقط الحدُّ عن القاذف بتصديق المقذوف، أو بأن يقيم أربعةً على زنا المقذوف، سواء أقامها قبل الحد، أو في خلاله، على إحدى الروايات. - فإن أقامها بعد الحد: قال في ((الكرخي)): أُطلقت شهادتُه، وأُجيزت؛ لأن بهذه البينة ثبت زناه، فتبيَّن أنه قَذَفَ غيرَ محصنٍ. - والضرب الذي ليس بحدٍّ: لا يمنع قبول الشهادة. - وفي ((شرحه)): إذا أقام البينةَ بعد استيفاء الحد على الكمال: لم تُقبل بينتُه، فيحتمل أن يكون فيه اختلافُ المشايخ. - فإن قيل: النص ورد في قذف المحصنات، فكيف أشركتم المحصنين معهن؟ قلنا: النصُّ وإن ورد فيهن، فالحكم يثبت في المحصنين بدلالة النص؛ لأن الوجوب؛ لدفع العار، وهو يعمُّ الجميع، وإنما خصَّهنَّ؛ لأن القذف في الأعمِّ لهن. * قوله: (حدَّه الحاكمُ ثمانين سوطاً إن كان حرًّاً). - قال في («الهداية»(١): لا خلاف أن فيه حقَّ الشرع وحقَّ العبد؛ لأنه شُرع لدفع العار عن المقذوف، فمِن هذا الوجه هو حقُّ العبد. (١) ١١٣/٢. ٣٥٦ باب حد القذف ثم إنه شُرع زاجراً، ومنه سمي: حداً، وهذا آيةُ حقِّ الشرع، حتى إنه إذا ادعاه، ثم عفا: فعَفْوُهُ باطلٌ عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الذي يستوفيه الإمامُ، دون المقذوف. فبان لنا أنه حقُّ الله مختلطٌ بحقِّ العباد، وإذا تعارضت الجهتان: فأصحابنا مالوا إلى تغليب حقِّ الشرع؛ لأن مالَ العبد يتولاه مولاه، ولأنه حدٌّ يتضمن عدداً لا تجوز الزيادة عليه، ولأن النقصان منه، فكان حقاً لله تعالى، كحدِّ الزنا والسرقة، ولأنه يتنصَّف بالرق. - فإذا ثبت أنه حقٌّ لله تعالى: لم يورَث، ولا يجوز العفو. ـيُّ(١) مالَ فيه إلى تغليب حقِّ العبد؛ باعتبار حاجته، وغنى والشافعي الشرع. - حتى إن مَن قذف رجلاً، فمات المقذوف: بطل الحدُّ عندنا. وقال الشافعيّ(٢): لا يبطل. - وإن مات بعد ما أُقيم بعضُ الحد: بطل الباقي عندنا. وعنده(٣): لا يبطل؛ بناء على أنه يورَث عنده؛ لأنه حقُّ العبد. وعندنا: لا يورَث؛ لأن المغلَّب فيه حقُّ الله تعالى. (١) كنز الراغبين ١٨٤/٤. (٢) روضة الطالبين ٣٢٦/٨، أسنى المطالب ١٣٦/٤. (٣) أي الإمام الشافعي رحمه الله. ٣٥٧ باب حد القذف - ولو قذف رجلاً، فطالب المقذوفُ بالحدِّ، فقال القاذف: أنا عبدٌ فحُلَّني حدَّ العبد، وقال المقذوف: أنتَ حرٌّ: فالقولُ قول القاذف، حتى يقيمَ المقذوفُ بينةً عليه. - وكذا إذا قال القاذفُ للمقذوف: أنتَ عبدٌ، فلا يجب عليَّ في قذفك حدٌّ، وقال المقذوفُ: أنتَ حرٌّ: فالقولُ قول القاذف أيضاً. - ولو كرَّر القذفَ بعد الحدَّ: لا حدَّ على القاذف. ذكره في ((الهداية))(١)، في باب السرقة، وأشار إليه في ((الكرخي)) أيضاً، في باب اللعان، حيث قال: والملاعِنُ إذا كرَّر لفظَ القذفَ: لم يلزمه حدٍّ. - ولو قَذَفَ جماعةً بكلمةٍ واحدة، أو قَذَفَ كلَّ واحدٍ منهم بكلامٍ على حِدَة، أو في أيامٍ متفرِّقة، فخاصموا: ضُرِبَ لهم حدَّاً واحداً. - وكذا إذا خاصم بعضُهم دون بعضٍ، فحُدَّ: فالحدُّ يكون لهم جميعاً. - وكذا إذا حَضَرَ واحدٌ منهم: فإنما على القاذف حدٌّ واحدٌ، لا غيرَ. - فإن حضر بعد ذلك مَن لم يخاصم في قذفه: بطل الحدُّ في حقه، ولم يُحدّ لهم مرةً أخرى. وقال الشافعيّ(٢): إِن قَذَفَهم بكلمةٍ واحدةٍ: وجب حدٌّ واحدٌ، وإن كرَّر القذفَ: فلكل واحدٍ منهم الحدّ. (١) لم أقف عليه. (٢) المهذب ٢٩٢/٢. ٣٥٨ باب حد القذف - ثم عندنا إذا حُدُّ القاذفُ، وفُرِغ من حده، ثم قَذَفَ رجلاً آخرَ: فإنه يُحدُّ للثاني حداً آخر. - ولو قذف رجلاً، فضُرب تسعةً وسبعين سوطاً، ثم قذف آخرَ: ضُرب السوط الباقي، ولم يكن عليه حدٍّ للثاني. والأصل: أنه متى بقيَ من الحد الأول شيء، فقذف آخرَ قبل تمامه: ضُرُب بقية الحد للأول، ولم يحدَّ للثاني. - ولو قذف رجلاً، ولم يكن مع المقذوف بينةٌ على أنه قَذَفَه، وأراد استحلافَه بالله ما قَذَفَه: فإن الحاكم لا يستحلفه عندنا؛ لأنه دعوى حدٍّ کحد الزنا. وقال الشافعي(١): يُستحلَف. - ويجوز في الشهادة على القذف شهادة رجلين. - ولا تجوز شهادةً رجلٍ وامرأتين، ولا شهادةً على شهادة، ولا كتابُ القاضي إلى القاضي. - فإن أقام القاذفُ على المقذوف بينةً أنه صدَّقه على قَذْفِه: رجلاً وامرأتين، أو شاهدين على شهادة شاهدين، أو أتى بكتابِ قاضٍ إلى قاضٍ: جاز. (١) المهذب ٢٧٤/٢. ٣٥٩ باب حد القذف يُفرَّق على أعضائه، ولا يُجرَّد من ثيابه، غيرَ أنه يُنْزَعُ عنه الحَشْوُ، والفَرْوُ. وإن كان عبداً: جَلَدَه أربعين سَوْطاً. قوله: (يُفرَّقُ الضربُ على أعضائه). لأن جَمْعَه في موضعٍ واحدٍ يؤدي إلى التلف، وليس التلف بمستَحَقِّ عليه. ويُتَّقى الوجهُ، والرأسُ. * قوله: (ولا يُجرَّد من ثيابه)، بخلاف حدِّ الزنا. كذا في ((الهداية))(١). قال في ((الخُجَندي)): يُضرب في الحدود كلها في إزارٍ واحدٍ، إلا في حد القذف: فإنه لا تُنزع عنه الثياب، وإنما يُنزع عنه الفروُ، والحَشْو. قوله: (غيرَ أنه يُنزَعُ عنه الفروُ، والحَشْوُ)؛ لأن بقاء ذلك يمنع حصول الألم. - أما إذا كان عليه قميصٌ أو جُبَّةً: فإنه يُضرب على ذلك حد القذف، ويُلقى عنه الرداء. * قوله: (فإن كان القاذف عبداً: جُلد أربعين سوطاً)؛ لأن حدَّ العبد على النصف من حدِّ الأحرار. - فإن قلتَ: الآية مطلَقةٌ: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾. النور/ ٤، فمن أين (١) ٢/ ١١٢. ٣٦٠ باب حد القذف والإحصانُ: أن يكون المقذوفُ حُرَّاً، عاقلاً، بالغاً، مسلماً، عفيفاً عن فِعْل الزنا. ومَن نَفَىُ نسبَ غيره، فقال: لستَ لأبيك، أو: يابْن الزانية، وأُمُّه ميتةٌ محصَنةٌ، وطالَب الابنُ بالحد : حُدَّ حَدَّ القاذفُ. جُعل حدُّ العبد أربعين؟ قلنا: مراد الآية: الأحرار بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا. . النور /٤، والعبد لا تُقبل شهادتُه وإن لم يَقذف. * قوله (والإحصانُ: أن يكون المقذوفُ حراً، عاقلاً، بالغاً، مسلماً، عفيفاً عن فعل الزنا). هذه خمسُ شرائط لا بدَّ منها في إحصان القذف. ـ والعفيف هو: الذي لم يكن وطئ امرأةً بالزنا، ولا بالشبهة، ولا بنكاحِ فاسد في عمره، فإن وُجد ذلك منه في عمره مرةً واحدةً: لا يكون محصناً، ولا يُحدُّ قاذفُه. * قوله: (ومَن نفى نسبَ غيره، فقال: لستَ لأبيك، أو: يابْن الزانية، وأُمُّه ميتةٌ محصَنَةٌ، فطالبه الابنُ بحَدِّها: حُدَّ حَدَّ القاذف). - هذا إذا كانت أُمُّه حرةً مسلمةً، فإن كانت حيةً محصنةً: كان لها المطالبة بالحد؛ لأن الحق لها. - وإن كانت غائبةً: لم يكن لأحدٍ أن يتولاه غيرُها؛ لأن الحدَّ لا تجوز النيابة فيه.