النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب الشركة والضربُ الثاني : شركةُ العقود، وهي على أربعة أوجهٍ : مفاوَضَةٌ، وعِنانٌ، وشركةُ الصنائع، وشركةُ الوجوه. * فأما شركةُ المفاوضة، فهي : أن يشترك الرجلان، فيتساويان في مالِهما، وتصرُّفِهما، ودِينهما. فتجوز بين الحُرَّيْن، المسلمَيْن، البالغَيْن، العاقلَيْن. ولا تجوز بين الحُرِّ والمملوك، ولا بين الصبيِّ والبالغ، ولا بين المسلم والكافر. * قوله: (والضربُ الثاني: شركة العقود). وركنها: الإيجاب والقبول، وهو أن يقول أحدُهما: شاركتك في كذا، ويقول الآخر: قَبِلتُ. قوله: (وهي على أربعة أوجه: مفاوضةٌ، وعِنانٌ، وشركةُ الصَّنائع، وشركةُ الوجوه). - وفي ((الخُجَندي)): الشركة على ثلاثة أوجه: شركةٌ بالأموال، وشركةٌ بالأعمال، وشركةٌ بالوجوه، وكلّ واحد منها على وجهين: مفاوضةً، وعنان. [شركة المفاوضة : ] * قوله: (فأما شركةُ المفاوضة: فهي: أن يشترك الرجلان، ويتساويا في مالهما، وتصرُّفهما، ودِينهما، فتجوز بين الحرَّيْن المسلمَيْن البالغين العاقلين، ولا تجوز بين الحر والمملوك، ولا بين الصبي والبالغ، ولا بين المسلم والكافر). ٤٢٢ كتاب الشركة لأن مقتضاها: التساوي في المال الذي يصح عَقْدُ الشركة عليه، کالأثمان. - فأما ما لا يصح عقد الشركة عليه، كالعُروض والعقار: فلا يعتبر التفاضل فيه؛ لأن ما لا تنعقد الشركة عليه: فالتفاضل فيه لا يمنع صحتها، کالتفاضل في الزوجات والأولاد. - وكذا إذا كان مال أحدهما يفضل على مال الآخر بدَيْن له على إنسان آخر: لم يؤثر ذلك؛ لأن الدَّيْن لا يصح عقدُ الشركة عليه. كذا في ((القاضي)). - ولا تصح المفاوضة إلا بلفظ: المفاوضة؛ لأن العامة لا يقفون على شروطها، فإذا لم يتلفّظوا بها: لم تصح؛ لعدم معناها، فأما إذا كان العاقد لها يعرف معانيها: صحت وإن لم يذكر لفظَ: المفاوضة؛ لأن العقود لا تُعتبر بألفاظها، وإنما تُعتبر معانيها. - ويُشترط تساويهما في التصرف، حتى لا تجوزُ بين الحر والعبد؛ لأن الحرَّ أعمُّ تصرفاً منه؛ لأنه يملك التبرعَ، والعبدُ لا يملكه، ولأن الحر يتصرف بغير إذن، والعبدُ لا يتصرف إلا بإذن، فلم توجد المساواة. - وكذا لا تجوز بين الحر والمكاتَب، ولا بين حرِّ بالغ وصبي؛ لأنها تقتضي الكفالةَ، وكفالةُ هؤلاء لا تصح، وإذا لم تصح: كانت عِناناً. ٤٢٣ كتاب الشركة وتنعقد على الوكالة، والكفالة. وما يشتريه كلّ واحدٍ منهما يكون على الشركة، إلا طعامَ أهله، وکُسونَهم. - وأما تساويهما في الدِّيْن: فلا تصح عند أبي حنيفة ومحمد المفاوضة بین المسلم والذمي. وقال أبو يوسف: تصح؛ لأنهما حرَّان تجوز كفالتُهما ووكالتُهما، إلا أنه يكره عنده؛ لأن الذمي لا يهتدي إلى الجائز من العقود، ويُخاف منه أن يُطعِمَه الربا. ولهما: أن المسلم والذميَّ لا يتساويان في التصرف، بدليل أن الذمي يتصرف في الخمر والخنزير، دون المسلم، وتكون عناناً؛ لأن العنان يجوز بينهما، إجماعاً. - وإن تفاوض الذمِيّان: جازت مفاوضتُهما وإن اختلف دينهما؛ لأنهما متساويان في التصرف. - قال في ((الهداية))(١): وإن كان أحدُهما كتابياً، والآخرُ مجوسياً: يجوز أيضاً. ــ ولا تجوز المفاوضة بين العبدين، ولا بين الصبيَّيْن، ولا بين المكاتبَيْن؛ لانعدام صحة الكفالة منهم. * قوله: (وتنعقد على الوكالة، والكفالة، وما يشتريه كلّ واحد 93 منهما: يكون على الشركة، إلا طعامَ أهله وكسوتَهم). (١) ٤/٣. ٤٢٤ كتاب الشركة وما يلزم كلّ واحدٍ منهما من الديون بدلاً عما يصح فيه الاشتراك : فالآخرُ ضامِنٌ له. - وكذا طعام نفسه وكسوته؛ لأن هذا لا بدَّ منه، فصار مستثنىً من المفاوضة. - وللبائع أن يطالب أيَّهما شاء بثمن ذلك؛ لأن كلَّ واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فيطالب أيَّهما شاء: المشتري بالأصالة، وصاحبه بالكفالة، وللكفيل أن يرجع على المشتري بحصته مما أدى؛ لأنه قضىُ دَيْناً عليه من مالٍ مشترك بينهما. * قوله: (وما يلزم كلّ واحدٍ منهما من الديون بدلاً عما يصح فيه الاشتراك: فالآخر ضامنٌ له)؛ لأنها منعقدةٌ على الكفالة، فكأنه كَفَلَ عنه بیدل ذلك، فیطالب به. والمراد: بدلُ الشيء الذي يصح الاشتراك فيه، حتى إذا اشترى العقار: بطلت شركتُه. والذي يصح فيه الاشتراك: البيع، والشراء، والإجارة. والذي لا يصح فيه: النكاحُ، والخلع، والجناية، والصلحُ عن دم العمد. - فعلى هذا: إذا تزوج أحدُ الشريكين: فذلك لازمٌ له خاصة؛ لأنه لا يصح عقد الشركة عليه، وليس للمرأة أن تأخذ شريكَه بالمهر؛ لأنه بدلٌ عما لا يصح فيه الاشتراك. ٤٢٥ كتاب الشركة فإن وَرِثَ أحدُهما مالاً مما تصحُّ فيه الشركةُ، أو وُهِب له، ووَصل إلى يده : بطلت المفاوضةُ، وصارت الشركةُ عِناناً. - وكذا لو جنى أحدُهما على آدمي: فهو لازمٌ له خاصة؛ لأن الجناية ليست من التجارة. - وإن جنى على دابةٍ أو ثوب: لزم شريكه عندهما؛ لأنه يملك المجنيَّ عليه بالضمان، وذلك مما يصح فيه الاشتراك. وقال أبو يوسف: لا يلزمُه، كالجناية على الآدمي. - وليس لأحد الشريكين أن يشتري جارية للوطء، أو للخدمة، إلا بإذن شريكه؛ لأن الجارية مما يصح فيها الاشتراك، فإن أذن له فاشتراها ليطأها: فهي له خاصةً، وللبائع أن يطالب أيَّهما شاء بالثمن. - وهل له أن يرجع على شريكه بشيء من الثمن؟ فعند أبي حنيفة: لا، ويصير كأن شريكه وهب له ذلك. وعندهما: يرجع عليه بنصف الثمن. ** قوله: (وإذا ورث أحدُهما مالاً مما تصحُّ به الشركة، أو وُهب له هبة، فوصل إلى يده: بطلت المفاوضة، وصارت الشركة عناناً)؛ لفوات المساواةُ فيما يصلح رأس المال؛ إذ هي شرطٌ فيه ابتداءً وبقاءَ. - وأما إذا ورث ما لا يصحُّ فيه الاشتراك، كالعقار، أو العروض، أو وُهب له ذلك، فوصل إلى يده: لم تبطل المفاوضة؛ لأنه لا تصح به الشرکة، فلا تأثیر له. ٤٢٦ كتاب الشركة ولا تنعقد الشركةُ إلا بالدراهم، والدنانيرٍ، والفلوسِ النافقة. * قوله: (ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم، والدنانير، والفلوس النافقة). أما الدراهم والدنانير: فلأنها أثمانُ الأشياء، وتُقوَّم بها المُستهلكات، ولأنها لا تتعيَّن بالعقود، فيصير المشتري مشترياً بأمثالها في الذمة، والمشتري ضامنٌ لما في ذمته، فيصح الربحُ المقصود؛ لأنه رِبْحُ ما ضمنه. وأما الفلوس النافقة: فإنها تروج رواجَ الأثمان، فالتحقت بها. قالوا: وهذا قول محمد؛ لأنها مُلحَقة بالنقود عنده، حتى لا تتعينُ بالتعيين، ولا يجوز بيع اثنين منها بواحدٍ بأعيانهما على ما عُرف. أما عندهما: فلا تجوز الشركة والمضاربة بها؛ لأن ثمنيَّتها تتبدل ساعةً فساعة، وتصير ساعةً سلعةً، ولأنها لا تُقوَّم بها المُستهلكات، ولا تُقدَّر بها أُروش الجنايات، فصارت كالعروض، ولا اعتبار بكونها نافقة؛ لأنها تنفق في موضع دون موضع. وإنما لا تجوز الشركة بالعروض؛ لأن التوكيل فيها على الوجه الذي تضمَّنته الشركة: لا يصح، ألا ترى أن مَن قال لغيره: بع عَرْضَك على أن ثمنه بيننا: لا يصح، وإذا لم تجز الوكالة: لم تنعقد الشركة. بخلاف الدراهم والدنانير، فإن التوكيل فيها على الوجه الذي تضمَّنته الشركة: يصح، ألا ترى أنه لو قال لرجل: اشترٍ بألف من مالك على أن ما تشتريه بيننا، وأنا أشتري بألفٍ من مالي على أن ما اشتريتُه بيننا: فإنه يجوز ذلك. ٤٢٧ كتاب الشركة ولا تجوز بما سوى ذلك، إلا أن يتعامل الناسُ بها، كالتِّبْر، والُّقْرةِ، فتصحُ الشر کةُ بهما. وإذا أرادا الشركةَ بالعُروض : باع كلَّ واحدٍ منهما نصفَ ماله بنصف مالِ الآخر، ثم عَقَدا الشركة. ولأن أوَّل التصرف في العروض: البيع، وفي النقود: الشراء، وبيع أحدهما مالَه على أن يكون الآخرُ شريكاً في ثمنه: لا يجوز، وشراء أحدهما شيئاً بماله على أن يكون المبيع بينه وبين غيره: جائز. * قوله: (ولا تجوز بما سوى ذلك، إلا أن يتعاملَ الناس بها، كالتِّبْر والنُّقْرة، فتصح الشركةُ بهما)؛ لأن التبر والنقرة تُشبه العروض من وجه؛ لأنها ليست ثمناً للأشياء، وتُشبه الدراهمَ والدنانير من وجه؛ لأن العقد عليها صرفٌ، فأُعطيت الشبهَ من كل واحد منهما، فاعتُبرت فيها عادةٌ الناس في التعامل، فإذا تعاملوا بها: أُلحقت بالدراهم، وإن لم يتعاملوا بها: أُلحقت بغير الدراهم. * قوله: (فإن أرادا الشركةَ بالعروض: باع كلّ واحدٍ منهما نصفَ ماله بنصف مال الآخر، ثم عَقَدَا الشركة). صوابه: باع أحدُهما. وصورتُه: رجلان لهما مالٌ لا يَصلح للشركة كالعروض، والحيوان، ونحوه، وأرادا الشركةَ: فالطريق فيه: أن يبيعَ أحدُهما نصفَ ماله مُشاعاً بنصف مال الآخر مُشاعاً أيضاً، فإذا فعلا ذلك: صار المالُ شركةً بينهما ٤٢٨ كتاب الشركة * وأما شركة العنان، فتنعقد على الوكالة، دون الكفالة. شركةَ أملاك، ثم يَعقدان بعده عقدَ الشركة؛ ليكون كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه. - فإن قيل: لا يُحتاج إلى قوله: ثم عقدا: لأن بقوله: باع كلّ واحد: ءِ تثبت الشركة بالخلط. قلنا: يُحتاج إلى ذلك؛ لأن بالبيع إنما هو شركةُ ملكٍ، وبقوله: ثم عَقَدَا: ثبتت شركة العقد. - وفي ((الهداية))(١): تأويل هذه المسألة: إذا كان قيمة متاعهما على السواء، فإن كان بينهما تفاوتٌ: يبيع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة، بأن كان قيمة عرض أحدهما أربعَمائة، وقيمة عرض الآخر مائةً، يبيع صاحب الأقل أربعة أخماس عَرْضه بخُمُس عرض الآخر، والحاجة إلى العقد بعد شركة الملك؛ ليثبت توكيلُ كلّ واحد منهما لصاحبه ببيع نصيبه. [شركة العِنان : ] * قوله: (وأما شركةُ العنان: فتنعقد على الوكالة، دون الكفالة). يعني أن كل واحدٍ منهما يكون وكيلاً لصاحبه فيما هو من شركتهما، ولذلك جازت ممن هو أهلٌ للتوكيل، وليس هو من أهل الكفالة، حتى إن أحدهما لو كان صبياً مأذوناً له، أو كلاهما كذلك، أو عبداً مأذوناً له، أو كلاهما كذلك: فإنه تجوز شركة العنان بينهما. (١) ٣/ ٧. ٤٢٩ كتاب الشركة ويصح التفاضل في المال. ويصح أن يتساويا في المال، ويتفاضلا في الربح. ءِ ويجوز أن يعقدها کلّ واحد منهما ببعض ماله دون بعض. ولا تصحُّ إلا بما بيَّا أن المفاوضة تصحّ به. * قوله: (ويصح التفاضلُ في المال)؛ لأنها لا تقتضي التساوي. * قوله: (ويصح أن يتساويا في المال، ويتفاضلا في الربح). وقال زفر والشافعي(١): لا يجوز أن يُشترَط لأحدهما أكثر من ربح ماله. لنا: أن الربح تارةً يُستحق بالمال، وتارةً بالعمل بدلالة المضاربة، فإذا جاز أن يُستحق بكل واحد منهما: جاز أن يُستحقَّ بهما جميعاً. ولأنه قد يكون أحدُهما أحذقَ وأهدى، أو أكثرَ عملاً، فلا يَرضىُ بالمساواة. - وإن عمل أحدهما في المالين، ولم يعمل الآخر لعذر، أو لغير عذر: صار كأنهما عَمِلا جميعاً، والربح بينهما على الشرط. قوله: (ويجوز أن يعقدها كلُّ واحدٍ منهما ببعض ماله، دون بعض)؛ لأن المساواة في المال ليس بشرط فيها. * قوله: (ولا تصح إلا بما بيَّنَّا أن المفاوضة تصح به)، يعني أنها لا (١) مغني المحتاج ٢١٥/٢. ٤٣٠ كتاب الشركة ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دراهمُ، ومن جهة الآخر دنانيرُ. ءِ وما اشتراه كلّ واحدٍ منهما للشركة : طولب بثمنه، دون الآخر، ثم يرجعُ على شریکه بحصته منه. تصح إلا بالنقدين، ولا تصح بالعروض. * قوله: (ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دنانير، ومن جهة الآخر دراهم). وقال زفر: لا يجوز. لنا: أن الدراهم والدنانير قد أُجريا مجرى الجنس الواحد في كثيرٍ من الأحكام، بدليل أنه يُضَمُّ بعضها إلى بعض في الزكاة، فصار العقد عليهما: کالعقد على الجنس الواحد. فإن كانت قيمةُ الدنانير تزيد على الدراهم، كما إذا كان لأحدهما ألف درهم، وللآخر مائة دينار قيمتها ألف درهم ومائة: لم تصح المفاوضة، وكانت عناناً؛ لأن المفاوضة تقتضي المساواة، والعِنانَ لا تقتضيها. * قوله: (وما اشتراه كلّ واحدٍ منهما للشركة: طولب بثمنه دون الآخر)؛ لما بيَّنَّا أنها تتضمن الوكالةَ، دون الكفالة، والوكيلُ هو الأصل في الحقوق. * قوله: (ثم يرجعُ على شریکه بحصته منه). يعني إن أدى من مال نفسه، أما إذا نقد من مال الشركة: لا يرجع. کذا في ((المستصفى)). ٤٣١ كتاب الشركة وإذا هلك مالُ الشركة، أو أحدُ المالَيْن قبل أن يشتريا شيئاً : بطلت الشرکةُ. وإن اشترى أحدُهما بماله، وهلك مالُ الآخر قبل الشراء : فالمشترَىُّ بينهما على ما شَرَطا، ويرجعُ على شريكه بحصته من ثمنه. - فإن كان لا يَعرف أنه أدى من مال نفسه إلا بقوله: فعليه البينةُ؛ لأنه يدعي وجوبَ المال في ذمة الآخر، وهو منكرٌ، فيكون القولُ قولَ المنكر مع یمینه. * قوله: (وإذا هلك مالُ الشركة، أو أحدُ المالين قبل أن يشتريا شيئاً: بطلت الشركة)؛ لأنها قد تعيَّنت بهذين المالين، فإذا هلك أحدهما: بطلت في الهالك؛ لعدمه، وبطلت في الآخر؛ لأن صاحبه لم يرض أن يُعطيه شيئاً من ربح ماله. * قوله: (وإن اشترى أحدُهما بماله، وهلك مالُ الآخر قبل الشراء: فالمشترَىُ بينهما على ما شَرَطا)؛ لأن الملك حين وقع: وقع مشتركاً بينهما؛ لقيام الشركة وقت الشراء، فلا يتغيَّر الحكمُ بهلاك المال بعد ذلك. ثم الشرکة: شرکةً عقد عند محمد، حتى إن أيهما باع: جاز بيعه؛ لأن الشركة قد تمّت في المشترَى، فلا تنتقض بعد تمامها. وعند الحسن بن زياد: شركةُ ملك، حتى لا يجوزُ لأحدهما أن يتصرف في نصیب الآخر إلا بإذنه. * قوله: (ويرجع على شريكه بحصته من ثمنه)؛ لأنه اشترى نصفه بوكالته، ونَقَدَ الثمنَ من مال نفسه. ٤٣٢ كتاب الشركة وتجوز الشركةُ وإن لم يَخلِطا المالَيْن. ولا تصحُّ الشركةُ إذا شَرَطا لأحدهما دراهمَ مسمَّةً من الربح. ولكل واحدٍ من المتفاوضَيْن، وشريكَي العِنان: أن يُبْضِعَ المالَ. ويَدفعَه مضاربةً. ويُوكِّلَ مَن يتصرَّفُ فیه. ویرهنَ، ویرتهنَ. ويستأجرَ الأجنبيَّ علیه. ويبيعَ بالنقد والنسيئة. ويدُهُ في المال يدُ أمانةٍ. * قوله: (وتجوز الشركة وإن لم يَخلِطا المال). - وأيهما هلك قبل الخلط بعد الشركة: هلك من مال صاحبه. * قوله: (ولا تجوز الشركة إذا شَرَطا لأحدهما دراهمَ مسمَّةً من الربح)؛ لأن هذا يُخرجها من عقد الشركة، ويجعلُها إجارةً، ولأنه شرطٌ يوجب انقطاع الشركة؛ لأنه قد لا يحصل إلا قدرَ المسمى للآخر. * قوله: (ولكل واحدٍ من المتفاوضَيْن وشريكي العِنان أن يُبضع المالَ، ويدفعَه مضاربةً، ويوكَّلَ مَن يتصرفُ فيه(١)، ويدُه في المال يدُ أمانةٍ). - وله أن يودع؛ لأن ذلك من عادة التجار. (١) توجد زيادة هنا في نُسَخ من القدوري، كما أثبتُّها أعلى، وهي: (( ... ويرهنَ ويرتهن، ويستأجرَ الأجنبيَّ عليه، ويبيعَ بالنقد والنسيئة ... )). ٤٣٣ كتاب الشركة وأما شركةُ الصنائع: فالخيَّطان، والصبّاغان يشتركان على أن يتقبّلا الأعمالَ، ويكونَ الكسبُ بينهما، فيجوزُ ذلك. - وليس له أن يدفع المال شركةَ عنان، إلا أن يأذن له شريكُه؛ لأنه لا يملك بالعقد مثله. - وليس لشريك العنان أن يكاتب؛ لأن الكتابة ليست من التجارة. - ولكل واحدٍ منهما أن يبيع بالنقد والنسيئة. ــ وكذا يجوز بما عزَّ وهان عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز إلا بمثل قیمته، أو بنقصان لا يتغابن الناس فیه. - وإن باع أحدُهما حالاً، وأجَّله الآخرُ: لم يصح تأجيلُه في النصيبين عند أبي حنيفة، وعندهما: يصح في نصيبه. - وإن أجَّله الذي وَلِيَ العقد: جاز في النصيبين، إجماعاً. - وليس لأحدهما أن يُقْرِض؛ لأن القرض تبرُّعٌ. - وإذا أقال أحدُهما فيما باعه الآخرُ: جازت الإقالة؛ لأنه يملك الشراءَ على الشركة، والإقالةُ فيها معنى الشراء، وليس كذلك الوكيل بالبيع، فإنه لا يملك الإقالةَ. [شركة الصنائع : ] * قوله: (وأما شركةُ الصنائع)، وتُسمى شركة الأبدان، وشركة الأعمال، وشركة التقبُّل. * قوله: (فالخياطان والصبَّاغان يشتركان على أن يتقبَّلا الأعمالَ، ویکون الکسبُ بينهما: فيجوز ذلك). ٤٣٤ كتاب الشركة وما يتقبَّلُّه كلّ واحدٍ منهما من العمل : يلزمه، ويلزم شريكَه. وسواء اتفقت أعمالُهم، أو اختلفت: فالشركة جائزةٌ، كالخياطَيْن والإسكافَيْن، أو أحدُهما خياط، والآخر إسكافٌ، أو صباغٌ. وقال زفر: لا تصح إذا اختلفت الأعمال. - وقد تكون هذه الشركة مفاوضة، وقد تكون عناناً. أما المفاوضة: فينبغي أن يكونا جميعاً من أهل الكفالة، وأن يشترطا أن ما رزق الله يكون بينهما نصفان، وأن يتلفّظا بلفظ المفاوضة. وأما العنان: فيجوز، سواء كانا من أهل الكفالة، أو لم يكونا، فإذا تقبّل أحدهما: فلا يؤاخذ به شریکُه. ويجوز اشتراط الربح بينهما سواء، وعلى التفاضل. فإن أطلقا الشركةً: فهي عنان. - فإن عمل أحدهما دون الآخر، والشركة عنان أو مفاوضة: فالأجر بينهما على ما شرطا. فإن جنت يد أحدهما: فالضمان عليهما جميعاً، يأخذ صاحبُ العمل أيَّهما شاء بجميع ذلك، سواء كانت عِناناً أو مفاوضة. : قوله: (وما يتقبَّلُه كل واحد منهما من العمل: يلزمه ويلزم شريكه)؛ لأنه سلَّطه على أن يتقبّل له، ولنفسه. وفائدته: أنه يُطالَب كلّ واحدٍ منهما بالعمل، ويطالِبُ أحدُهما بالأجرة، ويبرأ الدافع بالدفع إليه. ٤٣٥ كتاب الشركة فإن عَمِل أحدهما دون الآخر : فالكسبُ بينهما نصفان. * وأما شركة الوُجوه: فالرجلان يشتركان، ولا مالَ لهما، على أن يشتريا بوجوههما، ويبيعا، فتصحُّ الشركةُ على هذا. - وهذا إذا كانت مفاوضةً، أما إذا كانت عناناً: فإنما يطالب مَن باشر السبب، دون صاحبه. * قوله: (فإن عَمِلَ أحدُهما، دون الآخر: فالكسبُ بينهما نصفان)، سواء كانت عناناً، أو مفاوضة. فإن شَرَطا التفاضلَ في الربح حالَ ما تقبَّلًا: جاز وإن كان أحدهما أكثر عملاً من الآخر؛ لأنهما يستحقان الربحَ بالضمان، فما حصل من أحدهما من زيادة عمل: فهو إعانةٌ لصاحبه. [شركة الوجوه : ] * قوله: (وأما شركة الوجوه: فالرجلان يشتركان ولا مالَ لهما، على أن يشتريا بوجوههما، ويبيعا: فتصح الشركة بينهما على هذا). وقد تكون هذه مفاوضةً وعِناناً فأما المفاوضة: أن يكونا من أهل الكفالة، ويتلفّظا بلفظها، ويكون المشترى بينهما، وكذا ثمنه. وأما العِنان: فيتفاضلان في ثمن المشترَىُ، ويكون الربحُ بينهما على قدر الضمان، فإذا أُطلقت: تكون عناناً. ٤٣٦ كتاب الشركة وكلّ واحدٍ منهما وكيلُ الآخر فيما يشتريه. فإن شَرَطا أن يكون المشترى بينهما نصفین : فالربحُ كذلك، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه. وإن شَرَطا أن يكون المشترَىُ بينهما أثلاثاً : فالربحُ كذلك. ولا تجوز الشركةُ في الاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد. قوله: (وكل واحدٍ منهما وكيلٌ للآخر فيما يشتريه، فإن شرطا أن يكون المشترى بينهما نصفان: فالربح كذلك، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه، وإن شرطا أن يكون المشترَى بينهما أثلاثاً: فالربحُ كذلك). لأن هذه شركةٌ منعقدةٌ على الضمان، والضمانُ يُستحق به الربح ءِ بمقدار ما ضمن كلّ واحد منهما بالعقد. - فإن شرط له أكثرَ من نصيبه: لم يجز؛ لأنه ربحٌ شُرط له من غير مال ولا عمل، فلا يجوز، ولأن استحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان، والضمانُ على قدر الملك في المشترَى، فكان الربح الزائد عليه: ربح ما لم يُضمن، فلا يصح اشتراطه. [حكم الشركة في المباحات :] * قوله: (ولا تجوز الشركة في الاحتطاب والاصطياد والاحتشاش)؛ لأن الشركة متضمنةٌ معنى الوكالة، والتوكيلُ في أخذ المباح: باطلٌ؛ لأن أمر الموكِّل به غير صحيح، والوكيل يملكه بدون أمره، فلا يصلح نائباً عنه، ولأن كل واحد منهما يملك ما أخذه بالأخذ، فلا يكون لصاحبه عليه سبيل. ٤٣٧ كتاب الشركة ءِ وما اصطادہ کلّ واحدٍ منهما، أو احتطبه : فهو له دون صاحبه. : قوله: (وما اصطاده كلّ واحد منهما، أو احتطبه: فهو له، دون الآخر). - هذا إذا لم يخلِطاه، أما إذا خلطاه: فهو بينهما على ما اتفقا عليه، وإن لم يتفقا على شيءٍ: فالقول قول كل واحد منهما، مع يمينه على دعوى الآخر إلى تمام النصف. وإن خلطاه، وباعاه: فإن كان مما يُكال ويوزن: قُسم الثمن على قدر الکیل والوزن الذي لكل واحدٍ منهما. وإن كان من غيرهما: قُسم على قيمة كل واحد منهما. ءُ وإن لم يُعرف واحد منهما: صُدِّق كلّ واحدٍ منهما في النصف. فإن ادعى أكثر من النصف: لم يُقبل إلا ببينة؛ لأن اليد تقتضي التساوي. - فإن عمل أحدهما، وأعانه الآخر، بأن حَطَبَ أحدُهما، وشدَّه الآخرُ حُزَمَاً، أو جَمَعَه: فله أجر مثله، لا يُجاوز به نصفُ ثمن ذلك عند أبي يوسف، وقال محمد: له أجرُ مثله بالغاً ما بلغ. - وإن أعانه بنَصْب الشِّبَاك ونحوه، فلم يُصِب شيئاً له قيمة: كان له أجر مثله بالغاً ما بلغ، إجماعاً. - وإن كان معهما كلبٌ، فأرسلاه جميعاً على صيد: كان ما أصاب الكلب لصاحبه خاصةً؛ لأن إرسال غير المالك: لا يُعتد به مع إرسال المالك. ٤٣٨ كتاب الشركة وإذا اشتركا، ولأحدهما بَغْلٌ، وللآخر راوِيةٌ يستقي عليها الماء، والكسبُ بينهما : لم تصحَّ الشركةُ، والكسبُ كلَّه للذي استقى الماءَ. وعليه مثلُ أجرٍ الراوية إن كان صاحبَ البغل. وإن كان صاحبَ الراوية : فعليه أجرُ مثلِ البغل. وكلُّ شركةٍ فاسدةٍ : فالربحُ فيها علىُ قَدْر رأسِ المال، ويبطُلُ شَرْطُ التفاضل. - وإن كان لكل واحد منهما كلبٌ، فأرسل كلُّ واحد منهما كلبَه، فأصابا صيداً: كان بينهما نصفين، وإن أصاب كلبُ كلّ واحد منهما صيداً على حدة: كان له خاصة. * قوله: (وإن اشتركا، ولأحدهما بَغْلٌ، وللآخر راويةٌ؛ ليستقيا عليهما الماءَ، على أن الكسب بينهما: لم تصح الشركة، والكسب كله للذي استقى، وعليه مثل أجر الراوية إن كان صاحبَ البغل، وإن كان صاحبَ الراوية: فعليه أجرةُ مثل البغل). أما فساد الشركة: فلانعقادها على إحراز المباح، وهو الماء. وأما وجوب الأجرة: فلأن المباح إذا صار ملكاً للمستقي، فقد استوفى ملكَ الغير، وهو منفعةُ البغل والراوية بعقد فاسد، فتلزمه أجرته. [أحكام الشركة الفاسدة : ] ءِ قوله: (وكلّ شركة فاسدة: فالربح فيها بينهما على قدر المال، ويبطل شرطُ التفاضل)؛ لأن الربح فيه تابعٌ للمال، فيتقدّر بقدره. ٤٣٩ كتاب الشركة وإذا مات أحدُ الشريكين، أو ارتدَّ، ولحِقَ بدار الحرب : بطلت الشركة. وليس لواحدٍ من الشريكين أن يؤدِّيَ زكاةَ مالِ الآخر إلا بإذنه. فإن أَذِنَ كلّ واحدٍ منهما لصاحبه أن يؤدِّيَ زكاته، فأدَّى كلّ واحدٍ .. ءِ قوله: (وإذا مات أحدُ الشريكين، أو ارتدَّ، ولَحِقَ بدار الحرب: بطلت الشركة)؛ لأنها تتضمن الوكالةَ، والوكالةُ تبطل بالموت، وكذا باللَّحاق بدار الحرب مرتداً إذا قضى القاضي بلَحاقه؛ لأنه بمنزلة الموت. ولأن كل واحدٍ من الشريكين يتصرف بالإذن، والموتُ يقطع الإذنَ. - ولا فرق بين ما إذا عَلِم الشريك بموت صاحبه أو لم يعلم؛ لأنه عزلٌ حكميٌّ. - فإن رجع المرتد مسلماً بعد لَحاقه قبل أن يقضيَ القاضي بلَحاقه: لم تبطل الشركةُ. - وإن كان رجوعُه بعد ما قضى القاضي بلَحاقه: فلا شركة بينهما؛ لأنه لما قضى بلَحاقه: زالت أملاكه، فانفسخت الشركة، فلا تعود إلا بعقد جدید. * قوله: (وليس لكل واحدٍ من الشريكين أن يؤديَ زكاةَ مال الآخر إلا بإذنه)؛ لأن ذلك ليس من جنس التجارة، فلا يملك التصرف فيها. * قوله: (فإن أَذِنَ كلّ واحدٍ منهما لصاحبه أن يؤديَ زكاته، فأداها كل واحد ٤٤٠ كتاب الشركة منهما : فالثاني ضامِنٌ، سواءٌ عَلِم بأداء الأول، أو لم يَعلَم عند أبي حنيفة. وقالا : لا يضمنُ إذا لم يَعلَم. منهما: فالثاني ضامنٌ، عَلِم بأداء الأول، أو لم يَعلم)، وهذا (عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن إذا لم يَعلم). Eb - وهذا إذا أدَّيًا على التعاقب، أما إذا أدَّيا معاً: ضمن كلّ واحدٍ منهما نصيبَ الآخر. - وعلى هذا الخلاف: المأمور بأداء الزكاة، إذا تصدق على الفقير بعد ما أدى الآمرُ بنفسه. لهما: أنه مأمورٌ بالتمليك من الفقير، وقد أتى به، فلا يضمن للموكِّل، وهذا لأن في وُسْعه التمليكَ، لا وقوعَه زكاةً؛ لتعلَّقْه بنية الموكِّل، وإنما يطلب منه ما في وُسْعه، وصار كالمأمور بذبح دم الإحصار، إذا ذبح بعد ما زال الإحصار، وحجَّ الآمر: لم يضمن المأمورُ، عَلِم أو لم يعلم. ولأبي حنيفة: أنه مأمورٌ بأداء الزكاة، والمؤذَّى لم يقع زكاةً، فصار مخالفاً، وهذا لأن مقصود الآمر إخراجُ نفسِه عن عهدة الواجب؛ لأن الظاهر أنه لا يلتزم الضررَ، وهذا المقصود حصل بأدائه، وعَرِي أداء و المأمور عنه، فصار معزولاً، عَلِم أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي.