النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ کتاب الولاء إذا أعتق الرجلُ مملوكَه: فوَلاؤه له، وكذلك المرأةُ تُعْتِقٍ فإِن شَرَطَ أنه سائبةٌ : فالشرطُ باطلٌ، والوَلاءُ لمَن أَعتَقَ. * قال رحمه الله: (إذا أعتق الرجلُ مملوكَه: فولاؤه له). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمَن أعتق))(١). * قوله: (وكذلك المرأةُ تُعتق). - ويستوي فيه الإعتاقُ بمالٍ وبغير مال، أو عتقٌ بالقرابة، أو بأداء بدل الكتابة، أو عتقٌ بعد الوفاة بالتدبير، أو بالاستیلاد. ــ وسواء كان العتقُ واجباً أو غيرَ واجب، كما في كفارة القتل أو الظهار أو الإفطار أو اليمين أو النذر. - وسواء شَرَطَ الولاءَ أو لم يشرط، أو تبرَّا من الولاء. - ولو قال: أعتِقْ عبدَك عني على ألف درهمٍ، فأعتقه: يكون العتق للآمر؛ استحساناً، والولاءُ له. وقال زفر: يكون عن المأمور. - وإن قال: أعتقْ عبدَك عني، ولم يذكر البدل، فأعتقه: يكون عن و المأمور، والولاءَ له عندهما، وقال أبو يوسف: عن الآمر، والولاءُ له. * قوله: (فإن شَرَطَ أنه سائبةٌ: فالشرط باطلٌ، والولاءُ لمَن أعتق). (١) صحيح البخاري (١٤٩٣)، صحيح مسلم (١٥٠٤). ١٨٢ كتاب الولاء وإذا أدَّى المكاتَبُ بدلَ الكتابة : عَتَقَ، وولاؤه للمولى. وكذلك إن عَتَقَ بعد موتِ المولى : فولاؤه لورثة المولى. فإن مات المولىُ : عَتَقَ مدبّروه، وأُمَّهاتُ أولاده، وولاؤهم له. لأن الشرط مخالفٌ للنص، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق))(١). والسائبة: أن يُعتقه على أن لا ولاءَ عليه، أو على أن ولاءَه لجماعة المسلمين. * قوله: (وإذا أدى المكاتبُ بدلَ الكتابة: عتق، وولاؤه للمولى. وإن أُعتق بعد المولىُ): أي ولو عَتَقَ بعد موت المولى: (فولاؤه لورثة المولى). - وكذا العبد الموصى بعتقه أو بشرائه، وعتْقُه بعد موته. - وعِتْقُ المسلم والذمي والمجوسي في استحقاق الولاء بالعتق: سواء. - ولو كان العبد ذمياً، والمعتِق له مسلماً: ثبت الولاء منه. - وإذا كان المعتِق ذمياً: لا يمنع ثبوتَ الولاء؛ لأن الولاء كالنسب، والكفرُ لا يمنع ثبوتَ النسب، فكذا لا يمنع ثبوتَ الولاء، إلا أنه لا يرث منه، لأن المسلم لا يرثه الكافرُ، إلا إذا أسلم المعتِق قبل الموت. * قوله: (وإذا مات المولىُ: عَتَقَ مدبّروه، وأمهاتُ أولاده، وولاؤهم له)؛ لأنهم عتَقوا من جهته. (١) تقدم الصفحة السابقة. ١٨٣ کتاب الولاء ومَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه : عَتَقَ علیه، وولاؤه له. وإذا تزوج عبدُ رجلٍ أمةً لآخرَ، فأعتَقَ مولى الأمةِ الأمةَ، وهي حاملٌ من العبد : عَتَقت، وعَتَقَ حَملُها . وولاءُ الحمل لمولى الأم، لا ينتقل عنه أبداً. فإن وَلَدَت بعد عِثْقِها لأكثرَ من ستة أشهرٍ ولداً: فولاؤه لمولى الأم. · قوله: (ومَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحرَم منه: عَتَقَ عليه، وولاؤه له). صورته: أختان اشترت إحداهما أباهما، فمات عنهما، وترك مالاً: فلهما الثلثان بالفرض، والثلث للمشترية بالولاء. - وهذا إذا لم يكن له عصبة من النسب؛ لأن مولى العتاقة أبعد من العصبة. * قوله: (وإذا تزوج عبدُ رجلٍ أمةً لآخرَ، فأعتق مولى الأمة الأمةَ وهي حامل من العبد: عتقت، وعَتَقَ حملُها، ووَلاء الحَمْل لمولى الأم، لا ينتقل عنه أبداً). لأن المولى باشر الحمل بالعتق؛ لأنه جزء من الأمة، فلهذا لم ينتقل الولاء عنه، وهذا إذا ولدته لأقل من ستة أشهر؛ للتيقن بالحمل وقت الإعتاق. - وكذا إذا ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر، والآخر لأكثر؛ لأنهما توأما حملٍ واحدٍ. قوله: (وإن ولدت بعد عِثْقها لأكثر من ستة أشهر ولداً: فولاؤه المولى الأم)؛ لأنه عَتَقَ تبعاً لها؛ لاتصاله بها، فيتبعها في الولاء. ١٨٤ كتاب الوَلاء فإن أُعْتِقَ الأبُ العبدُ: جَرَّ ولاءَ ابِه، وانتقل عن مولى الأم إلى مولى الأب. ومَن تزوَّج من العَجَم بمعتَقةٍ من العرب، فوَلَدَت له أولاداً: فولاءُ ولدها لمواليها عند أبي حنيفة ومحمد . وقال أبو يوسف : يكون وَلاءُ أولادِها لأبيهم، لأن النسب إلى الآباء. قوله: (فإن أُعتق الأبُ العبدُ: جرَّ ولاءَ ابنِه، وانتقل عن مولى الأم إلى مولى الأب)؛ لأن العتق هنا ثبت في الولد تبعاً، بخلاف الأول. قوله: (ومَنْ تزوَّج من العجم بمعتَقةِ العرب، فولدت له أولاداً: فوَلاءُ أولادها لمواليها عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يكون ولاءً أولادها لأبيهم(١)؛ لأن النسب إلى الأب)، كما إذا كان الأب عربياً. - بخلاف ما إذا كان الأب عبداً، فإن العبد إذا تزوج بمعتَقةٍ، فولدت له أولاداً: فولاؤهم لموالي الأم. ولهما: أن الأب مجهولُ النسب؛ لأنه ليس له نسبٌ معروفٌ، ولا وَلَاء عَتاقةٍ، وليس له عاقلةٌ، فكان ولاءُ ولده لموالي أمه. - وصورة المسألة: رجلٌ حرُّ الأصل عجميٌّ من غير العرب، ليس بمعتَقٍ لأحد، تزوج بمعتَقة العرب، فولدت له أولاداً: (١) وفي نُسخ: ((حُكْمهم في هذا: حُكم أبيهم؛ لأن النسب ... )). ١٨٥ كتاب الولاء وولاءُ العَتاقة تعصيبٌ، فإن كان للمُعْتَق عصبةٌ من النسب : فهو أَوْلىُ منه . فعندهما: ولاء الأولاد لموالي الأم؛ لأن غير العرب لا يتناصرون بالقبائل، فصار كمعتَقةٍ تزوجت عبداً. وقال أبو يوسف: ولاؤهم لموالي أبيهم. - قال في ((شاهان)): الوضع في معتَقَة العرب وقع اتفاقاً، حتى لو كان التزوج بمعتَقة غير العرب: یکون الحكم فيه كذلك. - فإن كانت الأم حرةً، لا ولاء عليها لأحدٍ، والأبُ مولىً: فالولد حرٌّ، لا وَلاء عليه؛ لأن الولد يتبع الأمَّ في حكمها. * قوله: (ووَلاءُ العَتاقة: تعصيبٌ): أي موجباً للعصوبة. - اعلم أن مولى العَتّاقة أبعدُ من العصبة، ومقدَّمٌ على ذوي الأرحام، ويرثه الذكور دون الإناث، حتى لو ترك ابنَ مولى، وبنت مولى: فالميراث للابن، دونها. - وإن ترك ابنَ مولیَ وأباً مولىَ: فالميراث للابن خاصةً عندهما؛ لأنه أقرب عصوبةً. وقال أبو يوسف: يكون بينهما أسداساً: للأب السدس، والباقي للابن. - وإن ترك جَدَّاً مولىَ وأخاً مولىَ: فالميراث للجد عند أبي حنيفة، وعندهما: هو بينهما نصفان، سواء كان الأخ لأبٍ وأم، أو لأبٍ، والمراد بالجد: أبو الأب. * قوله: (فإن كان للمعتَقَ عَصَبَةٌ من النسب: فهم أَوْلىُ منه)؛ لأن موالي العتاقة آخرُ العصبات، وإنما يرث إذا لم تكن عصبةٌ من النسب. ١٨٦ كتاب الولاء وإن لم تكن له عصبةٌ من النسب : فميراثُه للمُعتِقِ. فإن مات المولىُ، ثم مات المعتَقُ: فميراثُه لبني المولىُ، دون بناته. وليس للنساء من الوَلاء إلا ما أعتَقْنَ، أو أعتَقَ مَن أعتَقْنَ. أو كاتَبْنَ، أو كاتَبَ مَن كاتَبْنَ. * قوله: (وإن لم تكن له عصبةٌ من النسب: فميراثه للمُعتِق). يعني إذا لم يكن هناك صاحب فرض في حال، أما إذا كان: فله الباقي بعد فرضه؛ لأنه عصبةٌ. - ومعنى قولنا: في حال: أي صاحب فرض له حالةٌ واحدةٌ، كالبنت، بخلاف الأب: فإن له حالُ فرض، وحالُ تعصيب، فلا يرث المعتِق في هذه الحالة. * قوله: (فإن مات المولىُ، ثم مات المعتَق: فميراثُه لبني المولىُ، دون بناته)؛ لأن الولاءَ تعصيبٌ، ولا تعصيبَ للمرأة. * قوله: (وليس للنساء من الولاء إلا ما أَعْتَقْن، أو أَعتق مَن أَعْتَقْنَ، أو كاتّبْنَ، أو كاتَبَ مَن كاتَبْنَ). بهذا اللفظ ورد الحديث، وفي آخره: ((أو جرَّ ولاءَ معتقهن))(١). (١) قال في نصب الراية ١٥٤/٤: غريب. اهـ، وقال ابن حجر في الدراية ١٩٥/٢: لم أجده هكذا. اهـ، قلت: أخرجه مرفوعاً البيهقي في السنن الكبرى ٣٠٦/١٠، وينظر المصنَّف لابن أبي شيبة ٣٤٥/١٦، ففيه عدة آثار عن الصحابة رضي الله عنهم بلفظ قريب. ١٨٧ كتاب الولاء أو دبّرْنَ، - وصورة الجَرِّ: أن المرأة إذا زوَّجت عبدَها امرأةً حرةً، فولدت ولداً: فإن الولد حرٌّ، تبعاً لأُمه، وولاؤه لموالي أمه، دون موالي أبيه، حتى لو مات الولد: يكون ميراثُه لموالي الأم، ولا يكون للمرأة. - ولو أن المرأة أَعتقت عبدَها: جرَّ ولاءَ ولده إلى نفسه، وإلى مولاته، والمرأةُ جرَّت ولاءَ معتقها إلى نفسها، فبعد ذلك لو مات الابنُ وله ميراثٌ: فمیراتُه لأبيه. فإن لم يكن له أبٌ: فميراثه للمرأة التي أعتقت أباه. كذا في ((الخُجندي))، في باب الفرائض. - وقوله: أو أعتق مَن أَعتَقْنَ: يعني أن معتِقها إذا اشترى عبداً، فأعتقه، ثم مات الأول، وبقي الثاني، ولا وارث له: فإن ميراثه لها؛ لأنها أعتقت مَن أعتقه. - ولو ترك المعتِقُ ابنَ مولاته وأخاها: فالولاء لابنها، دون أخيها؛ لأنه أقرب عصوبةً، إلا أن عَقْل جنايتها على أخيها؛ لأنه من قوم أبيها. * قوله: (أو دبّرن). صورته: امرأةٌ دَبَّرت عبدَها، ثم ارتدَّت ولحقت بدار الحرب، وقُضي بلَحاقها، حتى عتق مدبَّرُها، ثم جاءت مسلمةً إلينا، ثم مات المدبر، وترك مدبرته هذه: فولاؤه لها. ١٨٨ كتاب الولاء أو دَبَّرَ مَن دَبَّرْنَ. أو جَرَّ وَلاءَ معتَقِهنَّ، أو معتَقٍ معتَقهنَّ. وإِذا تَرَكَ المولىُ ابناً، وأولادَ ابنٍ آخرَ: فميراثُ المعتَق للابن، دون بني الابن، ولأن الولاءَ للكُبْرِ. وإذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ، ووالاه على أن يرثه، ويَعْقِلَ عنه، أو أسلم على يد غيره، ووالاه : فالولاءَ صحيحٌ، وعَقْلُه على مولاه. * قوله: (أو دَبَّر مَن دَبَّرْن(١)). صورتُه: أن هذا المدبَّرَ بعد ما عتق: دَبَّر عبدَه، ومات، ثم مات الثاني: فولا ؤه لمدبِّر مدبِّره. * قوله: (وإذا ترك المولىُ ابناً وأولادَ ابنِ آخرَ: فميراثُ المعتَق للابن، دون بني الابن)؛ لأنه أقرب منهم. * قوله: (والولاءَ للكبير(٢)): أي لأقرب عصبةِ المعتق، ومعناه: أن مَن کان أقرب إلى الميت: کان الولاء له. قوله: (وإذا أسلم رجلٌ على يد رجلٍ، ووالاه على أن يرثَه، ويَعقلَ عنه، أو أسلم على يد غيره، ووالاه: فالولاء صحيحٌ، وعَقْلُه على مولاه). صورتُه: مجهولُ النسب قال للذي أسلم على يده أو غيره: واليتُك (١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩ هـ زيادة: أو جرَّ ولاء معتقهن، أو معتق معتقهن. (٢) للكبير أو للكُبْر: مرويٌّ عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم. نصب الراية ١٥٤/٤. ١٨٩ کتاب الولاء على أني إن متُّ فميرائي لك، وإن جنيتُ فعَقْلي عليك، فقَبِل الآخرُ: صحّ ذلك عندنا. ويكون القائل مولىّ له، إذا مات: يرثه، ويعقل عنه إذا جنى، ولكن يُشترط أن لا يكون له وارثٌ، حتى لو كان له وارث: لا تصح الموالاة، لأن فيه إيطالَ حق الوارث. - وإن شُرط من الجانبين: فعلى ما شُرط، فإن جنى الأسفل يعقله الأعلىُ، وإن مات يرثه الأعلىُ، ولا يرث الأسفلُ من الأعلىُ. - وفي ((المبسوط)): أن التوارث يجري من الجانبين إذا شرطاه، وكذا في ((الخُجَنَدي)). - ثم ولاء الموالاة له شرائط: ١- منها: أن يكون المولى الأسفل من غير العرب؛ لأن العرب يتناصرون بالقبائل، فأغنى عن الموالاة. ٢- ومنها: أن لا يكون معتَقاً؛ لأن ولاء العَتَاقة لا يحتمل النَّقْض. ٣- ومنها: أن يشترط الميراث والعقل. - والمرأة إذا عقدت مع رجل عقدَ الولاء: فإنه يصح، ويثبت ولاؤها وولاء أولادها الصغار أيضاً عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يثبت ذلك. ١٩٠ كتاب الولاء فإن مات، ولا وارثَ له : فميراثُه للمولىُ. وإن کان له وراثُ: فهو أَوْلی منه. وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره ما لم يَعْقِل عنه. وأما الرجل إذا والى أحداً: يثبت ولاؤه وولاء أولاده الصغار، ولا يثبت ولاء أولاده الكبار؛ لأنه لا ولاية له عليهم. * قوله: (فإن مات ولا وارثَ له: فميراثُه للمولىُ)، يعني الذي عاقده. : قوله: (وإن كان له وارثٌ: فهو أَوْلِىُ منه). قال في ((الهداية))(١): ولو كانت عمةٌ أو خالةٌ أو غيرهما من ذوي الأرحام. * قوله: (وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره ما لم يَعقل عنه). يعني: الأسفلُ له أن ينتقل ما لم يعقل عنه الأعلى؛ لأنه فسخٌ حُكميٌّ، بمنزلة العزل الحكمي في الوكالة. - وليس للأعلى ولا للأسفل أن يفسخ عقدَ الولاء قصداً بغير مَحضرٍ من صاحبه، كما في الوكيل. - ثم الفسخ على ضربين: فسخٌ من طريق القول، وهو أن يقول: فسختُ الولاء معك، وإنما يصح بحضرته. (١) ٢٧٤/٣. ١٩١ کتاب الولاء فإذا عَقَلَ عنه : لم یکن له أن يتحوَّل بولائه عنه إلى غيره. وليس لمولىُ العَتَاقة أن يوالِيَ أحداً. وفسخٌ من طريق الفعل، وهو أن يعقد الأسفل مع آخر بحضرة الأول، وبغير حضرته. * قوله: (فإن عَقَلَ عنه: لم يكن له أن يتحوَّل بولائه عنه إلى غيره)؛ لأنه تعلَّق به حقُّ الغير. * قوله: (وليس لمولىُ العَتاقة أن يواليَ أحداً)؛ لأن ولاء العتق فرعُ النسب، والنسبُ إذا ثبت من واحدٍ: لا ينتقل إلى غيره. - قال في ((المستصفى)): ولاء الموالاة يخالف ولاءَ العتاقة في فصول: أحدُها: أن في ولاء الموالاة يتوارثان من الجانبين إذا اتفقا على ذلك، بخلاف ولاء العتاقة. والثاني: أن ولاء الموالاة يحتمل النَّقْض، وولاء العتاقة لا يحتملها. والثالث: أن ولاء الموالاة مؤخَّرٌ عن ذوي الأرحام، وولاء العتاقة مقدَّمٌ عليهم، والله تعلى أعلم. ١٩٢ كتاب الجنايات كتاب الجنايات القتلُ على خمسة أوجهٍ: عَمْدُ، وشِبهُ عمدٍ، وخطأٌ، وما أُجريَ مَّجْرَى الخطأِ، والقتلُ بسبب. كتاب الجنايات الجنايةُ في اللغة: التعدِّي. وفي الشرع: عبارةٌ عن فعلٍ واقعٍ في النفوس، والأطراف. ويقال: الجنايةُ ما يفعلُه الإنسان بغيره، أو بمال غيره على وجه التعدي، وهي تعمُّ الأنفسَ والأموالَ، إلا أن اسمَها اختصَّ بالأنفس في تعارف أهل الشرع، ولهذا سمى الفقهاءُ التعدي في الأنفس: جنايةً، م والتعدي في الأموال: غصباً وإتلافاً. * قال رحمه الله: (القتلُ على خمسة أوجه: عَمْدٌ، وشِبْهُ وعمدٍ، وخطأٌ، وما أُجريَ مجرى الخطأ، والقتلُ بسبب). وذكر محمدٌ أنه على ثلاثة أوجهِ: عمد، وشبه عمدٍ، وخطأ. وإنما زاد الشيخُ هذين القسمين الآخرَيْن؛ لبيان حكمهما وإن دخلا في حكم الخطأ. - وقوله: على خمسة أوجه: يعني القتل بغير حقٍّ، وإلا فأنواعه أكثر: كالقتل الذي هو رجمٌ، وقتلِ الحربي، والقتلِ قصاصاً، والقتلِ صَلْباً لقُطَّاع الطريق. ١٩٣ كتاب الجنايات * فالعمدُ: ما تُعُمِّدَ ضَرْبُه بسلاحٍ، أو ما أُجريَ مُجرى السلاح في تفريق الأجزاء، كالمحدَّد من الخشب، والحَجَرِ، والنار. - واعلم أن قتل النفس بغير حقٍّ من أكبر الكبائر بعد الكفر بالله تعالى، وتُقبل التوبة منه. - فإن قَتَلَ مسلماً، ثم مات قبل التوبة منه: لا يتحثَّم دخولُه النارَ، بل هو في مشيئة الله تعالى، كسائر أصحاب الكبائر، فإن دخلها: لم يُخلَّد فيها. * قوله: (فالعمد: ما تُعُمِّد ضربُه بسلاح، أو ما أُجريَ مجرى السلاح في تفريق الأجزاء، كالمحدّد من الخشب، والحجر، والنار). العمد: ما تُعُمِّد قتلُه بالحديد، كالسيف والسكِّين والرُّمح والخِنْجَر والنَّشَّابة والإبرة والأشفار، وجميع ما كان من الحديد. - سواء كان يقطع، أو يُبْضع، أو يَرضُّ، كالسيف، ومطرقة الحدَّاد، والزبرة، وغير ذلك، سواء كان الغالب منه الهلاك، أم لا. - ولا يُشترط الحدُّ في الحديد، في ظاهر الرواية؛ لأنه وُضع للقتل، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ﴾. الحديد / ٢٥. - وكذا كل ما يُشبه الحديدَ، كالصُّفْر والرصاص والذهب والفضة. - سواء كان يُبضع، أو يرضُّ، حتى لو قتله بالمُثقَّل منها: يجب عليه القصاص، کما إذا ضربه بعمودٍ من صفر أو رصاص. - وقوله: أو ما أُجريَ مجرى السلاح في تفريق الأجزاء: كالزجاج، واللِّيطة، والحجر المحدّد، وكلّ ما كان تقع به الذكاة، إذا قَتَلَه به: ففيه القصاص. ١٩٤ كتاب الجنايات - وإن ضربه بمَرٌّ(١)، فقتله: إن أصابه العودُ: ففيه الدية، وإن أصابه الحديد: ففيه القصاص. - وإن أحرقه بالنار: فعليه القصاص. - وإن ألقاه في الماء، فغرق، فمات: فلا قصاص فيه عند أبي حنيفة، وتجب الدية على العاقلة. وعندهما: عليه القصاص إذا كان الماءُ لا يَتخلّص منه في الغالب؛ لأنه كالقتل بالنار. - قال في ((الينابيع)): إذا قَمَطَ(٢) رجلاً، وألقاه في البحر، فغرق: تجب الدية عند أبي حنيفة، وإن سَبِحَ ساعةً، ثم غرق بعد ذلك: لم تجب الدية. - ولو غَلَّق على حُرٍّ بيتاً، أو طيّنه، فمات جوعاً أو عطشاً: لم يضمن شيئاً عند أبي حنيفة؛ لأنه سببٌ لا يؤدي إلى التلف، وإنما مات بسبب آخر، وهو فَقْدُ الطعام والماء، فلم تبق إلا اليد، والحرُّ لا يُضمن باليد. وقال أبو يوسف ومحمد: عليه الدية؛ لأنه سببٌ أدَّاه إلى التلف، كسقي السُّمِّ. (١) بفتح الميم: الذي يُعمَل به في الطين. المُغرب ٢٦٣/٢، وفي نسخ من الجوهرة: المِزْراق: وهو رُمُح قصير، وفي نسخ: سهمٌ. (٢) أي شدَّ يديه ورجليه بحبل. المصباح المنير (قمط). ١٩٥ كتاب الجنايات وموجَبُ ذلك : المَأْثُمُ، والقَوَدُ، إلا أن يَعِفُوَ الأولياءُ. ولا كفارةَ فیه. - وإن سقى رجلاً سُمَّاً، أو أطعمه إياه، فمات: فإن كان الميت أَكَلَه بنفسه: فلا ضمانَ على الذي أطعمه، ولكن يُعزَّر ويُضرب. وإن أَوْجَره إياه، أو كلَّفه أكلَه: فعليه الدية؛ لأنه إذا أكله بنفسه: فهو القاتل لها، والذي قدَّمه إليه إنما غرّه، والغرورُ لا يتعلق به ضمان النفس. - وإن ألقاه من سطح أو من جبل على رأسه، فمات: فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القصاص إذا كان لا يتخلّص منه في الغالب. * قوله: ما تُعُمِّد ضربُه: سواء تعمد المقتَل أو غيرَه، حتى لو تعمَّد موضعاً من جسده، فأخطأه، فوقع في غيره، فمات منه: فهو عمدٌ يجب به * قوله: (وموجَبُ ذلك: المأثمُ، والقَوَدُ إلا أن يعفو الأولياء. و القصاص. ولا كفارةَ في قتل العمد عندنا). لأن الله تعالى ذكر العمدَ وحكمه، فقال: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ، جَهَنَّمُ﴾. النساء/ ٩٣، ولم يذكر الكفارة، وذَكَرَ الخطأ وحكمه، فبَيَّن الكفارةَ في الخطأ، فلو كانت واجبةً في العمد كوجوبها في الخطأ: لبيّنها. ١٩٦ كتاب الجنايات وشِبْهُ العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمَّد الضربَ بما ليس بسلاحٍ، ولا ما أُجْرِيَ مُجْرى السلاح. - ومِن حُكم القتل: أن يُحرَم الميراث. - وقوله: إلا أن يَعفوَ الأولياءُ؛ لأن الحقَّ لهم. ـقُهم عن - وكذا لهم أن يصالِحوا عنه على مالٍ، فإذا صالحوا: سقط حقهم القصاص، كما لو عَفَوْا. - قوله: ولا كفارة فيه: وقال الشافعي(١): تجب الكفارة، وقد ذكرنا ذلك. - ثم إذا صالح الأولياء على مالٍ: جاز، قليلاً كان أو کثیراً، من جنس الدية أو من غير جنسها، حالاً أو مؤجلاً. - فإن لم يصالحوا، ولكن عفا بعضُهم: بطل القصاص. - ولا ينقلب نصيبُ العافي مالاً، وينقلبُ نصيب الباقي مالاً؛ لأن القصاص متى تعذّر استيفاؤه من قِبَل مَن له القصاصُ: لا ينقلب نصيبُه مالاً، ومتى تعذّر من جهة مَن عليه القصاص: ينقلب نصيبُه مالاً. ثم نصيب العافي لا ينقلب مالاً؛ لأن الاستيفاء تعذّر من جهته، ونصيبُ الذي لم يعف ينقلب مالاً؛ لأنه تعذَّر الاستيفاء من جهة غيره. * قوله: (وشِبْهُ العمد عند أبي حنيفة: أن يَتَعمَّد ضربَه بما ليس بسلاحٍ، ولا ما أُجريَ مجرى السلاح)، بل يضربه بشيءٍ الغالبُ منه (١) مغني المحتاج ٤ /١٠٧. ١٩٧ كتاب الجنايات وقال أبو يوسف ومحمد : إذا ضَرَّبَه بحَجَرٍ عظيم، أو بخَشَبةٍ عظيمة : فهو عمدٌ، وشِبْهُ العمد : أن يتعَمَّد ضربَه بما لا يَقتل به غالباً. وموجَبُ ذلك على القولين: المأثُمُ، والكفارةُ، ولا قَوَدَ فيه. الهلاكُ، كمَدَّقة القصَّارين، والحجرِ الكبير، والعصا الكبيرة، ونحو ذلك. فإذا قتله بذلك: فهو شبه العمد عنده، وقالا: هو عمدٌ. - وأما إذا ضربه بعصاً صغيرة، أو لَطَمَه عمداً، فمات، أو ضَرَبَه بسَوْطِ، فمات: فهو شبه عمدٍ ، إجماعاً. - وإن ضربه بسَوْطٍ صغيرٍ، ووالى الضربَ حتى قتله: فعليه القصاص عندهما، خلافاً لأبي حنيفة. * قوله: (وشبْهُ العمد عندهما: أن يتعمَّد ضربَه بما لا يَقتل غالباً)؛ لأن بمثل ذلك يُقْصَد التأديبُ. * قوله: (وموجَبُ ذلك علىُ القولين: المَأَثُمُ، والكفارةُ). - فإن قلت: لمَ جَمَعَ في هذا بين الإثم والكفارة، وهي ستَّارةُ؟ قلت: جاز أن تكون عليه الكفارة والإثم ابتداء، ثم يسقط الإثم بأداء الكفارة. - وقوله: على القولين: أي اختلاف القولين. * قوله: (ولا قَوَدَ فیه)؛ لأنه ليس بعمدٍ محض. - وإذا التقى صفّان من المسلمين والمشركين، فقتل مسلمٌ مسلماً ظنَّه كافراً: لا قصاص عليه، وعليه الكفارة. ١٩٨ كتاب الجنايات وفيه ديةٌ مغلَّظةٌ على العاقلة. * والخطأُ على وجهين : خطأٌ في القصد، وهو : أنْ يَرْميَ شخصاً يظنه صيداً، فإذا هو آدميٌّ. - وتجب الدية أيضاً إذا كانوا مختلطين. أما إذا كان في صفِّ الكفار: لا تجب الدية؛ لأنه أسقط عصمته بتكثير سوادهم، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن كثَّر سوادَ قومٍ: فهو منهم)) (١). كذا في ((الهداية))(٢). * قوله: (وفيه الديةُ المغلَّظة على العاقلة). - ويُحرَم الميراث أيضاً. - وتجب الدية في ثلاث سنين، ويدخل القاتل معهم في الدية، فيكون کأحدهم. * قوله: (والخطأ على وجهين: خطأ في القصد، وهو: أن يرميَ شخصاً يظنه صيداً: فإذا هو آدميٌّ)، أو ظنَّه حربياً: فإذا هو مسلمٌ، أو رمى إلى حربي أسلم وهو لا يعلم، أو رمى إلى رجل: فأصاب غيرَه، فهذا كله خطأ في القصد. - وأما إذا قصد عضواً من شخص، فأصاب عضواً آخرَ من ذلك الشخص: فھو عمدٌ یجب به القصاص. (١) عزاه في نصب الراية ٤ /٣٤٦ لمسند أبي يعلى، وللزهد لابن المبارك. (٢) ٤/ ١٦٤. ١٩٩ کتاب الجنايات وخطأً في الفعل، وهو: أن يَرْمَيَ غَرَضاً، فيصيبُ آدمياً. وموجَبُ ذلك : الكفارةُ، والديةُ على العاقلة. * قوله: (وخطأُ في الفعل: وهو أن يرميَ غَرَضاً: فيصيب آدمياً). لأن كل واحدٍ من القسمين خطأ، إلا أن أحدهما في الفعل، والآخر في القصد. * قوله: (وموجَب ذلك: الكفارةُ، والديةُ على العاقلة). - ويُحرَم الميراث. - وتجب الدية في ثلاث سنين. - وسواء قَتَلَ مسلماً أو ذمياً في وجوب الدية والكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَ إِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. النساء/ ٩٢. - وإن أسلم الحربيُّ في دار الحرب، فقتله مسلمٌ هناك قبل أن يهاجر إلينا: فلا شيء عليه إلا الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. النساء/ ٩٢. فأوجب الكفارة لا غيرَ، ولم يقل فيه: فديةٌ مسلَّمة؛ لأنه لمَّا يُحرز دمَه في دار الإسلام، فلم يكن له قيمة. - ولا يُشبه ذلك إذا أسلم هناك، وهاجر إلينا، ثم عاد إليهم؛ لأنه لزمه قیمةٌ؛ لأنه قد أحرزه بدارنا. ٢٠٠ كتاب الجنايات ولا مأثمَ فيه. * قوله: (ولا مَآثم فیه)، يعني لا إثمَ فيه في الوجهين. ــ وسواء كان خطأً في القصد، أو خطأً في الفعل؛ لأنه لم يقصد الفعل. - والمراد: إثم القتل، أما نفس الإثم: فلا يَعرى عنه؛ لأنه تَرَكَ التثبت في حالة الرمي. - ويُحرَم الميراث؛ لأنه يجوز أن يتعمد القتلَ، ويُظهر الخطأ، فاتُّهم، فسقط ميراثُه. - والأصلُ: أن كل قتل يتعلق به القصاص أو الكفارة: فإنه يمنع الميراثَ، وما لا: فلا. - أما الذي يتعلق به القصاص: فقد بيَّنَاه. وأما الذي تتعلق به الكفارة: فهو القتل بالمباشرة، أو تطؤه دابته وهو راكبُها، أو انقلب عليه في النوم فقتله، أو سقط عليه من سطح، أو سقط من يده حجرٌ أو لَبِنةٌ أو خشبةٌ أو حديدة: فهذا كله خطأ بالمباشرة، يوجب الكفارة، ويحرم الميراثَ إن كان وارثاً، والوصيةَ إن كان أجنبياً. - وأما الذي لا يتعلق به قصاصٌ ولا كفارة: فهو أن يقتل الصبيُّ أو المجنونُ مورِّثَهما: فإنه لا يمنع الميراثَ عندنا. - وكذا إذا قتل مورِّثَه بالسبب، كما إذا أشرع جناحاً في الطريق، فسقط على مورِّته، أو حفر بئراً على الطريق، فوقع فيها مورِّته، فمات: لا يَمنع الميراثَ.