النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ كتاب المضاربة وإن عَلِمِ بعَزْله والمالُ عُروضٌ في يده: فله أن يبيعَها، ولا يمنعه العزلُ من ذلك. ثم لا يجوز أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخر. وإن عَزَله ورأسُ المال دراهمٌ أو دنانيرُ قد نَضَّت: فليس له أن يتصرَّفَ فيها . وإذا افترقا وفي المال ديون، وقد رَبِحَ المضاربُ فيه : أجبره الحاكم على اقتضاء الديون. * قوله: (وإن عَلِم بعزله والمالُ عروضٌ: فله أن يبيعها، ولا يمنعه العزل عن ذلك)؛ لأن المضاربة قد تمَّت بالشراء، وصحَّت، فلا يجوز له العزلُ بعد ذلك؛ لأن حقَّه قد ثبت في الربح، وإنما يَظهر بالقسمة، وهي تُبتنى على رأس المال، وإنما تَنِضُّ بالبيع. * قوله: (ثم لا يجوز أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخرَ)، يعني: العروضَ إذا باعها؛ لأنها قد صارت نقداً. * قوله: (وإن عَزَلَه ورأسُ المال دراهم أو دنانير قد نَضَّت: فليس له أن يتصرف فيها). - هذا إذا كان من جنس رأس المال، أما إذا كان رأس المال دنانير، والذي نضَّ له دراهم، أو على العكس: فله أن يبيعها بجنس رأس المال؛ استحساناً؛ لأن الربح لا يظهر إلا به. كذا في ((الهداية))(١). * قوله: (وإذا افترقا وفي المال ديون، وقد ربح المضاربُ فيه: أجبره الحاكمُ على اقتضاء الديون)؛ لأنه بمنزلة الأجير؛ لأن الربح له كالأجرة، (١) ٢٠٩/٣. ٤٦٢ كتاب المضاربة وإن لم يكن في المال ربحٌ: لم يَلزمه الاقتضاء، ويُقال له: وكِّلْ ربَّ المال في الاقتضاء. وما هَلَكَ من مال المضاربة : فهو من الربح، دون رأس المال. ولأن عَمَلَه حصل بعوض، فيُجبر على إتمامه، كالأجير. * قوله: (وإن لم يكن في المال ربحٌ: لم يلزمه الاقتضاء)؛ لأنه وكيل محضٌ، وهو متبرعٌ، والمتبرع لا يُجبر على إيفاء ما تبرع به، ولأن الديون ملكٌ لرب المال، ولا حظّ له فيها، فلا يُجبر. * قوله: (ويقال له: وكُّلْ ربَّ المال في الاقتضاء)؛ لأن حقوق العقد إلى العاقد، فلا بدَّ من توكيله كي لا يضيعَ حقُّه. وفي ((الجامع الصغير))(١): يقال له: أحِلْ، مكان قوله: وكِّل. والمراد منه: الوكالة؛ للمناسبة بين الوكالة والحوالة، فإن معنى الحوالة: نَقْلُ الدين من ذمةٍ إلى ذمة، ومعنى الوكالة: نَقْلُ ولاية التصرف، فاستعار لفظَ الحوالة للوكالة. - والذي يبيع بالأجر، كالسمسار، والبيَّاع بالأجر: يُجبران على الاقتضاء؛ لأنهما يعملان بالأجرة، فكان الأجر لهما بدلَ عملهما. * قوله: (وما هلك من مال المضاربة: فهو من الربح، دون رأس المال)؛ لأن الربح تبعٌ لرأس المال، وصَرْفُ الهلاك إلى ما هو التبع: أَوْلِئُ؛ كما يُصرف الهلاك إلى العفو في الزكاة. (١) ص٢٠٩. ٤٦٣ كتاب المضاربة وإذا زاد الهالكُ على الربح : فلا ضمانَ على المضارب فيه. وإذا كانا قد اقتسما الربحَ، والمضاربةُ بحالها، ثم هَلَكَ المالُ كلُّه أو بعضُهُ : ترادًّا الربحَ؛ حتى يستوفيَ ربُّ المال رأسَ المال. فإن فَضَلَ شيء : كان بينهما . وإِن عَجَزَ عن رأس المال : لم يضمن المضاربُ. قوله: (وإن زاد الهالك على الربح: فلا ضمان على المضارب فيه)؛ لأن مال المضاربة مقبوضٌ على وجه الأمانة، فصار كالوديعة. - ويُقبل قوله في هلاكه وإن لم يَعلم ذلك، كما يُقبل في الوديعة. - وسواء كانت المضاربة صحيحةً أو فاسدةً: فهي أمانةٌ عند أبي حنيفة، وعندهما: إن كانت فاسدةً: فالمال مضمونٌ. : قوله: (وإذا كانا قد اقتسما الربحَ، والمضاربةُ بحالها، ثم هلك المالُ كله، أو بعضُه: ترادًا الربح حتى يستوفيَ ربُّ المال رأسَ ماله)؛ لأن قسمة الربح لا تصح قبل استيفاء رأس المال؛ لأنه هو الأصل، وهذا بناءٌ علیه، وتَبَعٌ له. * قوله: (فإن فَضَلَ شيءٌ): أي عن رأس المال: (كان بينهما)؛ لأنه ربحٌ. قوله: (وإن نَقَصَ عن رأس المال: لم يَضمن المضاربُ)؛ لأنه أمینٌ. ٤٦٤ كتاب المضاربة وإن كانا قد اقتسما الربحَ، وفَسَخا المضاربةَ، ثم عَقَداها، فهلك المال كلُّه أو بعضُهُ: لم يترادًا الربحَ الأول. ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنَّسيئة. : قوله: (وإن كانا قد اقتسما الربحَ) الأولَ، (وفَسَخَا المضاربة، ثم عقداها، فهلك المالُ، أو بعضُه: لم يترادًا الربحَ الأول)؛ لأن المضاربة الأولىُ قد تمت وانفصلت، والثانيةَ عقدٌ جديدٌ، فهلاك المال في الثاني: لا يوجب انتقاضَ الأول، کما إذا دفع إليه مالاً آخر. : قوله: (ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة)؛ لأنه من صُنْع التجار. - وهذا إذا باع إلى أجلٍ معتاد، أما إذا كان إلى أجلٍ لا يبيع التجار إليه، ولا هو معتادٌ: لم يجز؛ لأن الأمر العامَّ ينصرف إلى المعروف بين الناس. - ولهذا كان له أن يشتريَ دابةً للركوب، وليس له أن يشتريَ سفينةً للركوب، وله أن يَستكريَها؛ اعتباراً لعادة التجار. - وله أن يأذن لعبد المضاربة في التجارة، في الرواية المشهورة؛ لأنه من صُنْع التجار. - ولو باع، ثم أخَّر الثمنَ: جاز، بالإجماع. أما عندهما: فلأن الوكيل يملك ذلك، فالمضاربُ أَوْلى؛ لأنه أقوى منه تصرفاً. ٤٦٥ كتاب المضاربة وأما عند أبي يوسف: فلأنه يَملك الإقالةَ، ثم البيع بالنَّساء، بخلاف الوكيل، فإنه لا يملك الإقالة. يعني أن الوكيل عندهما يملك الإقالةَ، وتأخيرَ الثمن، إلا أنهما قالا في الوكيل: إذا أخَّر الثمنَ: ضمن، والمضاربُ: لا يضمن؛ لأن المضارب يملك أن يستقيل، ثم يبيع بنسيئة، فكذلك يَملك أن يؤخِّر ابتداءً، ولا يضمن، والوكيل لا يملك أن يقايل، ثم يبيع بالنَّساء، فإذا أخَّر: ضمن. وأما أبو يوسف فقال: لا يجوز تأخير الوكيل، ويجوز تأخير المضارب؛ لما ذکرنا. - وإن احتال المضارب بالثمن على رجل، والمُحال عليه أيسر أو أعسر: فهو جائز؛ لأن الحوالة من عادة التجار؛ لأنهم ربما تمكنوا من الاقتضاء من المُحال عليه أكثر مما يتمكنون من اقتضاء المُحيل. وليس هذا كالوصي إذا احتال بمال اليتيم، فإنه يُعتبر فيه الأصلح؛ لأن تصرفه مقيَّدٌ بشرط النظر، فإن كان ذلك أصلح: جاز، وإلا: لم يجز؛ لأن الوصي يتصرف لليتيم على وجه الاحتياط، فما لا احتياط فيه: لا يجوز، وتصرف المضارب على عادة التجار، فما اعتادوه: جاز. - وإن قال رب المال للمضارب: لا تبع إلا بالنقد: لم يكن له أن يبيع إلا بالنقد؛ لأن المضاربة يدخلها التخصيص، وله في ذلك منفعة، وهو تعجيل المال. ٤٦٦ كتاب المضاربة ولا يُزوِّجُ عبداً، ولا أمةً من مال المضاربة. - فإن أمره أن يبيع بالنسيئة: فله أن يبيع بالنقد والنسيئة؛ لأن بالنقد خيراً له وإن نهاه عنه، كما لو وكَّل رجلاً أن يبيع له عبداً بألف، ولا يبيعه بأکثر من ذلك: کان له أن یبیعَه بألف وبما زاد علیه. * قوله: (ولا يزوِّج عبداً، ولا أمةً من مال المضاربة). أما العبد: فلأنه يلزمه دينٌ يتعلق بالمضاربة من غير عوض. وأما الأمة: فقال أبو حنيفة ومحمد: لا يزوِّجها؛ لأن النكاح ليس من التجارة، بدليل أن المأذونة لا تملك تزويج نفسها. ٩ وقال أبو يوسف: له أن يزوج الأمةَ؛ لأن في تزويجها تحصيل عوضٍ، وهو المهر، فصار كالبيع، ولأن في تزويجها سقوطَ نفقتها عن المولى. - وليس للمضارب أن يكاتب؛ لأن الكتابة ليست من التجارة، والله تعالى أعلم. ٤٦٧ كتاب الوكالة كتاب الوكالة كلّ عقدٍ جاز أن يَعقده الإنسانُ بنفسه: جاز أن يوكِّل به غيرَه. کتاب الوكالة الوكالةُ في اللغة هي: الحفظُ، ومنه قولهم: حسبنا الله ونعم الوكيل: أي: ونعم الحافظ. وفي الشرع: عبارة عن إقامة الغير مَقامَه في تصرُّفٍ معلوم. * قال رحمه الله: (كل عقدٍ جاز أن يَعقدَه الإنسان لنفسه: جاز أن يُوكِّل به غيرَه)؛ لأن الإنسان قد يَعجز عن المباشرة بنفسه، فَيَحتاج إلى توكيل غيره. ـ ومعنى قوله: جاز أن يَعقده لنفسه: أي بأهلية نفسه، مستبدَّاً به، وهذا الدفع نقض الوكيل؛ لأنه لا يملك التوكيل. - وإنما لم يقل: كلّ فعل جاز أن يفعله: احترازاً عما لا يدخل تحت العقود، وهو ما يفعله، مثل استيفاء القصاص، فإنه يجوز أن يفعله بنفسه، ولا يجوز أن یوگِّل به مع غيبته. - ثم الوكالةُ لا تصح إلا باللفظ الذي تثبت به الوكالة، من قوله: و گَلتُك ببيع عبدي هذا، أو بشراء كذا. ٤٦٨ كتاب الوكالة ويجوز التوكيل بالخصومة في سائر الحقوق، وبإثباتها. ويجوز التوكيلُ بالاستيفاء إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غَيْبة الموكّل عن المجلس. وقال أبو حنيفة : لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم، إلا أن يكون الموكِّلُ مريضاً، أو غائباً مسيرةَ ثلاثةِ أيامٍ فصاعداً. وعن أبي يوسف: إذا قال: أحببتُ أن تبيع عبدي هذا، أو رضيتُ، أو شئتُ، أو أردتُ: فهو توکیل. - وإن قال: لا أنهاك عن طلاق امرأتي: لا یکون ھذا توکیلاً، حتى لو طلَّقها: لا يقع. كذا في ((النهاية)). قوله: (ويجوز التوكيل بالخصومة): أي بالدعوى الصحيحة، أو بالجواب الصريح. * قوله: (في سائر الحقوق، وبإثباتها): أي في جميعها. - وهذا بإطلاقه إنما هو قولهما، وقال أبو يوسف: هو كذلك، إلا في الحدود والقصاص واللعان، فإن عنده لا يجوز التوكيل بالخصومة فيها، ولا في إثباتها بإقامة البينة. * قوله: (ويجوز التوكيل بالاستيفاء، إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غَيْبة الموكّل عن المجلس)، يعني المقذوفَ، والمسروقَ منه، وولي القصاص. * قوله: (وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوكيل بالخصومة، إلا برضا الخصم، إلا أن يكون الموكِّل مريضاً، أو غائباً مسيرةَ ثلاثة أيام فصاعداً)، ٤٦٩ كتاب الوكالة سواء كان وکیل المدعي أو المدعى عليه. - قوله: إلا أن يكون مريضاً: يعني مرضاً يمنعه من الحضور (١)، أما إذا كان لا يمنعه: فهو كالصحيح لا يجوز توكيلُه عند أبي حنيفة إلا برضا الخصم. - قوله: أو غائباً مسيرة ثلاثة أيام: أما دونها: فهو كالحاضر. - وأما المرأة إن كانت مخدَّرةً: جاز لها أن توكل بغير رضا الخصم؛ لأنها لم تألف خطابَ الرجال، فإذا حضرت مجلسَ الحكم: انقبضت، فلم تنطق بحجتها؛ لحيائها، وربما يكون ذلك سبباً لفوات حقها، وهذا شيء استحسنه المتأخرون، فجعلوها کالمریض. وأما إذا كان عادتها أن تحضر مجالسَ الرجال: فهي كالرجل، لا يجوز لها التوكيل إلا برضا الخصم. - ومن الأعذار التي توجب لزومَ التوكيل بغير رضا الخصم عند أبي حنيفة: الحيضُ إذا كان القاضي يقضي في المسجد، وهي على وجهين: إن كانت هي طالبةٌ: قُبِل منها التوكيلُ بغير رضا الخصم. وإن كانت هي مطلوبة: إن أخَّرَها الطالبُ حتى يخرج القاضي من المسجد: لا يُقبل منها التوكيل بغير رضا الخصم الطالِب؛ لأنه لا عذر بها إلى التوكيل. (١) وفي نسخ: من الخصومة. اهـ، والمعنى واحدٌ. ٤٧٠ كتاب الوكالة وقالا : يجوز التوكيل بغير رضا الخصم. ومِن شَرْطِ الوكالةِ : أن يكون الموكِّلُ ممَّن يملك التصرُّفَ، * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم). قال في («الهداية» (١): لا خلاف في الجواز، إنما الخلاف في اللزوم. يعني هل ترتدُّ الوكالة بردِّ الخصم؟ عند أبي حنيفة: نعم، وعندهما: لا، ويُجبر. واختار أبو الليث الفتوى على قولهما. وقال السرخسي(٢): الصحيح أن القاضي إذا علم من الموكِّل القصد بالإضرار إلى المدعي بالتوكيل بحِيَله وأباطيله: لا يقبل منه التوكيل إلا برضا خصمه، وإلا : فيقبله. - وقيَّد بالخصومة ؛ لأن التوكيل بقبض الدين والتقاضي والقضاءِ بغير رضا الخصم: جائزٌ، إجماعاً. - ولو وكَّله بقبض العين: لا يكون وكيلاً بالخصومة، إجماعاً. - ثم الوكيل بقبض العين: إذا أقام الذي هي في يده البينةَ أن الموكل باعه إياها: سُمعت البينة في منع الوكيل من القبض، ولا يثبتُ بها البيع. * قوله: (ومِن شَرْط الوكالة: أن يكون الموكّل ممن يملك التصرف)؛ (١) ١٣٦/٣. (٢) لم أجده في المبسوط. ٤٧١ کتاب الوكالة وتَلزمُهُ الأحكامُ. لأن الوكيل إنما يملك التصرف من جهة الموكل، فلا بد أن يكون الموكل مالكاً ليُملِّكه من غيره. - فعلى هذا يجوز توكيل العبد المأذون والمكاتب؛ لأنهما يصح منهما التصرف. - ولا يجوز توكيل العبد المحجور عليه، ولا الصبيِّ المحجور عليه. - وليس المعتبر أن يكون الموكِّل مالكاً للتصرف فيما وكَّل به، وإنما المعتبر أن يكون ممن يصح منه التصرف في الجملة؛ لأنهم قالوا: لا يجوز بیع الآبق، ويجوز أن یوگِّل ببيعه. * قوله: (وتلزمه الأحكام). - قيَّد بذلك: احترازاً عن الوكيل، فإن الوكيل ممن لا يثبت له حكم تصرفه، وهو الملك، فإن الوكيل بالشراء: لا يملك المشترَى، والوكيل بالبيع: لا يملك الثمن، فلذلك لا يصح توكيل الوكيل لغيره. وقيل: احترازاً عن العبد والصبي المحجورَيْن، فإنهما لو اشتريا شيئاً: لا يملكانه، فلا يصح توكيلهما بذلك؛ لأن الوكيل يَملك التصرف من جهة الموكل، فلا بدَّ أن يكون الموكل مالكاً ليُملِّكه من غيره. - وإنما شَرَطَ أن يكون الموكِّل ممن تلزمه الأحكام؛ لأن ما يلزم الوكيل: يرجع به على الموكِّل، فإذا كان الموكِّل ممن لا تلزمه الأحكام: لم يوجد ذلك، فلا يصح. ٤٧٢ كتاب الوكالة والوكيلُ ممن يعقلُ العقدَ، ويَقصِدُه. وإذا وكَّل الحرّ، البالغُ، أو المأذونُ مثلَهما : جاز. وإن وكَّلا صبياً محجوراً يعقلُ البيعَ والشراءَ، أو عبداً محجوراً: جاز. ولا تتعلق بهما الحقوق، وتتعلق بموكِلَيْهما. قوله (والوكيلُ ممن يعقل العقدَ، ويقصدُه)؛ لأنه يقوم مقام الموكِّل في العبارة، فلا بد أن يكون من أهل العبارة، حتى لو كان صبياً لا يعقل البيع، أو مجنوناً: کان التوکیل باطلاً. - قوله: ويقصدُه: احترازاً عن بيع الهازل، والمكرَه، حتى لو تصرف هازلاً: لا يقع على الآمر. قوله: (وإذا وكَّل الحرُّ البالغ، أو المأذونُ له مثلَهما: جاز)؛ لأن الموكّل من أهل التصرف، والوكيل من أهل العبارة. - وإنما شَرَطَ مثلَهما؛ لأنهما إذا وكَّلا مثلهما تعلقت حقوق العقد بالوكيل، وإن وكَّلا دونهما: جاز أيضاً، ولا تتعلق حقوق العقد بالوكيل. - وفي ((النهاية)): قوله: مثلَهما: غيرُ منحصر على المثلية في الحرية والرِّقُّية، بل يجوز أن يوكّل مَن فوقه، كتوكيل المأذون حراً، أو دونه، كتوكيل الحر مأذوناً. * قوله: (وإن وكَّلا صبياً محجوراً عليه يعقل البيعَ والشراء): أي يعرف أن الشراء جالبٌ، والبيعَ سالبٌ، ويعرف الغَبنَ اليسير والفاحش، (أو عبداً محجوراً عليه: جاز، ولا تتعلق بهما الحقوقُ، وتتعلق بموكِّليهما)؛ لأن ٤٧٣ کتاب الوكالة والعقودُ التي يعقدها الو کلاءُ على ضربين : فكلُّ عقدٍ يُضيفُه الوكيل إلى نفسه، مثلُ البيع والشراء، والإجارة : فحقوقُ ذلك العقد تتعلق بالوكيل، دون الموكِّل. الصبيَّ من أهل التصرف والعبارة، ألا ترى أنه ينفذ تصرُّفه بإذن وليه، والعبدَ من أهل التصرف على نفسه، مالكٌ له، وإنما لا يملك في حق المولىُ، والتوكيلُ ليس بتصرف في حقه، إلا أنه لا يصح منهما التزامُ العهدة الصبي(١)؛ لقصور أهليته، والعبد؛ لحقِّ سيده، فلزم الموكل. وعن أبي يوسف: أن المشتري إذا لم يعلم بحال البائع، ثم علم أنه صبيٌّ: له خيار الفسخ؛ لأنه دخل في العقد على أن حقوقَه تتعلق بالعاقد، فإذا ظهر خلافُه: يتخيَّر، كما إذا عَثَرَ على عيب. كذا في ((الهداية))(٢). - وذكر في ((قاضي خان)) فرقاً بين الصبيِّ والعبد المحجورين في حق لزوم العهدة: فالعبد إذا عَتَقَ: تلزمه تلك العهدة؛ لأن المانع من لزومها حق المولىُ، وقد زال حقّه بالعتق، والصبيُّ؛ لأجل حقُّه، وحقّه لا يزول بالبلوغ. * قوله: (والعقودُ التي يَعقدُها الوكلاء على ضربين: فكلّ عقدٍ يُضيفه ءِ الوكيلُ إلى نفسه، مثل البيع والإجارة: فحقوقُ ذلك العقد تتعلق بالوكيل، دون الموكِّل)، حتى لو حلف المشتري ما للموكل عليه شيء: كان باراً في يمينه. (١) هكذا العبارة في النسخ الخطية، وكذلك في السراج الوهاج. (٢) ١٣٧/٣. ٤٧٤ كتاب الوكالة فيسلِّمُ المبيعَ، ويَقبضُ الثمنَ، ويطالَبُ بالثمن إذا اشترىُ، ويَقبضُ المبيعَ، ويخاصمُ في العيب. - ولو حلف: ما للوكيل عليه شيء: كان حانثاً. كذا في ((النهاية)). وقال الشافعي(١): تتعلَّق بالموكل دون الوكيل. * قوله: (فُيُسلِّمُ المبيعَ، ويَقبضُ الثمن، ويُطالَبُ بالثمن إذا اشترىُ، ويَقبضُ المبيعَ، ويُخاصِمُ في العيب)؛ لأن كلّ ذلك من الحقوق. والملكُ يثبت للموكِّل خلافةً عنه؛ اعتباراً للتوكيل السابق، كالعبد ينهب ويصطاد. - ومعنى قولهم: خلافةً عنه: أي يثبت الملك أوَّلاً للوكيل، ولا يستقر، بل ينتقل إلى الموكل ساعته، ولهذا لا يَظهر في عِتقِ قريبٍ الوكيل، ولا فسادِ نكاحه، على ما يأتي بيانُه إن شاء الله. - ولو وكّل رجلاً بالبيع والشراء، على أن لا تتعلق به الحقوق: فلا يصح هذا الشرط. وحقوق العقد هي: قبضُ الثمن، وتسليمُ المبيع. - فإن كان العاقد صبياً محجوراً، أو عبداً محجوراً: لا يخاطَبان بالتسليم، وإنما ذلك إلى الموكّل، فإذا كانا مأذونين: تعلقت بهما الحقوق، فيخاطَبان بتسليم المبيع. (١) مغني المحتاج ٢٢٩/٢. ٤٧٥ كتاب الوكالة - ولو أن الموكِّل طالَب المشتري بالثمن: ليس له ذلك. - ولو أمر الوكيلُ الموكِّلَ بقبض الثمن: فأيُّهما طالَبه: أُجبر المشتري على تسليم الثمن إليه. - ولو نهى الوكيلُ الموكِّلَ عن قبض الثمن: صحَّ نهيه. - وإن نهىُ الموكّلُ الوكيلَ عن قبض الثمن: لا يصح نهيُهُ، غير أن المشتري لو نَقَدَ الثمنَ إلى الموكل: يبرأ عنه، استحساناً. - ولو أن الوكيلَ أبرأ المشتري عن الثمن، أو وهبه له أو بعضَه، أو حطَّ عنه: فهو جائزٌ، ويضمن الوكيل للموكل ذلك، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: لا يصح إبراؤه، ولا هبته، ولا حطُّه. - وكذا لو أخَّر عنه الثمنَ: فهو على هذا الخلاف. - ولو فعل ذلك الموكل: صح، بالإجماع. - ثم الملك في الشراء ينتقل إلى الوكيل ملكاً غير مستقرٍّ، ومنه إلى الموكل، وهذه طريقة أبي الحسن الكرخي. والصحيح أن الملك يثبت للموكل خلافةً عن الوكيل ابتداءً، وإليه ذهب أبو طاهر الدبَّاس؛ لأن الملك لو انتقل إلى الوكيل: لعَتَقَ عليه مَحارمُه إذ اشتراهم بالوكالة. ويُجاب للكرخي: أنهم إنما لا يَعتقون؛ لأن ملك الوكيل لا يستقر. ٤٧٦ كتاب الوكالة وكلُّ عقدٍ يُضِيفُهُ الوكيلُ إلى موكِّله، كالنكاح، والخلع، والصلح من دم العمد : فإن حقوقه تتعلَّق بالموگِّل، دون الو کیل. فلا يُطالَبُ وكيلُ الزوج بالمهر، ولا يَلزمُ وكيلُ المرأة تسليمَها . * قوله: (وكلّ عقدٍ يُضيفُه إلى موكِّله، كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد: فإن حقوقه تتعلَّق بالموكِّل، دون الوكيل. فلا يطالَبُ وكيلُ الزوج بالصداق، ولا يلزمُ وكيل المرأة تسليمَها)؛ لأن الوكيل فيها سفيرٌ محضٌ، ألا ترى أنه لا يستغني عن إضافة العقد إلى الموگِّل، ولو أضافه إلى نفسه: صار النكاح له، فصار کالرسول. بخلاف الأب إذا زوَّج ابنَه الصغيرَ، وقال أبو الصغيرة: زوجتُ ابنتي من ابنك، وقال الأب قَبِلتُ، ولم يقل: لابني: جاز النكاح للابن. كذا في ((الفتاوى))؛ لأن المُزوِّج أضاف الإيجاب إلى الابن، وقولُ الأب: قبلتُ: جوابٌ له، والجواب يتقيد بالأول، فصار كما لو قال: قبلتُ لابني. - ولو قال أبو الصغيرة لأبي الصغير: زوَّجتُ ابنتي: ولم يَزد عليه شيئاً، فقال أبو الصغير: قَبِلتُ النكاحَ: يقع النكاح للأب، هو الصحيح. - ويجب أن يَحتاط فيه، فيقول: قبلتُ لابني. - وينبغي للوكيل بالنكاح أن يقول: قبلتُ النكاح لأجل فلان. - والوكيل بالخلع إن كان وكيلَ الزوج: فليس له قَبْض بدل الخلع، وإن كان وكيلَ المرأة: فلا يؤاخذ ببدل الخلع، إلا إذا ضَمِن: فيؤاخذ بالضمان، لا بالعقد. ٤٧٧ كتاب الوكالة وإذا طالب الموكِّلُ المشتريَ بالثمن : فله أن يمنعه إياه . فإن دفعه إليه : جاز، ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً. - وكذا الوكيل بالكتابة: ليس له قبضُ بدل الكتابة. قوله: (وإذا طالب الموكِّل المشتري بالثمن: فله أن يمنعه إياه)؛ لأنه أجنبيٌّ عن العقد وحقوقِه؛ لِمَا أن الحقوق إلى العاقد. * قوله: (فإن دفعه إليه: جاز، ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً)؛ لأن نفس الثمن المقبوض حقّه قد وصل إليه، فلا فائدة في الأخذ منه، ثم الدفع إلیه. - ولهذا لو كان للمشتري على الموكل دينٌ: تقع المقاصَّة بدين الموكل. - ولو كان له عليهما دينٌ: تقع المقاصَّة بدين الموكل أيضاً، دون دين الوكيل. وبدين الوكيل إذا كان وحده: تقع المقاصَّة عند أبي حنيفة ومحمد. - كما أنه يملك الإبراءَ عندهما، ولكنه يضمنه للموكّل في الفصلين، أي في الإبراء والمقاصة. - وقوله: فله أن يمنعه إياه: فإن وكِّله الوكيل: جاز، وليس له مَنْعُه، فإن نهاه الو کیل بعد ذلك: فله منعُه. ٤٧٨ كتاب الوكالة ومَن وكَّل رجلاً بشراء شيءٍ : فلا بدَّ من تسمية جنسه، وصفته، أو جنسِه ومبلّغ ثمنه، قوله: (ومَن وكّل رجلاً يشتريَ له شيئاً: فلا بدَّ من تسمية جنسه، وصفته، أو جنسه ومَبلَغِ ثمنه)؛ ليصير الفعل الموكَّلُ به معلوماً، فيمكنه الائتمار. أما تسمية جنسه: فقوله: عبداً، أو جاريةً. وأما صفته: فقولُه: حبشيٌّ، أو تركيٌّ، أو مولَّدٌ. والمراد بالصفة ها هنا: النوع. - ولو لم يذكر النوعَ، وذَكَرَ الثمنَ، فقال: اشتر لي عبداً بمائة درهم: جاز، وهو معنى قوله: أو جنسه، ومبلغ ثمنه. - وإن كان لفظاً يَجمع أجناساً، كدابة، أو ثوب، أو رقيق: فإنه لا تصح الوكالة وإن بيَّن الثمن، حتى يُبيِّن النوع مع الثمن. - وكذا ما كان في معنى الأجناس، كالدار، لا يصح فيه التوكيل وإن بَيَّن الثمن؛ لأن بذلك الثمن يوجد من كل جنس، فلا يدري مرادَ الآمر؛ لتفاحش الجهالة، مثل أن يوكله بشراء عبدٍ أو جارية، بل لا بد أن يبيِّن الجنسَ والصفة، أو الجنسَ ومقدارَ الثمن. - وإن كان الاسمُ يجمع أنواعاً، لا أجناساً، كالعبد والجارية: فإنه يصح ببيان الثمن أو النوع؛ لأن بتقدير الثمن: يصير النوعُ معلوماً، وبذكر النوع تقل الجهالة، مثل أن يوكله بشراء عبدٍ أو جارية، ولم يذكر نوعاً، ولا ثمناً: لم يصح؛ لأنه يشمل أنواعاً. ٤٧٩ كتاب الوكالة فإن بيَّن النوع، كالتركي أو الحبشي أو الهندي: جاز. - وكذا إذا بيَّن الثمن، وهذا إذا لم يوجد بهذا الثمن من كل نوع، أما إذا وُجد: لا يجوز عند بعض المشايخ. - ولو قال: اشترِ لي ثوباً أو دابةً أو داراً: فالوكالة باطلةٌ؛ للجهالة الفاحشة، فإن الدابة في حقيقة اللغة: اسمٌ لما يَدِبُّ على وجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. هود/٦. وفي العُرف تُطلق على الخيل والبغال والحمير، فقد جمع أنواعاً. وكذا الثوب يتناول القطنَ والكتانَ والحرير والصوفَ، ولهذا لا يصح تسميته مهراً. - وكذا الدار في معنى الأجناس؛ لأنها تختلف اختلافاً فاحشاً باختلاف الأغراض والمحالِّ والجيران والبلدان. ۔ ولهذا لو تزوج علی دار: لم تکن تسمیةً صحیحةً، فإن سمی جنس الدار وثمنَها، أو نوعَ الدابة وثمنَها، بأن قال: حماراً، أو نوعَ الثوب، بأن قال: هرويُّ أو مروي: جاز؛ استحساناً؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى عروة ديناراً، وأمره أن يشتريَ له شاة)) (١). فذكر الجنسَ والثمن، وسكت عن ذكر الصفة. (١) صحيح البخاري (٣٦٤٢). ٤٨٠ كتاب الوكالة إلا أن يوكله وكالةً عامةً، فيقولَ : ابْتَعْ لي ما رأيتَ. - وإن قال: اشتر لي شاة أو عبداً، ولم يذكر ثمناً ولا صفةً: فالوكالة باطلةٌ، وما اشتراه الوكيل: فهو لنفسه. - ولو قال: اشتر لي ثوباً بعشرة دراهم: لم يجز، حتى يسميَ نوعَه، فيقول: هروياً أو مروياً؛ لأن الثوب يقع على أجناس مختلفة، كالقطن والصوف والكتان، فلا يصير ذلك معلوماً بقدر الثمن؛ لأنه قد يوجد في كل أجناس الثياب ما يتقدر بذلك الثمن. * قوله: (إلا أن يوكِّله وكالةً عامةً، فيقول له: ابتعْ لي ما رأيتَ)؛ لأنه فوّض الأمرَ إلى رأيه، فأيَّ شيء يشتريه: یکون ممتثلاً. - كما إذا قال له: اشتر لي أيَّ ثوب شئتَ، أو أيَّ دابة أردتَ، أو ما تيسر عليك منها: فإنه يصح، ويصيرُ حكمُهُ حكمَ البضاعة والمضاربة. - ولو وكَّله بشراء جارية سمى جنسَها وثمنها، فاشترى له عمياءَ، أو مقطوعةَ اليدين، أو مُقعدةً: فذلك جائزٌ على الموكِّل عند أبي حنيفة. وعندهما: لا يجوز على الموكل؛ لأن من العادة أن الناس لا يشترون ذلك. ولأبي حنيفة: أن اسم الجارية موجودٌ في الصحيحة والمعيبة. - فإن اشترى له عوراءَ، أو مقطوعةَ إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين: جاز على الموكل، إجماعاً؛ لأنها مَعيبةٌ، وقد يشترون المَعيب.