النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب الدِّيَات - وحافر البئر ليس بقاتلٍ؛ لأنه قد يقع في البئر بعد موت الحافر، فیستحیل أن یکون قاتلاً بعد موته. - ولا يُحرم الميراث؛ لما بيَّنًا أنه ليس بقاتل، وحرمان الميراث يتعلق بالقتل،. - ولو دفع رجلٌ فيها إنساناً: فالضمان على الدافع؛ لأنه مباشرٌ، والترجيح للمباشرة. - ولو حفر بئراً، فعمَّقَها رجلٌ آخرُ: فالضمان عليهما؛ استحساناً، والقياس: على الأول. - ولو لم يُعمِّقْها، ولكن وسَّع رأسَها: فالضمان عليهما؛ قياساً واستحساناً. - ولو وضع رجلٌ حجراً في قعر البئر، فسقط فيها إنسانٌ، فمات: فالضمان على الحافر. - ولو حفر بئراً، ثم سدَّ رأسَها، أو كَبَسها، فجاء رجلٌ وفتح رأسَها: إن كان الأول كَبَسَها بالتراب أو الحجارة: فالضمان على الثاني، وإن كَبَسَها بالحنطة والدقيق: فالضمان على الأول. - ولو وقع فيها إنسانٌ، فمات غمَّاً أو جوعاً: فلا ضمان على الحافر عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: إن مات جوعاً: فلا ضمان عليه، وإن مات غَمَّاً: يضمن. ٢٦٢ كتاب الدِّیَات وإن أَشْرِعَ في الطريق خشباً، أو رَوْشَناً، أو ميزاباً، فسَقَطَ علىُ إنسانٍ، فَعَطِب : فالديةُ على عاقلته. وقال محمد: يضمن في الوجهين؛ لأن ذلك إنما حدث بسبب الوقوع. - ولو وضع حجراً على الطريق، فنخَّاه آخرُ إلى موضعٍ آخرَ، فعطب به إنسان: فالضمان على الثاني؛ لأن التعدي الأول قد زال بفعلِ الثاني. - وإلقاء الخشبة والترابِ والطينِ في الطريق: بمنزلة إلقاء الحجر. و - ولو استأجر مَن يَحفر له بئراً، فحفروها في غير ملكه: فالضمان على المستأجر، دون الحافر إذا لم يَعلم الحافرُ أنها في غير ملكه؛ لأنه معذورٌ. وإن علم: ضمن؛ لأن المستأجر لا يصح أمرُه في ملك غيره، ولا غرور فيه، فبقي الفعل مضافاً إلى الحافر. - ولو استأجر أربعةً يحفرون بئراً، فوقعت عليهم مِن حَفْرِهم، فمات واحدٌ منهم: فعلى كل واحدٍ من الثلاثة ربعُ الدية، ويسقط الربع؛ لأنه مات من جنايته وجناية أصحابه، فيسقط ما أصابه بفعله. - وهذا إذا كانت البئر في الطريق، أما إذا كانت في ملك المستأجر: فينبغي أن لا يجب شيء؛ لأن الفعل مباحٌ، فما يحدث منه غير مضمون. * قوله: (فإن أشرع في الطريق رَوْشناً، أو ميزاباً، فسقط على إنسان، فمات: فالدیة على عاقلته). - هذا على وجهين: إن أصابه الطرفُ الداخل الذي هو في الحائط: لم ٢٦٣ كتاب الدِّيَات يضمن؛ لأنه غير متعدٍّ؛ لأنه وَضَعَه في ملكه. وإن أصابه الطرفُ الخارج: ضمن، ولا كفارةً عليه، ولا يُحرَم الميراث. وإن أصابه الطرفان جميعاً: ضمن النصفَ. وإن لم يُعلَم أي الطرفين أصابه: فالقياس أن لا يَضمن؛ للشك، وفي الاستحسان: يضمن النصف. - وإن وضع في الطريق جَمْراً، فأحرق شيئاً: ضمنه. - فإذا حرَّكتْه الريح إلى موضع آخر، ثم أحرق شيئاً: لا يضمن؛ لنسخ الريح فعله. وقيل: إذا كان يوم ريحٍ: يضمن؛ لأنه فَعَلَه مع علمه بعاقبته، فجعل کمباشرته. - وإذا استأجر صاحبُ الدار الأجراءَ لإخراج الجناح، ووقع، فقتل إنساناً قبل أن يفرغوا من العمل: فالضمان عليهم، ما لم يكن العمل مسلَّماً إلى صاحب الدار، وعليهم الكفارة. - وإن سقط بعد فراغهم: فالضمان على صاحب الدار؛ استحساناً. - وإن سقط من أيديهم آجرٌّ أو حجارةٌ أو خشبٌ، فأصاب إنساناً، فقتله: وجبت الدية على عاقلة مَن سقط ذلك من يده، وعليه الكفارة؛ لأنه مباشرٌ. ٢٦٤ كتاب الدِّیَات ولا كفارةَ على حافرِ البئر، وواضعِ الحَجَر. ومَن حفر بئراً في ملكه، فعَطِبَ بها إنسانٌ: لم يضمن. والراكبُ ضامنٌ لما وطئت الدابةُ، وما أصابته بيدها، أو كَدَمَت. * قوله: (ولا كفارةَ على حافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه)؛ لأن الكفارة تتعلق بالقتل، وهذا ليس بقاتل؛ لأنه يستحيل أن يكون قاتلاً؛ بدليل أنه قد يقع في البئر، ويتعثّر بالحجر بعد موت الفاعل بذلك، وهو ممن لا يصح منه الفعل؛ ولهذا قالوا: إنه لا يُحرَم الميراث؛ لهذه العلة. · قوله: (ومَن حفر بئراً في ملكه، فعطب فيها إنسانٌ: لم يضمن)؛ لأنه غير متعدٍّ في ملكه. * قوله: (والراكب ضامنٌ لما وطئت الدابةُ، وما أصابته بيدها، أو كَدَمَته بفمها). - وكذا ما صدمته برأسها، أو صدرها، دون ذَنَبها: فتجب الدية عليه، وعلى عاقلته، وتجب عليه الكفارة، ويُحرم الميراث والوصية، وهو قاتل في المباشرة؛ لأن الدابة صارت له كالآلة. - فإن كان العاطب بذلك عبداً: وجبت قيمته على العاقلة أيضاً؛ لأن دیته: قیمتُه. - وإن أصابت مالاً، فأتلفته: وجبت قيمتُه في ماله. - وإذا أصابت ما دون النفس: إن كان أرشُه أقلّ من نصف عُشر الدية: ففي ماله، وإن كان نصفَ العشر فصاعداً: فهو على العاقلة. ٢٦٥ كتاب الدِّيَات ولا يضمن ما نَفَحَت برِجْلها، أو ذَنَبها . قوله: (ولا يضمن ما نَفَحَت برِجْلها، أو بذَنَبها). - هذا إذا كانت تسير؛ لأنه لا يمكنه الاحترازُ عنه مع السير. أما إذا أوقفها في الطريق: فهو ضامنٌ في ذلك كله في النفحة بالرِّجل والذَّنَبِ؛ لأنه متعدٍّ بالإيقاف، وشُغْل الطريق. - وإن أثارت بيدها أو رِجْلها حصاةً أو غباراً، ففقأت عينَ إنسان: لم يضمن. - وإن كان الحجر كبيراً: ضمن؛ لأن في الوجه الأول: لا يمكنه التحرز عنه؛ لأن سير الدابة لا يَعرى عنه، وفي الثاني: إنما هو بتعسُّف الراکب، وشدة ضربه لها. - والمرتدف فيما ذكرنا: کالراكب. - وكل شيءٍ ضمنه الراكب: ضمنه السائقُ والقائد، إلا أن على الراكب الكفارةَ فيما وطأته الدابة بيدها أو رِجلها، ولا كفارة على السائق والقائد؛ لأنهما مسیِّبان. - ولا يُحرمان الميراث والوصية؛ لأنهما غير مباشرين للقتل، ولا يتصل منهما إلى المحل شيء. - وكذا لا كفارة على الراكب فيما وراء الإيطاء، وأما في الإيطاء: فالراكب مباشرٌ فيه؛ لأن التلف بثِقَله، وثِقَلُ الدابة تبعٌ له؛ لأن سير الدابة مضافٌ إليه، وهي آلةٌ له. ٢٦٦ كتاب الدِّیَات فإن راثَت، أو بالت في الطريق، فعَطِب به إنسانَ : لم يَضمن. والسائقُ ضامِنٌ لما أصابت بيدها، أو رِجْلها . والقائدُ ضامِنٌ لما أصابت بيدها، دون رِجْلها . ويُحرَم الراكبُ الميراثَ والوصيةَ؛ لأنه مباشرٌ، بخلاف السائق والقائد. قوله: (فإن رائتْ، أو بالتْ في الطريق وهي تسير، فعطب به إنسان: لم يضمن)؛ لأنه من ضرورات السير، لا يمكنه الاحتراز عنه. - وكذا إذا أوقفها لذلك؛ لأن من الدواب مَن لا يفعل ذلك إلا بالإيقاف. - فإن أوقفها لغير ذلك، فعطب إنسان بروثها أو ببولها: ضمن؛ لأنه متعدٍّ في هذا الإيقاف؛ لأنه ليس من ضرورات السير. - ولو أن رجلاً نَخَس دابةً، وعليها راكبٌ بغير أمره، فوثبت، فألقت الراكب: فالناخس ضامنٌ. وإن لم تلقه ولكن جمحت به: فما أصابت في فورها: ضمنه الناخس. فإن نفحت الناخِسَ، فقتلته: فدمه هَدَرٌ؛ لأنه الجاني على نفسه. - والناخِسُ إذا كان عبداً: فالضمان في رقبته. - وإن كان صبياً: ففي ماله. * قوله: (والسائقُ ضامنٌ لما أصابت بيدها أو رِجلها، والقائدُ ضامنٌ لما أصابت بيدها، دون رِجلها)، والمراد النفحة. ٢٦٧ كتاب الدِّيَات ومَن قادَ قطاراً: فهو ضامنٌ لما وطىء. فإن كان معه سائقٌ : فالضمانُ عليهما . قال في ((الهداية))(١): هكذا ذكره القدوري في ((مختصره))، وإليه مال بعض المشايخ. ووجهُه: أن النفحة بمرأىً من عين السائق، فيمكنُه الاحتراز عنه، و غائبةٌ عن بصر القائد، فلا یمکنه الاحترازُ عنه. وقال أكثر المشايخ: إن السائق لا يضمن بالنفحة أيضاً وإن كان يراها؛ لأنه لا يمكنه التحرز عنه، وهو الأصح. * قوله: (ومَن قاد قطاراً: فهو ضامنٌ لما أوطأ)؛ لأنه مقرِّبٌ له إلى الجناية. - ويستوي فيه أولُ القطار وآخرُه. - فإن وطىء بعيرٌ إنساناً: ضمن ديتَه، وتكون على العاقلة. قوله: (وإن كان معه سائقٌ: فالضمانُ عليهما)؛ لاشتراكهما في ذلك. - وإن ربط رجلٌ بعيراً إلى القطار والقائدُ لا يَعلم، فوطئء المربوطُ إنساناً، فقتله: فعلى عاقلة القائد الدية؛ لأنه يمكنه صيانة القطار من ربط غيره، ثم يرجعون على عاقلة الرابط؛ لأنه هو الذي أوقعهم في هذه العهدة. (١) ١٩٨/٤. ٢٦٨ كتاب الدِّيَات ــ وهذا إذا ربط والقطارُ يسير، أما إذا ربط والإبل قيامٌ، ثم قادها: ضمن القائد؛ لأنه قاد بعيرَ غيره بغير أمره، لا صريحاً ولا دلالةً، فلا يرجع بما لَحِقَه عليه. كذا في ((الهداية))(١). - ومَن ساق دابةً، فوقع السَّرْجُ أو اللَّجام أو سائر الأدوات أو الحِمْل على رجل، فقتله: ضمن؛ لأن الوقوع لتقصيره بترك الربط والإحكام فيه. ـ ومَن أرسل بهيمةً وكان لها سائقاً، فأصابت في فورها إنساناً أو شيئاً: ضمنه. - وإن أرسل طائراً، وأصاب شيئاً في فوره: لم يضمن. والفرق: أن بدن البهيمة يَحتمل السوق، فاعتُبر سَوْقه، والطيرَ لا يحتمل السَّوْقَ، فصار وجودُ السَّوْق وعدمُه سواء. - ولو أن رجلاً جَرَحَ رجلاً جراحةً واحدةً، وجَرَحَه آخرُ عَشر جراحات، فمات من ذلك: فالدية عليهما نصفان؛ لأن الإنسان قد يموت من جراحةٍ واحدة، ولا يموت من عشر جراحات، فاحتمل أن يكون الموت من الجراحة الواحدة، واحتمل أن يكون من الجراحات الباقية. - وإن جرحه رجلٌ، وعَقَرَه سَبُعٌ، ونهشتْه حيةٌ، وأصابه حَجَرٌ رمت به الريح، فمات من ذلك كله: فعلى الرجل نصفُ الدية، ويُجعل الباقي كله كجراحة واحدة، فكأنه مات من جنايتين: إحداهما هدرٌ، والأخرى مضمونة. (١) ٢٠١/٤. ٢٦٩ كتاب الدِّيَات - وكذا لو جرحه رجلٌ جراحةً، وجرحه آخر، ثم انضمَّ إلى ذلك ما ذكرناه: فإن على كل واحد ثلثُ الدية، ويُهدَر الثلث. - قال في ((الهداية)) (١): شاةٌ لقصَّابٍ فُقئت عينُها: ففيها ما نَقَصَها؛ لأن المقصود هو اللحم، فلا يعتبر إلا النقصان. - وفي عين بقرة الجزَّار، وجَزوره: ربع القيمة. - وكذا في عين البغل والحمار والفرس؛ لأن فيها مقاصدَ سوى اللحم، كالحمل والركوب والحراثة. ولأنه إنما يمكن إقامةُ العمل بها بأربعة أعين، عيناها وعينا المستعمِل، فكأنها ذات أربعة أعين، فيجب الربع بفوات أحدها. - مسائل: إذا قال لرجلٍ: اقتلني، فقتله عمداً: لا قصاص عليه؛ للشبهة. وقال زفر: عليه القصاص. وأما الدية: فروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا دية عليه. قال في ((الكرخي)): وهو الصحيح. وفي الرواية الثانية: عليه الدية، وهو قول أبي يوسف ومحمد. - وإن قال: اقطع يدي، أو افقأ عيني، ففعل: لا شيء عليه. (١) ٢٠١/٤. ٢٧٠ كتاب الدِّیَات وإذا جنى العبدُ جنايةً خطأ: قيل لمولاه: إما أن تدفعَه بها، أو تَفْدِيَه، - وإن قال: اقتل عبدي، أو اقطع يده، ففعل: لم يضمن. - وإن قال: اقتُل أخي وهو وارثه، فقتله: وجبت الدية في مال القاتل. * قوله: (وإذا جنى العبدُ جنايةً خطأً: قيل لمولاه: إما أن تدفعه بها، أو تفدیَه). - قيَّد بالخطأ؛ لأنه إذا قتل رجلاً عمداً: وجب عليه القصاص. - ثم الواجب الأصلي في قتل الخطأ: هو الدفع دون الفداء؛ ولهذا يسقط الموجَب بموت العبد؛ لفوات محل الواجب. كذا في ((الهداية))(١). وذكر فخر الإسلام: الصحيح أن الواجب الأصلي هو الفداء. - ثم المولى إذا اختار الفداء، فمات العبد بعد اختياره الفداء: لم يسقط الفداء؛ لأنه باختياره نَقَلَ الحقَّ من رقبة العبد إلى ذمته. - وإن مات قبل أن يختار شيئاً: سقط حقُّ المجنيِّ عليه؛ لأن حقه كان متعلِّقاً برقبة العبد. - فإن لم يمت، ولكنَّ المولى قتله: صار مختاراً للأرش. - فإن قتله أجنبيٌّ: إن كان عمداً: بطلت الجنايةُ، وللمولى أن يقتص، وإن كان خطأً: أخذ المولىُ القيمةَ، ودفعها إلى ولي الجناية. ولا يخيّر، حتى لو تصرف في تلك القيمة: لا يصير مختاراً للأرش. (١) ٢٠٤/٤. ٢٧١ كتاب الدِّيَات فإن دَفَعَه : مَلَكَه وليَّ الجناية، وإن فَدَاه: فَدَاه بأرشها. فإن عاد، فجنى : كان حُكْمُ الجناية الثانية حُكْمَ الأُولىُ. فإن جنى جنايتَيْن: قيل للمولىُ: إما أن تدفعه إلىْ وَلِيَّي الجنايتَيْن يقتسمانه علىْ قَدْر حقَّيْهما، وإما أن تَقدِيَه بأرش كلَّ واحدةٍ منهما . - ثم إذا اختار المولى الفداءَ، وأعسر بعد ذلك: لا سبيلَ للمولىُ على العبد، ويكون في ذمة المولى إلى أن يجد ذلك عند أبي حنيفة. وعندهما: إذا لم يكن في يد المولى وقتَ الاختيار مقدارُ الأرش: كان اختياره باطلاً، وكان حقُّ ولي الجناية في رقبة العبد. * قوله: (فإن دفعه: مَلَكَه وليّ الجناية، وإن فداه: فداه بأرشها). - وكلٌّ ذلك يلزمه حالاً، فإن لم يَختر المولى شيئاً من الدفع والفداء حتى مات العبدُ: بطل حقُّ المجنيِّ عليه. * قوله: (فإن عاد فجنى: كان حُكمُ الجناية الثانية حُكمَ الأُولى). معناه: بعد الفداء؛ لأن المولى لمَّا فداه: فقد أسقط الجنايةَ عن رقبته، فكأنها لم تكن. قوله: (فإن جنى جنايتين: قيل للمولىُ: إما أن تدفعه إلى وليّي الجنايتين يقتسمانه على قدر حقَّيْهما، وإما أن تَفديَه بأرشِ كلّ واحدةٍ منهما)، لأن تعلُّق الأُولى برقبته: لا يمنع تعلَّق الثانية برقبته. - فإذا قتل واحداً، وفَقَأ عينَ آخر: اقتسماه أثلاثاً؛ لأن أرش العين: نصف أرش النفس. ٢٧٢ كتاب الدِّيَات وإن أعتقه المولىُ، وهو لا يعلم بالجناية : ضَمِنَ المولىُ الأقلَّ من قیمته، ومِن أرشها. وإن باعه المولى، أو أعتقه بعد العلم بالجناية : وَجَبَ عليه الأرشُ. - وكذا إذا كانوا جماعةً: اقتسموه على قدر أروشهم، فإن اختار المولى الفداءَ: فداه بجميع أروشهم. * قوله: (فإن أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية: ضمن الأقلّ من قيمته ومن أرشها)؛ لأنه لمّا لم يعلم: لم يكن مختاراً للفداء، إلا أنه استهلك رقبةً تعلَّق بها حقُّ وليّ الجناية، فلزمه الضمان. وإنما لزمه الأقلَّ؛ لأن الأرش إن كان أقلَّ: فليس عليه سواه، وإن كانت قيمة العبد أقلّ: فلم يَتلف بالعتق سواها. - وكذا إذا كانت جاريةً، فاستولدها، أو دبّرها: فهو على هذا. * قوله: (وإن باعه المولى، أو أعتقه بعد العلم بالجناية: وجب عليه الأرشُ). - وكذا إذا وهبه، أو دبَّره، أو أقرَّ به لغيره. - فإن باعه من المجنيِّ عليه: فهو مختارٌ للفداء. - وكذا إذا أمر المجنيَّ عليه بعتقه، فأعتقه: صار مختاراً للفداء إذا كان عالماً بالجناية؛ لأن المجنيَّ عليه قام مَقامَه في العتق. - وإن استخدمه المولى بعد العلم بالجناية، فعطب بالخدمة: فلا ضمان عليه، ولا يكون هذا اختياراً. ٢٧٣ كتاب الدِّيَات وإذا جنى المدّبَّرُ، أو أمُّ الولد جنايةً: ضَمِنَ المولىُ الأقلّ من قيمته، ومِن أرشها . - فإن أجَّره: نقض الحاكمُ الإجارةَ، وقال للمولىُ: ادفعَه أو افْده، والإجارةُ والرهن ليسا باختيارٍ. - ولو كاتب العبدَ، ثم عجز: فإن كان بعد العلم بالجناية: فعليه الأرش عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان لم يعلم بها: قيل له: ادفعه بالجناية أو افده. - والتزويج: لا يكون اختياراً. * قوله: (وإذا جنى المدبَّرُ أو أمُّ الولد جنايةً: ضمن المولى الأقلّ من قیمته، ومن أرش جنايتها). اعلم أن جناية المدبر تكون على سيده في ماله، دون عاقلته حالَّةً. - وكذا أمُّ الولد. - فإن قتل المدبرُ قتيلاً خطأً، أو جنى عليه فيما دون النفس: فذلك كله على المولىُ، ويكون عليه الأقلّ من قيمة المدبّر ومن أرش الجناية؛ لأنه لا حقَّ لوليّ الجناية في أكثر من الأرش، ولا مَنْعَ من المولى في أكثر من القيمة. وتُعتبر قيمة المدبر یومَ جنى، لا يوم التدبير. - وقوله: ضمن المولىُ الأقلّ من قيمته: وذلك في أمِّ الولد: ثلث قيمتها، وفي المدبّر: الثلثان. ٢٧٤ كتاب الدِّيَات فإن جنى جنايةً أخرى، وقد دَفَعَ المولىُ القيمةَ إلى وليَّ الأولىُ بقضاءٍ : فلا شيءَ علیه. ويَتْبَعُ وليَّ الجنايةِ الثانية وليَّ الجناية الأولى، فيشاركه فيما أَخَذَ . وإن كان المولىْ دَفَعَ القيمةَ بغير قضاءٍ : فالوليّ بالخيار : إن شاء اتَّبَعَ المولى، وإن شاء اتَّبِعَ وليّ الجناية الأولى. : قوله: (فإن جنى جنايةً أخرى وقد دفع المولى القيمةَ للأول بقضاء قاضٍ: فلا شيءَ عليه)؛ لأنه مجبورٌ على الدفع. * قوله: (ويَتْبَعُ وليّ الجناية الثانية وليَّ الجناية الأَولى، فيشاركه فيما أخذ. فإن كان المولىُ دفع القيمةَ للأول بغير قضاء: فالوليّ بالخيار: إن شاء ءِ اتّبع المولى، وإن شاء اتّبع وليّ الجناية الأولى)، وهذا قول أبي حنيفة. وعندهما: الدفعُ بقضاء وبغير قضاء واحدٌ، ويَتبع الثاني الأول، ولا سبيل له على المولىُ؛ لأن المولى دفع إلى الأول، ولا حقَّ لولي الجناية الثانیة، فلم یکن متعدياً بالدفع، فلا یضمن. ولأبي حنيفة: أن جنايات المدبّر يستند ضمانها إلى التدبير السابق الذي صار المولى به مانعاً، فإن دفعها بقضاء: فقد زالت يده عنها بغير اختياره، فلا يضمن، وإن دفعها بغير قضاء: فقد سلّم للأول ما تعلق به حقُّ الثاني، فكان الثاني بالخيار في تضمين أيُّهما شاء. - وتُعتبر قيمة المدبر يومَ جنىُ، لا يومَ المطالبة، ولا يومَ التدبير. ٢٧٥ كتاب الدِّيَات وإذا مال الحائطُ إلى طريق المسلمين، فطُولب صاحبُه بنَقْضه، وأُشهِد عليه، فلم يَنْقُضْه في مدةٍ يَقْدِر علىُ نَقْضِه حتى سَقَطَ : ضَمِنَ ما تَلِفَ به من نفسٍ، أو مالٍ. - وأما جناية المكاتب: فهي على نفسه، دون سيده، ودون العاقلة؛ لأن أكسابه لنفسه، فيحكم عليه بالأقل من قیمته ومن أرش جنايته. * قوله: (وإذا مال الحائطُ إلى طريق المسلمين، فطولب صاحبُه بنَقْضه، وأُشهد عليه، فلم يَنقضه في مدةٍ يَقدر على نَقْضه فيها حتى سقط: ضمن ما تلف فيه من نفسٍ أو مالٍ)، وإن لم يُطالَب بنَقْضه حتى تلف به إنسانٌ أو مالٌ: لم یضمن. - وهذا إذا كان بناؤه من أوله مستوياً؛ لأن أصل البناء في ملكه، فلم يكن متعدياً، والمَيْلُ حصل لغير فعله: فلا يضمن. وأما إذا بناه في ابتدائه مائلاً: ضمن ما تلف بسقوطه، سواء طُولب بهدمه أم لا؛ لأنه متعدٍّ بالبناء في هواء غيره. - ثم ما تلف من نفسٍ: فهو على العاقلة، وما تلف من مال: فهو في ماله. * قوله: وطُولِب صاحبُه: فيه إشارةٌ إلى أن التقدُّم إلى المرتهن والمستأجر والمستعير والساكن: لا يصح؛ لأنه لا يتمكن من نَقْضه؛ لأنه غير مالك. - فإن تقدم إليهم، وأشهد عليهم: فذلك باطلٌ، ولا يلزمهم شيء؛ ٢٧٦ كتاب الدِّیات لأنهم لا يملكون نَقْضَ الحائط. - ويصح التقديم إلى الراهن والمؤجر؛ لأن الراهن يُمكنه أن يقضي الدَّيْن ويَهدِمه، وكذا المؤجر؛ لأن الإجارة تُفسَخ بالأعذار، وهذا عذرٌ. - ويصح التقدم إلى الأب والوصيِّ وأمِّ اليتيم في هدم حائط الصغير، ويكون الضمان في مال اليتيم، يعني إذا لم يَنقضه حتى انهدم، وحصلت منه جنايةٌ: فهي لازمةٌ للصغير. فما كان منها يلزم في مال البالغ: فهو لازمٌ في مال الصغير، وما كان منه على عاقلة البالغ: فهو على عاقلة الصغير. - ويصح التقدُّم إلى المكاتَب؛ لأن الولاية له، وإلى العبد التاجر، سواء كان مديوناً أوْ لا؛ لأن النقض إليه. - ثم التالف بالسقوط: إن كان مالاً: فهو في رقبة العبد، وإن كان نفساً: فهو على عاقلة المولى. - وصورةُ الطلب: أن يقول المتقدِّم: إن حائطك هذا مائلٌ، أو مَخُوفٌ، أو متصدِّع فانقُضه قبل أن يَسقطَ، ويُتْلِفَ شيئاً. - وصورة الإشهاد: أن يقول المتقدِّم: اشهدوا أني قد تقدَّمتُ إلى هذا في هَدْم حائطه هذا. - وإنما يصح الإشهاد إذا كان الحائط مائلاً، أو واهياً، أو مَخوفاً. ٢٧٧ كتاب الدِّيَات وقيل: الإشهاد ليس بشرط، وإنما الشرط المطالبة بالنَّقْض، والتقدم إليه، حتى لو تقدم إليه، ولم يفعل حتى انهدم: لزمه ما تلف به فيما بينه وبین الله تعالى. - وإنما ذَكَرَ الإشهادَ؛ تحرزاً عن الجحود، كما في طلب الشفعة. - وتُقبل شهادة رجل وامرأتين على التقدم؛ لأنها ليست بشهادة على القتل. - ولو باع الدارَ بعد ما أشهد عليه، وقبضها المشتري: برئ من ضمانه. - بخلاف إشراع الجناح؛ لأنه كان جانياً بالوضع، ولم ينفسخ ذلك بالبيع، فلا يبرأ. - ولا ضمانَ على المشتري؛ لأنه لم يُشهد عليه، فإن أشهد عليه بعد ما اشتراه: فهو ضامنٌ. - وقوله: ضمن ما تلف: أي ما تلف من النفوس على العاقلة، ولا كفارة عليه؛ لأنه غير مباشر، ولا يُحرَم الميراثَ. - وإن كان ما دون النفس: إن بَلَغَ أرشُه من الرجل نصف عشر ديته، ومن المرأة عُشر ديتها: فهو على العاقلة أيضاً، وإن كان أقلَّ: ففي ماله. - وأما ما تلف به من الدواب أو العروض: ففي ماله خاصةً؛ لأن العاقلة لا تعقل الأموال. - وإن أنكرت العاقلةُ أن الدار له: لا عقلَ عليهم، حتى يشهد الشهود ٢٧٨ كتاب الدِّيَات . على ثلاثة أشياء: على التقدم إليه، وعلى أنه مات من سقوطه، وعلى أن الدار له. - وإن أقرَّ صاحب الدار بهذه الأشياء الثلاثة: لزمه الضمان في ماله، دون العاقلة. - وقوله: فلم يَنقضه في مدةٍ يقدر فيها علىُ نَقْضه ضمن: لأنه فرَّط، وأما إذا لم يفرِّط، ولكن ذهب يطلب مَن يَهدِمه، فكان في طلب ذلك، فسقط، وأتلف نفساً أو مالاً: فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتمكن من إزالته. - ولو لم يُشهِد على الحائط، فسقط، فأشهد على النَّقْض، فَتَعقَّل به إنسان: ضمن، إجماعاً. - وإن أشهد على الحائط المائل، فسقط بعد الإشهاد، فتعقَّل بنقْضه أو بترابه إنسانٌ، فهلك: ضمن عندهما؛ لأن الإشهاد على الحائط إشهادٌ على النِّقْض. وعند أبي يوسف: لا يضمن، إلا إذا أَشهد علىُ النَّقْض. - ولو سقط الحائط المائل على إنسان بعد الإشهاد، فتعثّر بالقتيل غيرُه، فعطب: لا يضمن؛ لأن رَفْع الميت ليس على صاحب الحائط، وإنما هو إلى أولياء الميت. ٢٧٩ كتاب الدِّيَات ويستوي أن يطالبه بنَقْضه مسلمٌ، أو ذميٌّ . وإن مالَ إلى دار رجلٍ : فالمطالبةُ إلى مالك الدار خاصة. - وإن عطب بجرَّةٍ أو خشبةٍ كانت على الحائط، فسقطت بسقوطه، وهي في ملكه: ضمنه؛ لأن التفريغَ إليه، فإن كانت في ملك غيره: لم يضمن؛ لأن التفريغ إلى مالكها. - قال في ((الهداية))(١): إذا كان الحائط بين خمسةٍ، وأشهد على أحدهم، فقتل إنساناً: ضمن خُمُس الدية، ويكون على عاقلته، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: عليه نصف الدية على عاقلته؛ لأنه مات من جنايتين: بعضها معتبرٌ، وهو نصيب مَن أشهد عليه، وبعضها هدرٌ، وهو نصيب من لم يُشهد عليه، فكانا قسمين، فيضمن النصفَ، كما إذا جرحه إنسانَ، ولدغته عقربٌ، ولسعته حيةٌ، وعَقَرَه أسدٌ، فمات من الكل: فإنه يضمن النصفَ، کذلك هذا. ولأبي حنيفة: أنه مات من فعل الحائط، فيجب على قدر الملك. * قوله: (ويستوي أن يطالبه بنَقْضه مسلمٌ أو ذميٌّ)؛ لأن الناس كلهم شركاء في المرور، فيصح التقدم إليه من كل واحدٍ منهم، رجلاً كان أو امرأةً، حراً كان أو عبداً، مكاتباً كان مدبراً، أو مسلماً كان أو ذمياً. * قوله: (وإن مال إلى دار رجلٍ: فالمطالبة إلى مالك الدار خاصةً)؛ لأن الحقَّ له. (١) ٤ / ١٩٧. ٢٨٠ كتاب الدِّيَات وإذا اصطدم فارسان، فماتا : فعلى عاقلة كلٌّ واحدٍ منهما ديةُ الآخر. - وإن كان فيها سكان: فلهم أن يطالبوه، سواء سكنوها بإجارة أو عارية. * قوله: (وإذا اصطدم فارسان، فماتا: فعلى عاقلة كلّ واحدٍ منها ديةٌ الآخر). - هذا إذا كان الاصطدام خطأً، أما إذا كان عمداً: فعلى عاقلة كل واحد منهما نصفُ دية الآخر. والفرق: أن في الخطأ كلّ واحدٍ منهما مات من صَدْمة صاحبه، لأن الموت مضافٌ إلى فِعل صاحبه؛ لأن فِعله في نفسه مباحٌ، وهو المشيُ في الطريق، فلا يصح سبباً للضمان. ويكون ما لَزِمَ كل واحدٍ منهما: على عاقلته، في ثلاث سنين. - وأما إذا اصطدما عمداً، فماتا: فإنهما ماتا بفعلين محظورين، وقد مات كل واحد منهما بفعله وفعل غيره. - ولو أن رجلين مدَّا حَبْلاً، وجَذَبَه كلّ واحدٍ منهما إلى نفسه، فانقطع بينهما، فسقطا، فماتا: فهذا على ثلاثة أوجه: ١- إن سقطا جميعاً على ظهورهما: فلا ضمان فيهما، ويكونان هدراً؛ لأن كل واحد منهما مات بجنايته على نفسه، إذ لو أثّر فِعلُ صاحبه فيه: لجذبه إلى نفسه، فكان يسقط على وجهه. ٢ - وإن سقطا جميعاً على وجوههما: فديةُ كل واحد منهما على عاقلة الآخر؛ لأن كل واحد منهما مات بجَذْب الآخر وقوَّته.