النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب الصلح والصلحُ جائزٌ من دعوى الأموال، والمنافع، وجنايةِ العمد، والخطأ. إن بقي من الدار مقدارُ المُشاع أو أكثر: فلا رجوع للمدعى عليه بشيء ءِ من العوض، وإن بقي أقلّ منه: قُسم العوض على جميع المتنازع فيه، فما أصاب المستحق: ردَّه على المدعى عليه، وما بقي: فهو له. - وقوله: لم يبيِّنه: فيه إشارةٌ ودليلٌ على أن الصلح عن المجهول على معلوم: جائزٌ عندنا، خلافاً للشافعي(١). * قوله: (والصلح جائزٌ في دعوى الأموال، والمنافع). صورة دعوى المنافع: أن يدعيَ على الورثة أن الميت أوصى له بخدمة هذا العبد، وأنكر الورثةُ؛ لأن الرواية محفوظةٌ على أنه لو ادعى استئجارَ عين، والمالك يُنكر، ثم تصالحا: لم يجز. كذا في ((المستصفى)). * قوله: (وجناية العمد، والخطأ)، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية في الخطأ؛ لأنها مقدَّرة شرعاً، فلا يجوز إبطال ذلك. - بخلاف الصلح عن القصاص، حيث تجوز الزيادة على قدر الدية؛ لأن القصاص ليس بمال، وإنما يتقوَّم بالعقد. - وهذا إذا صالح على أحد مقادير الدية، أما إذا صالح على غير ذلك: جازت الزيادةُ على قدر الدية؛ لأنها مبادَلةٌ بها، إلا أنه يُشترط القبض في المجلس؛ کی لا یکون افتراقاً عن دینٍ بدین. (١) روضة الطالبين ٢٠٣/٤. ٤٢ كتاب الصلح ولا يجوز من دعوىُ حَدٍّ. - ولو قضى القاضي بأحد مقادير الدية، فصالح على جنسٍ آخر منها بالزيادة: جاز؛ لأنه تعيَّن الحقُّ بالقضاء، فكان مبادلةً، بخلاف الصلح ٠ ابتداء. - قال في ((الكرخي)»: إذا قضى القاضي بالدية مائة بعيرٍ، فصالح القاتلُ و الوليّ عن المائة البعير على أكثر من مائتي بقرة، وهي عنده، ودفع ذلك: جاز؛ لأن قضاء القاضي عيَّن الوجوبَ في الإبل. - فإذا صالح على البقر: فالبقر الآن ليست بمستَحَقّةٍ، وبيع الإبل بالبقر جائزٌ. - وإن صالح عن الإبل بشيء من المكيل أو الموزون، سوى الدراهم والدنانير إلى أجل: لم يجز؛ لأن الإبل دينٌ في الذمة، فإذا صالح عنها على كيلٍ أو موزون مؤجل: فقد عاوض ديناً بدين: فلا يجوز. - وإن صالح من الإبل على مثل قيمة الإبل، أو أكثر بما يُتغابَن فيه: جاز؛ لأن الزيادة غير متيقَّنة، وإن كانت بأكثر مما يُتغابَن فيه: لم يجز؛ لأنه صالح على أكثر من المستَحَق، فلا يجوز. * قوله: (ولا يجوز في دعوى حَدِّ)؛ لأنه حقُّ الله، لا حقُّه، ولا يجوز الاعتیاض عن حق غيره. ــ ولهذا لا يجوز الاعتياضُ إذا ادَّعت المرأة نسبَ ولدها؛ لأنه حقُّ الولد، لا حقّها. ٤٣ كتاب الصلح وإذا ادَّعىُ رجلٌ على امرأة نكاحاً، وهي تَجْحَدُ، فصالحته على مالٍ بَذَلَتْه حتى يترك الدعوى: جاز، وكان في معنى الخلع. وإن ادَّعت امرأةٌ نكاحاً على رجل، فصالحها على مالٍ بَذَلَه لها: لم يجز. - وسواء كان الحد في سرقة أو قذف أو زناً: أما الزنا والسرقة: فلأن الحدَّ فيه حق الله تعالى بلا خلاف. وأما حدُّ القذف: فإنه أيضاً حقُّ الله تعالى عندنا، والمغلَّب فيه حقُّ الشرع. فإن وقع الصلح في حد القذف قبل أن يُرفَع إلى القاضي: لا يجب بدل الصلح، ويَسقط الحدُّ؛ لأنه أعرض عن الدعوى، وإن صالح فيه بعد الترافع: لا يجب البدل، ولا يسقط الحدُّ. كذا في ((المشكل)). * قوله: (وإذا ادعى رجلٌ على امرأةٍ نكاحاً، وهي تَجحدُ، فصالحته على مالٍ بذلَتْه له حتى يَترك الدعوى: جاز، وكان في معنى الخلع)؛ لأن أمور المسلمين محمولةٌ على الصحة إذا أمكن حملُها، وقد أمكن حملُها على هذا الوجه. ءِ - وقوله: جاز: يعني في القضاء، أما فيما بينه وبين الله تعالى: فلا يحلّ له أن يأخذه إذا كان كاذباً. قوله: (وإن اذَّعت امرأةٌ نكاحاً على رجل، فصالحها على مالٍ بَذَلَه لها: لم يجز)؛ لأنه بَذَلَ لها المالَ لترك الدعوى. ٤٤ کتاب الصلح وإن ادَّعى رجلٌ على رجلٍ أنه عبدُه، فصالحه على مالٍ أعطاه: جاز، وكان في حق المدَّعي : في معنى العتق على مال. - فإن جُعل ترك الدعوى منها فُرقةً: فالزوج لا يُعطى العوض في الفرقة، وإن لم يُجعل فُرقةً: فلا شيء في مقابلة العوض الذي بذله لها، فلا يصح. وفي بعض النسخ: يجوز: ويُجعل المالُ الذي بَذَلَه لها زيادةً في مهرها. * قوله: (وإذا ادعى على رجل أنه عبدُه، فصالحه على مالِ أعطاه إياه: جاز)، يعني إذا كان المدعى عليه مجهول النسب. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (وكان في حق المدعي: في معنى العتق على مال)؛ لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه في حقه؛ لأن في زعمه أنه يأخذ المالَ لإسقاط حقه من الرق، وذلك جائزٌ. وفي زعم المدعى عليه أنه يُسقِط عن نفسه الخصومة، وذلك جائزٌ؛ لأنه يزعم أنه حرُّ الأصل. - قال في ((الهداية))(١): يكون في حق المدعي: بمنزلة الإعتاق على مالٍ، ولهذا يصح على حيوانٍ في الذمة إلى أجلٍ، وفي حق المدعى عليه: يكون لدفع الخصومة، إلا أنه لا وَلاءَ عليه؛ لإنكار العبد، إلا أن يقيم البينةَ أنه عبده، فتُقبل، ويثبت الولاء. (١) ١٩٥/٣. ٤٥ كتاب الصلح وكلِّ شيءٍ وَقَعَ عليه الصلحُ، وهو مستَحَقٌّ بعقد المداينة: لم يُحمَل على المعاوضة، وإنما يُحمَل على أنه استوفى بعضَ حقه، وأسقط باقيَه. كمَن له على رجلٍ ألفُ درهمٍ جياد، فصالحه على خمسمائةٍ زیوفٍ : جاز، وصار كأنه أبرأه عن بعض حقه. قوله: (وكلُّ شيءٍ وَقَعَ عليه عقدُ الصلح، وهو مستَحَقٌّ بعقد المداينة: لم يُحمَل على المعاوضة)؛ لأنه إذا ادعى على رجلٍ دراهمَ، فصالحه على أقلّ منها: لم يُحمَل على المعاوضة؛ لما فيه من الربا، (وإنما يُحمل على أنه استوفى بعضَ حقه، وأسقط باقيَه). - وإن صالحه على عينٍ من الأعيان، أو ادعىُ عيناً، فصالحه منها على دراهم: جاز، ويُحمَل على المعاوضة؛ لأنه لا يؤدي إلى الربا. - وقوله: بعقد المداينة: يعني أن بدل الصلح إذا كان من جنس ما ءِ يستحقّه المدعي على المدعى عليه بالعقد الذي جرى بينهما: فإن الصلح لا يُحمَل على المعاوضة. والمداينةُ : البيعُ بالدين. - وإنما وَضَعَ المسألةَ في المداينة وإن كان الحكمُ في الغصب كذلك؛ لأن الغصبَ غيرُ مشروع. قوله: (كمَن له على رجل ألف درهمٍ جِيادٍ، فصالحه على خمسِمائةٍ زيوفٍ: جاز، وصار كأنه أبرأه من بعض حقّه). وقَبْضُ الخمسِمائة التي وقع عليها الصلح قبل التفرق: ليس بشرطِ. ٤٦ كتاب الصلح ولو صالحه على ألفٍ مؤجَّلة: جاز، وصار كأنه أجَّل نفسَ الحق. ولو صالحه على دنانيرَ إلى شهرٍ : لم يجز. ولو كان له ألفٌ مؤجَّةٌ، فصالحه على خمسمائةٍ حالَّةٍ: لم يجز. - وكذا لو قال: حططتُ عنك خمسَمائة على أن تعطيني خمسَمائة: فالحط جائزٌ. - ولو صالحه على أقلّ من حقه من جهة القدر، ولكنه أزيد من جهة الوصف، كما إذا كان له ألفٌ نَبَهْرجةٌ، فصالحه على خمسمائة جيدة: لم يجز، وعليه ردُّ ما قَبَضَ، وله الرجوع بجميع حقه؛ لأن فيه معاوضةً الجودة بما حطّ، فيكون اصطناع المعروف من الجانبين، وإن كان اصطناع المعروف من جانب واحد: جاز الصلح. * قوله: (ولو صالحه على ألفٍ مؤجلة: جاز، وصار كأنه أجَّل نفسَ الحق)؛ لأنه ليس فيه إلا تأخير المطالبة، وقد أخذ مثلَ حقه، فصار كمن أجَّل دينه الحال، ولذا حُمل على أنه أجَّل نفسَ الحق؛ لأنه لا يمكن جعلُه معاوضة؛ لأن بيع الدراهم بمثلها نسيئةً: لا يجوز، فحملناه على التأخير. * قوله: (ولو صالحه على دنانير إلى شهرٍ: لم يجز)؛ لأن الدنانير غيرُ مستحقّة بعقد المداينة، فلا يُمكن حملها على التأخير، ولا وجه له سوى المعاوضة، وبيعُ الدراهم بالدنانير نسيئةً لا يجوز، فكذا لا يصح الصلح. * قوله: (ولو كان له ألفٌ مؤجَّلةٌ، فصالحه على خمسمائة حالَّةِ: لم يجز)؛ لأن المعجَّل خيرٌ من المؤجل، وهو غيرُ مستَحَقِّ، فيكون بإزاء ما ٤٧ كتاب الصلح حطَّ عنه، وذلك اعتياضٌ عن الأجل، وهو حرامٌ، وإذا لم يجز: كان عليه ردُّ ما قبض، وله الرجوع برأس المال بعد حلول الأجل. - ولو كان له عليه ألفٌ، فقال: متى أديتَ إليَّ خمسَمائة: فأنت بريءٌ من الباقي، فأدى خمسَمائة، فأبى الطالب أن يفيَ له بذلك: فإن أبا حنيفة قال: له ذلك، ولا يبرأ مما بقي؛ لأن هذه براءةٌ معلّقة بشرط، وبراءةُ صاحب الأصل لا يجوز تعليقها بالشروط؛ لأن فيها معنى التمليك. كذا في ((الكرخي)». - وكذا المرأة تقول هذه المقالة لزوجها في مهرها. - والرجل يقول هذه المقالة لمكاتبه: إذا أديتَ إليّ خمسَمائة فأنت بريء مما بقي من مكاتبتك، ثم أبى أن يفيَ بعد ما أدى: فذلك له، ولا تجوز البراءة. - وفي ((الهداية))(١): مَن له على رجلٍ ألفٌ، فقال له: أدِّ إليَّ غداً منها خمسَمائةٍ على أنك بريء من الفضل، ففَعَل: فهو بريء، وإن لم يدفع إليه الخمسمائة غداً: عاد عليه الألف، وهذا قولهما. وقال أبو يوسف: لا يعود عليه؛ لأنه إبراءٌ مطلَقٌ، ألا ترى أنه جعل أداءَ الخمسمائة عوضاً، حيث ذكره بكلمة: على، وهي للمعاوضة، والأداءَ لا يصلح عوضاً؛ لكونه مستَحَقّاً عليه، فجرى وجوده مجرى (١) ١٩٨/٣. ٤٨ کتاب الصلح ولو كان له ألفُ درهمٍ سودٍ، فصالحه على خمسمائةٍ بِيْضٍ : لم يجز. عدمه، فبقي الإبراءَ مطلقاً، فلا يعود، كما لو بدأ بالإبراء. ولهما: أن هذا إبراء مقيدٌ بالشرط، فيفوت بفواته؛ لأنه بدأ بأداء الخمسمائة في الغد، وأنه يصلح عوضاً له؛ حَذارِ إفلاسه، أو توسلاً إلى تجارة أربح منه. وكلمة: على: وإن كانت للمعاوضة، فهي محتملة للشرط. - وأما إذا بدأ بالبراءة، فقال: أبرأتُك من خمسمائةٍ من الألف على أن تعطيني الخمسَمائة غداً: فالإبراءُ فيه واقعٌ، أعطى الخمسمائة أو لم يعط؛ لأنه أطلق الإبراءَ أوَّلاً، وأداء الخمسمائة: لا يصلح عوضاً مطلقاً، ولكنه يصلح شرطاً، فوقع الشك في تقييده بالشرط، فلا يتقيد به. * قوله: (ولو كان له ألفٌ سُوْدٌ، فصالحه على خمسِمائةٍ بيضٍ: لم يجز)؛ لأن البيض غير مستَحَقّة بعقد المداينة، وهي زائدةٌ وصفاً، فتكون معاوضةَ الألفِ بخمسمائةٍ سودٍ وزيادةِ وصفٍ، وهو رباً. - بخلاف ما إذا صالح عن الألف البيض على خمسمائة سود؛ لأنه إسقاطُ كلِّه قدراً ووصفاً. - وبخلاف ما إذا صالح على قدر الدين، وهو أجود؛ لأنه معاوضةٌ المثل بالمثل، ولا معتبرَ بالصفة، إلا أنه يُشترط القبضُ في المجلس قبل الافتراق، كما إذا كان له ألفُ درهم نبهرجة، فصالحه منها على ألف درهم جيدة: جاز، ويكون القبض قبل الافتراق شرطاً؛ لأنه استبدالٌ، فيكون صرفاً. ٤٩ كتاب الصلح ومَن وكَّل رجلاً بالصلح عنه، فصالحه : لم يلزم الوكيلَ ما صالحه عليه، إلا أن يَضْمَنَه، والمالُ لازمٌ للموكِّل. * قوله: (ومَن وكّل رجلاً ليصالح عنه: لم يلزم الوكيلَ ما صالح عليه، إلا أن يضمنه، والمالُ لازمٌ للموكِّل). يريد به إذا كان الصلح عن دم العمد، أو كان الصلح عن بعض ما يدعيه من الدين؛ لأنه إسقاطٌ محضٌ، فكان الوكيل فيه سفيراً عن الموكِّل ومعبِّراً، فلا ضمانَ عليه، كالوكيل بالنكاح لا يلزمه المهرُ. - أما إذا وكَّله بالصلح عن مالٍ بمال، بأن ادعى رجلٌ عليه عروضاً أو عقاراً أو نحوهما، فوكَّله بالصلح عنه على مال: فإن المال لازمٌ للوكيل؛ لأن حقوق العقد هنا على الوكيل، دون الموكّل، ويرجع بما ضمن على الموكل. - قال الخُجَندي: الوكيل بالصلح إذا ضمن المالَ: يرجع على الموكل، سواء أمره بالضمان أو لم يأمره، وجَعَلَ الأمرَ بالصلح أمراً بالضمان. - وكذا إذا أمرتْه المرأةُ بأن يخالعها من زوجها، ففعل: يعود عليها، ويكون الأمرُ بالخلع أمراً بالضمان. - بخلاف الوكيل بالنكاح إذا ضمن المهرَ للمرأة: فإنه لا يرجع به على الزوجُ إلا أن يكون أَمَرَه بالضمان. والفرق: أن الخلع يجوز عليها بغير أمرها، ألا ترى أن فضولياً لو قال للزوج: اخلع امرأتك على مائةٍ من مالي، فخلعها: جاز، فلما كان يجوز: ٥٠ کتاب الصلح فإن صالح عنه على شيءٍ بغير أَمْره: فهو على أربعة أوجه : إن صالح بمالٍ، وضَمِنَه : تمّ الصلح. وكذلك إن قال: صالحتُك على ألفِي هذه: تمّ الصلحُ، ولزمه تسلیمُها . ففائدة أمرها الرجوعُ عليها بالضمان. - وكذا الأمر بالصلح: أمرٌ بالضمان؛ لهذا المعنى، والنكاح لا يجوز على الرجل بغير أمره، ففائدة أمره: جوازُ النكاح، لا ثبوتُ الرجوع، فلذلك افترقا. - وقوله: إلا أن يَضمنَه؛ لأنه حينئذ مؤاخَذٌ بعقد الضمان، لا بعقد الصرف. * قوله: (وإن صالح عنه على شيءٍ بغير أمره: فهو على أربعة أوجه: إن صالح بمالٍ، وضمنه: تمّ الصلح، ولزمه المال). يريد به أن يقول: صالحِنِي من دعواك مع فلانٍ على ألفٍ على أني ضامِنٌ بها، أو قال: بألفٍ من مالي، أو بألف عليَّ، أو على ألفي هذه، فإذا فعل: فالمال لازمٌ للوكيل؛ لأنه متبرعٌ، ولا يكون له شيء من المدعي، وإنما له الذي هو في يده. * قوله: (وكذلك إذا قال: صالحتُك على ألفي هذه)، أو على عبدي هذا: (تمَّ الصلح، ولزمه تسليمُها)؛ لأنه لما أضافه إلى مال نفسه: فقد التزم تسليمه، وهذا وجهٌ ثانٍ. ٥١ كتاب الصلح وكذلك لو قال : صالحتُك على ألفٍ، وسلَّمها إليه. وإن قال: صالحتُك على ألفٍ، ولم يسلِّمها إليه: فالعقدُ موقوفٌ، فإن أجازه المدَّعى عليه: جاز، ولزمته الألفُ، وإن لم يُجِزْهُ: بَطَلَ. : قوله: (وكذلك لو قال: صالحتُك على ألفٍ، وسلَّمها إليه)، وهذا وجهٌ ثالث؛ لأن التسليم يوجب سلامةَ العوض له، فيتم العقد. * قوله: (وإن قال: صالحتُك على ألفٍ، وسكت(١): فالعقد موقوفٌ، فإن أجازه المدعى عليه: جاز، ولزمته الألف، وإن لم يجزه: بطل)، وهذا وجهٌ رابع. وإنما وقف؛ لأن العاقد تبرَّع بالعقد، ولم يتبرَّع بالمال؛ لأنه لم يُضِفِ المال إلى نفسه، فلم يلزمه، فإن أجازه المطلوب: لزمه المال، وإن لم يُجزه: بطل. - وذكر الخُجَنديُّ وجهاً خامساً، وهو أن يقول: صالحني من دعواك على فلان، بإضافة الصلح إلى نفسه، كما لو أضافه إلى المال: فيجوز. وبدلُ الصلح على المصالح، سواء كان بأمر المدعى عليه أو بغير أمره، وليس للمدعي على المدعى عليه سبيل، ويرجع المصالح بما ضمن على المدعى عليه إن كان الصلح بأمره، سواء أمره بالضمان أو لم يأمره، وإن كان بغير أمره: فإنه متبرِّعٌ، فلا يرجع عليه. (١) وفي نُسخ من القدوري: ولم يسلمها إليه: بدل: وسكت. ٥٢ كتاب الصلح وإذا كان الدَّين بين شريكين، فصالح أحدُهما من نصيبه على ثوبٍ : فشريكُه بالخيار : إن شاء اتَّبَعَ الذي عليه الدَّيْن بنصفه، . - قال في ((الهداية))(١): ووجه آخر، وهو أن يقول: صالحتك على هذا الألف، أو على هذا العبد، ولم يَنسبه إلى نفسه؛ لأنه لما عيَّنه للتسليم: صار شارِطاً سلامتَه، فيتمُّ بقَبوله. فلو استُحق العبد، أو وَجَدَ به عيباً، فردَّه: فلا سبيل له علىُ المصالح؛ لأنه التزم الإيفاءَ من محلّ بعينه، ولم يلتزم شيئاً سواه، فإن سَلِمَ المحلّ: تمّ الصلح، وإن لم يَسَلم: لم يرجع بشيء. * قوله: (وإذا كان الدين بين شريكين، فصالح أحدُهما عن نصيبه على ثوب، فشريكُه بالخيار: إن شاء اتَّبع الذي عليه الدين بنصفه). الأصل: أن الدَّيْنَ المشترَكَ بين اثنين: إذا كان بسببٍ واحد: فمتى قَبَضَ أحدُهما شيئاً منه: فإن المقبوض: من النصيبين جميعاً، فلصاحبه أن يشاركه في المقبوض، ولكنه قبل المشاركة باقٍ على ملك القابض، حتى ينفُذُ تصرُّفُه فيه، ويضمنُ لشريكه حصتَه. - وإنما كان المقبوض من النصيبين جميعاً؛ لأنا لو جعلناه من أحدهما: قَسَمْنا الدينَ حالَ كونه في الذمة، وذلك لا يجوز؛ لأن القسمة تميِّز الحقوق، وذلك لا يتأتى فيما في الذمة، وإذا لم تجز القسمةُ: صار المقبوض من الحقَّيْن. (١) ١٩٧/٣. ٥٣ كتاب الصلح وإن شاء أَخَذَ نصفَ الثوب، إلا أن يضمن له شريكُهُ رُبُّعَ الدَّيْن. والدينُ المشترك يكون واجباً بسببٍ متحد، كثمن المبيع إذا كان صفقةً واحدة، وثمن المال المشترك، والموروث بينهما، وقيمة المستهلك المشترك. فإذا عرفنا هذا: نقول في مسألة الكتاب: له أن يَتْبع الذي عليه الأصل؛ لأن نصيبه باقٍ في ذمته؛ لأن القابض قَبَضَ نصيبه، لكن له حق المشاركة؛ لأنه قبل أن يشاركه فيه باقٍ على ملك القابض. : قوله: (وإن شاء أخذ نصفَ الثوب)؛ لأن له حقَّ المشاركة فيه. * قوله: (إلا أن يَضمن له شريكُه ربعَ الدين)؛ لأن حقه في ذلك. - فإن لم يأخذ نصفَ الثوب، وأراد الرجوع على غريمه، فتَوَىُ المالُ عليه: فله أن يرجع على شريكه بنصف الثوب؛ لأن المقبوض إنما وقع في الأصل مشتركاً، فإن أخَّر أحدُهما نصيبَه، ولم يؤخِّر الآخرُ: لم يجز عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز. كذا في ((شرحه)). - وفي ((الهداية))(١): يصح عند أبي يوسف؛ اعتباراً بالإبراء المطلق، وعندهما: لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى قسمة الدَّيْن قبل القبض؛ لأن نصيب أحدهما يصير مؤجلاً، ونصيب الآخر معجلاً، فيتميز نصيب أحدهما من نصيب الآخر، وقسمةُ الدين حالَ كونه في الذمة: لا يجوز. (١) ٢٠٠/٣. ٥٤ کتاب الصلح ولو استوفىُ نصفَ نصيبه من الدَّيْن : كان لشريكه أن يَشْرَكَه فيما قبض، ثم يرجعان على الغريم بالباقي. ولو اشترى أحدُهما بنصيبه من الدَّيْن سلعةً: كان لشريكه أن يضمِّنه ربعَ الدَّین. وأبو يوسف يقول: في تأخير أحدهما لنصيبه: إسقاطُ حقه في المطالبة، فصار كالبراءة والهبة. * قوله: (ولو استوفىُ نصفَ نصيبه من الدين: كان لشريكه أن يشاركه فيما قبض، ثم يرجعان على الغريم بالباقي)؛ لأن المقبوض صار مشتركاً، فهو من الحقَّيْن جميعاً. * قوله: (وإن اشترى أحدُهما لنفسه بنصيبه من الدين سلعةً: كان لشريكه أن يُضمِّنْه ربعَ الدين)؛ لأنه صار قابضاً حقَّه بالمقاصَّة كَمَلاً؛ لأن مبنى البيع على المماكسة، بخلاف الصلح فإن مبناه على الإغماض والحطيطة، فلو ألزمناه دفعَ ربع الدين في الصلح: يتضرر به، فيتخيّر القابض في الصلح. - وقوله: كان لشريكه أن يُضمِّنْه ربعَ الدين: هذا إذا كان ثمنُ السلعة مثلَ نصف الدين، ولا سبيلَ للشريك على الثوب في البيع؛ لأنه مَلَكَه بعقده، والاستيفاء بالمقاصة بین ثمنه وبین الدین. وللشريك أن يَتْبع الغريم في جميع ما ذكرنا؛ لأن حقه في ذمته باق؛ لأن القابض استوفى نصيبَه حقيقةً، لكن له حقُّ المشاركة، وله أن لا يشاركه. ٥٥ كتاب الصلح وإن كان السَّلَمُ بين شريكين، فصالح أحدُهما من نصيبه على رأس المال: لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز الصلحُ. وإذا كانت التركةُ بين ورثةٍ، فأخرجوا أحدَهم منها بمالٍ أعطَوْه إياه، والتركةُ عقارٌ أو عُروضٌ: جاز، قليلاً كان ما أعطَوْه أو كثيراً. قوله: (وإذا كان السَّلَم بين شريكين): أي المسلَم فيه، (فصالح أحدُهما من نصيبه على رأس المال: لم يجز عندهما، وقال أبو يوسف: يجوز الصلح)؛ اعتباراً بسائر الديون، وبما إذا اشتريا عبداً، فأقال أحدُهما في نصيبه خاصة. ولهما: أنه لو جاز في نصيبه خاصةً: تكون قسمةُ الدين في الذمة، ولو جاز في نصيبهما: لا بدَّ من إجازة الآخر؛ لأن فيه فَسْخَ العقد على شريكه بغير إذنه، وهو لا يملك ذلك. وقول محمدٍ في نسخةٍ(١): مع أبي يوسف، وفي نسخة: مع أبي حنيفة. * قوله: (وإذا كانت التركةُ بين ورثةٍ، فأخرجوا أحدَهم عنها بمالٍ أعطَوْه إياه: فإن كانت التركةُ عقاراً أو عروضاً: جاز، قليلاً كان ما أعطَوْه إياه أو كثيراً)؛ لأنه أمكن تصحيحُه بيعاً. (١) أي من مختصر القدوري. ٥٦ کتاب الصلح وإن كانت التركةُ فضةً فأعطَوْه ذهباً، أو ذهباً فأعطَوْه فضةً: فهو كذلك. وفيه أثرُ عثمانَ رضي الله عنه، فإنه صالح تُماضِرَ امرأةً عبد الرحمن بن عَوْف عن رُبُعِ ثُمُنُها على ثمانين ألف دينار(١). * قوله: (وإن كانت التركةُ فضةً، فأعطَوْه ذهباً، أو كانت ذهباً، فأعطوه فضةً: فهو جائزٌ)، ويُعتبر التقابض في المجلس؛ لأنه معتَبرٌ (١) قال الزيلعي في نصب الراية ١١٢/٤: غريبٌ بهذا اللفظ، ثم ذكر عن مصنَّف عبد الرزاق أن امرأةً عبد الرحمن بن عوف أخرجها أهلُه من ثلث الثَّمُن بثلاثةٍ وثمانين ألف درهم. ونقل عن الطبقات لابن سعد ١٣٦/٣ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف أنه ترك أربع نسوة، وأُخرجت إحداهن من ثُمُنها بثمانين ألف. كما نقل عن ابن سعد في الطبقات ١٢٩/٣ في قصة زواج عبد الرحمن من تُماضِر هذه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الرحمن بن عوف في سبعمائة إلى دَوْمة الجَنْدل سنة ستٍّ، فنقض عمامته، ثم عمَّمه بعمامة سوداء، فأرخى بين كتفيه منها، فقَدِمَ دومةَ الجندل، فدعاهم إلى الإسلام فأبَوْا ثلاثاً، ثم أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رأسَهم، فبعث عبدُ الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكتب إليه أن تزوَّج تماضِرَ بنتَ الأصبغ، فتزوج بها، وأقبل بها، وهي أم ولده أبي سلمة. كما نقل الزيلعي في نصب الراية ١٣/٤: عن ابن سعد في الطبقات ٢٩٩/٨ في ترجمة صاحبة القصة تُماضِر بنت الأصبغِ أنه كان فيها سوءُ خُلُق، وكانت على تطليقتين من عبد الرحمن بن عوف، فطلقها الثالثة وهو في مرض موته، فورَّتُها عثمان منه بعد انقضاء العدة. وعدَّها ابن حجر في الإصابة ٢٥٥/٤ من الصحابيات رضي الله عنهن أجمعين. ٥٧ کتاب الصلح وإن كانت التركةُ ذهباً وفضةً، وغيرَ ذلك، فصالحوه على فضة، أو ذهبٍ : فلا بدَّ أن يكون ما أعطَوْه أكثرَ من نصيبه من ذلك الجنس، حتى يكون نصيبُه بمثله، والزيادةُ بحقه من بقية الميراث. وإذا كان في التركة دَيْنٌ على الناس، فأدخلوه في الصلح، على أن يُخْرِجوا المصالَحَ عنه، ويكونَ الدَّيْنُ لهم: فالصلحُ باطلٌ. بالصرف، وإن افترقا قبل القبض: بطل. : قوله: (وإن كانت التركةُ ذهباً وفضةً، وغيرَ ذلك، فصالحوه على فضة أو ذهب: فلا بدَّ أن يكون ما أعطَوْه أكثرَ من نصيبه من ذلك الجنس، حتى يكون نصيبُهُ بمثله، والزيادةُ بحقُّه من بقية الميراث). احترازاً عن الربا، ولا بدَّ من التقابض فيما يقابل نصيبه من الذهب والفضة؛ لأنه صرفٌ في هذا القدر. - وإن كان بدل الصرف عَرْضاً: جاز مطلقاً؛ لعدم الربا. - قوله: فلا بدَّ أن يكون أكثرَ من نصيبه: إنما يبطل الصلح على مثل نصيبه، أو أقل حالَ التصادق، أما إذا كانوا جاحدين أنها امرأةٌ الميت: فالصلح جائزٌ؛ لأن المعطى إنما هو لقطع المنازعة، لا للمعاوضة، حتى لو کان ذهباً، فصالحوه عنه بذهبٍ أقلّ منه: جاز. * قوله: (وإن كان في التركة دينٌ على الناس، فأدخلوه في الصلح على أن يُخرجوا المصالِحَ عنه، ويكون الدينُ لهم: فالصلح باطلٌ). ٥٨ كتاب الصلح فإن شرطوا أن يبرأ الغرماءَ منه، ولا يُرجَعَ عليهم بنصيب المصالَح : فالصلحُ جائزٌ. المصالح: بكسر اللام، والضمير في: عنه: راجعٌ إلى الدين؛ لأن فيه تمليكَ الدين لغير مَن هو عليه، وهو حصة المصالح. - وقوله: فالصلح باطلٌ: أي في العين والدين. * قوله: (وإن شرطوا أن يَبرأ الغرماءَ منه، ولا يرجعَ عليهم بنصيب المصالح: فالصلحُ جائزٌ)؛ لأنه إسقاطٌ، إذ هو تمليكُ الدين ممن هو علیه، وذلك جائزٌ. - وهذه حيلةُ الجواز، وحيلةٌ أخرى: أن يُعجِّلوا قضاء نصيبه متبرِّعين، وفي الوجهين ضررٌ بهم، والأوجه أن يُقرِضوا المصالحَ مقدارَ نصيبه، ويصالحوه عما وراء الدين، ويُحيلهم على استيفاء نصيبه من الغرماء. ٥٩ كتاب الهبة كتاب الهبة الھبةُ تصحُ بالإيجاب والقبول، كتاب الهبة الهبةُ في اللغة هي: التبرُّع. وفي الشرع: عبارةٌ عن تمليك الأعيان بغير عوض. - وهي جائزة بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِيَعَامَِّنًا﴾. النساء / ٤، أي هنيئاً، لا إثمَ فيه، مريئاً، لا مَلامةَ فيه. وقيل: الهنيءُ: الطّيِّبُ المَسَاغ، الذي لا يُنْغِّصه شيء، والمَريءُ: المحمود العاقبة، الذي لا يَضُرُّ ولا يؤذي. وبالسُّنَّة: وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((تهادُوا تحابُّوا))(١). * قال رحمه الله: (الهبةُ تصح بالإيجاب والقبول). - إنما قال: تصح، وقال في البيع: ينعقد: لأن الهبة تتم بالإيجاب (١) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٦٩/٣: رواه البخاري في الأدب المفرد (٦٠٧)، والبيهقي ١٦٩/٦، وأورده ابن طاهر في مسند الشهاب (٦٥٩)، وإسناده حسن. اهـ ٦٠ كتاب الهبة وتتمُّ بالقبض. وحده، ولهذا لو حلف: لا يَهَب، فوهب، ولم يَقبل الموهوبُ له: حنث. أما البيع: فلا يتم إلا بهما جميعاً، حتى لو حلف: لا يبيع، فباع، ولم يقبل الآخرُ: لا يحنث، فلهذا استعمل لفظ: ينعقد في البيع. * قوله: (وتتمُّ بالقبض). - قال في ((الهداية)) (١): القبض لا بدَّ منه لثبوت الملك؛ لأن الهبة عقد تبرع، وفي إثبات الملك قبل القبض: إلزامُ المتبرع شيئاً لم يتبرَّع به، وهو التسليم، فلا يصح. - قال في (الينابيع)): القبضُ يقوم مقام القبول، حتى إنه إذا قال له: وهبتُ لك عبدي هذا، والعبدُ حاضرٌ، فقَبَضَه: جاز وإن لم يقل: قَبِلتُ. - وكذا لو كان العبد غائباً، فقال: وهبتُه منك، فاذهب فاقبِضْه، ولم يقل: قَبِلتُ، فذهب وقَبَضَه: جاز. - ولو وهب الدينَ من الغريم، أو أبرأه منه: لم يفتقر إلى القبول عند أبي حنيفة، ويَرتدُّ بالردِّ. وقال زفر: يقف على القبول. فإن وهب لرجلٍ ديناً على آخر، وأَذِنَ له في قبضه منه، فقَبَضَه: جاز؛ استحساناً. (١) ٢٢٤/٣.