النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب النكاح وإذا خرجتِ المرأةُ إلينا مهاجرةً: جاز لها أن تتزوج في الحال، ولا عِدَّةَ عليها عند أبي حنيفة. وإن كانت حاملاً: لم تتزوج حتى تضعَ حَمْلَها. وإذا ارتدَّ أحدُ الزوجين عن الإسلام: وقعت البينونةُ بينهما، وكانت الفرقةُ بينهما بغير طلاق. * قوله: (وإذا خرجت المرأةُ إلينا مهاجرةً: جاز أن تتزوج في الحال، ولا عدةَ عليها عند أبي حنيفة). وقالا: عليها العدة؛ لأن الفُرقة وقعت بعد الدخول في دار الإسلام. ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾. الممتحنة/ ١٠، وفي المنع من تزويجها: تمسُّكُ بعصمته. * قوله: (وإن كانت حاملاً: لم تتزوج حتى تضع حملَها). وعن أبي حنيفة: أنه يجوز النكاح، ولا يَقرَبُها الزوجُ حتى تضع حملَها، كما في الحامل من الزنا؛ لأن ماء الحربيِّ لا حُرمةَ له، فحَلَّ محل الزنا. وجه الأول: أنها حاملٌ بولدٍ ثابتِ النسب، فتُمنع من النكاح؛ احتياطاً. * قوله: (وإذا ارتدَّ أحدُ الزوجين عن الإسلام: وقعت البينونةُ بينهما، وكانت الفُرقةُ بينهما بغير طلاق) عندهما. ٣٦٢ كتاب النكاح فإن كان الزوجُ هو المرتدُّ، وقد دخل بها: فلها كمالُ المهر. وقال محمدٌ: إن كانت الردة من الزوج: فهي طلاقٌ، وإن كانت منها: فهي فرقةٌ بغير طلاق. هو: يَعتبر بالإباء، وأبو يوسف مرَّ على أصله في الإباء؛ لأن من أصله: أن إباء الزوج ليس بطلاق، فالردة كذلك. وأبو حنيفة فرَّق بينهما، ووجهه: أن الردة منافيةٌ للنكاح، والطلاق رافعٌ، فتعذرت الردة أن تُجعل طلاقاً، بخلاف الإباء؛ لأنه يُفوّت الإمساكَ بالمعروف، فيجب التسريحُ بالإحسان، ولهذا تتوقف الفُرقة بالإباء على القضاء، ولا تتوقف بالردة. ۔ وسواء کان ارتدادُ أحد الزوجين قبل الدخول، أو بعده: فإنه يوجب فسخ النكاح عندنا. - قال في ((الملتقط)): امرأةٌ ارتدَّت؛ لتُفارِق زوجَها: تقع الفرقة، وتُجبر على الإسلام، وتُعزَّر خمسةً وسبعين سوطاً، وليس لها أن تتزوج إلا بزوجها الأول. - قال في ((المصفى)): يُجدَّد العقدُ بمهرٍ يسير، رضيت أو أبت، يعني أنها تُجبر على تجديد النكاح. * قوله: (فإن كان الزوج هو المرتدُّ، وقد دخل بها: فلها كمالُ المهر)؛ لأنه قد استقرّ بالدخول. ٣٦٣ كتاب النكاح وإن كان لم يدخل بها : فلها نصفُ المهر. وإن كانت المرأةُ هي المرتدَّةُ: فإن كانت الردةُ قبل الدخول : فلا مهر لها، وإن كانت الرِّدَّةُ بعد الدخول: فلها المهر. وإن ارتدَّا معاً، وأسلما معاً: فهما على نكاحهما. قوله: (وإن لم يدخل بها: فلها النصفُ)؛ لأنها فُرقةٌ حصلت منه قبل الدخول، فصارت كالطلاق. : قوله: (وإن كانت هي المرتدة قبل الدخول: فلا مهرَ لها)؛ لأنها مَنعت بُضعها بالارتداد، فصارت كالبائع إذا أتلف المبيعَ قبل القبض. * قوله: (وإن كانت ارتدت بعد الدخول: فلها جميع المهر)؛ لأنه قد استقر بالدخول، ولا نفقة لها؛ لأن الفرقة من قِبَلها. * قوله: (وإن ارتدَّا معاً، ثم أسلما معاً: فهما على نكاحهما). وقال زفر: يبطل النكاح؛ لأن ردة أحدهما منافيةٌ، وفي ردتهما: ردةً أحدهما وزيادة. - وأما إذا أسلم أحدهما بعد الارتداد، دون الآخر: فإن النكاح يبطل؛ لإصرار الآخر على الردة، وهي منافيةً، مثل ابتدائها. - ولو أن حربياً تزوج حربيةً، ثم أسلم أحدُهما في دار الحرب: فالفُرقة لا تقع بنفس الإسلام ما لم تحض المرأة ثلاث حِيَض إن كانت ممن تحیض، أو ثلاثة أشهر إن لم تكن تحیض. - فإن أسلم الباقي منهما في هذه المدة: فهما على النكاح، وإلا: فقد وقعت الفُرقة عند مضيِّ المدة. ٣٦٤ کتاب النكاح ولا يجوز أن يتزوج المرتدُّ مسلمةً، ولا كافرةً، ولا مرتدَّةً. وكذلك المرتدَّةُ لا يتزوجُها مسلمٌ، ولا كافرٌ، ولا مرتدٌ . وإن كان أحدُ الزوجين مسلماً : فالولدُ علیُ دِينه. وكذلك إن أسلم أحدُهما، وله ولدٌ صغيرٌ: صار ولدُه مسلماً بإسلامه. - ثم إن المرأة إن كانت هي المسلمة: فهي كالمهاجرة، لا عدة عليها عند أبي حنيفة بعد ذلك، وعندهما: عليها العدة. - وإن كان المسلم هو الزوج: فلا عدة عليها، إجماعاً. : قوله: (ولا يجوز أن يتزوج المرتدُّ مسلمةً، ولا كافرةً، ولا مرتدةٌ)؛ لأنه مستحقٌّ للقتل، والإمهالُ إنما هو ضرورة التأمل، والنكاح يَشغله عن التأمل. * قوله: (وكذلك المرتدةُ لا يتزوجها مسلمٌ، ولا كافرٌ، ولا مرتدٌّ)؛ لأنها محبوسةٌ للتأمل، وخدمةُ الزوج تَشغلها عن التأمل. * قوله: (وإن كان أحدُ الزوجين مسلماً: فالولدُ على دينه. وكذلك إذا أسلم أحدُهما، وله ولدٌ صغيرٌ: صار ولدُه مسلماً بإسلامه)؛ لأن في ذلك نظراً للولد، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. - وإنما يُتصور أن تكون المرأةُ مسلمةً والزوج كافراً في حال البقاء، بأن أسلمت هي، ولم يسلم: فهما زوجان حتى يُفرَّق بينهما. ٣٦٥ كتاب النكاح وإن كان أحدُ الأبوين كتابياً، والآخرُ مجوسياً: فالولدُ كتابيٌّ. وإن تزوَّج الكافرُ بغير شهودٍ، أو في عِدَّةٍ كافٍ، وذلك في دينهم جائزٌ، ثم أسلما: أُقِرَّا عليه. - وقوله: فالولد علىُ دِينه: يعني إذا كان الولد الصغير مع مَن أسلم، أو كان الولد في دار الإسلام، والذي أسلم في دار الحرب. - أما إذا كان الذي أسلم في دار الإسلام، والولدُ في دار الحرب: لا يكون مسلماً بإسلامه، حتى إنه يصحُّ سَبْه، ويكون مملوكاً للذي سباه. قوله: (وإذا كان أحدُ الأبوين كتابياً، والآخرُ مجوسياً: فالولد کتابيٌّ)؛ لأن فيه نوعَ نظرٍ له. * قوله: (وإن تزوج الكافرُ بغير شهود، أو في عدةٍ من كافر، وذلك جائزٌ عندهم في دينهم، ثم أسلما: أُقِرَّا عليه)، وهذا قول أبي حنيفة. وقال زفر: النكاح فاسدٌ في الوجهين، يعني بغير شهود، وفي عدةٍ من كافر، إلا أنه لا يُتْعَرَّضُ لهم قبل الإسلام، والمرافعةُ إلى الحاكم. وقال أبو يوسف ومحمد في الوجه الأول: كما قال أبو حنيفة، وفي الوجه الثاني: كما قال زفر؛ لأن حرمة نكاح المعتدة مُجمَعٌ عليه، وحرمة النكاح بغير شهود مختلَفٌ فيه. - وإنما قال: في عدةٍ من كافر: احترازاً من الذمية إذا كانت معتدةً من مسلم: فإنه لا يجوز النكاح. ٣٦٦ كتاب النكاح * وتفريع المسائل: - إذا تزوج ذميُّ ذميةً بغير شهود، ثم أسلم: فإنه يُقَرُّ عليه، خلافاً لزفر. - وإن تزوج ذميُّ ذميةً في عدةٍ ذميٍّ: فإنه يجوز عند أبي حنيفة، فإن أسلما: أُقِرَّا عليه. وقال أبو يوسف ومحمد وزفر: النكاحُ فاسدٌ، ولا يُقرَّان عليه بالإسلام. - وأما نكاح المحارم: فهو فاسدٌ، إلا أن عند أبي حنيفة لا يُعترَض عليهم، إلا أن يترافعوا إلينا، أو يُسلِمِ أحدُهما. وقال أبو يوسف: يُفرَّق بينهما، سواء ترافعوا إلينا، أم لا. وقال محمد: إن ارتفع أحدُهما: فرَّقتُ، وإلا: فلا. - ولو تزوج الكافر أختين في عقدٍ واحدٍ، أو جَمَعَ بين أكثر من أربعة نسوة: فالنكاح باطلٌ، ولا يُقَرُّ عليه بالإسلام عند أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر. وقال محمد: إذا أسلم: اختار إحدى الأختين، ومن الخمس: أربعاً. - فإن كان جَمَعَ بين امرأةٍ وبنتها: فهو كذلك في قولهم. وقال محمد: إن دخل بهما: فرَّقْتُ بينهما، وإن لم يدخل بواحدةٍ منهما: حرَّمتُ عليه الأمَّ، ويُمسك البنتَ؛ لأن تزويج البنت يُحرِّم الأمَّ وإن لم يدخل، ونكاحُ الأمُّ لا يُحرِّم البنتَ ما لم يدخل بها. ٣٦٧ کتاب النكاح وإذا تزوج المجوسيُّ أُمَّه، أو ابنته، ثم أسلما : فُرِّق بينهما. - وإذا تزوج الحربيُّ أربعَ نسوة، ثم استُرقَّ: فعند أبي حنيفة وأبي یوسف یُفرّق بینه وبینهن. وعند محمد: يُخيَّر بين ثنتين. - وإن تزوج ذميُّ بذميةٍ على أن لا صداقَ لها: قال أبو حنيفة: لا صداقَ لها، كالحربي والحربية. وقال أبو يوسف ومحمد: هما كالمسلم والمسلمة. - قال صاحبُ ((المنظومة))(١) في مقالات أبي حنيفة رحمه الله: والمهرُ في نكاح أهل الذِّمَّة لو نفياه لم يجبْ في الذِّمَّة. * قوله: (وإذا تزوج المجوسيُّ أُمَّه، أو بنتَه، ثم أسلمت: فُرِّق بينهما). - وكذا إذا أسلم أحدُهما، أو لم يُسلِما، وترافعا إلينا. - أما إذا رفع أحدُهما: لا يُفرَّق بينهما عند أبي حنيفة، وعندهما: يفرّق بينهما. - ثم عند أبي حنيفة: لهذا النكاح بينهم حكمُ الصحة ما لم يُفرَّق بينهما، على الصحيح. وعندهما: له حكم البطلان فيما بينهم. (١) النسفي ص ٨١. ٣٦٨ کتاب النكاح وإذا كان لرجلٍ امرأتان حُرَّتان: فعليه أن يَعْدِل بينهما في القَسْم، بِكْرَيْن كانتا، أو ثَيِّيَتَيْن، أو كانت إحداهما بِكراً، والأخرى ثيِّاً. وإن كانت إحداهما حُرَّةً، والأخرى أمةً : فللحرة الثلثان من القَسْم، وللأمة الثلثُ. وفائدتُه: في وجوب النفقة، والكسوة، وثبوت النسب، والعدة عند التفريق، فعند أبي حنيفة: يجب ذلك، خلافاً لهما. [العدل بين الزوجات في القَسم: ] * قوله: (وإذا كان للرجل امرأتان حرَّتان: فعليه أن يَعدِل بينهما في القَسْم، بِكْرَيْن كانتا أو ثَيِّتَيْن، أو إحداهما بكراً، والأخرى ثيباً). - أو كانت إحداهما حديثةً، والأخرى قديمةً. ــ وسواء كنَّ مسلمات، أو كتابيات، أو إحداهما مسلمةً، والأخرى كتابيةً، فإنه ينبغي أن يَعدِل بينهما في المأكول والمشروب والملبوس. * قوله: (وإن كانت إحداهما حرةً، والأخرى أمةً: فللحرة الثلثان من القَسْم، وللأمة الثلثُ). والمكاتبة والمدبرة وأمُّ الولد: بمنزلة الأمة؛ لأن الرقَّ فيهنَّ قائمٌ. - والمريض والصحيح في اعتبار القَسم سواءٌ. - ثم التسوية المستحَقّة إنما هي في البيتوتة، لا في المجامعة؛ لأن مبناها على النشاط، ولأن المجامعة حقّه، فإذا تركه: لم يُجبر عليه. - وعماد القَسم: الليل. - ولا يجامع المرأةَ في غير يومها. ٣٦٩ كتاب النكاح ولا حَقَّ لهنَّ في القَسْمِ حالَ السفر، فيسافر الزوجُ بمَن شاء منهن، والأَوْلىُ أن يُقْرِع بينهن، فيسافر بمَن خَرَجت قُرْعَتُها. - ولا يدخلُ بالليل على التي لا قَسْم لها. - ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار؛ لحاجةٍ. - ويعودُها في مرضها في ليلةٍ غيرها. - وإن ثَقُل مرضُها: فلا بأس أن يُقيم عندها حتى تشفى، أو تموت. - وإن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً: فله ذلك. - ويُسوِّي في القَسْم بين المراهقة والبالغة، والمجنونة والعاقلة، والمريضة والصحيحة، والمسلمة والكتابية. - وكذا المجبوبُ والخَصِيُّ والعِنِّين في القَسْم بين النساء سواءً؛ لأن وجوب العدل في المؤانسة، دون المجامعة. - ويسوِّي في القَسم بين الحديثة والقديمة. وعند الشافعي(١): إن كانت الحديثةُ بكراً: فضَّلها بسبع ليال، وإن کانت ثيباً: فبثلاث. قلنا: لو وجب التفضيل: لكانت القديمةُ أحقَّ؛ لأن الوحشة في جانبها أكثر، حيث أُدخل عليها ما يَغِيظُها. : قوله: (ولا حقَّ لهنَّ في القَسْم حالَ السفر، ويسافر بمَن شاء منهنَّ، والأَوْلى أن يُقرِع بينهن، فيسافرَ بمَن خرجت قرعتُها). (١) مغني المحتاج ٢٥٦/٣. ٣٧٠ کتاب النكاح - فإن سافر بإحداهن، ثم عاد من سفره، فطلب الباقياتُ أن يقيم عندهنَّ مثل سفره: لم یکن لهن ذلك. - ولم يُحسَب عليه بأيام سفره في التي كانت معه، ولكن يَستقبل العدلَ بینهن. - وقد قالوا: إن الرجل إذا امتنع من القَسْم: يُضرَب؛ لأنه لا يُستدرَك الحقُّ فيه بالحبس؛ لأنه يفوتُ بمضيِّ الزمان. - ولو كان له امرأةٌ واحدةٌ، فطالبته أن يبيت معها وهو يشتغل عنها بالصلاة والصوم، فرفعته إلى القاضي: فإنه يؤمر أن يبيت معها، ويُفطِرُ لها، وليس في ذلك حدٌّ، ولا توقيت. - وفي ((الخُجندي)): كان أبو حنيفة أوَّلاً يقول: يَجعل لها يوماً وليلة، وثلاثة أيام ولياليها يتفرَّغ للعبادة؛ لأنه يقدر أن يتزوج عليها ثلاثاً أُخر، فيكون لها من القَسْم يومٌ وليلة من الأربع. وبهذا حكَمَ كعبُ بن سَوْر، واستحسنه عمرُ رضي الله عنه، فإنه ((روي أن امرأةً أتتْ إلى عمر رضي الله عنه، فقالت: إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليلَ؟ فقال عمر: نِعمَ الزوجُ زوجك، فأعادت عليه كلامَها مراراً. فقال لها: ما أحسن ثناءك على زوجك. فقال كعب بن سور: إنها تشكوه. ٣٧١ کتاب النكاح وإِذا رَضِيَتْ إحدى الزوجات بتَرْك قِسْمِها لصاحبتها : جاز. ولها أن تَرْجع في ذلك. قال: وكيف ذلك؟ قال: إنها تشكو إذا صام بالنهار، وقام بالليل: هَجَرَ صحبتَها، ولم يتفرَّغ لها. فعجب عمر من ذلك، وقال: اقض بينهما یا کعب. فحَكَمَ كعبٌ لها بليلةٍ، ولزوجها بثلاث. فاستحسنه عمرُ، وولاَه قضاءَ البصرة))(١). كذا في ((النهاية)). إلا أن أبا حنيفة رجع عن هذا، وقال: ليس هذا بشيءٍ؛ لأنه لو تزوج أربعاً، فطلَبْنَه بالواجب: يكون لكل واحدة ليلةً من الأربع، فلو جعلنا هذا حقّاً لكل واحدة: لكان لا يتفرغ لأفعاله. فلم يؤقُّت في هذا وقتاً، وإنما يَجعل لها ليلةً من الأيام بقدر ما يُحسن من ذلك. - وإن كانت المرأة أمةً: فعلى قول أبي حنيفة الأول، وهو قول الطحاوي، يجعل لها ليلةً من كل سبع ليال؛ لأن له أن يتزوج ثلاثَ حرائر، فيكون لها ليلةٌ من سبع ليال. * قوله: (وإذا رضيتْ إحدى الزوجات بترك قَسْمها لصاحبتها: جاز، ولها أن ترجع في ذلك). (١) مصنف عبد الرزاق (١٢٥٦٨، ١٢٥٨٨). ٣٧٢ کتاب النكاح لأنها أسقطتْ حقاً لم يجب، فلا يسقط، ولأنه تبرُّعٌ، والإنسان لا يُجبر على التبرع. - ولو أن واحدةً منهن بذلت مالاً للزوج ليجعل لها من القَسْم أكثر، أو بَذَلَ لها الزوج مالاً لتجعل يومَها لصاحبتها، أو بذلت هي المالَ لصاحبتها لتجعل يومَها لها: فذلك كلُّه لا يجوز، ويُرَدُّ المال إلى صاحبه؛ لأنه رِشوةٌ، والرِّشوة حرامٌ. - وليس للرجل أن يَعزل ماءَه عن زوجته الحرة إلا بإذنها. - فإن كانت أمةً: فالإذن إلى مولاها عندهما، وقال أبو يوسف: إلى الأمة. - وإن أراد أن يعزل عن أمته: كان له ذلك بغير رضاها، والله أعلم. ٣٧٣ كتاب الرضاع كتاب الرضَاع قليلُ الرضاع وكثيرُه سواءً، إذا حَصَل في مدة الرضاع: تعلَّق به التحریمُ. کتاب الرضاع هو في اللغة: المَصُّ. وفي الشرع: عبارةٌ عن إرتضاعٍ مخصوصٍ يتعلَّق به التحريم. - فقولنا: مخصوص: أي أن تكون المرضعةُ آدميةً، والراضعُ في مدة الرضاع. وسواءٌ وَصَلَ اللبنُ إلى جوف الطفل من ثديٍ، أو مُسْعُطٍ، أو غيرِهِ. فإن حُقِن به: لم يتعلق به تحريمٌ، في المشهور. - وإن أقطر في أُذُنَّيْه، أو في إحليله، أو في جائفةٍ، أو آمَّةٍ: لم يُحرِّم. * قال رحمه الله: (قليلُ الرضاع وكثيرُه إذا حصل في مدة الرضاع: تعلَّق به التحريمُ). يعني بعد أن يُعلَم أنه وصل إلى الجوف. قال في (الينابيع)): القليلُ مفسَّرٌ بما يُعلَم أنه وصل إلى الجوف. ٣٧٤ کتاب الرضاع ومدةُ الرضاع عند أبي حنيفة ثلاثون شهراً، وقالا : سنتان. فإذا مضت مدةُ الرضاع : لم يتعلَّق بالرضاع تحریمٌ. * قوله: (ومدةُ الرضاع عند أبي حنيفة: ثلاثون شهراً، وقال أبو یوسف ومحمد: سنتان). وقال زفر: ثلاث سنين. وفي ((الذخيرة)): مدتُه ثلاثة أوقات: أدنى ووسط وأقصىُ، فالأدنى: حولٌ ونصفٌ، والوسط: حولان، والأقصى: حولان ونصف، حتى لو نَقَصَ عن الحولين لا يكون شططاً، وإن زاد على الحولين لا يكون تعدياً. - فإن كانت له أمةٌ، فولدت: فله إجبارُها على إرضاع الولد؛ لأن لبنَها ومنافعَها مملوکةٌ له. وله أن يأمرها بفِطامه قبل الحولين إذا لم يَضرَّه الفِطام. - بخلاف الزوجة الحرة، فإنه لا يُجبرُها على الإرضاع، فإن رضيت به: فليس له أن يأمرها بفِطامه قبل الحولين؛ لأن لها حقَّ التربية إلى تمام مدة الرضاع، إلا أن تختار هي ذلك. * قوله: (فإذا مضت مدةُ الرضاع: لم يتعلَّق بالرضاع تحريمٌ). قال عليه الصلاة والسلام: ((لا رضاعَ بعد الفِصال))(١). (١) مصنف عبد الرزاق (١١٤٥٠)، سنن البيهقي ٤٦١/٧، وفيه ضعف، ينظر الدراية ٦٨/٢. ٣٧٥ كتاب الرضاع ويَحْرُمُ من الرضاع ما يَحْرُم من النَّسب، إلا أمَّ أخته من الرضاع، فإنه يجوز أن يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج أمَّ أخته من النسب. - واختلف أصحابُنا فيمن فَصَلَ في مدة الرضاع، واستغنى عن الرضاع في المدة على قولِ كلِّ واحدٍ منهم: فروى محمدٌ عن أبي حنيفة: أن ما كان من رضاعٍ في الثلاثين شهراً، قبل الفطام، أو بعده: فهو رضاعٌ يُحرِّم، وعليه الفتوى. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا فُطِم في السنتين حتى استغنى بالطعام، فارتضع بعد ذلك في السنتين أو الثلاثين شهراً: لم يكن رضاعاً؛ لأنه لا رضاعَ بعد الفطام. - وإن هي فطمته، فأكل أكلاً ضعيفاً لا يستغني به عن الرضاع، ثم عاد فارتضع، فهو رضاعٌ يُحرِّم. وأما محمد: فكان لا يَعتدُّ بالفِطام قبل الحولين. * قوله: (ويَحْرُم من الرضاع ما يَحرم من النسب، إلا أمَّ أخيه من الرضاع: فإنه يجوز له أن يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج أمَّ أخيه من النسب). لأنها تكون أمَّه، أو موطوءةَ أبيه، بخلاف الرضاع. - ولا يجوز أن يتزوج امرأةً أبيه من الرضاع. - ولو تزوج امرأةً، فطلقها قبل أن يدخل بها: لم يحلّ له أن يتزوجٍ. أمَّها من الرضاعة؛ لأن العقد على المرأة يُحرِّم أمَّها من النسب، فكذا من الرضاع. ٣٧٦ كتاب الرضاع وأختُ ابنِه من الرضاع يجوز أن يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج أختَ ابنه من النسب. وامرأةُ أبيه من الرضاع، وامرأةُ ابنه من الرضاع لا يجوز أن يتزوجهما، كما لا يجوز ذلك من النسب. ولبنُ الفَحْلِ يتعلَّقُ به التحريمُ، وهو: أن تُرضِعَ المرأةُ صبيةً، فَتَحْرُمُ هذه الصبيةُ على زوجها، وعلى آبائه، وأبنائه، ويصيرُ الزوجُ الذي نَزَلَ لها منه اللبن أباً للمرضَعَة. - ولا يحل له تزويج بنتِ امرأتِه من الرضاع إن دخل بها؛ لأن تحريم الربيبة من النسب يتعلق بوطء الأم، فكذا الربيبة من الرضاع. * قوله: (ويجوز أن يتزوج أختَ ابنه من الرضاع، ولا يجوز من النسب). لأنه لما وطئ أمَّها: حرمت عليه، ولا يوجد هذا المعنى في الرضاع. * قوله: (وامرأةُ أبيه من الرضاع، وامرأةُ ابنِه من الرضاع لا يجوز أن يتزوَّجهما، كما لا يجوز ذلك من النسب). وذِكْر الأصلاب في النص؛ لإسقاط اعتبار التبنِّي. * قوله: (ولبنُ الفحل يتعلَّق به التحريمُ، وهو: أن تُوضع المرأةُ صَبِيَّةً: فَتَحرُم هذه الصبيةُ على زوجها، وعلى آبائه، وأبنائه، ويصير الزوج الذي نَزَلَ لها منه اللبن أباً للمرضَعَة). ٣٧٧ کتاب الرضاع . - وإنما يتعلق التحريم بلبن الفحل إذا ولدت المرأة منه، أما إذا لم تلد منه، ونزل لها لبنٌّ: فإن التحريم يختصُّ بها، دونه، حتى لا تحرمُ هذه الصبية على ولد هذا الرجل من امرأة أخرى. - وقوله: فتحرم هذه الصبية على زوجها: وقع اتفاقاً، وخرج مخرج الغالب، وإلا: فلا فرق بين زوجها وغيره، حتى لو زنى رجلٌ بامرأة، فولدت منه، وأرضعت صبيةً بلبنه: تحرم عليه هذه الصبية، وعلى أصوله وفروعه. وذكر الخُجَنديُّ خلافَ هذا، فقال: المرأة إذا ولدت من الزنا، فنزل لها لبنٌ، أو نزل لها لبنٌ من غير ولادة، فأرضعت به صبياً: فإن الرضاع يكون منها خاصةً، لا من الزاني، وكلّ مَن لم يثبت منه النسب: لا يثبت منه الرضاع. - وإن وطىء امرأةً بشبهة، فحبلت منه، فأرضعت صبياً: فهو ابن الواطئء من الرضاع. - وعلى هذا: كلّ مَن يثبت نسبه من الواطئ: يثبت منه الرضاع، ومَن لا یثبت نسبه، لا یثبت منه الرضاع. - وعلى المرأة أن لا تُرضع كلَّ صبيٍّ من غير ضرورة، فإن أرضعت: فلتَحْفَظْ، ولتكتبْ؛ احتياطاً حتى لا يُنسى بطول الزمان. ٣٧٨ کتاب الرضاع ويجوز أن يتزوج الرجلُ بأخت أخيه من الرضاع، كما يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النسب، وذلك مثل الأخ من الأب، إذا كان له أختٌ من أمه : جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها . وكلُّ صبيَّيْن اجتمعا على ثديٍ واحدٍ : لم يجز لأحدهما أن يتزوج بالآخر . ـ ومَن طلَّق زوجته، ولها لبنٌ منه، وانقضتْ عدتُها، وتزوجت بآخر، ثم أرضعتْ صبياً عند الثاني: إن كان قبل أن تحبل من الثاني: فالرضاع يكون من الأول، إجماعاً. - وإن كان بعد ما حبلت من الثاني قبل أن تلد: فالرضاع من الأول إلى أن تلد عند أبي حنيفة، فإذا ولدت: فالتحريمُ للثاني، دون الأول. وقال أبو يوسف: تُعتبر الغلبةُ، فإن كانا سواء: فهو منهما، وإن عُلم أن هذا اللبن من الثاني: كان منه، وإلا: فهو من الأول. وقال محمد: هو منهما جميعاً إلى أن تلد، فإذا ولدت: فالتحريم للثاني. * قوله: (ويجوز أن يتزوَّج أختَ أخيه من الرضاع، كما يجوز من النسب، وذلك مثل الأخ من الأب إذا كان له أختٌّ من أمه: جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها)؛ لأنه ليس بينهما ما يوجب تحريماً. * قوله: (وكل صبيين اجتمعا على ثديٍ واحد، في مدة الرضاع: لم يجز لأحدهما أن يتزوج بالآخر). ٣٧٩ کتاب الرضاع - المراد اجتماعُهما على الإرضاع، طالتِ المدةُ أو قَصُرت، تقدَّمَ رضاع أحدهما على الآخر، أم لا؛ لأن أمَّهما واحدةٌ، فهما أخٌ وأختٌ. وليس المراد اجتماعهما معاً في حالة واحدة، وإنما يريد إذا كان رضاعهما من ثديٍ واحد. فعلى هذا: لو تزوج صغيرةً، فأرضعتها أمُّه: حرمت عليه؛ لأنها تصير أختَه. - ولو تزوج صغيرتين، فجاءت امرأةٌ فأرضعتهما معاً، أو واحدةً بعد أخرى: صارتا أختين، وحرمتا عليه، ولكل واحدة منهما نصف المهر؛ لأن الفُرقة حصلت قبل الدخول بغير فعلهما. - فإن كانت المرضعة تعمّدت الفسادَ: رجع عليها بما غَرِمَ من المهر. وإن لم تتعمد: لم يرجع عليها بشيء. وعند الشافعي(١): تضمن في الوجهين. - فإن كنَّ ثلاث صبايا، فأرضعتهنَّ واحدةً بعد واحدة: بانت الأُوليان، وكانت الثالثة امرأتَه؛ لأنها لمَّا أرضعت الثانيةَ: صار جامعاً بين أختين، فوقعت الفُرقةُ بينه وبينهما، ثم لمَّ أرضعت الثالثةَ: صارت أختاً لهما، وهما أجنبيتان، والتحريمُ يتعلق بالجمع. (١) مغني المحتاج ٤٢٣/٣. ٣٨٠ كتاب الرضاع ولا يجوز أن تتزوج المرضَعَةُ أحداً من ولد التي أرضَعَتْها، ولا ولدَ ولدها . ولا يتزوج الصبيُّ المرضَعُ أختَ زوج المرضِعة، لأنها عمَّتُه من الرضاع. وإذا اختلط اللبنُ بالماء، واللبنُ هو الغالبُ: تعلَّق به التحريمُ. وإن غلب الماءُ : لم يتعلق به التحريمُ. - وإن أرضعت الأولى، ثم الثنتين معاً: بِنَّ جميعاً؛ لأن إرضاع الأُولى لم يتعلق به تحريمٌ، فلما أرضعت الأُخرتين معاً: صِرْنَ أخوات في حالة واحدة، فیفسد نکاحهن. - وإن كنَّ أربع صبايا، فأرضعتهنَّ واحدةً بعد أخرى: بِنَّ جميعاً؛ لأنها لما أرضعت الثانيةَ: صارت أختاً للأولىُ: فبانتا، فلما أرضعت الرابعةَ: صارت أختاً للثالثة: فبانتا جميعاً. : قوله: (ولا يجوز أن يتزوج المُرضَعَةَ أحدٌ من ولد التي أرضعتها)؛ لأنه أخوها، (ولا ولدَ ولدِها)؛ لأنه ولدُ أخيها. * قوله: (ولا يتزوجُ الصبيُّ المرضَعُ بأخت زوجِ المرضِعَة؛ لأنها عمَّتُه من الرضاعة). قال عليه الصلاة والسلام: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(١). * قوله: (وإذا اختلط اللبنُ بالماء، واللبنُ هو الغالب: تعلَّق به التحريم، وإن غلب الماء: لم يتعلق به التحريمُ). (١) تقدم ص٢٧٣.