النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ کتاب الجنايات • . - وكذا إذا قتله قصاصاً أو رجماً أو شهد عليه بالزنا، فرُجم: فإنه لا يَمنع الميراث. - وكذا إذا وضع حجراً على الطريق، فتعقَّل به مورِّته، أو ساق دابةً أو قادها، فأوطأت مورِّتَه، فمات: لا يَمنع الميراث. ــ وكذا إذا وجد مورِّثَه قتيلاً في داره: تجب القسامةُ، والدية، ولا یمنع الميراث. - وكذا العادلُ إذا قتل الباغي: لا يمنع الميراث؛ لأنه لا يجب القصاص ولا الكفارة في هذه المواضع كلها. - وأما إذا قتل الباغي العادلَ: فهو على وجهين: إن قال: قتلتُه وأنا على الباطل، وأنا الآن أيضاً على الباطل: لا يرثه، إجماعاً. - وإن قال: قتلتُه وأنا على الحق، والآن أيضاً أنا على الحق: ورثه عندهما؛ لأن هذا قتلٌ لا يوجب قصاصاً ولا كفارةً. وعند أبي يوسف: لا يرثه؛ لأنه قَتَلَه بغير حقٍّ. - والأب إذا قتل ابنَه عمداً: لا يجب القصاصُ، ولا الكفارة، ومع ذلك لا يرث. ويُشكل هذا على أصلنا، إلا أنا نقول: قد وجب القصاص هنا، ثم سقط للشبهة. ٢٠٢ كتاب الجنايات • وقال الشافعي(١): لا يرث مَن وقع عليه اسمُ القتل من صغيرٍ وكبيرٍ، وعاقلٍ ومجنونٍ ومتأوِّلٍ، مثل قَتْل الباغي للعادل. - ويُورَث دمُ المقتول كسائر أمواله، ويستحقّه مَن يَرث مالَه، ويدخل فيه الزوجان، خلافاً لمالك(٢). - ولا يدخل فيه الموصى له. - وليس للبعض أن يقتصَّ حتى يجتمعوا كلّهم. 93 - فإن كان للمقتول أولادٌ صغارٌ وكبارٌ: فللكبار أن يقتصوا عند أبي حنيفة قبل بلوغ الصغار؛ لما رُوي ((أن الحسن بن علي رضي الله عنهما اقتَصَّ من ابنِ مُلجمٍ وفي ورثة عليٍّ رضي الله عنه صغارٌ، وقد وصَّى إليه عليٌّ بذلك، وقال: اضرِبْه ضربةً واحدةً)(٣). وقال أبو يوسف ومحمد: ليس للكبار أن يقتصُّوا حتى يبلغَ الصغارُ. وكان أبو بكرٍ الرازي يقول: محمدٌ مع أبي حنيفة في هذه المسألة. - ودية المقتول خطأً تكون ميراثاً عنه، كسائر أمواله لجميع ورثته. وقال مالك(٤): لا يرث منها الزوجان؛ لأن وجوبها بعد الموت، (١) كنز الراغبين ١٤٨/٣. (٢) الشرح الصغير ٣٩٢/٢. (٣) ينظر طبقات ابن سعد ٣٧/٣. (٤) الشرح الصغير ٣٩٢/٢. ٢٠٣ كتاب الجنايات : وما أُجريَ مَّجرى الخطأ، مثلُ النائم ينقلبُ على رجلٍ، فيقتُلُه : فحكمُهُ حكمُ الخطأ. والزوجية ترتفع بالموت، بخلاف القرابة. ولنا: حديث ((الضحَّاك بن سفيان قال: أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن أُورِّث امرأةَ أَشْيَم الضِبابيِّ مِن عَقْل زوجِها أَشْيَم))(١). - وإذا أوصى رجلٌ بثلث ماله: دخلت ديتُه في تلك الوصية؛ لأن الوصية أختُ الميراث، ولأن الدية مالُ الميت، حتى تُقضى منها ديونه، وتُنفَّذ منها وصاياه، کسائر أمواله. * قوله: (وما أُجريَ مَجرى الخطأ، مثلُ النائم ينقلبُ على رجلٍ فيقتلُه: فحُكمُهُ: حُكم الخطأ). يعني من سقوط القصاص، ووجوب الدية، وحرمان الميراث. - أما سقوط القصاص: فلأنه لم يتعمد. - وأما وجوب الدية: فلأنه مات بفعله. - وأما وجوب الكفارة: فلأنه مات بثقله. - وأما حرمان الميراث: فلجواز أن يكون اعتمد قتله، وأظهر النومَ. - وإنما أُجري ذلك مجرى الخطأ وإن تعلَّق به حكم الخطأ؛ لأن النائم لا قَصْدَ له، فلا يوصَف فعلُه بعمدٍ ولا خطأ، فلهذا لم يطلق عليه اسم الخطأ. (١) سنن أبي داود (٢٩٢٧)، سنن الترمذي (١٤١٥)، وقال: حسن صحيح. ٢٠٤ کتاب الجنايات : وأما القتلُ بسببٍ، کحافرِ البئر، وواضع الحجر في غير ملکه. ومُوجَبُه إذا تَلِفَ فيه آدميٌّ : الديةُ على العاقلة. ولا كفارةً فیه. قوله: (وأما القتل بسببٍ: كحافر البئر، وواضعِ الحجرِ في غيرِ ملكه)؛ لأنه ليس بمتعمِّدٍ للقتل، ولا خاطئ فيه، وإنما هو سببٌ فيه؛ لتعدِیه. * قوله: (وموجَبُ ذلك إذا تلف فيه آدميٌّ: الديةُ على العاقلة)؛ لأنه سبب التلف. * قوله: (ولا كفارةَ فيه)؛ لأنه لم يباشر القتلَ بنفسه، ولا وقع بثِقَله. - ولا يُشبه الراكب على الدابة إذا وطئت آدمياً أن فيه الكفارة؛ لأن القتل حصل بوطئها، وثِقَل الراكب. ولهذا قالوا: لا كفارةَ على السائق والقائد؛ لأنهما لم يباشرا القتل، ولا مات بثقلهما. - ولا يُحرم الميراث بسبب الحفر، ووَضْعِ الحَجَر؛ لأنه غير مثَّهمٍ في ذلك. - وهذا كله إذا حَفَرَها في ممرِّ الناس، أما في غير ممرِّهم: لا ضمان علیه. - قوله: وواضعِ الحَجَر: إنما يضمن بذلك إذا لم يتعمَّد المشيَ على الحجر، أما إذا تعمَّد المارُّ ذلك: لا يضمن؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه ٢٠٥ كتاب الجنايات والقصاصُ واجبٌ بقتل كلِّ محقونِ الدمِ على التأبيد، إذا قُتِل عمداً. ويُقْتُلُ الحرُّ بالحرِّ. والحرُّ بالعبدِ . بتعمّده المرورَ علیه. - ولو وضع حجراً، فنحَّاه غيرُه عن موضعه: فالضمان على الذي نحاه. - وإذا اختلف الوليُّ والحافر، فقال الحافر: هو الذي أسقط نفسَه: فالقول قول الحافر؛ استحساناً. وفي ((الخُجندي)): هذا قول محمدٍ. * قوله: (والقصاصُ واجبٌ بقتلِ كلّ محقونِ الدم على التأبيد إذا قُتل عمداً). احتَرز بقوله: على التأبيد: عن المستأمِن؛ لأن دمه إنما هو محقونٌ في دارنا، أما إذا رجع إلى داره: صار مباحَ الدم. والحَقْن: هو المنع، يقال: حقن دمَه: أي مَنَعَه أن يُسفك، والحَقْن أيضاً: الحفظ. * قوله: (ويُقتل الحرُّ بالحُرِّ، والحُرُّ بالعبد)، ويكون القصاصُ لسيده. وقال الشافعي(١): لا يُقتل الحرُّ بالعبد؛ لأن مبنى القصاص على المساواة، وهي منتفيةً بينهما؛ ولهذا لا يُقطع طرفُ الحر بطرفه. (١) مغني المحتاج ١٧/٤. ٢٠٦ کتاب الجنايات والعبدُ بالحُرِّ. والعبدُ بالعبد . والمسلمُ بالذمي. ولا يُقْتَلُ المسلمُ بالمستأمَن. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَكَثَبْنَا عَلَيَّهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ المائدة / ٤٥، وذلك يتناول الجمیعَ. قوله: (والعبدُ بالحُرِّ)، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه ناقصٌ عن المقتول، فإذا جاز أن يُستوفى الحرُّ بالحر وهو أكمل: فهذا أُوْلیُ. * قوله: (والعبدُ بالعبد). - ولو قتل أحدُ العبدين الآخرَ وهما لرجلٍ واحدٍ: ثبت للمولى القصاص. - وكذا المدبر إذا قتل عبداً لمولاه. * قوله: (ويُقتل المسلمُ بالذمي). وقال الشافعي(١): لا يُقتل به. - ولا خلاف أن المسلم إذا سرق من الذمي: أنه يُقطع. * قوله: (ولا يُقتل بالمستأمِن)؛ لأنه غيرُ محقون الدم على التأبيد. - ولا يُقتل الذمي بالمستأمِن. (١) مغني المحتاج ١٦/٤. ٢٠٧ كتاب الجنايات ويُقْتَلُ الرجلُ بالمرأة، والكبيرُ بالصغيرِ، والصحيحُ بالأعمىُ، والزَّمِنِ. ولا يُقتَلُ الرجلُ بابنه، - ويُقتل المستأمِن بالمستأمِن؛ قياساً للمساواة، ولا يُقتل؛ استحساناً؛ لقيام المبيح، وهو الكفر. * قوله: (ويُقتل الرجلُ بالمرأة، والكبيرُ بالصغير، والصحيحُ بالأعمىُ والزِّمِن). - وكذا بالمجنون وناقص الأطراف؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. المائدة/ ٤٥، ولأن المماثلة في النفس غيرُ معتبرة؛ حتى لو قتل رجلٌ رجلاً مقطوعَ اليدين والرِّجلين والأذنين والمذاكير ومفقوءَ العينين: فإنه يجب القصاص إذا كان عمداً. كذا في ((الخُجندي)). * قوله: (ولا يُقتل الرجل بابنه). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يُقاد والدٌ بولده، ولا السيد بعبده))(١). - وتجب الدية في ماله في قتل الابن؛ لأن هذا عمدٌ، والعاقلةُ لا تعقل العمدَ. - وتجب في ثلاث سنين. (١) سنن الترمذي (١٤٠٠)، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، سنن ابن ماجه (٢٦٦٢)، ونقل في البدر المنير ٣٢٨/٢٠ عن البيهقي في معرفة السنن ٤٠/١٢ في قصة ذكرها وفيها هذا الحديث، ثم قال: إسناده صحيح، وكذلك التلخيص الحبير ١٦/٤. ٢٠٨ کتاب الجنايات ٠ - وكذا لا قصاصَ على الأب فيما جنى على الابن فيما دون النفس أيضاً. - وكذا حكم الجد وإن علا: لا يُقتل بابن الابن. - وكذا الجدُّ من قِبَل الأمِّ وإن علا الجدُّ، وسَفَلَ الولد. - وكذا الأمُّ وإن علت. - وكذا الجدَّات من قِبَل الأب والأم وإن علون. - فأما الابن إذا قَتَلَ الأبَ أو الأمَّ أو الجدةَ أو الجدَّ وإن علا: فإنه يجب القصاص في النفس، وفيما دونها، إذا كان عمداً. وإن كان خطأً: تجب الدية على العاقلة. والفرق: أن الابن في حكم الجزء من الأب، والإنسان لا يجب عليه قصاصٌ في بعض أجزائه، وأما الأبُ فليس في معنى الجزء من الولد، فکان معه کالأجنبي. - ولو اشترك رجلان في قتل إنسان، أحدهما يجب عليه القصاص لو انفرد، والآخر لا يجب عليه القصاص لو انفرد، كالأجنبي والأب، والخاطئ والعامد، أو أحدهما بالسيف والآخر بالعصا: فإنه لا يجب عليهما القصاص، وتجب الدية. والذي لا يجب عليه القصاص لو انفرد: تجب الدية على عاقلته، کالخاطئ. ٢٠٩ كتاب الجنايات ولا بعبده، ولا بمدبَّرِهِ، ولا بمكاتَبِهِ، ولا بعبدٍ ولدِه. والذي يجب عليه القصاص لو انفرد: تجب الدية في ماله. - وهذا في غير شريك الأب، فأما الأب والأجنبي إذا اشتركا: تجب الدية في مالهما؛ لأن الأب لو انفرد: تجب الدية في ماله. * قوله: (ولا بعبده)؛ لأنه مالُه، والإنسان لا يجب عليه بإتلاف ماله شيءٌ، ولأنه هو المستحقُّ للمطالبة بدمه، ومحالٌ أن يستحق ذلك على نفسه. : قوله: (ولا بمدبَّره، ولا بمكاتبه)؛ لأن المدبر مملوكٌ، والمكاتب رِقٌّ ما بقيَ علیه درهمٌ. - وكذا لا يُقتل بعبدِ مَلَكَ بعضَه؛ لأن القصاص لا يتجزأ. * قوله: (ولا بعبدٍ ولده)؛ لأنه في حكم ملكه، قال عليه الصلاة والسلام: ((أنتَ ومالك لأبيك))(١). ولأنه لا يجب عليه الحدُّ بوطء جارية ابنه، فكذا لا يجب القصاص بقتلها، کأمته. - وتجب الكفارة على المولى بقتل عبده ومدبّره ومكاتبه وعبد ولده. - فإن قَتَلَ المكاتبُ مولاه عمداً: اقتُصَّ منه. (١) تقدم تخريجه ٢٢٨/٢. ٢١٠ كتاب الجنايات ومَن وَرِث قصاصاً على أبيه : سَقَطَ، وعليه الدية. * قوله: (ومَن وَرِثَ قصاصاً على أبيه: سقط)؛ لحرمة الأبوة. (و) إذا سقط: وجبت (عليه الديةُ). وصورتُه: بأن قَتَلَ أمَّ ابنه عمداً، أو قتل أخا ولده من أمه، وهو وارثه. - وعلى هذا: كلَّ مَن قَتَلَه الأبُ وولدُه وارثُه. - فإن قيل: كيف يصح قوله: ورث: والقصاص للوارث ثبت ابتداء؛ بدليل أنه يصح عفو الوارث قبل موت المورِّث، والمورِّثُ يملك القصاصَ بعد الموت وهو ليس بأهلٍ للتمليك في ذلك الوقت، فيثبت للوارث ابتداءً؟ قلنا: يثبت عند البعض بطريق الإرث، أو نقول: تعيَّن صورةً يتحقق فيها الإرث، بأن قَتَلَ رجلٌ أبا امرأته: تكون ولايةُ الاستيفاء للمرأة، ثم ماتت المرأة ولها ولدٌ من القاتل: فإنه يرث القصاصَ الواجب على أبيه. كذا في ((المشكل)). - قال في ((الكرخي)): إذا عفا المجروح، ثم مات: فالقياس أن لا يصح عفوه؛ لأن القصاص يثبت ابتداءً للورثة، لولا ذلك لم يثبت لهم بعد الموت، فكأنه أبراه من حق غيره. والاستحسان يُجوِّز عفوَه؛ لأن الحقَّ له، وإنما يقوم الوارث مقامه في استيفائه، فأسقط حقَّه، فإذا أسقطه: جاز. - ويكون من جميع المال؛ لأنه حقٌّ ليس بمالٍ، كالطلاق. ٢١١ کتاب الجنايات ولا يُستوفىُ القصاصُ إلا بالسيف. - وقالوا في الوارث إذا عفا عن الجارح قبل موت المجروح: فالقياس أن لا يصح عفوُهُ؛ لأنه عفا عن حقٍّ غيره، ألا ترى أن المجروح لو عفا في هذه الحالة: جاز. وإنما يثبت للوارث الحق بعد موته، فإذا عفا قبل ثبوت حقه: لم يجز، والاستحسان يُجوِّز عفوه؛ لأن الحق يثبت للورثة عند الجرح، ولولا ذلك لم يثبت لهم عند الموت، فإذا أبرأ عنه عند ثبوت سبب الموت، وهو الجراحة: جاز. * قوله: (ولا يُستوفىُ القصاصُ إلا بالسيف)، سواء قَتَلَه به أو بغيره من المحدِّد أو النار. وقال الشافعي(١): يُقتل بمثل الآلة التي قَتَل بها، ويُفعل به مثل ما فعل إن كان فعلاً مشروعاً، فإن مات، وإلا: تُحَزُّ رقبتُه؛ لأن مبنى القصاص على المساواة. ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قود إلا بالسيف))(٢). (١) مغني المحتاج ٤٤/٤. (٢) سنن ابن ماجه ٨٨٩/٢ (٢٦٦٨)، سنن الدار قطني ١٠٦/٣، سنن البيهقي ٦٢/٨، والحديث له طرق عديدة، ووجوه كثيرة، وفيها كلام طويل ومناقشات، وقد ختم الكلام عنها ابن التركماني في الجوهر النقي ٦٣/٨ بقوله: ((قد روي هذا الحديث من وجوه كثيرة يشهد بعضها لبعض، فأقل أحواله أن يكون حسناً)). اهـ، وينظر نصب الراية ٣٤١/٤، والتلخيص الحبير ١٩/٤. ٢١٢ كتاب الجنايات وإذا قُتِلَ المكاتَبُ عمداً، وليس له وارثٌ إلا المولىُ، وتَرَكَ وفاءً : فله القصاصُ. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تُعذّبُوا عبادَ الله))(١). : قوله: (وإذا قُتل المكاتبُ عمداً، وليس له وارثٌ إلا المولىُ: فله القصاص). هذا على ثلاثة أوجه: ١- إن لم يترك وفاء: فللمولى القصاص، إجماعاً؛ لأنه مات وهو ملكُ المولىُ؛ لأنه مات عبداً، والحرُّ يُقتل بالعبد. ٢ - وإذا ترك وفاءً، ووارثُه غير المولى: فلا قصاص فيه، إجماعاً؛ لأن الجراحة وقعت والمستَحِقِ المولى؛ لبقاء الرق فيه، وحصل الموت والمستَحِقُّ غيرُ المولىُ، فلما تغيَّر المستَحِق: صار ذلك شبهةً في سقوط القصاص، كمن جرح عبدَه، وباعه، ومات في يد المشتري: لا يثبت للمشتري قصاصٌ؛ لأنه لم يكن له حقٌّ عند الجراحة. ٣- وإن ترك وفاءً، وليس له وارثٌ إلا المولىُ: فللمولىُ القصاص عندهما. وقال محمد: لا قصاص له؛ لأن المولى يستحق عند الجراحة بسبب الملك، وعند الموت بسبب الولاء، فلما اختلفت جهتا الاستحقاق: صار كاختلاف المستَحِقِ، فمنع القصاص. (١) تقدم تخريجه ص ٩٠. ٢١٣ كتاب الجنايات فإن ترك وفاءً، ووارثُه غيرُ المولى: فلا قصاص لهم وإن اجتمعوا مع المولى . وإذا قُتِل عبدُ الرهن: لم يجب القصاص حتى يجتمعَ الراهنُ والمرتهنُ. ولهما: أن المولى هو المستَحِقُّ لحقوق المكاتَب في الحالين، فوجب له القصاص، كما لو مات عن غير وفاء. * قوله: (وإن تَرَكَ وفاءً ووارتُه غيرُ المولىُ: فلا قصاصَ لهم وإن اجتمعوا مع المولى)؛ لأن المولىُ سَقَطَ حقُّه بالعتق، فاجتماعه مع الوارث لا يُعتدُّ به، فبقيَ الوارث وحدَه، وقد بيَّنًا أنه لا قصاص له. * قوله: (وإذا قُتل عبدُ الرهن في يد المرتهن: لم يجب القصاص حتى يجتمع الراهنُ والمرتهنُ)؛ لأن المرتهنَ لا ملك له، فلا يليه، والراهن لو تولاه: لبطل حق المرتهن في الدين، فشُرط اجتماعهما؛ ليسقط حقُّ المرتهن برضاه، وهذا قولهما. وقال محمدٌ: لا قصاصَ له وإن اجتمعا. وعن أبي يوسف: مثله. - وقيَّد باجتماعهما، حتى لو اختلفا: فلهما القيمةُ، تكون رهناً مكانه. - ولو قتل عبدَ الإجارة: يجب القصاص للمؤجر. - وأما المبيع إذا قُتل في يد البائع قبل القبض: فإن اختار المشتري إجازةَ البيع: فله القصاص؛ لأنه ملكه، وإن اختار ردَّ المبيع: فللبائع ٢١٤ كتاب الجنايات ومَن جَرَحَ رجلاً عمداً، فلم يزل صاحبَ فراشٍ حتى مات: فعليه القصاص. القصاص عند أبي حنيفة؛ لأن المشتري إذا ردَّ المبيعَ: انفسخ العقد من أصله، فکأنه لم یکن. وقال أبو يوسف: لا قصاصَ، وللبائع القيمة؛ لأن البائع لم يثبت له القصاص عند الجراحة، لأن الملك کان للمشتري، فلا يثبت له بعد ذلك. * قوله: (ومَن جَرَح رجلاً عمداً، فلم يَزَلْ صاحبَ فراشٍ حتى مات: فعليه القصاصُ)؛ لأن سبب القتل وُجد منه، واتصل بالموت، ولم يوجد بينهما ما يُسقِط القصاص. - ولو شقَّ بطنَ رجل، وأخرج أمعاءَه، ثم ضرب آخرُ عنقَه بالسيف عمداً: فالقاتل: الذي ضرب العنقَ؛ لأنه قد يعيش بعد شق البطن، ولا یعیش بعد ضرب العنق. - فإن كان ضَرَبَ رقبتَه خطأً: فعليه الدية، وعلى الذي شقَّ البطن ثلث الدية، أرش الجائفة. - فإن كان الشق نَفَذَ من الجانب الآخر: وجب ثلثا الدية. - وهذا إذا كان الشق تُتوهم معه الحياة، بأن كان يعيش معه يوماً أو بعض يوم، أما إذا كان لا تُتوهم معه الحياة، وإنما يَضطرب اضطرابَ المقتول: فالقاتل: الذي شقَّ البطن، فيُقتص منه في العمد، وتجب الدية في الخطأ، والذي ضرب العنقَ: يُعزَّر؛ لأنه ارتكب المنكَرَ، ولا ضمان عليه لأنه ذَبَحَ المفروغ منه. ٢١٥ كتاب الجنايات ومَنْ قَطَعَ يدَ غيره عمداً من المِفْصَل : قُطِعت يدُه. وكذلك الرِّجْلُ، ومَارِنُ الأنفِ، والأُذُنُ. - وكذا إذا جَرَحه جراحةً لا يعيش منها، وجَرَحه آخر: فالقاتل: هو الأول. - وهذا إذا كانت الجراحتان على التعاقب، أما إذا كانتا معاً: فهما قاتلان. - ولو قطع يدَ إنسان ورِجليه: إن مات من ذلك: اقتُصَّ منه، وتُحزُّ رقبتُه، ولا تُقطع يداه ورِ جلاه. وعند الشافعي(١): يُفعل به مثل ما فَعَل، فإن مات، وإلا: قُتِل بالسيف. * قوله: (ومَن قَطَعَ يدَ غيرِه من المفصل عمداً: قُطعت يده) ولو كانت أكبر من يد المقطوع. - وهذا إذا كان بعد البُرء، ولا قصاصَ قبل البُرء. * قوله: (وكذلك الرِّجلُ، ومارِنُ الأنف، والأُذُن). يعني أنه يجب بقطع ذلك القصاص. - أما الرِّجْل: فمعناه إذا قطعها من مفصل القدم، أو من مفصل الرُّكبة. - وأما الأنف: فإن قَطَعَ منه المَارن: وجب القصاص؛ لأنه تُمكن فيه المماثلة، وهو ما لان منه. - وأما إذا قَطَعَ بعضَ القصبة أو كلَّها: فلا قصاص؛ لأنه عَظْمٌ، ولا (١) مغني المحتاج ٤ /٤٥. ٢١٦ كتاب الجنايات ومَن ضَرَبَ عینَ رجلٍ، فقَلَعَها : فلا قصاص عليه. وإن كانت قائمةً، فذهبَ ضَوْءُها : فعليه القصاص: تُحمَى له المرآةُ، ويُجْعَلُ على وجهه قُطْنٌ رَطْبٌ، وتُقابل عينُه بالمرآة حتى يذهب ضَوْءُها. قصاص في العظم؛ لتعذّر المماثلة، إلا السنَّ. - وأما الأُذن: إذا قطعها من أصلها: وجب القصاص؛ لإمكان المماثلة، وإن قطع بعضها: إن كان ذلك البعض تُمكن فيه المماثلة: وجب القصاص بقدره، وإلا: فلا. * قوله: (ومَن ضرب عينَ رجلٍ، فقَلَعَها: فلا قصاصَ فيها) ؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص؛ لعدم المماثلة. * قوله: (فإن كانت قائمةً وذهب ضوءها: فعليه القصاص). - وأما إذا انخسفت، أو قُوِّرت(١): فلا قصاص. وكيفية القصاص فيها إذا كانت قائمةً ما ذكره الشيخُ، وهو: قوله: (تُحمى له المرآةُ، ويُجعل على وجهه قُطْنٌ رَطْبٌ): أي مبلولٌ، ويُربطُ على عينه الأخرى بقُطْن رَطبِ أيضاً، (وتُقابل عينُه بالمرآة و حتى يذهبَ ضوءها). قضى بذلك عليّ(٢) كرَّم الله وجهَه بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، من غیر خلاف. (١) مصنف عبد الرزاق (١٧٤١٤)، التعريف والإخبار ٩٠/٤. (٢) أي قطعها بخَرْق مستدير من وسطها. المغرب. ٢١٧ كتاب الجنايات وفي السِّنِّ : القصاصُ. - وأجمع المسلمون على أنه لا تُؤخذ العينُ اليمنى باليسرى، ولا الیسری بالیمنی. - وكذا اليدان، والرِّجلان، وكذا أصابعهما. - ويؤخذ إبهامُ اليمنىُ باليمنى، والسبابةُ بالسبابة، والوسطىّ بالوسطى، ولا يؤخذ شيء من أعضاء اليمنى إلا باليمنى، ولا اليسرى إلا بالیسری. * قوله: (وفي السِّنِّ: القصاصُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَ بِالسِّنِّ: المائدة/ ٤٥. ـ وسواء كان سنُّ المُقتَص منه أكبرَ أو أصغر؛ لأن منفعتهما مما لا تتفاوت. - و کذا الید. - ومَن نَزَعَ سِنَّ رجلٍ، فانتزع المنزوعةُ سنُّه سنَّ النازع، فنبتت سنُّ الأول: فعلى الأول خمسمائة درهم؛ لأنه تبيَّن أنه استوفىُ بغير حقٍّ؛ لأنه لمَّا نبتت أخرى: انعدمت الجناية؛ ولهذا يستأني حولاً. وقيل: إن في سنِّ البالغ لا يستأني فيها؛ لأن الغالب فيها أنها لا تنبت، والنادر لا عبرة به. كذا في ((المبسوط))(١). (١) ١٤٩/٢٦. ٢١٨ کتاب الجنايات وفي كل شَجَّةٍ يُمكن فيها المماثلة : القصاصُ. ولا قصاصَ في عَظْمٍ إلا في السِّنِّ. وليس فيما دون النفس: شِبْهُ عمدٍ، وإنما هو عَمْدٌ، أو خطأ. - لكن هذه الرواية في القَلْع، أما في التحريك: يستأني حولاً، صغيراً كان أو كبيراً. - ولو قَلَعَها من أصلها عمداً: لم تُقلع سنُّ القالع، بل تؤخذ بالمِبْرَد إلى أن تنتهي إلى اللحم، ويَسقط ما سوى ذلك. * قوله: (وفي كل شَجَّةٍ يُمكن فيها المماثلة: القصاص)؛ لقوله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾. المائدة/٤٥. * قوله: (ولا قصاصَ في عَظْمٍ إلا في السِّنِّ). ۔ ولا تُؤخذ الیمنی بالیسری، ولا الیسری بالیمنی. - وتُؤخذ الثنيَّة بالثنية، والنَّابُ بالناب، والضِّرسُ بالضرس. - ولا يُؤخذ الأعلى بالأسفل، ولا الأسفل بالأعلى. - ولو كُسر بعض السن: يؤخذ من سنِّ الكاسر بقدر ذلك بالمبرد. - ولا قصاص في السنِّ الزائدة، وإنما تجب حكومة عدل. - ولا قصاص في اللَّطْمة، واللَّكْمة، واللَّكْزَة، والوَجْأة، والدَّقَّة. * قوله: (وليس فيما دون النفس: شبهُ عمد، إنما هو عمدٌ، أو خطأ). - سواء كانت الجناية فيما دون النفس بسلاح أو غيره: ففيه القصاص. ٢١٩ كتاب الجنايات ولا قصاصَ بين الرجل والمرأة فيما دون النفس. ولا بين الحُرِّ والعبد، ولا بين العبدیْن. - وإذا آلت الضربة إلى النفس، فإن كانت بحديدة أو خشبة محدَّدة: ففيه القصاص، إجماعاً، وإن كانت بشيءٍ لا يَعمل عمل السلاح: ففيه الدية على العاقلة؛ لأن السراية تبعٌ للجناية. * قوله: (ولا قصاصَ بين الرجل والمرأة فيما دون النفس). حتى لو قطع يدَها عمداً: لا يجب القصاص؛ لأن الأرش مختلفُ المقدار، والتكافؤُ معتبرٌ فيما دون النفس؛ بدليل أنه لا تُقطع اليمين باليسار، ولا اليد الصحيحة بالشلاّء، وناقصة الأصابع. بخلاف القصاص في الأنفس، فإن التكافؤ لا يعتبر فيه؛ ولهذا يُقتل الصحيح بالزَّمِن، والجماعةُ بالواحد. فإذا كان التكافؤ معتبراً فيما دون النفس: فلا تكافؤ بين يد الرجل والمرأة؛ لأن يدها تصلح لما لا تصلح له يده، كالطحن، والخبز، والغزل، وإذا سقط القصاص: وجب الأرش في ماله حالاً. وقال الشافعي(١): يجري القصاص بينهما؛ اعتباراً بالأنفس. * قوله: (ولا بين الحرِّ والعبد)؛ لأن يد العبد لا تكافئ يدَ الحر؛ لأن أرشهما مختلفٌ، فأرش يد العبد: قيمتُها. * قوله: (ولا بين العبدين)؛ لأن اتفاقهما لا يُعرف إلا بالحَزْرِ والظنِّ. (١) مغني المحتاج ٢٥/٤. ٢٢٠ كتاب الجنايات ويجب القصاصُ في الأطراف بين المسلم والكافر . ومَن قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ من نصف الساعد، أو جَرَحَه جائفةً، فَبَرأ منها : فلا قصاصَ عليه، وعليه الديةُ في ماله، دون العاقلة. وكذلك كلِّ جنايةٍ سَقَطَ القصاصُ فيها لشبهة . قوله: (ويجب القصاصُ في الأطراف بين المسلم والكافر)، يعني الذمى. - وكذا بين المرأتين الحرتين، والمسلمة والكتابية. - وكذا بين الكتابيَّتَيْن. - ولو رمى بسهم إلى مسلمٍ، فقَبْل أن يقع فيه السهم: ارتد المرميُّ إليه، والعياذُ بالله، فوقع به، فقتله: فإنه تجب الدية على عاقلة الرامي في الخطأ، وفي ماله: في العمد، وسقط القصاص؛ للشبهة. وهذا عند أبي حنيفة، فاعتبر حالةَ خروج السهم. وعندهما: لا ضمانَ عليه؛ لأنه قَتَلَ نفساً مباحةَ الدم. - ولو رمى إلى مرتدٍّ، فأسلم قبل وقوع السهم فيه، ثم وقع به وهو مسلمٌ: فلا شيء عليه. وقال زفر: تجب الدية، لأنه يعتبر حالة الإصابة. قوله: (ومَن قَطَعَ يدَ رجلٍ من نصف الساعد، أو جَرَحَه جائفةً، فَبَرَأ منها: فلا قصاصَ عليه)؛ لأنه لا يُمكن اعتبار المماثلة في ذلك؛ لأن الساعد عظمٌ، ولا قصاصَ في عَظْمٍ، ولأن هذا كَسْرٌ، ولا يمكن أن یکسر ساعده مثل ما كسره.