النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ كتاب الطلاق وإن قال لرجلٍ : طلَّقٍ امرأتي: فله أن يطلُّقها في المجلس، وبعده. لأن كلمة: متى: عامة في الأوقات، فصار كما إذا قال: في أيِّ وقت شئت. - ولها المشيئة مرةً واحدةً؛ لأن: إذا، ومتى: لا تقتضي التكرار، فإذا شاءت: وُجُد شرطُ الطلاق، فطلقت، ولم يبق لها مشيئةٌ، حتى لو استرجعها، فشاءت بعد ذلك: لم تؤثِّر مشيئتُها. - ولو قال: كلَّما شئت: كان ذلك لها أبداً حتى تقع ثلاثٌ؛ لأن: كلما: تقتضي التكرار، فكلما شاءت: وقع عليها الطلاق. - فإن عادت إليه بعد زوجٍ: سقطت مشیئتُها. - وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثاً بكلمة واحدة؛ لأنها توجب عموم الانفراد، لا عمومَ الاجتماع، فلا تملك الإيقاعَ جملةً وجمعاً. - وإن قال لها: طلقي نفسك إن شئت: فذلك مقصورٌ على المجلس؛ لأن: إن: لا تقتضي الوقت. - وكذا: إن أحببتٍ، أو رضيتٍ، أو أردتٍ: كلُّه يقتصر على المجلس؛ لأنه علَّقه بفعلٍ من أفعال القلب، فهو مثل الخيار. * قوله: (وإن قال لرجلٍ: طلّق امرأتي: فله أن يطلقها في المجلس وبعده)، وله أن يَرجع ؛ لأن هذا توكيلٌ واستعانةٌ، وليس بتمليك، فلا يقتصر على المجلس. ٤٦٢ كتاب الطلاق وإن قال : طلِّقها إن شئتَ: فله أن يطلقها في المجلس خاصةً. - بخلاف قوله للمرأة: طلِّقي نفسَك، سواء قال لها: إن شئت، أو لم يقل، فإنه يقتصر على المجلس؛ لأنها عاملةٌ لنفسها، فكان تمليكاً، لا تو کیلاً. * قوله: (وإن قال له: طلِّقها إن شئتَ: فله أن يطلِّقها في المجلس خاصةً). - وليس للزوج أن يرجع. وعند زفر: هذا والأول سواء. - والأصل في هذا: أن كلَّ ما كان تفويضاً: فإنه يقتصر على المجلس، ولا يملك الزوجُ النھيَ عنه. وكلَّ ما كان توكيلاً: لا يقتصر على المجلس، ويَملك الزوجُ الرجوعَ عنه، والنهي عنه. - فإذا ثبت هذا: فنقول: إذا قال لها: طلَّقي نفسَك، سواء قال لها إن شئت أوْ لا: فلها أن تطلُّق نفسها في ذلك المجلس خاصةً، وليس له أن يَعزلها؛ لأنه تفويضٌ. - وكذا إذا قال لرجلٍ: طلق امرأتي، وقَرَنَه بالمشيئة: فهو كذلك. وإن لم يقرِنْه بالمشيئة: كان توكيلاً، ولم يقتصر على المجلس، ويملك العزلَ عنه. ٤٦٣ كتاب الطلاق • - وإذا قال لها: طلقي نفسك وصاحبتَك: فلها أن تطلق نفسَها في المجلس؛ لأنه تفويضٌ في حقها، ولها أن تطلق صاحبتَها في المجلس وغيره؛ لأنه توكيلٌ في حقِّ صاحبتها. - وإن قال لرجلين: طلَّقا امرأتي إن شئتما: فليس لأحدهما التفرد بالطلاق ما لم يجتمعا عليه. ــ وإن قال: طلَّقا امرأتي، ولم يقرنه بالمشيئة: كان توكيلاً، وكان لأحدهما أن يطلقها. - وإن قال: طلقي نفسَك ثلاثاً، فطلقت نفسَها واحدةً: فهي واحدةً؛ لأنها ملكت إيقاعَ الثلاث، فتملك إيقاعَ الواحدة ضرورةً. - وإن قال لها: طلقي نفسك واحدةً، فطلقت نفسَها ثلاثاً: لم يقع شيء عند أبي حنيفة؛ لأنها أتتْ بغير ما فُوِّض إليها، فكانت مبتدأة. وعندهما: يقع واحدةً؛ لأنها أتت بما ملكتْه وزيادة، فصار كما لو طلقها الزوج ألفاً. - وإن قال لها: طلقي نفسك واحدة أملِكُ الرجعة فيها، فقالت: طلقت نفسي طلقةً بائنةً: وقعت واحدة رجعيةً؛ لأنها أتت بالأصل وزيادةٍ وصفٍ، فيلغو الوصفُ، ويبقى الأصل. - وإن قال: طلِّقي نفسَك واحدة بائنةً، فقالت: طلقت نفسي واحدة رجعيةً: وقعت بائنةً؛ اعتباراً لأمر الزوج. ٤٦٤ كتاب الطلاق وإن قال لها: إن كنتِ تُحبِّيني، أو تُبغضيني، فأنتِ طالقٌ، فقالت : أنا أُحبُّك، أو أُبغضُك: وقع الطلاقُ وإن كان في قلبها خلافُ ما أظهرتْ. وإذا طلق الرجلُ امرأتَه في مرض موته طلاقاً بائناً، فمات وهي في العدة : وَرِئَتْ منه. - وإن قال: طلِّقي نفسَك ثلاثاً إن شئت، فطلَّقت واحدةً: لم يقع شيء؛ لأن معناه: إن شئت الثلاث، وهي ما شاءت الثلاثَ، فلم يوجد الشرط. - وإن قال: طلقي نفسك واحدةً إن شئت، فطلقت ثلاثاً: فكذا عند أبي حنيفة لا يقع شيء؛ لأن مشيئةَ الثلاث ليس مشيئةً للواحدة. وعندهما: يقع واحدةً؛ لأن مشيئة الثلاث مشيئةٌ للواحدة. * قوله: (وإن قال لها: إن كنتِ تُحبِّيني، أو تُبغضيني: فأنت طالقٌ، فقالت: أنا أُحبُّك، أو أُبغضك: وقع الطلاقُ وإن كان في قلبها خلافُ ما أظهرت). - وإن قال: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالقٌ، فقالت: أنا أحبك، وهي كاذبةٌ: طلُقت عندهما. وقال محمدٌ: لا تطلق؛ لأن المحبة إذا عُلِّقت بالقلب: يُراد بها حقيقة الحب، ولم توجد. وهما: يقيسانه على الأول. * قوله: (وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقاً بائناً، فمات وهي في العدة: وَرِثَتْ منه)، وكذا إذا طلقها ثلاثاً. ٤٦٥ كتاب الطلاق وإن مات بعد انقضاء عدتها : فلا ميراث لها . * (وإن مات بعد انقضاء عدتها: فلا ميراثَ لها). ومعناه: إذا طلقها بغير سؤال منها، ولا برضاً، أما إذا سألته ذلك، فطلقها بائناً، أو ثلاثاً، أو خالعها، أو قال لها: اختاري، فاختارت نفسَها، فمات وهي في العدة: لا ترث؛ لأنها رضيت بإبطال حقها. - وإنما ذكر البائنَ؛ لأن الرجعيِّ لا يَحرِمِ الميراثَ في العدة، سواء طلقها بسؤالها أو بغير سؤالها؛ لأن الرجعيَّ لا يُزيل النكاح، حتى لو طلقها في صحته طلاقاً رجعياً، ومات وهي في العدة: ورثت منه، وانتقلت عدتُها إلى عدة الوفاة. - قال الخُجَنديُّ: إذا أبانها في مرض موته بغير رضاها: ورثت من الزوج، وهو لا يرث منها. - وينبغي أن تكون المرأة وقت الطلاق من أهل الميراث، أما إذا كانت وقت الطلاق مملوكةً أو كتابيةً، ثم أُعتقت في العدة، أو أسلمت: لا ترث؛ لأن الفرارَ لم يوجد. - وإن قالت له في مرضه: طلِّقني للرجعة، فطلَّقها ثلاثاً: ورثت؛ لأن الرجعي لا يُزيل النكاحَ، فلم تكن بسؤالها راضيةً بإبطال حقِّها. - وإن طلَّقها ثلاثاً وهو مريضٌ، ثم صحَّ، ثم مات بعد ذلك، وهي في العدة: لم ترثه. وقال زفر: ترثه. ٤٦٦ كتاب الطلاق وإذا قال الزوج لامرأته : أنتِ طالقٌ إن شاء الله متصلاً بيمينه : لم يقع الطلاق عليها . - ثم المريض الذي ترثه المطلّقةُ: أن يكون مريضاً مرضاً لا يعيش منه غالباً، ويُخاف منه الهلاكُ غالباً، بأن يكون صاحبَ فراشٍ، لا يجيء ولا یذهب إلى أن يموت. وقيل: أن يكون مُضْنىً لا يقوم إلا بشدة، وهو في حالٍ تجوز له الصلاة قاعداً، أما إذا كان يذهب ويجيءُ، وهو يَحُمُّ(١): فهو كالصحيح. - وإن قُدِّم ليُقتل قصاصاً، أو رَجماً، فطلَّق حينئذ: ورثت. - وكذا إذا انكسرت به السفينةُ، وبقيَ على لوحٍ، أو وقع في فم سَبُعِ، فطلق ثلاثاً، ومات من ذلك: ورثت. * قوله: (وإذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله متصلاً(٢): لم يقع الطلاق عليها). سواء سمع الاستثناء أو لم يسمعه، إذا كان قد حرَّك به لسانَه، وهذا اختيار الكرخي. وقال الهُنْدُوانِيُّ: لا يصح ما لم يُسمع نفسَه. - فإن ماتت المرأة قبل أن يقول: إن شاء الله: لم يقع الطلاق. (١) من: الحُمَّى. (٢) وفي نسخة القدوري ٦١١ هـ زيادة: متصلاً بيمينه. ٤٦٧ . كتاب الطلاق - وإن قدَّم الاستثناء، فقال: إن شاء الله أنت طالقٌ: فهو استثناء عندهما. وقال محمد: ليس باستثناء، وهو منقطعٌ، والطلاقُ واقعٌ في القضاء، وهو يُديَّن فيما بينه وبين الله تعالى إن كان أراد الاستثناء. - وأما إذا قال: إن شاء الله فأنت طالقٌ: فهو استثناءٌ، إجماعاً. - وكذا إذا قال: إن شاء الله وأنت طالقٌ: بالواو: فهو استثناءٌ، إجماعاً. كذا في ((شرحه)). وفي ((الخُجندي)): لا يصح الاستثناءُ بذكر الواو، بالإجماع، وهو الأظهر. - وإن قَدَّم ذِكْرَ الطلاق، فقال: أنت طالقٌ وإن شاء الله، أو أنت طالق فإن شاء الله: لم يكن مستثنياً. - وإن قال: إلا أن يشاء الله، أو ما شاء الله، أو إذا شاء الله، أو بقضاء و الله، أو بقدرة الله، أو بما أحبَّ اللهُ، أو بما أراد الله: فهو مثل: إن شاء الله. - وإن قال: أنت طالقٌ بمشيئة الله: فهو استثناء. - وكذا إذا علَّق بمشيئة مَن لا تَظهر لنا مشيئته: كان حكمه حكمَ الاستثناء، كما إذا قال: إن شاء جبريلُ، أو الملائكةُ، أو الجنُّ، أو إبليس. - وكذا إذا ضَمَّ مع مشيئة الله تعالى مشيئةَ غيرِه، كما إذا قال إن شاء الله وشاء زيدٌ، فشاء زيدٌ: لم تطلق. ٤٦٨ كتاب الطلاق وإن قال لها : أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة : طلقتْ ثنتين. وإن قال : ثلاثاً إلا ثنتين : طلقتْ واحدة. - وإن قال: أنت طالقٌ إن شاء زيدٌ: وَقَفَ على مشيئة زيد في المجلس، فإن شاء في ذلك المجلس: طلُقت. ــ وكذا إذا كان غائباً: وَقَفَ على مجلس علمه، ويقتصر عليه، فإن شاء في المجلس: وقع، وإن قام: بطل. وصورة مشيئته: أن يقول: شئتُ ما جعله إليّ فلان. ولا يُشترط نية الطلاق، ولا ذِكْرُه. - وإن قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً وثلاثاً إن شاء الله: وقع عليها ثلاثٌ عند أبي حنيفة، وقالا: الاستثناء جائزٌ. - وعلى هذا الخلاف: إن قال: ثلاثاً وواحدةً إن شاء الله. لأبي حنيفة: أن العدد الثاني لغوٌ، لا حُكم له؛ لأن الزوج لا يملك أكثرَ من ثلاث، واللغو حَشْوٌ، فيَفصل بين الإيقاع والاستثناء، كالسكوت. ولهما: أنه كلامٌ واحدٌ؛ لأن الواو للجمع، فكأنه قال: سِتَّاً إن شاء الله. - وإن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً وثلاثاً إن شاء الله: فالاستثناء جائزٌ، إجماعاً؛ لأن الكلام الثاني ليس بلغوٍ . * قوله: (وإن قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً: طلقت اثنتين، وإن قال: ثلاثاً إلا اثنتين: طلقت واحدة). ٤٦٩ كتاب الطلاق - وإن قال: ثلاثاً إلا نصفَ واحدة: طلقت ثلاثاً عندهما، وقال: محمدٌ: اثنتين. - وإن قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً: يقع ثلاثٌ؛ لأنه لا يصح استثناء الكل. و - واختلفوا في استثناء الكل: فقال بعضهم: هو رجوعٌ؛ لأنه يُبطِل كلَّ الكلام، وقال بعضهم: هو استثناءً فاسدٌ، وليس برجوع، وهو الصحيح؛ لأنهم قالوا في الموصي إذا استثنى جميعَ الموصى به: بطل الاستثناء، والوصية صحيحةٌ، ولو كان رجوعاً: لبطلت الوصية؛ لأن الرجوع فيها جائزٌ. - وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً وواحدةً وواحدةً: وقعت الثلاث عند أبي حنيفة، وبطل الاستثناء؛ لأن حكم أولِ الكلام موقوفٌ على آخره، فكأنه قال: إلا ثلاثاً. وقال أبو يوسف: استثناء الأُولى والثانية جائزٌ، وبطل استثناء الثالثة، وتلزمه واحدة؛ لأن استثناء الأولى والثانية قد صح، ألا ترى أنه لو سكت عليه: جاز، فإذا ذَكَرَ الثالثةَ: فقد استثنى ما لا يصح، فبطل، وصح استثناء ما سواه. - وإن قال: أنت طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا ثلاثاً: بطل الاستثناء، إجماعاً؛ لأنه استثناءُ الجملة، فلم يصح. - وكذا إذا قال: أنت طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا واحدةً وواحدةً وواحدةً؛ لأن كل واحدة جملةٌ على حيالها، وقد استثناها: فلا يصح. ٤٧٠ كتاب الطلاق وقد قال أبو يوسف ومحمد: إذا قال: أنت طالقٌ اثنتين واثنتين إلا اثنتين: وقع اثنتان، وجعلا الاستثناءَ من كل اثنتين واحدة. وقال زفر: تقع ثلاثٌ؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، ولا يرجع إلى غيره، ومتى رجع إلى ما يليه: كان استثناءَ الكل، فلا يصح. - وعن محمد: فيمن قال: أنت طالقٌ اثنتين واثنتين إلا ثلاثاً: قال: هي ثلاثٌ؛ لأنه لا يمكن أن يجعل الاستثناءَ من الجملتين؛ لأنه يكون من كل واحدة طلقة ونصف، وهذا يكون استثناء جميع الجملة، ولا يمكن أن يكون من إحدى الجملتين؛ لأنه يرفعهما. - وعن أبي يوسف: أنه إذا قال: واحدة واثنتين إلا اثنتين: قال: هي ثلاثٌ، وهو قول محمد؛ لأنا إن رددنا الاستثناء إلى كل واحدة من الجملتين: أبطلناهما، وإن رددنا بعضه إلى هذه، وبعضَه إلى هذه: أبطلناهما أيضاً؛ لأنه يقسمه على قدر الثلث والثلثين، فلم يبق إلا بطلان الاستثناء. - وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدةً: وقعت واحدةٌ؛ لأنه يجعل كل استثناء مما يليه، فإذا استثنى الواحدةَ من الثلاث: بقي ثنتان يستثنيهما من الثلاث، فتبقى واحدةٌ. - وإن قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدةً، فاستثنى الواحدة من اثنتين: تبقى واحدة، يستثنيها من الثلاث: تبقى ثنتان، يستثنيهما من الثلاث: تبقى واحدة. ٤٧١ كتاب الطلاق - وإن قال: أنت طالقٌ ما بين واحدةٍ إلى ثلاث، أو من واحدة إلى ثلاث: طلقت اثنتين عند أبي حنيفة، فيدخل الابتداء دون الغاية. وقال زفر: لا يدخلان جميعاً. وقال أبو يوسف ومحمد: يدخلان جميعاً. - وإن قال: أنت طالقٌ ما بين واحدة إلى أخرى، أو من واحدة إلى واحدة: فهي واحدة. أما على أصل أبي حنيفة: فالابتداء يدخل، والغاية تسقط، فتقع واحدة. وأما على قولهما: فيدخلان جميعاً، إلا أن يحتمل أن يكون قوله: من واحدة إلى واحدة: يعني منها إليها: فهي واحدةً، فلا يقع أكثر منها. وقال زفر: لا يقع شيء؛ لأنه يسقط الابتداء والغاية، وإذا سقطا: لم يقع شيء. ومنهم مَن قال: تقع واحدة عند زفر أيضاً، وهو الصحيح؛ لأنه جعل الشيء الواحد حداً ومحدوداً، وذلك لا يُتصوَّر، فيلغو آخرُ كلامه، ويبقى قوله: أنت طالقٌ. - وقال بشرٌ عن أبي يوسف: إذا قال: من ثنتين إلى ثنتين: تقع اثنتان. - وإن قال: من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين: فهي واحدة عند أبي حنيفة. ٤٧١ كتاب الطلاق وإِذا مَلَكَ الزوجُ امرأتَه، أو شِقْصاً منها، أو ملكت المرأةُ زوجَها، أو شِقْصاً منه : وقعت الفرقةُ بينهما. - وإن قال: واحدة في ثنتين، ونوى الضربَ والحساب، أو لم يكن له نية: فهي واحدة. وقال زفر: تقع ثنتان. - فإن نوى واحدةً وثنتين: فهي ثلاثٌ، إجماعاً. - وإن كانت غيرَ مدخول بها: تقع واحدة، كما في قوله: واحدة وثنتين. - وإن نوى واحدة مع اثنتين: تقع ثلاثٌ؛ لأن كلمة: في: قد تأتي بمعنى: مع: قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِفِعِبَدِى﴾. الفجر /٢٩ : أي مع عبادي. - وإن نوى الظرفَ: تقع واحدة، إجماعاً. - وإن قال: ثنتين في ثنتين، ونوى الضربَ والحسابَ: فهي ثنتان. وعند زفر: ثلاثٌ؛ لأن قضيته أن يكون أربعاً، إلا أنه لا مزيد للطلاق على ثلاث. * قوله: (وإذا ملك الزوجُ امرأتَه، أو شِقْصاً منها، أو ملكت المرأةُ زوجَها، أو شِقْصاً منه: وقعت الفُرقة بينهما)، إلا أن يشتريَ المأذون أو المدبَّر أو المكاتب كلّ منهم زوجته: لا يفسد النكاح؛ لأن لهم حقاً، لا ملكاً تاماً. - ثم إذا ملكت المرأةُ زوجَها: هل يملك عليها وقوع الطلاق؟ ٤٧٣ كتاب الطلاق عندهما: لا، وعند محمد: نعم، يعني إذا كانت مدخولاً بها. لهما: أن الطلاق يستدعي قيامَ النكاح، ولا بقاءَ له مع المُنافي، وهو ملك اليمين. - وكذا إذا اشتراها، ثم طلَّقها: لا يقع شيءٌ؛ لما قلنا. ولمحمد: أن العدة باقيةٌ إذا كانت مدخولاً بها، والله أعلم. ٤٧٤ كتاب الرَّجْعة كتاب الرَّجْعة إذا طلَّق الرجلُ امرأته تطليقةً رجعيةً، أو تطليقتَيْن : فله أن يراجعها في عِدَّتها، رَضِيَتْ المرأةُ بذلك، أو لم ترض. كتاب الرَّجْعة هي المراجعةُ، وهي: عبارةٌ عن ارتجاع المطلِّق مطلَّقتَه على حكم النكاح الأول. وهي تَثبُت في كلِّ مطلّقةٍ بصريح الطلاق بعد الدخول، ما لم يستوف جملةَ عددِ الطلاق عليها، ولم يَحصل في مقابلة طلاقها عوضٌ، ويُعتبر بقاؤها في العدة. * قال رحمه الله: (إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً رجعيةً، أو تطليقتين: فله أن يراجعها في عِدَّتها، رَضِيَتْ بذلك أو لم تَرْضَ). إنما شُرط بقاؤها في العدة: لأنها إذا انقضتْ: زال الملكُ وحقوقُه، فلا تصح الرجعةُ بعد ذلك. - وقوله: رَضِيَتْ أو لم ترضَ؛ لأنها باقيةٌ على الزوجية، بدليل جواز الظِّهار عليها والإيلاءِ واللعانِ والتوارثِ ووقوع الطلاق عليها ما دامت معتدةً، بالإجماع. ٤٧٥ كتاب الرَّجْعة والرجعةُ أن يقولَ : راجعتُكِ، أو : راجعتُ امرأتي، . - وللزوج إمساكُ زوجته، رَضِيَتْ أو لم ترضَ، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَنْهُنَّ أَحَقُّ بَِوِهِنَ﴾. البقرة/ ٢٢٨، سمَّاه: بعلاً، وهذا يقتضي بقاءَ الزوجية بينهما. * قوله: (والرجعةُ أن يقول: راجعتُك، أو راجعتُ امرأتي). هذا صريحٌ في الرجعة، ولا خلافَ فيه. - فقوله: راجعتُك: هذا في الحَضْرة. - وقوله: راجعتُ امرأتي: في الحضرة والغيبة. - ثم الرجعة على ضربين: سُنِّيٌّ، وبِدْعيُّ: فالسُّنِّي: أن يراجعها بالقول، ويُشهِدَ على رجعتها شاهدين، ويُعلِمَها بذلك. - فإن راجعها بالقول، نحو أن يقول لها: راجعتك، أو راجعت امرأتي، ولم يُشهِد على ذلك، أو أشهَد ولم يُعلِمْها بذلك: فهو مخالفٌ للسنَّة، والرجعة صحيحةٌ. - وإن راجعها بالفعل، مثل أن يطأها، أو يُقبِّلها بشهوة، أو يلمسها بشهوةٍ، أو ينظر إلى فرجها بشهوة: فإنه يصير مراجعاً عندنا، إلا أنه يكره له ذلك، ويُستحبّ أن يراجعها بعد ذلك بالإشهاد. - وإن نظر إلى سائر أعضائها بشهوة: لا يكون مراجعاً. ٤٧٦ كتاب الرَّجْعة أو يطأها، أو يُقِّلها، أو يَلمسَها بشهوةٍ، أو ينظر إلى فَرْجها بشهوة. * قوله: (أو يطأها، أو يُقبِّلَها، أو يلمسَها بشهوةٍ، أو ينظر إلى فرجها بشهوة). يعني الفرج الداخل، ولا يتحقق ذلك إلا عند انكبابها. وقال الشافعي(١): لا تصح الرجعة إلا بالقول، مع القدرة عليه. - ولا مهر في الرجعة، ولا عوض؛ لأن الطلاق الرجعي لا يُزيل الملكَ، والعوضُ لا يجب على الإنسان في مقابلة ملكه. - وإن راجعها بلفظ التزويج: جاز عند محمد، وعليه الفتوى. - وكذا إذا تزوجها: صار مراجعاً لها، هو المختار. - وإن قال: أنت امرأتي، ونوى الرجعة: قال ابن مُقاتِل: هو رجعة. - ومن ألفاظ الرجعة أيضاً: رَدَدْتُك، أو أمسكتُك، أو أنت عندي كما كنتِ، إذا نوى بذلك الرجعة. كذا في (النهاية))، وهذه كنايات الرجعة. - ولو جامَعَتْه وهو نائمٌ، أو مغمىً عليه، أو مجنونٌ: صار مراجعاً. - وقوله: أو يُقبِّلها بشهوة: يعني على الفم، بالإجماع. - وإن كان علىُ الخَدِّ، أو الذَّقَن، أو الجبهة، أو الرأس: اختلفوا فيه: وظاهر ما أطلق في ((العيون)): أن القُبلة في أيِّ موضعٍ كانت: توجب حرمة المصاهرة عند بعض المشايخ، وهو الصحيح. كذا في ((الذخيرة)). (١) مغني المحتاج ٣٣٧/٣. ٤٧٧ كتاب الرَّجْعة - وقوله: أو يَلْمَسَها بشهوةٍ: وكذا إذا لَمَسَتْه هي أيضاً بشهوةٍ: كان رجعةً عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: إذا لَمَسَتْهِ: فَتَرَكَها وهو يَقْدِر على مَنْعها: فهو رجعةٌ، وإن مَنَعَها، ولم يتركها: لم يكن رجعةً. - وفي ((الينابيع)): إذا لمسته مختلسةً وهو كارهٌ، أو نائمٌ، أو زائلٌ العقل، وأقرَّ الزوجُ أنها فعلتْه بشهوة: كان رجعةً عندهما. وقال أبو يوسف: لا يكون رجعةً، إلا إذا تركها وهو يُمكنه مَنْعها. - وأما إذا كان اللمس والنظر من غير شهوة: لم يكن رجعةً، بالإجماع. - قال محمد: ولو صدَّقها الورثةُ بعد موته أنها لمستْه بشهوة: كان ذلك رجعةً. - وإن شهد الشهود أنها قبَّلته بشهوة: لم تُقبَل الشهادة، لأن الشهوة معنىَ في القلب، لا يشاهدونها. وقال بعضُهم: تُقبل؛ لأنه يَظهر للشهوة نشاطٌ في الوجه. - وإن شهدوا على الجماع: جاز، إجماعاً لأنه يُشاهَد، فلا يُحتاج فيه إلى شرط الشهوة. - وإن نظرت هي إلى فرجه بشهوة: فعند أبي حنيفة: يكون رجعةً، وعند أبي يوسف: لا يكون رجعةً. ٤٧٨ كتاب الرَّجْعة ويُستحبُّ له أن يُشهِد على الرجعة شاهدَيْن. فإن لم يُشْهِد : صحَّت الرجعةُ. - وإن نظر إلى دبرها بشهوة: لا يكون رجعةً، إجماعاً؛ لأنه لا يجري مجرى الفرج. - ولا يجوز تعليق الرجعة بالشرط، مثل أن يقول: إذا جاء غدٌ فقد راجعتك، أو إذا دخلت الدار، أو إذا فعلت كذا: فهذا لا يكون رجعةً، إجماعاً. * قوله: (ويُستحبُّ له أن يُشهِد على الرجعة شاهدين). يقول لهما: اشهَدا أني قد راجعت امرأتي فلانة، أو ما يؤدي عن هذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. الطلاق / ٢. ولأنه لا يَأمن أن تنقضيَ العدةُ، فلا تصدقه على الرجعة. * قوله: (فإن لم يُشهِد: صحَّت الرجعةُ). وقال مالك(١): لا تصح؛ للآية، والأمر للوجوب. ولنا: إطلاق النصوص عن قيد الإشهاد: وهو: قولُه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾. البقرة/ ٢٣١. وقولُه تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَجَعَآَ﴾. البقرة/ ٢٣٠. (١) الذي اعتمده خليل عند المالكية هو الندب، وقيل: يجب. جواهر الإكليل ٣٦٥/١. ٤٧٩ كتاب الرَّجْعة وإذا انقضت العدَّةُ، فقال الزوجُ: قد كنتُ راجعتُها في العدة، فصدَّقَتْه : فهي رَجْعٌ. وإن كذَّبته : فالقولُ قولُها، ولا يمينَ عليها عند أبي حنيفة. وقوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. البقرة/٢٢٩. وقولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ﴾. البقرة/٢٢٨. وقوله عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه: ((مُرْ ابنَك فليراجعها))(١). ولم يُذكر الإشهاد في شيءٍ من هذا. ولأنه استدامة النكاح، والشهادة ليست بشرط فيه في حالة البقاء، كما في الفيء في الإيلاء، إلا أنه يُستحب الإشهاد؛ كي لا يَجريَ التناكرُ فيها. - والآيةُ محمولةٌ على الاستحباب، ألا ترى أنه قَرَنَها بالمفارقة، أي قرن المراجعة بالمفارقة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾. الطلاق / ٢، والإشهاد في المفارقة مستحبٌّ، فكذا في الرجعة. : قوله: (وإذا انقضت العدة، فقال الزوجُ: قد كنتُ راجعتُها في العدة، فصدَّقتْه: فهي رجعةٌ، وإن كذَّبته: فالقولُ قولها)؛ لأنه أخبر عما لا يَملك إنشاءَه في الحال، فكان مثَّهماً، إلا أن بالتصديق ترتفع التهمة، وهذا إذا ادَّعىُ بعد انقضاء العدة. قوله: (ولا يمينَ عليها عند أبي حنيفة). (١) تقدم ص٣٩٧. ٤٨٠ كتاب الرَّجْعة وإذا قال الزوجُ: قد راجعتُكِ، فقالت مجيبةً له: قد انقضت عِدَّتي، والعدةُ تحتملُ : لم تصحَّ الرجعةُ عند أبي حنيفة. وهذه من المسائل الثمان التي لا يُستحلَف فيها، وقد بينَّاها في النكاح(١). - وتُستحلَف المرأة على انقضاء العدة، بالإجماع. * قوله: (وإذا قال الزوج: قد راجعتُك، فقالت مجيبةً له: قد انقضتْ عدتي والعدة تحتمل ذلك: لم تصحَّ الرجعةُ عند أبي حنيفة). وقال أبو يوسف: القول قول الزوج، وتصح الرجعة. - والخلاف فيما إذا قالت له على الفور، متصلاً بكلامه، أما إذا سكتت ساعة، ثم قالت له ذلك: صحت الرجعة، بالإجماع. - وتُستحلف في هذه المسألة عند أبي حنيفة؛ لأنها بنكولها: تبذُل الامتناعَ من الأزواج، والكون في منزل الزوج، وهذا مما يصح بَذْله، فلهذا صح منها. - ولا يقال إذا نكلت: صحت الرجعة، والرجعة لا يصح بذلها، فنقول: إنما ثبت بنكولها العدة، والزوج يملك الرجعة من طريق الحكم؛ لبقاء العدة، لا بقولها. - ولو بدأت المرأةُ بالكلام، فقالت: قد انقضت عدتي، فقال الزوج مجيباً لها، موصولاً بكلامها: راجعتك: لم تصح الرجعة. كذا في ((الخُجندي)). (١) ص٢٩١.