النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
کتاب المأذون
فإن مات المولى، أو جُنَّ، أو لَحِقٍ بدار الحرب مرتدَّاً: صار المأذونُ
محجوراً عليه.
وإذا أَبَقَ العبدُ المأذونُ: صار محجوراً عليه.
وإذا حُجِرٍ عليه : فإقراره جائزٌ فيما في يده من المال عند أبي حنيفة، .
قوله: (فإن مات المولىُ، أو جُنَّ، أو لَحِقَ بدار الحرب مرتدّاً:
صار المأذونُ محجوراً عليه)؛ لأن بالموت يسقط الإذن.
- وكذا بالجنون إذا كان مُطبقاً، أما إذا كان غيرَ مُطبق: فالإذنُ على
حاله.
- وأما اللَّحاق: إن حُكِم به: فهو كالموت، وإن لم يُحكم به حتى
رجع مسلماً: فتصرُّفه جائزٌ.
- وإن جُنَّ العبدُ جنوناً مُطبقاً: صار محجوراً.
- فإن أفاق بعد ذلك: لا يعودُ إذنه.
- وإن جُنَّ جنوناً غيرَ مطبق: لا ينحجر.
- وإن ارتدَّ المأذون، ولَحِقَ بدار الحرب: صار محجوراً عند الارتداد
في قول أبي حنيفة، وعندهما: باللَّحاق.
* قوله: (فإن أَبَقَ العبدُ المأذونُ: صار محجوراً عليه).
- فإن عاد من الإباق: لم يَعُدِ الإذن، على الصحيح. كذا في ((الذخيرة)).
* قوله: (وإذا حُجِر عليه: فإقرارُه جائزٌ فيما في يده من المال عند أبي
حنيفة).

٢٤٢
كتاب المأذون
وقالا : لا يصح إقرارُه.
وإذا لزمَتْه ديونٌ تحيطُ بماله ورقبتِهِ : لم يَملِكِ المولى ما في يده.
فإن أَعْتَقَ عبيدَه: لم يَعتِقوا عند أبي حنيفة، وقالا: يَملِكُ المولىُ ما
في يده.
وإذا باع العبدُ المأذونُ من المولى شيئاً بمثل قيمته : جاز.
معناه: أن يُقِرَّ بما في يده أنه وديعةٌ عندي لفلانٍ، أو غصبتُه منه، أو
يقرَّ بدينٍ عليه، فيقول: عليَّ ألفُ درهم: فعند أبي حنيفة: يصح إقرارُه
بالدين والوديعة، فيُقضى مما في يده.
(وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يصح إقرارُه).
- وفي ((شرحه)): إذا كان عليه دينٌ يُحيط بما في يده: لم يجز إقرارُه،
إجماعاً؛ لأن حقَّ الغرماء قد تعلَّق بالمال الذي في يده عند الحَجْر.
* قوله: (وإذا لزمتْه ديونٌ تُحيط بماله ورقبته: لم يَملك المولىُ ما في
يده، وإن أعتق عبيدَه: لم يَعتقوا عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يملكُ ما في يده)، ويَعْتِقُ مَن أعتقه، وعليه
قیمتُه.
- وإن لم يكن الدينُ محيطاً بماله: جاز عتقُه، إجماعاً.
* قوله: (وإذا باع العبدُ المأذونُ من المولى شيئاً بمثل قيمته، أو أكثر:
جاز).

٢٤٣
کتاب المأذون
فإن باعه بنقصانٍ : لم يجز.
وإن باعه المولى شيئاً بمثل القيمة، أو أقلّ : جاز البيع.
فإن سلَّمه إليه قبل قبض الثمن : بطل الثمنُ.
- هذا إذا كان على العبد دينٌ؛ لأنه كالأجنبي عن كَسْبه إذا كان عليه
دینٌ.
- وإن لم يكن عليه دينٌ: فلا بيعَ بينهما؛ لأن العبد وما في يده للمولى.
* قوله: (وإن باعه بنقصانٍ: لم يجز)؛ لأنه مثَّهمٌ في حقه، وهذا عند
أبي حنيفة.
وعندهما: إذا باعه بنقصان: يجوز، ويخيَّر المولىُ: إن شاء أزال
المحاباةَ، وإن شاء فسخ.
- وهذا بخلاف ما إذا حابى الأجنبيَّ إذا كان عليه دينٌ عند أبي حنيفة؛
لأنه لا تهمة.
- وبخلاف ما إذا باع المريضُ من الوارث بمثل قيمته، حيث لا يجوز
عنده؛ لأن حقَّ بقية الورثة تعلَّق بعينه، أما حقُّ الغرماء: تعلَّق بالمالية، لا
غير.
: قوله: (وإن باعه المولى شيئاً بمثل القيمة أو أقلَّ: جاز البيع)؛ لأنه
لا یلحقُه بذلك تهمة.
* قوله: (فإن سلَّمه إليه قبل قبض الثمن: بطل الثمن)؛ لأنه إذا سلّم
المبيعَ قبل قبض الثمن: حصل الثمنُ ديناً للمولى على عبده، والمولى لا

٢٤٤
كتاب المأذون
وإن أمسكه في يده حتى يستوفي الثمنَ : جاز.
وإن أعتق المولى العبدَ المأذونَ، وعليه ديونٌ: فعِتْقُه جائزٌ، والمولى
ضامنٌ لقيمته للغرماء، وما بقيَ من الديون يطالَبُ به المعتَقُ.
يثبت له على عبده دينٌ، وإذا بطل الثمن: صار كأنه باع عليه بغير ثمن،
فلا يجوز البيع.
ـ ومرادُه ببطلان الثمن: بطلانُ تسليمِهِ، والمطالبةِ به، وللمولىُ
استرجاعُ المبيع.
- وإن باعه بأكثر من قيمته: يؤمر بإزالة المحاباة، أو نقضِ البيع.
* قوله: (وإن أمسكه في يده حتى يستوفيَ الثمنَ: جاز)؛ لأن البائع له
حقٌّ في المبيع.
قوله: (وإذا أعتق المولى العبدَ المأذونَ له وعليه ديونٌ: فعِتْقُه
جائزٌ)؛ لأن ملكه فيه باقٍ، (والمولى ضامنٌ لقيمته للغرماء)؛ لأنه أتلف ما
ءُ
تعلق به حقّهم، وهي رقبته، فكان عليه ضمانُها، ولأنه لم يتلف أكثرَ من
القيمة، فلا يلزمُه غير ذلك.
وإن كانت قیمتُه أكثر من الدین: ضمن قَدْرَ الدین، لا غير.
- وبهذا تبيَّن أن قوله: والمولىُ ضامنٌ لقيمته: محمولٌ على ما إذا
كانت القيمةُ مثلَ الدين، أو أقل.
- وقوله: ضامنٌ لقيمته: سواء في ذلك عَلِمَ بالدين أو لم يعلم؛ لأنه
ضمانُ استهلاك، فاستوی فیه العلمُ والجهل.
* قوله: (وما بقيَ من الدين: يطالب به المعتَقُ بعد العتق)؛ لأن الدين

٢٤٥
كتاب المأذون
وإذا وَلَدَت المأذونةُ من مولاها: فذلك حَجْرٌ عليها.
متعلُّقٌ بذمته ورقبته، وقد ضمن المولى ما أتلف عليهم من رقبته، وبقي
فاضلُ دینھم في ذمته.
- وهذا بخلاف ما إذا أعتق المدبَّرَ، وأمَّ الولد المأذون لهما، وقد
لزمتهما ديونٌ: فإنه لا يضمن المولىُ شيئاً؛ لأن حقَّ الغرماء لم يتعلق
برقبتهما استيفاءً بالبيع، فلم يكن متلِفاً حقَّهم، فلم يضمن شيئاً.
* قوله: (وإذا ولدت الأمةُ المأذونةُ من مولاها: فذلك حَجْرٌ عليها).
خلافاً لزفر، فهو يَعتبر البقاءَ بالابتداء، ونحن نقول: الظاهر أنه
يخصُّها بعد الولادة، فيكون دلالةً على الحَجر، بخلاف الابتداء؛ لأن
الصريح قاضٍ على الدلالة، ويضمن قيمتَها إن ركِبَتْها ديونٌ؛ لإتلافه محلاً
تعلّق به حقُّ الغرماء، إذ به يمتنع البيع.
- وإن ولدت من غير مولاها: لا تنحجرُ.
- ثم يُنظر: إن انفصل الولدُ منها وليس عليها دينٌ: فالولد للمولىُ،
حتى لو لَحِقَها دينٌ بعد ذلك: فلا حقَّ للغرماء فيه.
وإن ولدت بعد ثبوت الدين: فإنه يُباع في دين الغرماء الذين ثبت
حقّهم قبل الولادة، دون الذين ثبت حقّهم بعد الولادة.
- وهذا بخلاف ولد الجانية، فإنه لا يَتبع أمَّه وإن انفصل بعد الجناية،
ويكون للمولىُ، ويُخاطَب المولى في الأمة بين الدفع أو الفداء.

٢٤٦
كتاب المأذون
وإذا أذن وليّ الصبيِّ للصبيِّ في التجارة: فهو في الشراء والبيع،
ءُ
كالعبد المأذون إذا كان يعقلُ البيعَ والشراء.
والفرق: أن في الأُولىُ: الدينُ ثابتٌ في رقبتها، فيسري إلى ولدها،
وأما الجانية: لم يثبت في رقبتها، وإنما يُطالَب المولى بالدفع أو الفداء.
والولد المولود قبل الدين: لا يدخل في الدين، بخلاف الكسب
والهبة والصدقة، إذا كان قبل لحوق الدين، إذا لم يأخذه المولى حتى
لَحِقَ الدين: فإن ذلك يكون للغرماء.
والفرق: أن الكسب في يدها، بدلالة أنه يجوز تصرفها فيه قبل أن
يأخذه المولى، وأما الولد: فليس هو في يدها؛ لأنه لا يجوز تصرفها فيه،
فصار کالکسب المأخوذ منها.
ءِ
* قوله: (وإذا أذن وليّ الصبيِّ للصبيِّ في التجارة: فهو في الشراء
والبيع، كالعبد المأذون إذا كان يَعقلُ البيعَ والشراءَ)، حتى ينفذُ تصرُّفُه.
- وذِكْرُ الولي: ينتظم الأبَ والجدَّ عند عدمه، والوصيَّ والقاضي.
- ومِن شَرْطه: أن يكون يَعقلُ كونَ البيع سالباً للملك، جالباً للربح.
- والتشبيهُ بالعبد المأذون: يفيد أن ما ثبت في العبد من الأحكام: ثبت
في الصبي، فيصير مأذوناً بالسكوت، كما في العبد، ويصح إقراره بما في
يده من كسبه، ولا يملك تزويجَ عبده ولا كتابته، كما في العبد.
* مسائل :
- قال الخُجَندي: إذا قال لعبده: إذا أديتَ إليّ ألفَ درهم فأنتَ حرٌّ:

٢٤٧
کتاب المأذون
كان بهذا القول مأذوناً له في التجارة؛ لأنه لا يملك أداءَ الألف إلا
بالاكتساب، فصار مأذوناً دلالةً، ويعتقُ بالأداء، ولا يَعتقُ بالقبول.
- وكذا إذا قال: متى أديتَ إليَّ، أو: متى ما أديتَ إليّ، أو: حين
أديت إلي، أو: إذا ما أديت إلي: فهذا كله لا يقتصر على المجلس.
- وكذا إذا قال: أدِّ إلي ألفاً وأنتَ حرٌّ: فإنه لا يعتق حتى يؤدي؛ لأنه
عِثْقٌ معلَّقٌ بشرط.
- وإن قال: أَدِّ إليَّ ألفاً فأنتَ حرٌّ: قال في ((الكرخي)): يعتق في الحال.
وقيل: لا يعتق إلا بالأداء.
- وإن قال: أدِّ إلي ألفاً أنتَ حرٌّ: عَتَقَ في الحال، أدى أو لم يؤدِّ.
- وإن قال: أنتَ حرٌّ وعليك ألفٌ: يَعتق، ولا يلزمه شيءٌ عند أبي
حنيفة، وعندهما: ما لم يقبل: لا يَعتق، فإذا قَبِلَ : عَتَقَ، ولزمه المال.
- وأما إذا قال: إن أديتَ إليَّ ألفاً فأنتَ حرٌّ: فهذا يقتصر على
المجلس، فإن أدى في المجلس: يعتق، وإن لم يقبل المولى الألفَ: يُجبر
على القبول.
- ومتى خلَّىُ بينَه وبين المال: عَتَقَ، سواء أَخَذَ المالَ أو لم يأخذه،
والله أعلم.

٢٤٨
كتاب المُزارعة
كتاب المزارعة
قال أبو حنيفة : المزارعةُ بالثلث والرُبُّع باطلةٌ،
كتاب المُزارعة
المُزارَعة في اللغة: مفاعلةٌ من الزرع.
وفي الشرع: عبارةٌ عن العقد علىُ الزرع ببعض الخارج.
وتُسمى أيضاً: مخابرة؛ لأن المُزَارِع خبيرٌ.
وقيل: مشتقةٌ من عَقْد النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر (١).
* قال رحمه الله تعالى: (قال أبو حنيفة: المزارعةُ بالثلث والرُّبٌع
باطلةٌ).
- إنما ذَكَرَ الثلثَ والربعَ تبرُكاً بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم حين
((نهى عن المخابرة، فقال له زيدُ بن ثابت: وما المخابرةُ يا رسول الله؟
قال: أن تأخذ أرضاً بثلثٍ أو ربع))(٢).
وإلا فالزيادة والنقصان في ذلك: سواء.
(١) صحيح البخاري (٢٣٢٨)، صحيح مسلم (١٥٥١).
(٢) صحيح البخاري (٢٣٨١)، صحيح مسلم (١٥٣٦).

٢٤٩
كتاب المُزارعة
وقال أبو يوسف ومحمد : جائزةٌ.
وقيل: إنما قيَّد بالثلث والربع؛ باعتبار عادة الناس في ذلك، فإنهم
يتزارعون هکذا.
- وقوله: باطلةٌ: أي فاسدة، وإذا كانت فاسدةً عند أبي حنيفة: فإن
سقىُ الأرضَ، وكَرَبَها، ولم يَخرجْ شيء: فله أجرُ مثله؛ لأنه في معنى
إجارة فاسدة.
- وهذا إذا كان البَذْر من قِبَل صاحب الأرض، فإن كان من قِبَله:
فعليه أجرُ مثل الأرض، والخارجُ لصاحب البَذْر؛ لأنه نماءُ ملْكه.
والدليل على أنها فاسدة: أنه استئجارٌ ببعض الخارج، فيكون في
معنى قَفِيز الطحان.
ولأن الأجر معدومٌ أو مجهولٌ، كما إذا استأجره أن يرعى غنمه
ببعض الخارج منه.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: هي جائزة)، وعليه الفتوى؛
لحاجة الناس إليها ؛ لأن صاحب الأرض قد لا يجد أجرةً يستعمل بها،
وما دعت الضرورة إلیه: فهو جائزٌ.
- ومن حجة أبي حنيفة: أن النبي عليه الصلاة والسلام: ((نهى عن
المحاقلة والمزابنة))(١).
(١) صحيح البخاري (٢٣٨١)، صحيح مسلم ١١٧٥/٣ (١٥٣٦).

٢٥٠
كتاب المُزارعة
وهي عندهما على أربعة أوجهٍ :
إذا كانت الأرضُ والبَذْرُ لواحدٍ، والعملُ والبقرُ من آخر : جازت
المزارعةُ.
وإذا كانت الأرضُ لواحدٍ، والعملُ والبقرُ والبَذْرُ لآخَرَ : جازت
المزارعةُ.
فالمحاقلة: مفاعلةٌ من الحَقْل، وهو الزرع، فيحتمل أنه بيع الزرع
بالزرع، ويحتمل أنه المزارعة.
وأما المزابنة: فهو بيع الرطب على رؤوس النخل، بخَرْصه تمراً.
* قوله: (وهي عندهما على أربعة أوجه:
إذا كانت الأرضُ والبَذْرُ لواحدٍ، والعملُ والبقرُ لواحدٍ آخر: جازت
المزارعةُ)؛ لأنه استئجارٌ للعامل ببعض الخارج، وهو أصل المزارعة.
- ولا يقال: هلاَّ بطلت؛ لدخول البقرِ معه في العمل.
فنقول: البقر غير مستأجرة، وإنما هي تابعةٌ لعمل العامل؛ لأنها آلة
العمل، كما إذا استأجر خياطاً ليخيط له بإبرة الخياط: فإن ذلك جائزٌ.
ولأن مَن استأجر خياطاً: كانت الإبرةُ تابعةً لعمله، وليس في مقابلتها
أجرة، كذلك هذا.
* قوله: (وإن كانت الأرضُ لواحدٍ، والعملُ والبقرُ والبَذْرُ لواحدٍ
آخر: جازت أيضاً)، وهذا الوجه الثاني.
ووجهُه: أن العامل مستأجِرٌ للأرض ببعضٍ معلوم من الخارج،

٢٥١
كتاب المُزارعة
وإذا كانت الأرضُ والبقرُ والبَذْرُ لواحدٍ، والعملُ لَآخَرَ : جازت.
وإذا كانت الأرضُ والبقرُ لواحدٍ، والبَذْرُ والعملُ لآخرَ : فهي باطلةٌ.
ولا تصحُّ المزارعةُ إلا على مدة معلومةٍ .
فيجوز، كما إذا استأجر بدراهمَ معلومة.
* قوله: (وإن كانت الأرضُ والبَذْر والبقرُ لواحدٍ، والعملُ من آخر:
جازت أيضاً)، وهذا الوجه الثالث.
ووجهه: أنه إذا استأجره للعمل بآلة المستأجر، فصار كما إذا استأجر
خياطاً ليخيط ثوبه بإبرته.
قوله: (وإن كانت الأرضُ والبقرُ لواحدٍ، والبَذْرُ والعملُ لآخر:
فهي باطلةٌ)، وهذا الوجه الرابع.
وهو باطلٌ في ظاهر الرواية؛ لأن البقر ها هنا مستأجرةٌ ببعض الخارج،
لأنها لا تصير تابعةً للعمل؛ لأنها لم تُشترط على العامل، واستئجار البقر
ببعض الخارج: لا يجوز.
* قوله: (ولا تصح المزارعةُ إلا على مدة معلومةٍ)؛ لأن جهالتها
تؤدي إلى الاختلاف، فربما يدعي أحدُهما مدةً تزيد على مدة الآخر.
قال في ((الينابيع)): هذا عند علمائنا بالكوفة، فإن مدة الزرع عندهم
متفاوتةٌ، فابتداؤها وانتهاؤها مجهولٌ، أما في بلادنا (١): فوقت الزراعة
معلومٌ، فيجوز.
(١) أي بلاد الروم، حيث إن صاحب ((الينابيع شرح مختصر القدوري)) هو
محمد بن رمضان الرومي، كما في تاج التراجم ص ٢٦٠.

٢٥٢
كتاب المُزارعة
وأن يكون الخارجُ مشاعاً بينهما، فإن شَرَطا لأحدهما تُفْزاناً مسمَّاً :
فهي باطلةٌ .
وكذلك إن شَرَطا ما على الماذُيَانات والسواقي.
قال أبو الليث: وبه نأخذ.
* قوله: (وأن يكون الخارجُ بينهما مشاعاً)؛ تحقيقاً للمشاركة.
* قوله: (فإن شَرَطًا لأحدهما قُفْزاناً مسمَّةً: فهي باطلةٌ)؛ لأن به
تنقطع الشركةُ؛ لجواز أن لا تُخرج الأرضُ إلا ذلك القدر، فيستحقه
أحدهما، دون الآخر.
ــ وكذا إذا شَرَطَ صاحبُ البَذْر أن يرفع بقدر بَذْره، ويكون الباقي
بينهما: فهو فاسدٌ؛ لأنه يؤدي إلى قطع الشركة في بعضٍ معيِّنٍ، أو في
جميعه، بأن لا يَخرج إلا قدرُ البَذْر.
* قوله: (وكذلك إذا شَرَطَا ما علىُ المَاذْيَانات، والسَّواقي).
يعني شرطاه لأحدهما: فهو فاسدٌ.
- والمَاذْيانات: اسمٌ عجميٌّ، وهي التي تكون أصغر من النهر،
وأعظم من الجدول، وهو المشرب الصغير الذي يسقي بعضَ الأرض.
والسواقي: جمعُ: ساقية، وكأنها التي يَسقي بها كلَّ الأرض، وهي
فوق الجدول.

و
كتاب المزارعة
٢٥٣
وقيل: الماذيانات: العتوم(١)، وهي لغةٌ فارسيةٌ.
- وكذا إذا شَرَطَ لأحدهما زرعَ موضعٍ معيَّنٍ، أو ما يخرج من ناحية
معينةٍ: لا يجوز؛ لأنه يُفضي إلى قطع الشركة؛ لجواز أنه لا يخرج إلا من
ذلك الموضع.
- وكذا إذا شرط لأحدهما التّبْنَ، وللآخر الحَبَّ: فهو فاسدٌ؛ لأنه قد
تصيبُه آفةٌ، فلا ينعقد الحَبُّ، ولا يَخرج إلا التِّنُ.
- وكذا إذا شرط التبنَ نصفين، والحَبَّ لأحدهما؛ لأنه يؤدي إلى قطع
الشركة فيما هو المقصود، وهو الحَبُّ.
- وإن شَرَطا الحَبَّ نصفين، ولم يتعرَّضا للتبن: صحت المزارعة؛
لاشتراطهما الشركة فيما هو المقصود، ثم التبن يكون لصاحب البَذْر؛ لأنه
نماءُ بذره.
وقال مشايخ بَلْخ: التبن بينهما أيضاً؛ اعتباراً للعُرف فيما لم يَنصَّ عليه
المتعاقدان، ولأنه تَبَعُ للحَبِّ، والتبع يقوم بشرط الأصل.
- ولو شرطا الحبَّ نصفين، والتبنَ لصاحب البَذْر: صحت؛ لأنه
حکم العقد.
(١) وفي نسخ الغيوم، وفي نسخ: العيون، وقد سألتُ أكثر من أستاذٍ عالمٍ ممن
يُتقن الفارسية عن الماذيانات والعتوم: فلم يعرفوا هذه الكلمة بالفارسية، فلعل هناك
خطأ في النُّسَخ، والله أعلم.

٢٥٤
كتاب المُزارعة
وإذا صحَّت المزارعةُ : فالخارجُ بينهما على الشرط.
فإن لم تُخرِجِ الأرضُ شيئاً : فلا شيءَ للعامل.
وقد قالوا: إن الشرط إنما يُعتبر في حق مَن ليس من قِبَله البَذر، أما
صاحب البذر: فيستحق الخارج ببذره.
فعلى هذا: إذا دفع أرضاً وبَذْراً على أن يعمل فيها العاملُ، وله ثلثُ
ما يخرج، أو نصفُه، ولم يُسمِّ غير ذلك: جاز؛ لأن الذي يحتاج إلى
الشرط هو الذي لا بَذْرَ منه، وقد وُجد الشرط.
- وأما إذا سمَّى لصاحب البذر، ولم يُسمِّ للعامل شيئاً: فالقياس أن لا
يجوز؛ لأنه لمَّا شَرَطَ لنفسه نصفَ الخارج: صار مستَحِقاً له بالشرط،
والباقي إذا لم يَشرِطْه: للمزارع، يستحقّ بَبَذْره، فلهذا لم يصح.
وفي الاستحسان: يجوز؛ لأنه إذا قال: على أن لي النصف أو الثلث،
فقد بَذَلَ الباقي للعامل؛ لأن من شأن الخارج أن يكون بينهما.
* قوله: (وإذا صحَّت المزارعةُ: فالخارجُ بينهما على الشرط، وإن لم
تُخرج الأرضُ شيئاً: فلا شيءَ للعامل).
- هذا في المزارعة الصحيحة إذا كان البَذْر من قِبَل صاحب الأرض،
أو العامل؛ لأن العقد الصحيحَ يجب فيه المسمى، ولم يوجد المسمىُ:
فلم يستحقَّ شيئاً.
- وأما إذا كانت فاسدةً، ولم تُخرج الأرض شيئاً: وجب أجرُ المثل
على الذي من قِبَله البذر.

٢٥٥
كتاب المُزارعة
وإذا فسدت المزارعةُ : فالخارجُ لصاحب البَذْر.
فإن كان البَذْرُ من قِبَل ربِّ الأرض: فللعامل أجرُ مِثْلِه، لا يُزاد على
مقدار ما شُرِطَ له من الخارج.
وقال محمد : له أجرُ مثله بالغاً ما بلغ.
وإن كان البَذْرُ من قِبَل العامل: فلصاحب الأرض أَجْرُ مِثْلِها.
فإن كان البذر من قِبَل العامل: فهو مستأجِرٌ للأرض.
وإن كان من قِبَل صاحب الأرض: فهو مستأجِرٌ للعامل، فإذا فسدت:
يجب أجرُ المثل؛ لأنه استوفى المنفعةَ عن عقد فاسد.
: قوله: (وإذا فسدت المزارعة: فالخارجُ كلُّه لصاحب البَذْر)؛ لأنه
نماءُ ملكه.
- (فإن كان البَذْرُ من قِبَل صاحب الأرض: فللعامل أجرُ مثله، لا يُزاد
على مقدار ما شُرِط له من الخارج)؛ لأنه رضيَ بسقوط الزيادة، وهذا
عندهما، (وقال محمدٌ: له أجرُ مثله بالغاً ما بلغ).
* قوله: (وإن كان البَذْر من قِبَل العامل: فلصاحب الأرض أجرُ مثل
أرضه)؛ لأنه استوفى منافعها بعقدٍ فاسد.
وهل يزاد على ما شُرط له من الخارج؟
على الخلاف الذي ذكرناه.
- ولو جمع بين الأرض والبقر حتى فسدت المزارعةُ: فعلى العامل
أجرُ مثل الأرض والبقر، هو الصحيح.

٢٥٦
كتاب المُزارعة
وإذا عُقِدت المزارعةُ، فامتنع صاحبُ البَذْر من العمل: لم يُجْبَر
عليه .
وإن امتنع الذي ليس من قِبَله البَذْرُ: أجبره الحاكمُ على العمل.
وإذا مات أحدُ المتعاقدين : بطلت المزارعةُ.
: قوله: (وإذا عُقِدت المزارعةُ، فامتنع صاحبُ البَذْر من العمل: لم
يُجبر عليه)؛ لأنه لا يمكنه المضيُّ في العقد إلا بإتلاف ماله، وهو البذر،
وفيه ضررٌ عليه، فصار كما إذا استأجر أجيراً ليهدم دارَه، ثم بدا لصاحب
الدار: لم يُجبر على ذلك.
: قوله: (وإن امتنع الذي ليس من قِبَله البَذْرُ: أَجبره الحاكمُ علىُ
العمل)؛ لأنه لا ضررَ عليه في الوفاء بالعقد، إلا إذا كان عذراً تُفسخ به
الإجارة، فتُفسخ به المزارعة.
قوله: (وإذا مات أحدُ المتعاقدين: بطلت المزارعة)؛ اعتباراً
بالإجارة.
- يعني مات قبل المزارعة، أما إذا كان بعدها: فإن مات صاحبُ
الأرض: تُركت في يد العامل حتى تُستحصد، ويقسم على الشرط.
- وإذا كان الميت هو العامل، فقال ورثته: نحن نعمل في الزرع إلى
أن يستحصد، وأبى صاحبُ الأرض: لم يكن له ذلك؛ لأنه لا ضررَ عليه،
وإنما الضرر عليهم في قلع الزرع، فوجب تبقيتُه، ولا أجر لهم فيما
عملوا.

٢٥٧
كتاب المُزارعة
وإذا انقضَتْ مدةُ المزارعة، والزرعُ لم يُدرِك: كان على المزارع أجرُ
مثلٍ نصيِه من الأرض إلى أن يَستحصد .
والنفقةُ على الزرع: عليهما على مقدار حقوقهما.
- وإن أرادوا قلعَ الزرع: لم يُجبروا على العمل، وقيل لصاحب
الأرض: اقلعه، فيكون بينكم، أو أعطهم قيمةَ حصتهم، والزرعُ كله لك،
أو أنفق على حصتهم، وتعود بنفقتك في حصتهم.
* قوله: (وإذا انقضت مدةُ المزارعةُ، والزرعُ لم يُدرِك: كان على
المزارع أجرُ مثل نصيبه من الأرض إلى أن يَستحصد.
والنفقةُ على الزرع عليهما، على مقدار حقوقهما).
لأن في تبقية العقد: إيفاءَ الحقَّيْن، وفي فَسْخه: إلحاقَ ضررٍ بأحدهما،
فكان تبقيتُه إلى الحصاد أَوْلى، ويكون العمل عليهما جميعاً؛ لأن العقد قد
انتهى بانتهاء المدة، وهذا عملٌ في المال المشترك.
- وهذا بخلاف ما إذا مات ربُّ الأرض، والزرعُ بَقْلٌ، حيث يكون
العمل فيه على العامل؛ لأن هناك بقَّيْنا العملَ في مدته، والعقدُ يستدعي
العملَ على العامل، أما هنا العقدُ قد انتهى، فلم يكن هذا إبقاءَ ذلك
العقد، فلم يختصَّ العاملُ بوجوب العمل عليه.
- وقوله: والنفقةُ على الزرع عليهما على قدر حقوقهما: وذلك مثل
أجر سقي الماء وغيره.

٢٥٨
كتاب المُزارعة
وأجرةُ الحَصَادِ، والرَّفَاعِ، والدِّيَاسِ، والتَّذْريةِ: عليهما بالحِصَص.
فإن شَرَطا ذلك في المزارعة على العامِل : فسدت.
- وهذا إنما يكون بعد انقضاء المدة، أما إذا لم تنقض: فهو على
العامل خاصة.
* قوله: (وأجرةُ الحَصَاد، والرَّفاع، والدِّياس، والتَّذْرِيةِ عليهما
بالحِصَص).
- وكذا إذا أراد أن يأخذاه قَصيلاً (١)، ويبيعاه: فالحصاد عليهما على
قدر حقَّيْهما.
* قوله: (فإن شرطاه في المزارعة على العامل: فَسَدَتْ).
يعني الحصادَ والدِّياسَ؛ لأنهما لا يلزما المزارعَ، وإنما عليه أن يقوم
على الزرع إلى أن يُدرِك.
وعن أبي يوسف: أنه يجوز شرط ذلك على العامل؛ للتعامل، وهو
اختيار مشايخ بَلْغ.
- قال السرخسي (٢): وهو الأصح في ديارنا(٣).
- والحاصل: أن ما كان من عملٍ قبل الإدراك، مثل السقي والحفظ:
فهو على العامل.
(١) أي وهو أخضر رطبٌ لم يُدرِك.
(٢) ينظر المبسوط ١٦٠/٢٣، وكأن السرخسي أكثر من ترجيح، والله أعلم.
(٣) أي بلاد خراسان بلد الإمام السرخسي.

٢٥٩
كتاب المُزارعة
وما كان بعد الإدراك قبل القسمة: فهو عليهما، في ظاهر الرواية،
كالحصاد والدِّیاس وأشباهه.
وما كان بعد القسمة: فهو عليهما، نحو الحَمْل والحفظ.
- والمساقاة: على هذا القياس، فما كان قبل إدراك الثمر من السقي
والتلقيح والحفظ: فعلى العامل.
وما كان بعده، كالجَذاذ والحفظ: فهو عليهما.
- فإن شرطا الجذاذَ على العامل: لا يجوز بالاتفاق؛ لأنه لا عُرفَ فيه.
- وإن شرطا الحصادَ في الزرع على صاحب الأرض: لا يجوز
بالإجماع؛ لعدم العُرف، والله أعلم.

٢٦٠
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
قال أبو حنيفة: المساقاةُ بجزءٍ من الثمرة باطلةٌ، وقالا: جائزةٌ إذا
ذَكَرَا مدةً معلومةً، وسمَّيا جزءاً من الثمرة مشاعاً.
وتجوز المساقاةُ في النخل، والشجرٍ، والكَرْمِ، والرِّطاب، وأصولِ
الباذنجان.
كتاب المساقاة
المساقاة: دَفْعُ النخل والكَرْم والأشجار المثمرة معاملةً بالنصف أو
بالثلث أو بالربع، قلَّ أو كَثُر.
وأهلُ المدينة يسمونها: المعاملة.
قال رحمه الله: (قال أبو حنيفة: المساقاةُ بجزءٍ من الثمرة مشاعاً
باطلةٌ)؛ لأنه استئجارٌ بجزءٍ من المعمول فيه، كقَفِيزِ الطَّحَّان.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: هي جائزةٌ إذا ذَكَرًا مدةً معلومةً،
وسَمَّيا جزءاً من الثمرة مشاعاً)؛ لأن الحاجة داعيةٌ إلى ذلك، فسُومح في
جوازها؛ للضرورة.
- فإن لم يذكرا المدة: جاز، وتقع على أول ثمرة تخرج في أول سَنَةٍ.
* قوله: (وتجوز المساقاةُ في النخل والشجر والكَرْم والرِّطاب وأصول
الباذنجان).