النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الوقف ولا يتمُّ الوقفُ عند أبي حنيفة ومحمد حتى يَجعل آخرَه لجهةٍ لا تنقطع أبداً. - ولو وَقَفَ أرضاً، وفيها زرعٌ: لم يدخل الزرعُ في الوقف؛ لأنه لا يدخلُ في البيع إلا بالشرط، فكذا هنا لا يدخل في الوقف إلا بالشرط. كذا في ((الواقعات)). قوله: (ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يَجعلَ آخرَه لجهةٍ لا تنقطع أبداً)؛ لأن المقصود من الوقف التأبيدُ، كالعتق. وهذا كقوله: جعلتُ أرضي هذه صدقةً موقوفةً على أولاد فلانِ ما تناسلوا، فإذا انقرضوا: كانت غلتُها للمساكين؛ لأن أثر المساكين لا ينقطع أبداً، وإذا لم يقل ذلك: لم يصح. - ولا يجوز الوقف على مَن لا يملك، كالعبد والحَمْل. - وإن وقف على ذمي: جاز؛ لأنه موضعٌ للقُربة، ولهذا يجوز التصدق عليه. قال الله تعالى ﴿لَّايَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ اٌلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِیَرِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾. الممتحنة/٨. - ولا يجوز الوقف على البِيَع والكنائس، ولا على قُطَّاع الطريق؛ لأنه لا قُربةَ فيه. - ويجوز الوقفُ على المساجد والقناطر. - ولو وقف على معدومٍ، كالوقف على ولده، ولا ولدَ له: لم يجز. ١٠٢ كتاب الوقف وقال أبو يوسف : إذا سمَّى فيه جهةً تنقطع : جاز، وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمِّهم. - وإن وقف وقفاً مطلقاً، ولم يذكر شيئاً: جاز، على الأصح. * وألفاظ الوقف ستة: وقفتُ، وحَبَّستُ، وسَبَّلتُ، وتصدقت، وأَبَّدتُ، وحرَّمتُ، فالثلاثة الأُولىُ صريحٌ فيه، وباقِيه كنايةً، لا تصح إلا بالنية. * قوله: (وقال أبو يوسف: إذا سمَّى فيه جهةً تنقطع: جاز، وصار بعدها للفقراء وإن لم يُسمِّهم). وذلك مثل أن يقول: جعلتُها صدقةً موقوفةً لله تعالى أبداً على ولد فلان، وولدٍ ولده، ولم يذكر الفقراءَ ولا المساكينَ، وذلك لأنه إذا جعلها لله تعالى: فقد أَبَّدها؛ لأن ما يكون الله تعالى: فهو يَنصرف إلى المساکین، فصار كما لو ذَكَرَهم. وقيل: إن التأبيد شرطٌ، بالإجماع، إلا أن عند أبي يوسف لا يُشترط ذكر التأبيد؛ لأن لفظ الوقف والصدقة يُنبىء عنه؛ لأنه إزالةُ الملك بدون التمليك، كالعتق. ولهذا ذَكَرَ في ((الكتاب)) في بيان قول أبي يوسف: وصار بعدها للفقراء وإن لم يُسمِّهم، وهذا هو الصحيح. وعند محمد: ذِكْر التأبيد شرطٌ؛ لأن هذا صدقةٌ بالمنفعة أو الغلة، وذلك قد يكون مؤقتاً، وقد يكون مؤبداً، فمطلَقُه لا ينصرف إلى التأبيد، فلا بدَّ من التنصيص عليه. ١٠٣ كتاب الوقف - قال في ((شرحه)): إذا قال: جعلتُ أرضي هذه صدقةً لله تعالى أبداً على ولدي، فإذا انقرضوا: فهي على المساكين: فإن غَلَّتَها تكون لولده من صلبه الذكور والإناث والخنثى. - قال في ((خزانة الأكمل)): الذكر والأنثى فيه سواء. وإنما يكون ذلك على الأولاد الموجودين يومَ الوقف، ولكل ولد يحدث بعد ذلك قبل حدوث الغلة؛ لأن المعتبر بمَن يكون له من الأولاد يوم تأتي الغلة، فإذا وُجد ذلك: دخلوا في الوقف. - فإن ولد له ولدٌ بعد الغلة: إن كان هذا الولدُ وُلِد لأقلّ من ستة أشهر من يوم طلعت الغلةُ: دخل في الوقف؛ لأن العلم محيطٌ بأنه مخلوقٌ قبلها، فلهذا دخل معهم. - فإذا مات أحدٌ من أولاده قبل أن تأتيَ الغلة: لم يكن له حقٌّ فيها. ـ ومَن مات بعد مجيئها: فحصتُه له، تُقضى منها ديونه، وتنفذ منها وصاياه، وما بقي لورثته. - وإذا قال: وقفت هذه الأرض على أولادي: لا يدخل فيه ولدُ الولد. - وإن وقف على أولاد أولاده: دخل فيه أولادُ البنين وأولاد البنات؛ لأن الجميع أولادُ أولاده. - وإن وقف على نسله، أو عَقِبه، أو ذريته: دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، قَرُبُوا أو بَعُدوا؛ لأن الجميع من نسله وذريته. ١٠٤ كتاب الوقف ويصحُّ وقفُ العقار. ولا يجوز وقفُ ما يُنقَل ويُحَوَّل. قال الله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾. الأنعام / ٨٤، فجعلهم كلهم على البُعد من ذريته، وجعل عيسىُ من ذريته وهو يُنسب إليه بالأم. - وإن وقف على مَن يُنسَب إليه: لم يدخل فيه أولاد البنات؛ لأنهم لا یُنسبون إليه. - وإن وقف على البنین: لم يدخل فيه الخنثى. - وكذا إذا وقف على البنات: لم يدخل فيه الخنثى أيضاً؛ لأنا لا نعلم ما هو؟ - وإن وقف على البنين والبنات: دخل الخنثى؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ابناً، أو بنتاً. وقيل: لا يدخل؛ لأنه ليس من البنين، ولا من البنات. - ولو وقف على بني زيد: لم يدخل فيه بناتُه. - مسألة: قال في ((الواقعات)): رجلٌ قال: إن متُّ من مرضي هذا فقد وقفت أرضي: لا يصح، برئ أو مات؛ لأنه علَّقه بشرط، وتعليق الوقف بالشرط: لا يصح. - وإن قال: إن متُّ من مرضي هذا فاجعلوا أرضي وقفاً: جاز. والفرق: أن هذا تعليقُ التوكيل بالشرط، وذلك يجوز. * قوله: (ويصح وقفُ العقار)؛ لأنه مما يتأبَّد، والوقفُ مقتضاه التأبيد. * قوله: (ولا يجوز وقفُ ما يُنقل ويُحوَّل)؛ لأنه لا يبقى على التأبيد، فلا يصح وقفُه. ١٠٥ كتاب الوقف وقال أبو يوسف: إذا وقف ضَيْعةً ببقرها، وأَكَرَتِها، وهم عبيدُه : جاز. قال الخُجَندي: لا يجوز وقف المنقول، إلا أن يكون تبعاً لغيره، وهو أن يقف أرضاً فيها أثوارٌ وعبيد لمصالحها، فيكونون وقفاً معها تبعاً، أو جرت العادة بوقفه، كالمَرِّ لحَفْر القبور، أو الجِنازةِ، وثيابِ الجِنازة. - ولو وقف الأشجارَ القائمةَ: لا يجوز قياساً، ويجوز استحساناً، ويُنتفع بثمارها، دون أغصانها، إلا فيما يُعتاد قطعه ليُبنى به، كشجر الخلاف(١)، وهو الصَّرْح. - قال في ((الواقعات)): إذا وقف ثَوْراً على أهل قريةٍ للإنزاء على بقرهم: لا يصح؛ لأن وقفَ المنقول لا يصح، إلا فيما فيه تعارفٌ، ولا تعارف في هذا. وعند الشافعي(٢): يجوز. - ثم إذا جاز عنده الوقف على الإنزاء: لا يجوز استعماله في الحرث؛ لأنه لم يوقِفْه لذلك. * قوله: (وقال أبو يوسف: إذا وقف ضَيْعةً ببقرها وأَكَرَتها، وهم عبيده: جاز). (١) وهو شجر الصفصاف. المصباح المنير (خلف)، وقد يصل طول الشجرة إلى ثلاثين متراً، وجاء في نسخ من الجوهرة: الضرح : بدل: الصرح. (٢) مغني المحتاج ٣٧٧/٢. ١٠٦ كتاب الوقف وقال محمد : يجوز حَبْسُ الكُرَاعِ، والسلاحِ. - وكذا سائر آلات الحِرَاثة؛ لأنه تبعٌ للأرض في تحصيل ما هو المقصود. - ولا يجوز للواقف عتقُهم؛ لأنهم قد خرجوا عن ملكه، فإن أعتقهم: لم يعتقوا. - ونفقة العبيد والبهائم: من حيث شرط الواقف، فإن لم يشرط شيئاً: ففي أکسابهم. - فإن لم يكن العبد كاسباً، أو تعطّل كسبُه لمرض، أو لم يفِ كسبُه بنفقته: فنفقتُه في بيت المال، كما إذا أعتق مَن لا كسبَ له. وقيل: نفقته على الواقف ما دام حياً، فإذا مات: ففي بيت المال؛ لأن التركة انتقلت إلى الورثة، ولم ينتقل العبدُ إليهم، فلا تلزمهم نفقته. - فإن مات العبد: فكَفَتُه وتجهيزُهُ على مَن عليه نفقته. * قوله: (وقال محمد: يجوز حَبْس الكُرَاع والسلاح في سبيل الله). الكُرَاع: هو الخيل. وأبو يوسف معه على ما قالوا، وهو استحسانٌ عنده. - ويدخل في ذلك الإبل؛ لأن العرب يجاهدون عليها، ويحملون عليها السلاح. - قال محمدٌ: ويجوز وقف ما فيه تعاملٌ من المنقولات، كالفأس، والمَرِّ، والقَدُوم، والمِنشار، والجنازة وثيابِها، والقُدُور، والمصاحف، والكتب. ١٠٧ كتاب الوقف وإذا صحَّ الوقفُ: لم يجُزْ بيعُه، ولا تمليكُه إلا أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف، فيَطلبُ الشريكُ القسمةَ، فتصحٌّ مقاسمتُه. وعند أبي يوسف: لا يجوز، وأكثرُ فقهاء الأمصار على قول محمد. * قوله: (وإذا صح الوقف: لم يجز بيعُه، ولا تمليكُه، إلا أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف، فيطلب الشريكُ القسمةَ، فتصح مقاسمتُه). - أما امتناع البيع والتملیك: فلأنه قد زال ملكُه عنه. - وأما القسمةُ: فلأنها ليست بتمليك من جهته، وإنما هي تمييز الحقوق، وتعديلُ الأنصباء. - وإنما خصَّ أبو يوسف؛ لأن عنده يجوز وقف المُشاع. - ثم إِن وَقَفَ نصيبه من عقار مشترك: فهو الذي یقاسم شريكه. - وإن وَقَفَ نصفَ عقارٍ خالصٍ له: فالذي يقاسمه القاضي، أو يبيعُ الباقي من نصيبه على رجلٍ، ثم يقاسم المشتري، ثم يشتري ذلك منه؛ لأن الواحد لا يجوز أن يكون مقاسِماً ومقاسَماً. - وإذا كان في القسمة فضلُ دراهم: إن أعطىُ الواقفَ: لا يجوز؛ لأنه بيعُ الوقف، وإن أُعطي: جاز، ويكون بقدر الدراهم شراء. كذا في ((الهداية))(١). (١) ١٦/٣. ١٠٨ كتاب الوقف والواجبُ أن يُبدَأ من رَبْعِ الوقف بعِمَارته، شَرَطَ الواقفُ ذلك، أو لم يشترط . وإذا وقف داراً علىُ سُكنىُ ولده : فالعِمارةُ على مَن له السكنى. فإن امتنع من ذلك، أو كان فقيراً: أجَّرها الحاكمُ، وعَمَّرها بأجرتها، فإذا عُمِّرت : ردّها إلى مَن له السكنى. قوله: (والواجب أن يبتدئ من ارتفاع الوقف (١) بعمارته، سواء شَرَط ذلك الواقفُ، أو لم يَشترط)؛ لأن عمارته من مصالحه، وفي البداءة بذلك تبقیةٌ له. * قوله: (وإن وقف داراً على سكنى ولده: فالعمارة على مَن له السكنى)، يعني المطالبة بالعمارة، لا أن يُجبر على فعلها. - وإنما كانت العمارة علىُ مَن له السكنىُ؛ لأن الخراج بالضمان، فصار كنفقة العبدِ الموصى بخدمته. * قوله: (فإن امتنع من ذلك، أو كان فقيراً: آجرها الحاكمُ، وعمَّرها بأجرتها، فإذا عُمِّرت: ردَّها إلى مَن له السكنى)؛ لأن في ذلك رعايةَ الحقَّيْن: حقِّ الواقف، وحقِّ صاحب السکنیُ. ولأنه إذا آجرها وعمَّرها بأجرتها: يفوتُ حقُّ صاحبِ السكنى في وقتٍ دون وقت، وإن لم يعمِّرها: تفوتُ السكنى أصلاً، فكان الأول أولى. (١) وفي نسخ القدوري التي مع اللباب للميداني ٤٦٠/٣: من ريع الوقف. والمراد من: ارتفاع الوقف: أي غلَّته. ينظر ابن عابدين ٤٦١/١٣. ١٠٩ كتاب الوقف وما انهدم من بناء الوقف، وآلِتِه : صَرَفه الحاكمُ في عمارة الوقف إن احتاج إليه. وإن استغنى عنه : أمسكه حتى يَحتاجَ إلى عِمارته، فيصرفَه فيها. ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقي الوقف. وإِذا جَعَلَ الواقفُ غَلَّةَ الوقف لنفسه، أو جَعَلَ الولايةَ إليه: جاز عند أبي يوسف، وقال محمد : لا يجوز. ولا يُجبر الممتنع على العمارة؛ لما فيه من إتلاف ماله، فأشبه امتناع صاحب البَذْر في المزارعة. - ولا یکون امتناعه رضاً منه ببطلان حقه. - ولا تصح إجارة مَن له السكنى؛ لأنه غيرُ مالك. : قوله: (وما انهدم من بناء الوقف وآلِه: صَرَفَه الحاكمُ في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه: أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته، فيصرفه فيها). - وإن تعذر إعادة عينه إلى موضعه: بِيع، وصُرُف ثمنُه إلى الإصلاح. * قوله: (ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقي الوقف)، يعني النِّقْض؛ لأنه جزء من العين، ولا حقَّ للموقوف عليهم فيه، وإنما حقهم في المنافع. قوله: (وإذا جعل الواقف غَلَّةَ الوقف لنفسه، أو جعل الولاية إليه: جاز عند أبي يوسف، ولا يجوز عند محمد)؛ لأن من أصل محمد: أن مِن شرط الوقف: القبض، فإذا شرط ذلك لنفسه: لم يوجد القبض، فصار ١١٠ كتاب الوقف وإذا بنى مسجداً: لم يَزُلْ ملكُه عنه حتى يُفْرِزَه عن ملكه بطريقِه، ويأذنَ للناس بالصلاة فيه. كمن شرط بقعةً من المسجد لنفسه. ولأبي يوسف: ((أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل من صدقته الموقوفة))(١). - ولا يحل الأكل منه إلا بشرط. - ولو شرط الخيارَ في الوقف لنفسه ثلاثة أيام: جاز الوقف والشرط عند أبي يوسف. وقال محمد: الوقفُ باطلٌ. كذا في ((الهداية))(٢). - ولو أن الواقف شَرَطَ الولايةَ لنفسه، وكان غيرَ مأمون: فللقاضي أن ينزعه من يده؛ نظراً للفقراء، كما له أن يُخرِج الوصيَّ إذا كان غيرَ مأمون؛ نظراً للصغار. * قوله: (وإذا بنى مسجداً: لم يَزُل ملكُه عنه حتى يُفرِزَه عن ملكه بطريقه، ويأذنَ للناس بالصلاة فيه). - أما الإفراز: فلأنه لا يَخلُص لله تعالى إلا به. (١) قال الزيلعي في نصب الراية ٤٧٩/٣: غريب، وفي الدراية ١٤٦/٢، واستدرك عليهما العلامة قاسم في منية الألمعي ص ٣٩٨ بأنه رواه الخصَّف في الوقف. (٢) ١٨/٣. ١١١ كتاب الوقف فإذا صلَّیُ فیه واحدٌ : زال ملکه عند أبي حنيفة ومحمد . وقال أبو يوسف: يزول ملكُه عنه بقوله: جعلتُه مسجداً. - وأما الصلاةُ فيه: فلأنه لا بدَّ من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، وتسليمُه أن يأذَنَ للناس بالصلاة فيه، فيكون ذلك بمنزلة القبض، فإذا صلَّوْا فيه: فكأنهم قبضوه. * قوله: (فإذا صلىُ فيه واحدٌ: زال ملكُه عند أبي حنيفة ومحمد)؛ لأن فِعْلَ كلِّ الناس متعذِّرٌ، فيُشترط أدناهم. وعن محمد: أنه يَشترط الصلاةَ فيه بالجماعة؛ لأن المسجد يُبنى لها في الغالب. * قوله: (وقال أبو يوسف: يزول ملكُه بقوله: جعلتُه مسجداً)؛ لأن التسليم عنده ليس بشرطٍ؛ لأنه إسقاطٌ للملك، كالإعتاق. - وإن اتخذ في وَسَطَ داره مسجداً، وأَذِنَ للناس بالدخول فيه، ولم يُفرِزه عن داره: كان على ملكه، وله أن يبيعه، ويُورَث عنه بعد موته؛ لأن ملكَه محيطٌ به، وله حقُّ المنع منه، ولأنه لم يَخلُص لله تعالى؛ لأنه أبقى الطريقَ لنفسه، ولم يجعل للمسجد طريقاً علىُ حِدَة. وأما إذا أظهره للناس، وأفرد له طريقاً، وميّزه: صار مسجداً خالصاً. - وإن بنى على سطح منزله مسجداً، أو سكَنَ أسفلَه: فهو ميراثٌ عندهما، وقال أبو يوسف: يكون مسجداً. ١١٢ كتاب الوقف - وإن جعل أسفلَه مسجداً، وفوقَه مَسكناً، وأفرد له طريقاً: جاز إجماعاً؛ لأن المسجد مما يتأبَّد، وذلك يتحقق في السُّفل، دون العُلْو. وعن محمد: أنه لا يجوز؛ لأن المسجد معظّمٌ، فإذا كان فوقه مَسكنٌ: لم يكن تعظيماً. وعن أبي يوسف: أنه جوَّزه في الوجهين حين دخل بغدادَ، ورأى ضِيْقَ المنازل، فكأنه اعتبر الضرورةَ. وعن محمد: أنه أجاز ذلك أيضاً حين دخل الريَّ. - قال في ((الينابيع)): إذا غصب أرضاً، فبناها مسجداً، أو حَمَّاماً: فلا بأس بدخول المسجد للصلاة، ودخولِ الحَمَّام للاغتسال. - وإن غصب داراً، وجعلها مسجداً: لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يصليَ فيه، ولا أن يدخلَه. وإِن جَعَلَه جامعاً: لا يُجَمَّع فيه. وإن جعلها طريقاً: لا يَحِلَّ لأحدٍ أن يمرّ بها. ذكره في باب الحظر والإباحة. - ولو خرب ما حَوْل المسجد، ولم يبق عنده أحدٌ: يبقى مسجداً أبداً عند أبي يوسف إلى يوم القيامة؛ لأنه قد يصلي فيه المارَّة والمسافرون. - وقال محمد: يعود ملك الباني فيه إلى ورثته من بعد موته؛ لأنه عيّنه النوع قُربةٍ وقد انقطعت. ١١٣ كتاب الوقف ومَن بنىُ سِقايةً للمسلمين، أو خاناً يسكنُه بنو السبيل، أو رِباطاً، أو جَعَلَ أرضَه مقبرةً: لم يَزُلْ ملكُه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يَحكُمَ به حاکمٌ. - وإن استُغني عن حُصُر المسجد، وخَشَبه، وحشيشه(١): نُقل إلى مسجدٍ آخر عند أبي يوسف. وقال بعضُهم: يُباع ويُصرَف في مصالح المسجد. - ولا يجوز صرفُ نِقْضه إلى عمارة بئر؛ لأنها ليست من جنس المسجد. - وكذا البئر لا يُصرف نِقْضُها إلى مسجد، بل يُصرف إلى بئرٍ أخرى. - ولو وقف على دُهنَ السراج للمسجد: لا يجوز وضعه لجميع الليل، بل بقدر حاجة المصلين، ويجوز إلى ثلث الليل أو نصفِه إذا احتيج إليه للصلاة فیه. - وهل يجوز أن يَدْرُسَ الكتابَ على سراج المسجد؟ ينظر: إن كان وُضع لأجل الصلاة: فلا بأس بذلك إلى أن يفرغوا من الصلاة. * قوله: (ومَن بنىُ سقايةً للمسلمين، أو خاناً يَسكنُه بنو السبيل، أو رِباطاً، أو جعل أرضَه مقبرةً: لم يَزُل ملكُه عن ذلك عند أبي حنيفة إلا أن یحکم به حاكمٌ. (١) أي الحشيش الذي يُقرش بدل الحصر، كما يُفعل في بلاد الصعيد. ابن عابدين ١٣/ ٤٣٧. ١١٤ كتاب الوقف وقال أبو يوسف : يزول ملكُه بالقول. وقال محمد: إذا استقى الناسُ من السِّقاية، وسكنوا الخانَ، والرِّباطَ، ودَفَنوا في المقبرة : زال الملكُ. وقال أبو يوسف: يزول ملكُه بالقول، وقال محمد: إذا استقى الناس من السقاية، وسكنوا الخانَ والرِّبّاطَ، ودفنوا في المقبرة: زال الملك). لأبي حنيفة: أنه لم ينقطع حقُّ العبد عنه، ألا ترى أن له أن ينتفع به، فيسكنَ في الخان، وينزلَ في الرِّباط، ويشربَ من السقاية، ويدفنَ في المقبرة، فيُشترط حكم الحاكم، أو الإضافة إلى ما بعد الموت، كما في الوقف على الفقراء. - بخلاف المسجد؛ لأنه لم يبق له فيه حقُّ الانتفاع، فخلُص لله تعالی من غير حكم الحاكم. ولأبي يوسف: أن من أصله: أن التسليم عنده ليس بشرطٍ لازم، فكان کالعتق. ولمحمد: أن التسليم عنده شرطٌ، وذلك بما ذكر في ((الكتاب)): ويُكتفى فيه بالواحد؛ لتعذّر فعل الجنس كله. - وعلى هذا الخلاف البئر. ولأنهم إذا دفنوا في المقبرة: كان ذلك قبضاً، فصار كالمسجد إذا صُلِّي فیه. ١١٥ كتاب الوقف - وأما إذا لم يُدفن فيها أحدٌ: لم يحصل فيها قبضٌ، فبقيت في يد صاحبها، فله الرجوعُ فيها. - ويشترك فيها الأغنياءُ والفقراء في الدفن في المقبرة، والصلاةِ في المسجد، والشُّربِ من السقاية؛ لأن ذلك إباحةٌ، وما كان إباحةً لا يختص به الفقیر دون الغني. بخلاف غلة الصدقة؛ لأن مقتضاها التمليك، فلا يجوز للغني. - ولو تلفت الكيزان المُسبَّلة على السقاية: لا ضمانَ على مَن تلفت في یده بلا تعدٌّ، فإن تعدى: ضمن. وصفة التعدي: أن يستعملها في غير ما وُقُفت له، والله أعلم. ١١٦ کتاب الغصب كتاب الغَصْب كتاب الغصب هو في اللغة: أَخْذُ الشيءٍ من الغير على سبيل التغلُّب، سواء كان مالاً أو غيرَ مال. - وفي الشرع: عبارةٌ عن أَخْذِ مالٍ متقوِّم محترَمٍ بغير إذن المالك، على وجه یُزیل یدَه عنه. - حتى كان استخدامُ العبد، والحملُ على الدابة غصباً، دون الجلوس على السرير والبساط. - وإنما يكون الاستخدامُ غصباً إذا استخدمه الغاصبُ لنفسه، كما إذا غَصَبَه ليَركَبَ له نخلاً، ويجنيَ له ثمرتَه. أما إذا قال: لتأكلَ أنتَ أيها العبدُ، ففعل: لا يضمن. - ثم الغصبُ عندنا: إزالةُ اليدِ المُحِقَّة قصداً، وإثباتُ اليد المُبْطِلة ضمناً. وقال الشافعي (١): إثبات اليد المبطلة قصداً، وإزالةُ اليد المُحقّة ضمناً. (١) مغني المحتاج ٢٧٥/٢. ١١٧ كتاب الغصب ومَن غَصَبَ شيئاً مما له مِثْل، فهَلَك في يده : فعلیه ضمان مِثْله. وفائدته: في الزيادة الحادثة في يد الغاصب، وهي نوعان: منفصلة، كالولد، ومتصلةٌ، كالسِّمَن، وكلاهما عندنا أمانةً في يد الغاصب. وعنده كلاهما مضمونٌ؛ لأنه قد وُجد عنده إثباتُ اليد على الولد، وعندنا لم توجد إزالة اليد المُحقّة. - والغصب على وجهين: إن كان مع العلم: فحُكْمه المَأثم والمغرَم، وإن كان بدونه: كمن أتلف مالَ غيره يظنُّه مالَه: فحكمه الضمان؛ لأنه حقُّ العبد، فلا يتوقف على قصده، ولا إثمَ عليه؛ لأن الخطأ موضوعٌ. - والغصب محرَّمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ الآية. البقرة/١٨٨. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾ الآية. النساء/ ١٠. وقال عليه الصلاة والسلام: ((حُرمة مال المسلم: كحُرمة دمه))(١). و: ((مَن غصب شبراً من أرض: طَوَّقَه اللهُ به من سبع أرضين))(٢). قال رحمه الله: (ومَن غَصَبَ شيئاً مما له مِثْلٌ، فهَلَكَ في يده: فعليه ضمان مثله) إن کان له مثل. (١) سنن الدار قطني ٢٦/٣، قال في مجمع الزوائد ١٧٢/٤: رواه البزار وأبو يعلى، وفيه محمد بن دينار: وثَّقَه ابن حبان وجماعةٌ، وضعَّقه جماعةٌ، وبقية رجال أبي يعلى ثقات، وينظر التلخيص الحبير ٤٦/٣، وفيض القدير للمناوي ٣٨١/٣. (٢) صحيح البخاري (٢٤٥٢)، صحيح مسلم (١٦١٠). ١١٨ كتاب الغصب وإن كان مما لا مِثْلَ له : فعليه قيمتُهُ يومَ الغصب. - وهذا في المكيلات والموزونات والمعدودات التي لا تتفاوت. فإن كان موجوداً: وجب عليه رده بعينه، وإن كان هالكاً: وجب عليه ردُّ بدله؛ لأن البدل يقوم مقامَ المُبدَل. - فإن غصب مثلياً في حينه وأوانه، وانقطع عن أيدي الناس، ولم يقدر على مثله: فعليه قيمتُه يومَ يختصمون عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يوم الغصب. وقال محمد وزفر: آخر ما انقطع عن أيدي الناس؛ لأن المثل كان في ذمته إلى أن ينقطع، فلما انقطع: سقطت المطالبة بالمثل، وصار كأنه غَصَبَ في ذلك الوقت ما لا مِثلَ له. ولأبي يوسف: أنه لمَّا انقطع: التحق بما لا مثل له، فتُعتبر قيمته يوم انعقاد السبب، إذ هو الموجِبُ أصله إذا غَصَبَ ما لا مثلَ له. ولأبي حنيفة: أن الملكَ ثابتٌ في ذمته بعد انقطاعه، بدلالة أنه لو لم يطالبه به حتى وُجد المثلُ: كان له أن يطالبه به، وإنما يُنتقل من المثل إلى القيمة يومَ الخصومة، فوجب أن تُعتبر قيمتُه يومئذٍ. - قال في ((الكرخي)): إذا أحضر الغاصبُ المثلَ في حال الانقطاع، وتكلَّف ذلك: أُجبر المالكُ على أخْذه. - وأما إذا غصب ما لا مثلَ له: فعليه قيمتُه يوم الغصب، إجماعاً. * قوله: (وإن كان مما لا مثل له: فعليه قيمتُه)، يعني يوم الغصب، ١١٩ كتاب الغصب وعلى الغاصب ردُّ العين المغصوبة. وذلك مثلُ العددي المتفاوت، والثياب، والعبيد، والدواب، وأشباه ذلك مما لا یکال ولا یوزن. - وفي البُرِّ المخلوط بالشعير: القيمةُ؛ لأنه لا مثل له. - وإنما يضمن المثلَ أو القيمة إذا لم يقدر على رد المغصوب بعينه؛ لأن حقَّ المالك في عين ماله، فإذا قَدَرَ على ذلك: لم يجز الرجوع إلى بدله إلا برضاه. ولأن المقصود إزالة الظَّلامة، وذلك يكون بردِّ العين ما دامت باقيةً، فإذا دفع بدلَها مع القدرة عليها: فهي ظُلامةٌ أخرى، ألا ترى أنه لا يجوز له في ملك غيره إلا باختياره. - ثم إذا وجب عليه ردُّ القيمة: فعليه رد القيمة يوم القبض، فلا يُنظر إلى زيادة قيمة المغصوب بعد القبض في السعر، ولا إلى نقصانها؛ لأن القبض هو السبب الموجب للضمان. * قوله: (وعلى الغاصب ردُّ العين المغصوبة). يعني ما دامت قائمةً، وهو الموجِب الأصلي على ما قالوا، وردُّ القيمة مَخلَصٌ خَلَفاً. وقيل: الموجب الأصلي: القيمة، وردُّ العين مَخلَصٌ. وفائدته: في البراءة والرهن والكفالة بالمغصوب حالَ قيام العين، يعني إذا أبرأ المغصوبُ منه الغاصبَ من ضمان العين، وهي قائمةً في يده: ١٢٠ کتاب الغصب فإن ادعى هلاكَها: حَبَسَه الحاكمُ؛ حتى يُعْلَمَ أنها لو كانت باقيةً: لأظهرها، ثم قضی علیه ببدلها . فعند مَن قال الواجب القيمة: تصح البراءة، ويسقط ضمان العين. - وكذا الرهن والكفالة يصحان على اعتبار وجوب القيمة، وعلى اعتبار وجوب رد العين: لا يصح. وفائدتُه أيضاً: فيمن غصب جاريةً قيمتُها ألفٌ، وله ألفٌ قد حال عليها الحول: فإنه لا تجب الزكاةُ في هذا الألف؛ لأنه مديونٌ. - والواجب: الرد في المكان الذي غصبه فيه؛ لتفاوت القيمة بتفاوت الأماكن. * قوله: (وإن ادَّعى هلاكَها: حَبَسَه الحاكمُ حتى يعلمَ أنها لو كانت باقيةً لأظهرها، ثم يقضي عليه ببدلها). - وإنما حَبَسَه؛ لأن حقَّ صاحبها متعلِّقٌ بالعين، والأصلُ بقاؤها، وهو يريد أن يُسقِط حقَّه من العين إلى القيمة، فلا يُصدَّق. - فإن تصادقا على هلاكها، أو قامتْ له بينةٌ بذلك: قضى عليه بالمثل إن كان مثلياً، أو بالقيمة إن لم يكن مثلياً. - فإن كانت زائدةً في بدنها يومَ غَصَبَها، فردَّها ناقصةً: ضمن النقصانَ. - وإن كانت يومَ غَصَبَها زائدةً في السعر، مثل أن تكون قيمتُها يوم غَصَبَها مائتين، فردَّها وهي تساوي مائة: لم يضمن الزيادة؛ لأن الزيادة في السعر غير متحققة، وإنما هو شيء يُلقيه الله في أنفس الناس من الرغبة في