النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب الدِّیَات ٣- وإن سقط أحدهما على قفاه، والآخر على وجهه: فدية الساقط على وجهه على عاقلة الآخر. وأما الذي سقط على قفاه: قدمه هدرٌ؛ لأنه مات من فعل نفسه. - وإن قطع الحبلَ بينهما قاطعٌ غيرهما، فسقطا، فماتا: فالضمان على القاطع؛ لأن الإتلافَ منه، ويكون على عاقلته. ۔ ولو کان صبيٌّ في يد أبيه جذبه رجلٌ من يده والأبُ يُمسکه حتى مات: فديتُه على الجاذب، ويرثُه أبوه؛ لأن الأب ممسِكٌ له بحقٍّ، والجاذبُ متعدٍّ، فكان الضمان علیه. - ولو تجاذب رجلان صبياً، وأحدُهما يدعي أنه ابنُه، والآخر يدعي أنه عبدُه، فمات من جَذْبهما: فعلى الذي يدعي أنه عبده ديته؛ لأن المتنازعين في الولد إذا زعم أحدُهما أنه أبوه: فهو أَوْلى من الذي يدعي أنه عبده، فصار إمساكه بحقِّ، وجَذْبُ الثاني بغير حقٍّ، فضمن. - ولو أن رجلاً في يده ثوبٌ، وتشبَّث به آخرُ، فجذبه صاحبُ الثوب من يده، فتخرَّق: ضمن الممسك نصفَ الخرق. - ولو أن رجلاً عضَّ ذراعَ رجلٍ، فجذب ذراعَه من فمه، فسقطت أسنانه، وذهب لحم ذراع الآخر: فالأسنان هدرٌ، ويضمن العاضُّ أرشَ الذراع؛ لأن العضَّ ضررٌ، فله أن يدفعه عن نفسه بالجذب، فما يحدث منه من سقوط الأسنان لا يضمنه. ٢٨٢ كتاب الدِّیات • - ولو جلس رجلٌ بجنب رجل، فجلس على ثوبه وهو لا يعلم، فقام صاحب الثوب، فانشقَّ ثوبُه من جلوس هذا: ضمن نصفَ الشق؛ لأنه ليس له أن يجلس عليه، فصار ذلك تعدياً، وقد حصل التلف من الجلوس والجذب، فانقسم الضمان. - ولو أن رجلاً أخذ بيد رجل، فجذب الآخرُ يدَه، فسقط الجاذب، فمات: إن كان أخذها ليصافحه: فلا شيء عليه، وإن أخذها ليعصرها، فآذاه، فجذبها: ضمن الممسك لها دیته؛ لأنه إذا صافحه: کان جذبه لها من غير ضرر، فصار جانياً على نفسه، وأما إذا أراد أن يَعصرها: فهو دافعٌ للضرر عن نفسه، فلزم الممسك الضمان. - وإن انكسرت يد الممسك: لم يضمن الجاذب، هذا كله في ((الكرخي)». مسألة: ((روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى على القارصة، والواقصة، والقامصة بالدية أثلاثاً. ذلك أن ثلاث جوارِ كنَّ يَلعَبْن، فركبت إحداهن الأخرى، فجاءت الثالثة فقرصت المركوبةَ، فقمصت المركوبة، فسقطت الراكبة، فاندقَّ عنقها: فجعل عليُّ رضي الله عنه على القارصة ثلثُ الدية، وعلى القامصة الثلث، وأسقط الثلث))(١)؛ لأن الواقصة أعانت على نفسها. (١) سنن البيهقي (١٥٠٨٧). ٢٨٣ كتاب الدِّيَات وإذا قَتَلَ رجلٌ عبداً خطأ: فعليه قيمتُه، لا يُزاد على عشرة آلاف درهم. فإن كانت قيمتُه عشرةَ آلاف درهم، فأكثر: قُضِيَ عليه بعشرة آلافٍ إلا عَشَرَةً. ((وروي أن عشرةً مَدُّوا نخلةَ، فسقطت على أحدهم، فمات، فقضى عليٌّ رضي الله عنه على كل واحد منهم بعُشر الدية، وأسقط العُشر))(١)؛ لأن المقتول أعان على نفسه. · قوله: (وإذا قتل رجلٌ عبداً خطأً: فعليه قيمتُه، لا يُزاد على عشرة آلاف درهم. فإن كانت قيمتُه عشرة آلافِ أو أكثر: قُضي عليه بعشرة آلافٍ إلا عشرة دراهم). ويكون ذلك على العاقلة، في ثلاث سنين، وهذا قولهما. وقال أبو يوسف: تجب قيمتُهُ بالغةً ما بلغت؛ لأنها جنايةٌ على مالٍ، فوجبت القيمةُ بالغةً ما بلغت. ولهما: أنها جنایةٌ على نفسٍ آدميٍّ، فلا يُزاد على الدية، كالجناية على الحر. - وتجب الكفارة بقتل العبد، في قولهم جميعاً. (١) لم أقف عليه. ٢٨٤ کتاب الدِّیَات وفي الأمة إذا زادت قيمتُها على الدية: تجب خمسةُ آلافٍ إلا عشرةً. وفي يد العبد : نصفُ قيمته، لا يُزاد على خمسة آلاف إلا خمسةً. - وقوله: إلا عشرةَ دراهم: إنما قُدِّر النقصانُ بها؛ لأن لها أصلاً في الشرع، من تقدير نصاب السرقة، والمهر. * قوله: (وفي الأمة إذا زادت قيمتها على الدية: خمسة آلاف درهم، إلا خمسة دراهم (١)). - وفي ((الهداية))(٢): ((إلا عشرةَ دراهم))، وهو ظاهر الرواية. لأن هذه دية الحرة، فينقص منها عشرة، كما ينقص من دية الرجل. والمذكور في ((القدوري)): رواية الحسن عن أبي حنيفة، ووجهها: أن دية الحرة نصف دية الرجل، فاعتُبر في الأمة أن لا تزيد على دية الحرة، فإذا كانت قيمتها خمسة آلاف: كان اعتبار النقصان خمسة. * قوله: (وفي يد العبد: خمسة آلاف، إلا خمسة دراهم)؛ لأن الید من الآدمي نصفُه، فيُعتبر بكله. - وهذا إذا كانت قيمته عشرة آلاف أو أكثر، أما إذا كانت خمسة آلاف: فإنه يجب ألفان وخمسمائة من غير نقصان. (١) اختلفت نسخ القدوري هنا، والصحيح منها: إلا عشرة، كما قال الزاهدي وغيره، ينظر اللباب للميداني وما نقله ٤٢٠/٤، والشارح الحداد هنا بيَّن الروايات. (٢) ٢٠٩/٤. ٢٨٥ كتاب الدِّيَات - ولو غصب عبداً قيمته عشرون ألفاً، فهلك في يده: وجبت الدية، بالغةً ما بلغت، إجماعاً. - وكذا إذا غصب أمةً قيمتُها عشرون، فماتت في يده: فعليه قيمتها؛ إجماعاً؛ لأن ضمان الغصب: ضمان المالية، لا ضمان الآدمية؛ لأن الغصب لا يَرِدَ إلا على المال، ألا ترى أن الحر لا يُضمن بالغصب؛ لأن ضمان الغصب يقتضي التمليكَ، والحرُّ لا يصح فيه التمليك. ـ ومَن غصب صبياً حراً، فمات في يده بحُمَّىَ، أو فجأةً: فلا شيء عليه. - وإن كان من صاعقةٍ، أو نهشَتْه حيةٌ، أو أكله سبُعٌ: فعلى عاقلة الغاصب الدیة؛ استحساناً. - وإن قَتَلَ الصبيُّ نفسَه، أو وقع في بئرٍ، أو سقط عليه حائطٌ: فإن الغاصب ضامنٌ دیته على عاقلته. - وإن قتله رجلٌ عمداً: فأولياؤه بالخيار: إن شاؤوا اتَّبعوا القاتل، فقتلوه، وإن شاؤوا اتَّبعوا الغاصبَ بالدية على عاقلته، ويرجع عاقلة الغاصب في مال القاتل. - وإن قتله رجلٌ في يد الغاصب خطأً: فللأولياء أن يتّبعوا أيَّهما شاؤوا بالدية، إما الغاصب، وإما القاتل. فإن اتَّبعوا الغاصبَ: رجع على القاتل، وإن اتَّبعوا القاتلَ: لم يرجع على الغاصب؛ لأن حاصل الضمان عليه. ٢٨٦ كتاب الدِّیَات وكلُّ ما يُقدَّر من دية الحُرِّ : فهو مقدَّرٌ من قيمة العبد. وإذا ضَرَبَ رجلٌ بطنَ امرأةٍ، فألقت جنيناً ميتاً: فعليه غُرَّةٌ، وهي نصفُ عُشْرِ الدية. * قوله: (وكلَّ ما يُقدَّر من دية الحر: فهو مقدَّرٌ من قيمة العبد). يعني أن ما وجب فيه من الحر الدية: فهو من العبد فيه القيمة، وما وجب في الحر فيه نصف الدية: ففيه من العبد نصف القيمة، وعلى هذا القیاس. - ثم الجناية على العبد فيما دون النفس لا تتحمَّلَه العاقلة؛ لأنه أُجري مجرى ضمان الأموال، وأما إذا قُتل العبد خطأً: فقيمته على العاقلة عندهما. وقال أبو يوسف: في مال القاتل؛ لقول عمر رضي الله عنه: ((لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً)(١). قلنا: هو محمولٌ على ما جناه العبد، لا ما جُني عليه، فإن جناية العبد لا تحمله العاقلة؛ لأن المولى أقربُ إليه منهم. * قوله: (وإن ضَرَبَ رجلٌ بطنَ امرأةٍ، فألقت جنيناً ميتاً: فعليه غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمةٌ، قيمتُها نصفُ عشر الدية). أي نصف عشر دية الرجل، سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى، بعد ما استبان خَلْقُه، أو بعضُ خَلْقه؛ لما روي ((أن امرأةً ضربت بطنَ امرأة، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة الضاربة (١) تقدم ص ٢٥٨، وأنه روي مرفوعاً وموقوفاً على عمر رضي الله عنه. ٢٨٧ كتاب الدِّيَات فإن ألقَتْه حياً، ثم مات: فعليه ديةٌ كاملةٌ. بِغُرَّةِ: عبدٍ أو أمةٍ، قيمتُها خمسمائة درهم)) (١). ولم يستفسرهم أنه ذكرٌ أم أنثى، فدلَّ على أن حكمَهما سواء. - وخمسمائة: هو نصف عُشر دية الرجل، وعُشر دية المرأة. - وهي على عاقلة الضارب عندنا، في سَنَّةٍ. وقال مالك(٢): في ماله. - وهذا في الجنين الحر، وهو أن تكون المرأة حرةً، أو أمةً علقت من سيدها، أو من مغرورٍ، فيكون الولد حراً، فيجب ما ذكرنا. - ويكون موروثاً عنه، ولا يكون للأم خاصة. وعند مالك(٣): للأم. - ولو كان الضارب وارثاً: لا يرث. - هذا إذا خرج ميتاً، فإن خرج حياً، ثم مات من ذلك الضرب: تجب الدية كاملةً، والكفارةُ. * قوله: (فإن ألقته حياً، ثم مات: فعليه الديةُ كاملةً)، وتجب على العاقلة. (١) صحيح البخاري (٥٧٥٨)، صحيح مسلم (١٦٨١)، بدون لفظ: ((قيمتها خمسمائة درهم))، وينظر لها معجم الطبراني الكبير (٥١٤)، مجمع الزوائد ٣٠٠/٦. (٢) الشرح الصغير ٣٩٨/٢. (٣) ينظر الحاشية السابقة. ٢٨٨ كتاب الدِّيَات وإن ألقَتْه ميتاً، ثم ماتت الأمُّ: فعليه ديةٌ وغُرَّةٌ. وإن ماتت الأمُّ، ثم ألقته ميتاً: فعليه ديةٌ في الأم، ولا شيءَ في الجنين. وما يجب في الجنين : موروثٌ عنه. * قوله: (وإن ألقتْه ميتاً، ثم ماتت: فعليه ديةٌ وغُرَّةٌ). الديةُ: بقتل الأم، والغُرَّةُ: بإتلاف الجنين. - وإن خرج حياً، ثم مات، ثم ماتت الأم: تجب ديتان، وترث الأم من دیته. * قوله: (وإن ماتت الأُمُّ، ثم ألقَتْه ميتاً: فلا شيءَ في الجنين، وتجب دية الأم). - وإن ماتت الأم، ثم خرج حياً، ومات: وجب ديتان. * قوله: (وما يجب في الجنين: موروثٌ عنه)؛ لأنه بدلُ نفسه، والبدل عن المقتول: لورثته. - ثم الجنين إذا خرج حياً: يَرِث، ويورَث. - وإن خرج ميتاً: لا يرث، ويورَث. - وفي ((خزانة أبي الليث)»: أربعةٌ لا يرثون، ويورثون: المكاتب، والمرتد، والجنين، والقاتل. - وإن ألقت جنينين: يجب غُرَّتان. ٢٨٩ كتاب الدِّيَات وفي جنين الأمة إذا كان ذكراً: نصفُ عُشْر قيمته لو كان حياً. وعُشْرُ قیمته إن کان أنثى. - فإن خرج أحدُهما حياً، ثم مات، والآخرُ خرج ميتاً: تجب غرةٌ وديةٌ، وعلى الضارب الكفارة. - وإن ماتت الأم، ثم خرجا ميتين: تجب دية الأم وحدها. - وإن خرجا حيَّيْن، ثم ماتا: تجب ثلاثُ ديات. - وسُمِّيت: غرة؛ لأنها أول مقدَّر وجب بالجناية على الولد، وأول كل شيء: غرَّتُه، كما يقال لأول الشهر: غُرَّة الشهر. * قوله: (وفي جنين الأمة إذا كان ذكراً: نصف عُشر قيمته لو كان حياً، وعُشر قيمته: إن كان أنثى). وصورتُه: إذا كانت قيمة الجنين الذكر لو كان حياً عشرةَ دنانير: فإنه يجب نصف دينار، وإن كان أنثى قيمتُها عشرةً: فيجب دينارٌ كاملٌ. - فإن قيل: في هذا تفضيل الأنثى على الذكر في الأرش، وذلك لا يجوز. قلنا: كما لا يجوز التفضيل، فكذا لا تجوز التسوية أيضاً، وقد جاءت التسوية هنا بالاتفاق، فكذا التفضيل. وهذا لأن الوجوب باعتبار قطع النشوِّ، لا باعتبار صفة المالكية، إذ لا مالكية في الجميع، والأنثى في معنى النشوِّ تساوي الذكر، وربما تكون أسرع نشوًّاً، كما بعد الانفصال، فلهذا جوَّزنا تفضيل الأنثى على الذكر. ٢٩٠ كتاب الدِّيَات ولا كفارةَ في الجنين. - وقوله: وفي جنين الأمة: يعني المملوكة، والمدبرة. أما جنين أمِّ الولد: فيجب فيه ما يجب في جنين الحرة. ــ وكذا إذا قال لأمته المملوكة: ما في بطنك حرٌّ، فضربها رجلٌ، فألقت جنينَها: فإن فيه ما في جنين الحرة. - قال في ((الهداية))(١): إذا ضرب بطنَ الأمة، فأعتق المولى ما في بطنها، ثم ألقته حياً، ثم مات: ففيه قيمتُه حياً. ولا تجب الدية وإن مات بعد العتق؛ لأنه قتله بالضرب السابق، وقد كان ذلك في حال الرق، فلهذا تجب القيمة، دون الدية، وتجب قيمته حياً. - قال في ((الكرخي)): وما وجب في جنين الأمة: فهو في مال 113 الضارب، يؤخذ به حالاً من ساعته؛ لأن ما دون النفس من الرقيق ضمانه ضمانَ الأموال؛ بدلالة أنه لا يتعلق به قصاصٌ بحالٍ، ولا كفارة. * قوله: (ولا كفارة في الجنين). لأنها عُرفت في النفوس الكاملة، والجنينُ ناقصٌ؛ بدليل نقصان ديته، ولأن الكفارة إنما تجب بالقتل، والجنينُ لا تُعلم حياتُه، فإن تطوَّع بها: جاز. (١) ٤ / ١٩٠. ٢٩١ كتاب الدِّیَات والكفارةُ في شبه العمد، والخطأ : عِتْقُ رقبةٍ مؤمنٍ. فإن لم يجد : فصيامُ شهرين متتابعين . ولا يجزىء فيها الإطعام. وقال الشافعي(١): فيه الكفارة. * قوله: (والكفارةُ في شبه العمد والخطأ: عتقُ رقبة مؤمنة). - ولا يجزئه المدبرُ، وأمُّ الولد؛ لأن رِقَّهما ناقصٌ. - وإن أعتق مكاتباً لم يؤدِّ شيئاً: جاز، وإن كان قد أدى شيئاً: لم يجز ئه. - ولا يُجزئه ما في البطن؛ لأنه لا يُصِر، فهو كالأعمى. : قوله: (فإن لم يجد: فصيامُ شهرين متتابعين، ولا يجزئ فيها الإطعامُ)؛ لأن الله تعالى لم يَذْكُرْه في كفارة القتل، وإنما ذَكَرَ العتقَ والصومَ، لا غيرَ، والله تعالى أعلم. (١) كنز الراغبين ١٦٢/٤. ٢٩٢ باب القَسَامة باب القَسَامة وإذا وُجد القتيلُ في مَحَلَّةٍ، ولا يُعلَم مَن قَتَله: استُحلف خمسون رجلاً منهم، يتخيَّرُهُم الوليّ: بالله ما قتلناه، ولا عَلِمنا له قائلاً: باب القَسَامة * قال: (وإذا وُجد القتيلُ في مَحَلَّةٍ، ولا يُعلم مَن قَتَلَه: استُحلف ءِ خمسون رجلاً منهم، يتخيَّرُهم الوليّ، فيحلِفون: بالله ما قتلناه، ولا عَلمْنا له قاتلاً). وقال الشافعي(١): إذا كان هناك لَوْثٌ: استُحلف الوليَّ خمسين يميناً، ويُقضى بالدية على المدعى عليه، عمداً كانت الدعوى أو خطأً. واللَّوْث: أن يكون هناك علامةٌ للقتل على واحدٍ بعينه، أو ظاهرٌ يَشهد للمدعي من عداوةٍ ظاهرةٍ، أو شهادةِ عدلٍ، أو جماعةٍ غيرِ عدول: أن أهل المَحَلَّة قتلوه. - وقوله: ما قتلناه: هذا بالنسبة إلى جملتهم، وإنما يَحلف كلّ واحد منهم: بالله ما قتلتُ، ولا يحلف: ما قتلنا؛ لجواز أنه باشر القتل بنفسه. (١) مغني المحتاج ١١٤/٤. ٢٩٣ باب القَسَامة فإذا حلفوا : قُضِيَ على أهل المَحَلَّة بالدية. - فإن قيل: يجوز أنه قَتَلَه مع غيره، فيجترئ على اليمين بالله: ما قتلتُ. قلنا: مَن حَلَفَ: بالله ما قتلتُ، وكان قد قتل مع غيره: يحنث في يمينه، فإن الجماعة إذا قتلوا واحداً: يكون كلّ واحدٍ منهم قاتلاً، ولهذا تجب الكفارةُ على كل واحد منهم، ويجب القصاص عليهم. ـ ومَن أبى أن يحلف من أهل المَحَلَّة: حَبَسَه الحاكم حتى يحلف. كذا في («الهداية»(١). قال في ((شاهان)): هذا في العمد، أما في الخطأ إذا نكلوا: قُضي عليهم بالدية. - ولو اختار الوليّ عُمياناً، أو محدودين في قذف: جاز؛ لأنه يمينٌ، وليس بشهادة. * قوله: (فإذا حلفوا: قُضي على أهل المَحَلَّة بالدية). وقال الشافعي(٢): لا تجب الدية مع الأيمان؛ لأن اليمين عُهدت في الشرع مبرَِّةً للمدعى عليه، لا مُلزِمة. ولنا: ((أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أخي قُتِل بين قريتين، فقال صلى الله عليه وسلم: يَحلف منهم خمسون رجلاً، (١) ٤ /٢١٧. (٢) مغني المحتاج ١١٧/٤. ٢٩٤ باب القَسَامة ولا يُستحلَف الوليَّ، ولا يُقضى له بالجناية. وإن أبى واحدٌ منهم : حُبِسَ حتى يَحْلِفَ. وإن لم يَكْمُلْ أهلُ المَحَلَّةِ خمسين: كُرِّرَتِ الأيمانُ عليهم حتى تَتِمَّ خمسين يميناً. فقال: أليس لي من أخي غير هذا؟ قال: بلى، ولك مائةٌ من الإبل))(١). وروي ((أن عمر استحلف في القسامة خمسين رجلاً، وغرَّمهم الديةَ، فقال الحارث بن الأزمع: أَنَغْرَمُ أيمانَنا وأموالَنا؟! قال: نعم، فبِمَ بَطَلَ دمُ هذا؟))(٢). - فإن امتنعوا أن يدفعوا الديةَ: حبسهم الإمامُ حتى يدفعوها. * قوله: (ولا يُستحلَف الوليَّ، ولا يُقضى له بالجناية). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أُعطي الناسُ بدعاويهم: لادَّعىُ قومٌ دماءَ قومٍ وأموالَهم، لكن البينةَ على المدعي، واليمين على من أنكر))(٣). * قوله: (وإن أبى واحدٌ منهم: حُبس حتى يحلف. وإن لم يكمُلْ أهلُ المَحَلَّةِ خمسين: كُرِّرت الأَيمانُ عليهم حتى تتم خمسين يميناً)؛ لأن الخمسين واجبةٌ بالسُّنَّة، فيجب إتمامها. (١) عزاه العلامة قاسم في تخريج أحاديث الاختيار ١٣٠/٤ للكرخي في مختصره بسنده. (٢) شرح معاني الآثار ٢٠٢/٣، مشكل الآثار ١١/ ٥١٢، مصنف عبد الرزاق (١٨٢٦٦). (٣) أصله في صحيح البخاري (٤٥٥٢)، صحيح مسلم (١٧١١)، وينظر لهذا اللفظ: سنن البيهقي ٢٥٢/١٠، وحسنه ابن حجر في فتح الباري ٢٨٣/٥. ٢٩٥ باب القَسَامة ولا يَدخِلُ فِي القَسَامة صبيٍّ، ولا مجنونٌ، ولا امرأةٌ، ولا عبدٌ. وإن وُجِد ميتٌ لا أثَرَ به : فلا قسامةَ، ولا ديةَ. وكذلك إذا كان الدمُ يَسيل من أنفه، أو من دُبُره، أو من فمه. * قوله: (ولا يدخل في القسامة صبيٌّ، ولا مجنونٌ، ولا امرأةٌ، ولا عبدٌ)، ولا مدبرٌ، ولا مكاتبٌ. - أما الصبي والمجنون: فليسا من أهل القول الصحيح، واليمينُ قولٌ. - وأما المرأة والعبد: فليسا من أهل النصرة. - ويدخل في القسامة الأعمى، والمحدودُ في القذف؛ لأنهما يُستحلفان في الحقوق. * قوله: (وإن وُجد ميتٌ، لا أَثَرَ به: فلا قسامةَ، ولا دية)؛ لأنه ليس بقتيل. والأثر: أن تكون به جراحةٌ، أو أثرُ ضَرْب، أو خَنْق، أو كان الدم يخرج من عينيه أو أذنيه. - وإن وُجد أكثرُ بدن القتيل، أو النصفُ ومعه الرأسُ في محلةٍ: فعليهم القسامة، والدية. - وإن وُجد أقل من النصف، ومعه الرأس: فلا شيء عليهم. * قوله: (وكذلك إذا كان الدم يسيلُ مِن أنفه، أو من دُبُره، أو من فمه)؛ لأن خروجه من أنفه: رعافٌ، ومن دبره: عِلَّةً، ومن فمه: قيء و وسوداء، فلا يدل على القتل. ٢٩٦ باب القَسَامة وإن کان الدمُ يَخرجُ من عينه، أو من أذنه : فهو قتيل. وإذا وُجِد القتيلُ على دابةٍ يسوقُها رجلٌ : فالديةُ على عاقلته، دون أهل المَحَلَّةِ . وإن وُجِد القتيلُ في دارِ إنسانٍ : فالقسامةُ عليه، والديةُ على عاقلته. * قوله: (وإن كان يخرج من عينيه، أو أُذُنيه: فهو قتيلٌ)؛ لأن الظاهر أن هذا یکون من ضربٍ شدید. قوله: (وإذا وُجد القتيل على دابة يسوقُها رجلٌ: فالدية على عاقلته، دون أهل المحلة)؛ لأن دابته في يده: کداره. - وكذا إذا كان قائدَها أو راكبها. قال الإمام خُوَاهَر زاده: هذا إذا كان يسوقُها سرًّاً متحشِّماً، أما إذا ساقها نهاراً جهاراً: فلا شيء عليه. * قوله: (وإن وُجد القتيل في دار إنسانٍ: فالقسامةُ عليه، والدية على عاقلته(١)). - قال في ((الهداية)) (٢): والقسامة عليه؛ لأن الدار في يده، والدية على عاقلته؛ لأن نُصرته منهم، وقُوَّتَه بهم، فتُكرَّر الأيمان عليه. ـ ومَن اشترى داراً، فلم يَقبضها، فوُجد فيها قتيلٌ: فالدية على عاقلة البائع. (١) وفي نسخ من الجوهرة: ((فالقسامة والدية عليه وعلى عاقلته)). اهـ قلت: وسيأتي في كلام الشارح الإمام الحداد تفصيلٌ لذلك. (٢) ٢١٩/٤. ٢٩٧ باب القَسَامة ولا يَدخلُ السُّكَّانُ في القسامة مع المُلأَّكُ عند أبي حنيفة. وهي على أهل الخِطّة، دون المشترين ولو بقي منهم واحدٌ. : قوله: (ولا يدخل السُّكَّانُ في القسامة مع المُلأَّك عندهما). وقال أبو يوسف: هي عليهما جميعاً؛ لأن ولاية التدبير تكون بالسكنئ، كما تكون بالملك. ولهما: أن المالك هو المختصُّ بنُصرة البُقعة، دون السكان؛ لأن سكنىُ المُلأَّك ألزم، وقرارَهم أدومُ، فكانت ولاية التدبير إليهم، فيتحقق التقصير منهم. * قوله: (وهي على أهل الخِطَّة، دون المشترِين ولو بقيَ منهم واحدٌ)، وهذا قولهما. وقال أبو يوسف: الكلّ مشتركون؛ لأن الضمان يجب بترك الحفظ، وقد استووا فيه. ولهما: أن صاحب الخطَّة أصيلٌ، والمشتري دخيلٌ، وولاية التدبير إلى الأصيل. * قوله(١): (وإن لم يبق واحدٌ منهم)، بأن باعوا كلّهم: (فهي على ءِ المشترين الملاَّك، دون السكان) عندهما؛ لأن الولاية انتقلت إليهم، وزالتْ عمن تقدَّمهم. (١) هذه المقولة من مختصر القدوري لم أقف عليها في نسخ القدوري، إلا في الجوهرة هنا. ٢٩٨ باب القَسَامة وإن وُجِد القتيلُ في سفينةٍ: فالقسامةُ علىُ مَن فيها مِن الرُّكَّاب، والمَلاَّحين. وإن وُجِد القتيلُ في مسجدٍ مَحَلَّةٍ : فالقسامةُ على أهلها. وإن وُجِد في الجامع، أو الشارع الأعظم: فلا قسامةَ فيه، والدیةُ على بیت المال. * وقوله: وإذا وُجد قتيلٌ في الدار: فالقسامةُ على رب الدار، وقومه. - وتدخل العاقلةُ في القسامة إن كانوا حضوراً، فإن كانوا غُيَباً: فعلى صاحب الدار، تُكرَّر عليه، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: لا قسامة على العاقلة. ـ ومَن وُجد قتيلاً في دار نفسه: فعند أبي حنيفة تجب ديتُه على عاقلته لورثته، وعندهما: هو هَدَرٌ، لا شيءَ فیه. : قوله: (وإن وُجد القتيلُ في سفينةٍ: فالقسامة على مَن فيها من الركَّاب، والملاَّحين)؛ لأنها في أيديهم، والمالكُ وغيرُه في ذلك سواء. * قوله: (وإن وُجد القتيلُ في مسجد مَحَلَّة: فالقسامة على أهلها)؛ لأنهم أخصُّ بمسجدهم من غيرهم. * قوله: (وإن وُجد في الجامع، أو الشارع الأعظم: فلا قسامةَ فيه، والديةُ في بيت المال)؛ لأنه للعامة، لا يختص به واحدٌ منهم. - وإن وُجد في السجن، ولم يُعرف قاتلُه: فالدية في بيت المال عندهما. ٢٩٩ باب القَسَامة وإن وُجد في بَرِّيَّةٍ ليس بِقُرْبها عِمَارةٌ : فهو هَدَرٌ. وإن وُجد بين قريتيْن: كان على أقربهما. وإن وُجد في وَسَطِ الفرات يمرُّ به الماء : فهو هَدَرٌ. فإن كان محتَبَساً بالشاطىء: فهو على أقرب القُرى من ذلك المكان. وإن ادَّعى الوليّ علىُ واحدٍ من أهلِ المَحَلَّة بعينه: لم تسقط القسامةُ عنهم. وقال أبو يوسف: الدية والقسامةُ على أهل السجن؛ لأنهم سكانَ. * قوله: (وإن وُجد في بَرِّيَّةٍ ليس بقُربها عمارةُ: فهو هدرٌ). - وهذا إذا كانت البرية بحيث لو صاح فيها صائحٌ: لم يسمعه أحدٌ من أهل المصر، ولا من أهل القرى، أما إذا كان يسمع منها الصوت: فالقسامة والدية على أقرب القرى إليها. * قوله: (وإن وُجد بين قريتين: كان على أقربهما القسامةُ والدية). - هذا إذا كان يُسمع الصوت منها، أما إذا كان لا يُسمع: فهو هَدَرٌ. - وإن كانا في القرب سواء: فهو عليهما جميعاً. * قوله: (وإن وُجد في وَسَطَ الفرات يَمرُّ به الماءُ: فهو هدرٌ)؛ لأن الفرات ليس في يد أحدٍ، فهو كالمفازة المنقطعة. قوله: (وإن كان مُحتَبِساً في الشاطئ: فهو على أقرب القرى من ذلك المكان)؛ لأنهم یستقون منه، ویُورِدون دوابًّهم إليه. · قوله: (وإن ادعى وليَّ القتيلِ علىُ واحدٍ من أهل المحلة بعينه: لم تسقط القسامة عنهم)، والقسامة والدية بحالها. ٣٠٠ باب القَسَامة وإن ادعىُ على واحدٍ من غيرهم : سقطت عنهم. وإذا قال المُسْتَحْلَف: قَتَلَه فلانٌ: استُحلف: بالله ما قتلتُه، ولا عرفتُ له قاتلاً غیرَ فلان. وإذا شهد اثنان من أهل المَحَلَّة على رجلٍ من غيرهم أنه قَتَلَه: لم تُقُبُل شهادتُهما. وعن محمد: أن القسامة تسقط؛ لأن دعواه على واحدٍ منهم: إبراء للباقین. قوله: (وإن ادعى على واحدٍ من غيرهم: سقطت عنهم القسامة والدیة)؛ لأنه صار مبرِّئاً لهم. قوله: (وإن قال المستَحْلَفُ: قَتَلَه فلانٌ: استُحلف: بالله ما قتلتُه، ولا عرفتُ له قاتلاً غيرَ فلان)؛ لأنه يريد إسقاطَ الخصومة عن نفسه بقوله، فلا يُقبل، ويُحلَّف على ما ذكرناه. قوله: (وإذا شهد اثنان من أهل المحلة على رجل من غيرهم أنه قتله: لم تُقبل شهادتُهما)، هذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: تُقبل. ءِ - وإن ادعىُ الوليّ القتل على واحدٍ من أهل المحلة بعينه، فشهد شاهدان من أهل المحلة عليه: لم تُقبل، إجماعاً؛ لأن الخصومة قائمةٌ مع الكل، فالشاهد يريد أن يقطع الخصومة عن نفسه بشهادته، فكان متَّهماً.