النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الرضاع وإذا اختلط بالطعام : لم يتعلّق به التحريمُ وإن كان اللبنُ غالباً عند أبي حنيفة، وقالا : يتعلق به التحريم. - وغلبةُ اللبن: أن يوجد طعمُهُ ولونُه وريحُه. - وأما إذا كان الغالبُ هو الماء: لم يتعلَّق به التحريم؛ لأنه لا يقع به التغذي، كما في اليمين إذا حلف لا يَشرب اللبنَ، فشرب لبناً مخلوطاً ـو بالماء، والماءَ غالبٌ: لم يحنث. وقيل: الغلبة عند أبي يوسف: تغيُّر اللون والطعم. وعند محمد: إخراجُه من الاسم. * قوله: (وإذا اختلط بالطعام: لم يتعلَّق به التحريمُ وإن كان اللبنُ غالباً عند أبي حنيفة). (وعندهما): إذا كان اللبن غالباً: (تعلّق به التحريم). - قال في ((الهداية)) (١): قولهما فيما إذا لم تَمَسُّه النار، حتى لو طُبخ بها: لا يتعلق به التحريم، في قولهم جميعاً. - وفي ((المستصفى)): إنما لم يثبت التحريمُ عنده إذا لم يشربه، أما إذا حَسَاه حَسْواً: ينبغي أن يثبت. وقيل: إذا كان الطعام قليلاً بحيث أن يصير اللبن مشروباً فيه، فشَرِبَه: ثبت التحريم. (١) ١/ ٢٢٤. ٣٨٢ كتاب الرضاع وإذا اختلط بالدواء، واللبنُ هو الغالبُ: تعلَّق به التحريمُ. وإذا حُلِبَ اللبنُ من المرأة بعد موتها، فَأُوْجِرٍ به الصبيُّ: تعلَّق به التحريم. * قوله: (وإذا اختلط بالدواء، واللبنُ هو الغالبُ: تعلَّق به التحريم)؛ لأن اللبن يبقى مقصوداً فيه، إذ الدواء لتقويته على الوصول. * قوله: (وإذا حُلِب اللبنُ من المرأة بعد موتها، فأُوجر به الصبيُّ: تعلَّق به التحريم). لأن اللبن بعد الموت على ما كان عليه قبلَه، إلا أنه في وعاء نجس، وذلك لا يمنع التحریم. ولأن اللبن لا يلحقه الموتُ، فحاله بعده: کحاله قبله. ولأن الميتة فُقدَ فعلُها، وفِعْلُ المرضعة لا يُعتبر بدلالة ارتضاع الصبي منها وهي نائمةٌ. - وفائدةُ التحريم بلبن الميتة: أنه لو ارتضع بلبنها صغيرةٌ، ولها زوجٌ: فإن الميتة تصير أمَّ زوجته، ويصير مَحرَماً للميتة، فله أن ييممها، ويدفنها. - وهذا بخلاف وطء الميتة، فإنه لا يتعلق به حرمة المصاهرة، بالإجماع. والفرق: أن المقصود من اللبن: التغذي، والموتُ لا يمنع منه، والمقصود من الوطء: اللذة المعتادة، وذلك لا يوجد في وطء الميتة. ٣٨٣ کتاب الرضاع وإذا اختلط لبنُ المرأة بلبنِ شاةٍ، ولبنُ المرأةِ هو الغالبُ: تعلَّق به التحریمُ. وإن غَلَبَ لبنُ الشاة : لم يتعلق به التحريم. وإذا اختلط لبنُ امرأتين : تعلَّق التحريمُ بأكثرهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد : تعلق بهما التحريم. وإذا نزل للبِكْر لبنٌ، فأرضعت به صبياً: تعلَّق به التحريم. : قوله: (وإذا اختلط لبنُ المرأةُ بلبن شاةٍ، ولبنُ المرأة هو الغالب: تعلق به التحريم، وإن غلب لبنُ الشاة: لم يتعلق به التحريم)، كما في الماء. - وعلى هذا: إذا اختلط بالدُّهن. * قوله: (وإذا اختلط لبنُ امرأتين: تعلَّق التحريمُ بأكثرهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: يتعلَّق بهما التحريم). وعن أبي حنيفة: مثل قول أبي يوسف. - وأما إذا تساويا: تعلَّق بهما جميعاً، إجماعاً؛ لعدم الأولوية. * قوله: (وإذا نزل للبكر لبنٌ، فأرضعت به صبياً: تعلَّق به التحريم). الإطلاق النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾. النساء / ٢٣. - ولو أن صبيةً لم تبلغ تسع سنين نزل لها لبنٌ، فأرضعت به صبياً: لم ٣٨٤ كتاب الرضاع وإذا نزل للرجل لبنٌّ، فأرضع به صبياً: لم يتعلَّق به التحريم. وإِذا شَرِب صَبِيَّن من لبنِ شاةٍ : فلا رضاعَ بينهما. وإذا تزوَّج الرجلُ صغيرةً وكبيرةً، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ: حَرُّمَتَا على الزوج. يتعلق به تحريمٌ، وإنما يتعلَّق التحريم به إذا حصل من بنت تسع سنين، فصاعداً. * قوله: (وإذا نزل للرجل لبنٌ، فأرضع به صبياً: لم يتعلق به التحريم). لأنه ليس بلبن على الحقيقة؛ لأن اللبن إنما يُتصوَّر ممن تُتصوَّر منه الولادة. - وإذا نزل للخنثى لبنٌ: إن عُلم أنه امرأةٌ: تعلَّق به التحريم، وإن عُلم أنه رجلٌ: لم يتعلق به التحریم. و وإن أشكل: إن قال النساء: إنه لا يكون على غزارته إلا لامرأة: تعلق به التحريم؛ احتياطاً، وإن لم يقلن ذلك: لا يتعلق به تحریمٌ. - وإذا جُبِّن لبنُ امرأة، وأُطعم الصبيُّ: تعلق به التحريم. * قوله: (وإذا شرب صَبِيَّان من لبن شاة: فلا رضاع بينهما)؛ لأن لبن الشاة لا حرمة له، بدليل أن الأمومة لا تثبت به، ولا أخوَّة بينه وبين ولدها، ولأن لبن البهائم له حكم الطعام. قوله: (وإذا تزوج الرجل صغيرةً وكبيرةً، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ: حرمتا على الزوج)؛ لأن الكبيرة صارت أُمَّاً لها، فيكون جامعاً ٣٨٥ کتاب الرضاع فإن كان لم يدخل بالكبيرة : فلا مهرَ لها. وللصغيرة نصفُ المهر، ويرجعُ به الزوجُ على الكبيرة إن كانت تعمّدت به الفسادَ. بين الأم والبنت، وذلك حرام. قوله: (فإن كان لم يدخل بالكبيرة: فلا مهر لها)؛ لأنها صارت مانعةً لنفسها قبل الدخول. قوله: (وللصغيرة نصفُ المهر)؛ لأنه لم يحصل منها فعلٌ. قوله: (ويرجع به الزوجُ على الكبيرة إن كانت تعمَّدت الفسادَ)، بأن علمت بالنكاح، وقصدت بالإرضاع الفسادَ. وقال محمد: يرجع عليها، تعمَّدت، أوْ لا. والصحيح الأول، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. - والقول قولُها إنها لم تتعمد، مع یمینها. ـ وتفسير التعمد هو: أن تُرضعها من غير حاجة، بأن كانت شبعانةً، وأن تعلم بقيام النكاح، وأن تعلم بأن الإرضاع مفسِدٌ. أما إذا فات شيء من هذا: لم تكن متعمدةً. - وإن أرضعتها على ظنِّ أنها جائعة، ثم بان أنها شبعانة: لا تكون متعمدة. - ولو كان له امرأتان صغيرةٌ ومجنونةٌ، فأرضعت المجنونةُ الصغيرةَ: حرمتا علیه. ٣٨٦ کتاب الرضاع وإن لم تتعمَّد : فلا شيءَ عليها. ولا تُقْبَل في الرضاع شهادةُ النساء منفرداتٍ، - فإن لم يدخل بالمجنونة: فلها نصفُ المهر، وللصغيرة النصف، ولا يرجع به على المجنونة؛ لأن فعلها لا يوصف بالجناية. - وكذا إذا جاءت الصغيرةُ إلى الكبيرة العاقلةِ، وهي نائمةٌ، فأخذت ثديها، وجعلته في فمها، وارتضعت منها من غير علمها: بانتا منه. ولكل واحدة منهما نصفُ المهر، ولا يرجع به على أحد. - ولو أن رجلاً أخذ لبنَ الكبيرة، فأَوجر به الصغيرةَ: بانتا منه. ولكلُّ واحدةٍ منهما نصفُ الصداق. فإِن تعمَّد الرجلُ الفسادَ: غَرِمَ نصفَ الصداق لكل واحدة منهما. كذا في ((الواقعات)). * قوله: (وإن لم تتعمد: فلا شيءَ عليها) وإن علمتْ أن الصغيرة امرأتُه. معناه: إذا قصدت دفعَ الجوع عنها؛ خوفَ الهلاك عليها؛ لأن الإرضاع فرضٌ عليها إذا خافتْ هلاكَها. - وإن علمتْ بالنكاح، ولم تعلَم بالفساد: لم تكن متعديةً، فلا يلزمها ضمانٌ. * قوله: (ولا تُقبل في الرضاع شهادةُ النساء منفردات)، من غير أن ٣٨٧ كتاب الرضاع وإنما يثبت بشهادة رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتَيْن. يكون معهن رجلٌ؛ لأنه مما يَطَّلع عليه الرجالُ؛ لأن ذا الرحم المَحرَم ينظر إلى الثدي، وهو مقبولُ الشهادة في ذلك. * قوله: (وإنما يثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين)، إذا كانوا عدولاً. - فإذا شهدوا بذلك: فُرِّق بينهما. - فإن كان قبل الدخول: فلا مهر لها، وإن كان بعده: فلها الأقلُّ من المسمى ومن مهر المثل. - وليس لها في العدة نفقةٌ، ولا سكنىً. - قال في الكَرخي: ((رُوي أن عُقبة بن الحارث قال: تزوجتُ أمَّ يحيىُ و بنت أبي إهاب، فجاءت سوداء، فقالت: إني أرضعتُكما. قال: فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعرض، ثم ذكرتُه له، فأعرض، حتى قال: في الثالثة أو الرابعة: فدَعْها إذاً))(١). وروي: ((فارِقْها، فقلتُ: يا رسول الله! إنها سوداء؟! فقال: كيف وقد قيل)). - وإنما أمره النبيُّ صلى الله عليه وسلم على طريق التنزّه، ألا ترى أنه ءِ أي قيل: إنها أختُك. (١) صحيح البخاري برقم: (٨٨)، و(٢٠٥٢)، و(٢٦٤٠). ٣٨٨ کتاب الرضاع • أعرض عنه أولاً، وثانياً، ولو وجب التفريق: لما أعرض عنه، ولأَمَرَه بالتفريق في أول سؤاله، فلما لم يفعل: دلَّ على أنه أراد به التنزّه. ولأن قوله: فارِقْها: دليلٌ على بقاء النكاح. ٣٨٩ كتاب الطلاق كتاب الطلاق الطلاقُ على ثلاثة أوجُهِ : أحسنُ الطلاق، وطلاقُ السُّنَّة، وطلاقُ البِدْعة. كتاب الطلاق هو في اللغة: عبارةٌ عن إزالة القَيْد، وهو مأخوذٌ: من الإطلاق. تقول العربُ: أطلقتُ إبلي وأسيري، وطلَّقتُ امرأتي، وهما سواء، وإنما فرَّقوا بين اللفظين؛ لاختلاف المعنيين، فجعلوه في المرأة: طلاقاً، وفي غيره: إطلاقاً. كما فرَّقوا بين حَصان وحِصان، فقالوا للمرأة: حَصَانٌ، وللفرس: حصانٌ، وهما سواءً في اللفظ، مختلفٌ في المعنىُ. - وهو في الشرع: عبارةٌ عن المعنى الموضوع لحَلُّ عُقّدة النكاح. ويقال: عبارةٌ عن إسقاط الحقِّ عن البُضع، ولهذا يجوز تعليقه بالشرط. فالطلاق عندهم لا يُزيل الملكَ، وإنما يحصل زوالُ الملك عقيبَه إذا كان طلاقاً قبل الدخول، أو بائناً، وإن كان رجعياً: وقف على انقضاء العِدة، أي لم يَزُل الملكُ إلا بعد انقضائها. * قال رحمه الله: (الطلاقُ على ثلاثة أوجه: أحسن الطلاق، وطلاق السنة، وطلاق البدعة (١) هذه الأقسام الثلاثة ذُكرت في نسخ القدوري، ولم تُذكر في نسخ الجوهرة. ٣٩٠ كتاب الطلاق فأحسنُ الطلاق أن يُطلِّقَ الرجلُ امرأته تطليقةً واحدةً في طُهْرٍ واحدٍ لم يجامِعْها فيه، ويَتْركَها حتى تَنقضيَ عِدَّتُها. يعني: أنه: حَسَنٌ، وأحسنُ، ويِدْعيٌّ. وهذا اختيار صاحب ((الهداية))(١). - وفي ((الكرخي)): هو على ضربين: طلاق سُنَّة، وطلاق بدعة. أما تقسيمُ الشيخ على ثلاثة أوجه، فيحتمل أنه أراد طلاقَ سُنَّةِ، وطلاقَ بدعة، وطلاقاً خارجاً عنهما، وهو طلاقُ غيرِ المدخول بها، وطلاقُ الصغيرة، والآيسة. ويحتمل أيضاً: أنه أراد طلاقَ صريحٍ، وطلاقَ كنايةٍ، وطلاقاً في معنىُ الصريح، وليس بصريحٍ ولا كناية. وهو ثلاثة ألفاظٍ يقع بها الرجعي، ولا يقع بها إلا واحدةً، وهو قوله: اعتدِّي، واستبرئي رَحِمَك، وأنتِ واحدةٌ. * قوله: (فأحسنُ الطلاق: أن يطلِّق امرأتَه تطليقةً واحدةً، في طُهْرٍ لم يجامعها فيه، ويَتركَها حتى تنقضيَ عدتُها). - فإن قيل: قوله: أحسن: ينبغي أن يكون في الطلاق ما هو حَسَنٌ، وهذا أحسنُ منه. قيل: هو كذلك؛ لأن الطلاق ثلاثاً، في ثلاثة أطهارٍ، لا يجامعها فيه: (١) ٢٢٦/١. ٣٩١ كتاب الطلاق وطلاقُ السُّنَّة : أن يُطلِّق المدخولَ بها ثلاثاً، في ثلاثة أطهار. حَسَنٌ، وهو طلاقُ السُّنَّة، وهذا أحسن منه (١). * قوله: (وطلاقُ السُّنَّة: أن يطلِّق المدخولَ بها ثلاثاً، في ثلاثة أطهار). وهو أن يطلِّقها تطليقةً في طُهْرٍ لا جماعَ فيه، ثم إذا حاضت وطهُرت: طلَّقها أخرى، ثم إذا حاضت وطهُرت: طلَّقها أخرى، فقد وقع عليها ثلاث تطليقات، ومضى من عدتها حيضتان، فإذا حاضت أخرى: انقضت عدتها. - وإن كانت من ذوات الأشهر: طلَّقها واحدةً على ما ذكرنا، ثم إذا مضى شهرٌ: طلَّقها أخرى، ثم إذا مضى شهرٌ: طلقها أخرى، فقد وقع عليها ثلاث، ومضى من عدتها شهران، فإذا مضى شهرٌ آخر: انقضت عدتها. - وإن كانت حاملاً فكذا عندهما، يطلِّقها ثلاثاً للسُّنَّة، ويَفصِل بين کل تطلیقتین بشهر. وقال محمدٌ وزفر: الحاملُ لا تُطلَّق للسُّنَّة إلا مرةً. (١) كلٍّ من الحسنٌ، والأحسن: سُنِّيٌّ، وتسميةُ ما إذا طلَّقها ثلاثاً في ثلاثة أطهارٍ لا جماع فيها: بأنه طلاقٌ حسنٌ، وأنه السنَّة: لا وجهَ له، والمناسبُ تسميته بـ: المفضول من طلاق السنَّة. فتح القدير ٣٢٧/٣، ٣٢٨، البحر الرائق ٢٥٦/٣. ٣٩٢ كتاب الطلاق وطلاقُ البدعة: هو أن يطلِّقها ثلاثاً بكلمةٍ واحدة، أو ثلاثاً في طُهْرٍ واحدٍ . ء فإذا فَعَلَ ذلك : وَقَعَ الطلاقُ، وبانت امرأتُه منه، وكان عاصياً. * قوله: (وطلاقُ البدعة: أن يُطلِّقها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ، أو ثلاثاً في طهرٍ واحدٍ، فإذا فعل ذلك: وقع الطلاق، وبانت منه، وكان عاصياً). لأن الأصل في الطلاق الحظرُ؛ لِمَا فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية. فالدينية: حفظُ النفس من الزنا، وحفظُ المرأة أيضاً عنه، وفيه تكثيرٌ للموحّدین، وتحقيقُ مباهاة سید المرسلين صلى الله عليه وسلم. وأما الدنيوية: فقوامُ أمر المعيشة؛ لأن المرأة تعمل داخلَ البيت، والرجلَ خارجَه، فينتظم أمرُهما. فإذا كان كذلك: كان فيه معنىُ الحَظْر، وإنما أُبيح للحاجة إلى الخلاص من حِبَالة النكاح، وذلك يحصل بتفريق الطلاق على الأطهار. - وإنما كان عاصياً؛ ((لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام لمَّا أنكر على ابن عمر الطلاقَ في الحيض، قال ابن عمر: أرأيتَ يا رسول الله! لو طلقتُها ثلاثاً؟ قال: إذاً عصيتَ ربَّك، وبانتْ منك))(١). و((قال عبادة بن الصامت: طلَّق بعضُ آبائنا امرأته ألفاً، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بانت بثلاثٍ، في معصية، وتسعمائة (١) صحيح مسلم (١٤٧١). ٣٩٣ كتاب الطلاق والسُّنَّةُ في الطلاق من وجهَيْن: سنّةٌ في الوقت، وسُنَّةٌ في العدد. فالسُّنَّةُ في العدد، يستوي فيها المدخولُ بها، وغيرُ المدخول بها . وسبعةٌ وتسعون فيما لا يَملك))(١). ((وكان عمر رضي الله عنه لا يُؤتىُ برجلٍ طلَّق ثلاثاً إلا أوجعه ضرباً))(٢). - وكذا إيقاع الثنتين في الطهر الواحد بدعةٌ. - وكذا الطلاق في حالة الحيض مكروهٌ؛ لما فيه من تطويل العدة على المرأة. - وكذا في النفاس أيضاً. - واختلفت الرواية في الواحدة البائنة: قال في (الأصل)): إنه أخطأ السُّنَّة؛ لأنه لا حاجة إلى إثبات صفةٍ زائدة في الخَلاص، وهي البينونة. وفي ((الزيادات)): لا يكره؛ للحاجة إلى الخَلاص الناجز. : قوله: (والسُّنّة في الطلاق من وجهين: سُنَّةٌ في الوقت، وسُنَّةٌ في العدد، فالسُّنَّة في العَدَد: يستوي فيها المدخولُ بها وغيرُ المدخول بها). (١) سنن الدار قطني (٣٩٤٣)، وعزاه في مجمع الزوائد ٣٣٨/٤ للطبراني، وفيه ضعف. (٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٨٠٨٩). ٣٩٤ كتاب الطلاق والسُّنَّةُ في الوقت، تثبت في حقِّ المدخول بها خاصة، وهو: أن يطلِّقها واحدةً في طُهْرٍ لم يجامِعْها فيه. لأن الطلاق الثلاثَ في كلمةٍ إنما مُنع منه؛ خوفاً من الندم، أن يبدوَ له، فيستدرك العقدَ عليها ثانياً، وهذا المعنىُ موجودٌ في غير المدخول بها. - ويقال: إن السُّنَّة في العدد: هو أحسنُ الطلاق، وهو أن يطلِّقها واحدةً، لا غیر. ــ وسُمِّيت الواحدة عدداً: مجازاً؛ لأنه أصلُ العدد، فإن كانت غير مدخولة، فقد وُجدت السُّنَّة في طلاقها من غير التفاتٍ إلى أمرٍ آخر. وإن كانت مدخولةً: فلا بدَّ من النظر إلى الوقت، فإن كان يصلح للإيقاع: كان سُنَّاً، وإن لم يصلح: كان بدعياً. - وقولُه: يستوي فيها المدخولةُ وغيرُها: حتى لو قال قبل الدخول: أنتِ طالقُ ثلاثاً للسُّنَّة: يقع واحدةً ساعةَ تكلّم، فإن تزوجها: وقعت أخرى ساعةَ تزوَّجها، وكذا الثالثة ساعةَ تزوَّجها مرةً أخرى. وقال أبو يوسف: لا يقع أخرى حتى يَمضيَ شهرٌ من الأُولىُ. كذا في ((الذخيرة)). * قوله: (والسُّنَّة في الوقت: تَثبتُ في المدخول بها خاصةً، وهو أن يطلقها في طُهْرٍ لم يجامعها فيه)، أو حاملاً قد استبان حملُها. لأنه إذا طلَّقها في حال الحيض: طوَّل عليها العدةَ، وإن طلَّقها في طُهْرٍ قد جامعها فيه: لم يُؤمَن أن تكون عَلِقت من ذلك الجماع، فيندم ٣٩٥ كتاب الطلاق وغيرُ المدخول بها أن يطلقها في حالِ الطهر والحيض جميعاً. وإذا كانت المرأةُ ممن لا تحيض من صِغَرٍ أو كِبَرٍ، فأراد أن يطلِّقها للسَُّّة: طلَّقها واحدةً، فإذا مضىُ شهرٌ: طلَّقها أخرى، فإذا مضى شهرٌ آخر : طلَّقها أخرى. ويجوز أن يطلقها ولا يفصلَ بين وَطْئها وطلاقها بزمان. على طلاقها، وهذا لا يُتصوَّر إلا في المدخولة. وأما غير المدخولة: فلا تثبت فيها السنَّةُ في الوقت، حتى إنه لا يكره طلاقُها وهي حائضٌ؛ لأنها لا عدة عليها. * قوله: (وغيرُ المدخول بها: يطلِّقها في حالة الطهر والحيض). وقال زفر: لا يطلقها في حالة الحيض. * قوله: (وإذا كانت المرأةُ ممن لا تحيض من صِغَر أو كِبَر، وأراد أن يُطلِّقها للسُّنَّة: طلَّقها واحدةً متى شاء)؛ لأن المانع من طلاق الحائض تطويلُ العدة، وخوفُ الحَبَل، وهذا معدومٌ في الآيسة، والصغيرة. وقال زفر: لا يطلِّقها حتى يَمضيَ شهرٌ بعد ما جامعها. - فإن أراد أن يحصل لها طلاقُ السَُّّةَ بالعدد: طلَّقها واحدةً متى شاء، (ثم يتركها حتى يمضيَ شهرٌ، ثم يطلِّقها أخرى، ثم يتركها شهراً، ثم يطلّقها أخرى). * قوله: (ويجوز أن يطلِّقها ولا يفصلَ بين وطئها وطلاقها بزمان). يعني التي لا تحيض من صِغَرٍ أو كِبَر. ٣٩٦ كتاب الطلاق وطلاقُ الحامل يجوز عَقِيب الجِمَاعِ، ويطلقُها للسُّنَّة ثلاثاً، يَفْصِلُ بين كل تطليقتَّيْن بشهرٍ عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد : لا يطلقها للسُّنَّة إلا واحدةً. وإِذا طلَّق الرجلُ امرأته في حال الحيض : وقع الطلاقُ. ويُستحبُّ له أن يراجعها، وقال زفر: يفصل بين وطئها وطلاقها بشهر. - والخلاف فيما إذا كانت صغيرةً لا يُرجى منها الحيض والحبل، أما إذا كانت يرجى منها ذلك: فالأفضل أن يفصل بين وطئها وطلاقها بشهر، إجماعاً. قوله: (وطلاق الحامل يجوز عَقِيْب الجماع)؛ لأنه لا يؤدي إلى اشتباه العدة. * قوله: (ويطلِّقها للسُّنّة ثلاثاً، يفصل بين كل تطليقتين بشهرٍ عندهما، وقال محمد وزفر: لا يطلقها للسنة إلا واحدةً). لأن الأصل في الطلاق الحَظْرِ، وقد ورد الشرعُ بالتفريق على فصول العدة، وهي الأشهر، أو الحيض، والشهر في حق الحامل ليس من فصولها، وهما يقيسانها على الآيسة والصغيرة. قوله: (وإذا طلق الرجلُ امرأته في حال الحيض: وقع الطلاقُ، ويُستحبُّ له أن يراجعها). ٣٩٧ كتاب الطلاق فإذا طَهُرت، وحاضت، وطَهُرت، فهو مخيّرٌ: إن شاء طلقَّها، وإن شاء أمسكها . الاستحباب قول بعض المشايخ، والأصح أنه واجبٌ، عملاً بحقيقة الأمر، وهو ((قوله عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه: مُرْ ابنَك فليراجعها، وكان قد طلَّقها وهي حائضٌ)(١). - فإن قيل: الأمر إنما أثبت الوجوبَ على عمر أن يأمر ابنَه بالمراجعة، فكيف يثبت وجوب المراجعة بقول عمر؟ قلنا: فعل النائب: كفعل المَنوب عنه، فصار كأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره بالمراجعة، فثبت الوجوب. - قال الخُجَندي: والخلعُ في حالة الحيض مكروهٌ، في رواية ((الزيادات)). وفي (المنتقى)): لا بأس به في حالة الحيض إذا رأى منها ما يَكْرَه. * قوله: (فإذا طَهُرت وحاضت، ثم طهُرت: فهو بالخيار: إن شاء طلَّقها، وإن شاء أمسكها)، وهذا قولهما. وقال أبو حنيفة وزفر: إذا راجعها بالقول بعد ما طلقها في الحيض: جاز أن يطلِّقها في الطهر الذي يلي تلك الحيضة. - وعلى هذا الخلاف: إذا طلَّقها في طُهْرٍ لا جماعَ فيه، ثم راجعها في ذلك الطهر بالقول، وأراد أن يطلقها أخرى للسُّنّة في ذلك الطهر: فله ذلك عند أبي حنيفة وزفر. (١) صحيح البخاري (٥٢٥١)، صحيح مسلم (١٤٧١). ٣٩٨ كتاب الطلاق ويقعُ طلاقُ كلِّ زوجٍ إذا كان بالغاً عاقلاً. ولا يقعُ طلاقُ الصبيِّ، والمجنونِ، والنائم. وقال أبو يوسف: ليس له ذلك. وقول محمدٍ مضطربٌ، ذكر الطحاويُّ أنه مع أبي حنيفة، وذكر أبو الليث أنه مع أبي يوسف. - وكذلك الاختلاف إذا راجعها باللمس أو بالقبلة أو بالنظر إلى الفرج. - وإن راجعها بالجماع: ليس له ذلك، إجماعاً. * قوله: (ويقع طلاقُ كلِّ زوجٍ إذا كان بالغاً عاقلاً)، سواء كان حراً أو عبداً، طائعاً أو مُكرَهاً، هازلاً كان أو جادًّاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ الطلاق جائزٌ إلا طلاق الصبي والمجنون))(١). قوله: (ولا يقعُ طلاقُ الصبيِّ والمجنونِ)؛ لأنه ليس لهما قول صحیحٌ - وكذا المعتوه لا يقعُ طلاقُه أيضاً، وهو: مَن كان مختلِطَ الكلامِ، بعضُ كلامه مثلُ كلام العقلاء، وبعضُه مثل كلام المجانين. - وهذا إذا كان في حال العَتَه، أما في حالة الإفاقة: فالصحيح أنه واقعٌ. - (و) كذا (النائم) لا يقع طلاقه؛ لأنه عديم الاختيار. - وكذا المُغمى عليه، ومَن شرب البَنْجَ. (١) روي بهذا اللفظ موقوفاً في مصنف عبد الرزاق (١٢٣١٦)، التعريف ٤٢/٣. ٣٩٩ كتاب الطلاق وإذا تزوج العبدُ بإذن مولاه، ثم طلَّق: وَقَعَ طلاقُه. ولا يقعُ طلاقُ مولاه على امرأته. * والطلاقُ علىُ ضربَيْن : صريحٌ، وكنايةٌ. - ولو جرى على لسان النائم طلاقٌ: لا عبرةَ به. - ولو استيقظ، وقال: أجزتُ ذلك الطلاقَ، أو أوقعتُه: لا يقع؛ لأنه أعاد الضمير إلى غير معتبر. : قوله: (وإذا تزوَّج العبدُ(١)، ثم طلَّق امرأته: وقع طلاقُهُ)؛ لأن قوله صحيحٌ إذا لم يؤثّر في إسقاط حقِّ مولاه، ولا حقَّ للمولى في هذا النكاح. قوله: (ولا يقع طلاقُ مولاه على امرأته)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الطلاق بيد مَن ملك الساق))(٢). ولأن الحِلَّ حصل للعبد، فكان رفعُه إليه. [صريحُ الطلاق وكناياته : ] * قوله: (والطلاقُ على ضربين: صريح، وكناية). فالصريح: ما ظَهَرَ المرادُ به ظهوراً بيِّناً، مثل: أنتِ طالقٌ، أنتِ حرةً(٣)، ومنه: سُمِّي القصر: صَرْحاً؛ لارتفاعه على سائر الأبنية. (١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩ هـ زیادة: بإذن مولاه. (٢) سنن ابن ماجه (٢٠٨١)، وفي رواته: ابن لهيعة: ضعيف، سنن الدار قطني ٣٧/٤، سنن البيهقي ٣٦٠/٧، وينظر البدر المنير ٦٣٠/١٩. (٣) وفي غالب النسخ: أنت حراً نعتُ. هكذا. ٤٠٠ كتاب الطلاق فالصريحُ قولُه: أنتِ طالقٌ، و: مُطَلَّقَةٌ، و: قد طلَّقْتُك، فهذا يقع به الطلاق الرجعيُّ، ولا يقعُ به إلا واحدةً وإن نوى أكثر من ذلك، ولا يَفتقرُ بهذه الألفاظ إلى النية. والكناية: ما استتر المراد به. * قوله: (فالصريحُ: قولُه: أنتِ طالقٌ، و: مطلَّقةٌ، و: قد طلَّقْتُك، فهذا يقعُ به الطلاق الرجعي)؛ لأن هذه الألفاظَ تُستعمل في الطلاق، ولا تُستعمل في غيره. * قوله: (ولا يقعُ به إلا واحدةً وإن نوى أكثرَ من ذلك). وقال الشافعي(١): يقع ما نوى. * قوله: (ولا يفتقر إلى النية)، يعني الصريح؛ لغلبة الاستعمال. ــ وكذا إذا نوى الإبانةَ: لا يصح؛ لأنه نوى تنجيزَ ما علَّقه الشرعُ بانقضاء العدة، فيُرَدُّ عليه قَصْدُه. - وإن نوى الطلاقَ عن وَثاق: لم يُصدَّق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، ويُصدَّق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمله. - وإن صرَّح به، فقال: أنتِ طالقٌ من وَثاقٍ: لم يقع شيء في القضاء. - وإن نوى به الطلاقَ عن العمل: لم يُصدَّق قضاءً، ولا ديانةً. وعن أبي حنيفة: أنه يُدیَّن فيما بينه وبين الله تعالى. (١) مغني المحتاج ٢٩٤/٣.