النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الشفعة كتاب الشُّفْعة الشُّفْعة واجبةٌ للخليط في نفس المبيع. ثم للخليط في حق المبيع، كالشِّرْب والطريقِ. ثم للجارٍ . كتاب الشفعة هي: مأخوذة من: الشَّفْع، وهو الضمُّ، الذي هو خلاف الوتر؛ لأنه ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ. وسميت الشفاعة بذلك؛ لأنها تَضمُّ المشفوعَ إليه إلى أهل الثواب، فلما كان الشفيع يَضمُّ الشيءَ المشفوعَ إلى ملكه: سُمِّي ذلك شفعة. * قال رحمه الله: (الشفعةُ واجبةٌ للخليط في نفس المبيع): أي ثابتةً؛ إذ لا یأثم بتركها؛ لأنها واجبةٌ له، لا علیه. ولأنه يلحقه بدخول غيره عليه التأذي على وجه الدوام. * قوله: (ثم للخليطُ في حق المَبيع، كالشِّرْب، والطريق). وقال الشافعي(١): لا شفعةً له. * قوله: (ثم للجار). (١) مغني المحتاج ٢٩٧/٢ ٣٨٢ كتاب الشفعة وليس للشريك في الطريق والشّرب، والجارِ شفعةٌ مع الخليط. فإن سلَّم الخليطُ : فالشفعةُ للشريك في الطريق . فإن سَلَّم : أَخَذَها الجارُ. والشفعةُ تجب بعقد البيع، وقال الشافعي(١): لا شفعةً بالجوار. - ثم الجارُ الذي يَستحق الشفعةَ عندنا هو: الملاصق الذي إلىْ ظَهْر الدار المشفوعة، وبابُه من سِكَّةٍ أخرى، دون المحاذي. - أما إذا كان محاذياً، وبينهما طريقٌ نافذٌ: فلا شفعةً له وإن قَرُبت الأبواب؛ لأن الطريق الفارقة بينهما تُزيل الضرر. قوله: (وليس للشريك في الطريق والشِّرب والجار شفعةٌ مع الخليط)؛ لأنه أخصُّ بالضرر منهم. * قوله: (فإن سلَّم: فالشفعةُ للشريك في الطريق)؛ لأنه أخصُّ بالضرر من الجار. * قوله: (فإن سلَّم: أَخَذَها الجارُ)؛ لأن الترجيح يتحقق بقوة السبب. * قوله: (والشفعةُ تجبُ بعقد البيع)، يعني لو سلّم الشفيعُ شفعتَه قبل عقد البيع: فتسليمُه باطلٌ، وهو على شفعته بعد العقد. (١) مغني المحتاج ٢٩٧/٢. ٣٨٣ كتاب الشفعة وتستقرُ بالإشهاد، وتُملك بالأخذ. - وإن سلَّمها بعد العقد: بطلت وإن لم يعلم بالبيع عند التسليم؛ لمصادفة الإسقاط حقاً واجباً. - وفي ((المبسوط)) (١): إن الشفعة تثبت بالبيع قبل ملك المشتري، ألا ترى أنه لو قال: بعتُ هذه الدارَ من فلان، وقال فلان: ما اشتريت: كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة؛ لثبوت البيع بإقرار البائع وإن لم يثبت ملكُ المشتري؛ لإنكاره. ولهذا إذا اشترى داراً بشرط الخيار: تجب الشفعة، بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع. * قوله: (وتَستقرُّ بالإشهاد): أي بالطلب الثاني، وهو طلب التقرير، والمعنى: أنه إذا أشهد عليها: لا تبطل بعد ذلك بالسكوت، إلا أن يُسقطها بلسانه، أو يَعجز عن إيفاء الثمن، فيُبطِل القاضي شفعته. - ولا بدَّ من طلب المُواثبة؛ لأنه حقٌّ ضعيفٌ يَبطل بالإعراض، فلا بدَّ من الطلب والإشهاد. * قوله: (وتُملك بالأخذ). هذا مُشكِلٌ، فقد ذكر الإمام خُوَاهَر زاده أنه إذا حكم بها حاكمٌ: ثبت الملك وإن لم يأخذ الدار، فيحتمل أن يكون المراد: وتُملك بالأخذ، وبما هو في معناه، كحكم الحاكم. (١) ١٤ / ١٠٢ . ٣٨٤ كتاب الشفعة إذا سأَّمها المشتري، أو حَكَم بها حاكمٌ. - وفائدةُ قوله: وتُملك بالأخذ: تظهر فيما إذا مات الشفيع بعد الطلبَيْن قبل حكم الحاكم، أو قبل التسليم إليه بالتراضي: لا تُورث عنه. - وفيما إذا باع دارَه المستحقَّ بها الشفعة قبل ذلك أيضاً: تبطل شفعته. - وفيما إذا بيعت دارٌ بجنب الدار المشفوعة قبل ذلك: لا يستحق شفعتَها؛ لعدم الملك. - وفيما إذا کان گرْماً، فأثمر في يد المشتري سنین، فأکله، ثم حضر الشفيع: لا يسقط شيء من الثمن؛ لعدم الأخذ، وهو مخيَّرُ: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك. - وكذا لو باعه المشتري من آخرَ: فبيعه جائزٌ، والشفيع بالخيار: إن شاء أخذه بالعقد الأول بالثمن الأول، وإن شاء بالعقد الثاني بالثمن الثاني. - قال في ((الكرخي)): إذا اشترى داراً، وقَبَضَها، ولها شفيعٌ: فهي في ملك المشتري، يجوز تصرُّفُه فيها، كما يجوز في سائر أملاكه، ولا يمنعه وجوبُ الشفعة من التصرف فيها، إلا أن يُحكَم للشفيع بها، وله أن يهدم، ويؤجر، وتطيب له الأجرة. * قوله: (إذا سلَّمها المشتري، أو حكَمَ بها حاكمٌ)؛ لأن الملك للمشتري قد تمّ، فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي، أو قضاء القاضي. - وللشفيع أن يمتنع من أخذ المبيع بالشفعة وإن بذله المشتري حتى يقضيَ له القاضي؛ لأن في قضاء القاضي: زيادةَ منفعةٍ، وهي معرفة ٣٨٥ كتاب الشفعة وإِذا عَلِمَ الشفيعُ بالبيع : أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة، القاضي بسبب ملكه، وعلمُ القاضي: بمنزلة شهادة شاهدين، فهذا أحوط له من الأخذ بغير قضاء. كذا في «الخُجندي)». : قوله: (وإذا عَلِمَ الشفيعُ بالبيع: أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة). وهذا يسمىُ طلبُ المُواثبة، والإشهادُ فيه غير لازم، وإنما هو لنفي التجاحد. - ثم طلبُ الشفعة طلبان: طلبُ مواثبة، وطلبُ استحقاق. - فطلب المواثبة عند سماعه بالبيع، فيُشهِد على طلبها. ۔ ثم لا یمکث حتى يذهب إلى المشتري، أو إلى البائع إن كانت الدار في يده، أو إلى الدارِ المبيعة، ويَطلب عند واحدٍ من هؤلاء طلباً آخر، وهو طلب الاستحقاق، ويُشهِد عليه شهوداً. - فإذا ثبتت شفعتُه بالطلبَيْن: فهو على شفعته أبداً، ولا تبطل بعد ذلك بترك الطلب، في ظاهر الرواية. وعن محمد: إذا مضىُ شهرٌ، ولم يَطلب مرةً أخرى: بطلت. - ويقال: طلبُ الشفعة طلبان: طلب المواثبة، وطلب التقرير. - فطلبُ المواثبة: أن يطلبَ على فور العلم بالشراء، حتى لو سكت ٣٨٦ كتاب الشفعة هُنَيهةً، ولم يطلب: بطلت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الشفعةُ لمَن واثبها))(١). وعن محمد: أنه يتوقف بمجلس علم الشفيع، وهو اختيارُ الكرخي. - وطلبُ التقرير: هو قول الشيخ: ثم ينهض منه، أي من المجلس، فُيُشهِدُ على البائع إن كان المبيع في يده. - وتقييد الشيخ بقوله: أَشهَدُ في مجلسه: إشارةٌ إليه، أي إلى اختيار الكرخي. - ولا يبطل بالسكوت، إلا أن يوجد منه ما يدل على الإعراض. - وكيفية الطلب: أن يقول: طلبت، أو أنا أطلبها، أو أنا طالبُها. - وإن قال: لي فيما اشتريتَ شفعةٌ: بطلت. وفي ((الهداية)) (٢): يصح الطلب بكل لفظٍ يُفهم منه طلب الشفعة، كما لو قال: طلبتُ الشفعة، أو أطلبها، أو أنا طالبها؛ لأن الاعتبار للمعنى. - وأما طلب التقرير والإشهاد: فهو أن يقول: إن فلاناً اشترى هذه (١) قال في نصب الراية ١٧٦/٤: غريب، وينظر التلخيص الحبير ٥٦/٣، وفي المحلى ٩١/٩: لا يحضرني الآن ذكر إسناده، وفي التعريف والإخبار ٣٢٢/٢: قال المخرِّجون: إنما يُعرف من قول شريح، وهو في مصنف عبد الرزاق (١٤٤٠٦). (٢) ٤ / ٢٧. ٣٨٧ كتاب الشفعة الدار، وأنا شفيعُها، وقد كنتُ طلبتُ الشفعة، وأطلبها الآن، فاشهَدوا على ذلك. - وفي ((الكرخي)): طلبُ الشفعة على الفور عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: إنها على المجلس، كخيار القبول، وخيار المخيَّرة. ولهما: قوله عليه الصلاة والسلام: ((الشفعةُ كنَشْطة عقال))(١). فإذا ثبت أنها على المجلس عند محمد: كان على شفعته ما لم يقم، أو يتشاغلُ بغير الطلب. - وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا بلغه البيعُ، وليس بحضرته مَن يُشهِده: قال: إني مطالِبٌ بالشفعة، حتى لا تَسقط فيما بينه وبين الله تعالى، ثم يَنهض إلى مَن يُشهده؛ لأنه لا يُصدَّق إلا ببينة. - ولو حال بينه وبين الإشهاد حائل، فلم يستطع أن يصل إليه: فهو على شفعته. - وإن كان الشفيع حين علم بالبيع غائباً عن البلد، فإن أشهد حين علم، أو وكّل مَن يأخذ له بالشفعة: فهو على شفعته. - وإن عَلِمَه، ولم يُشهِد، ولم يوكّل حين بلغه ذلك مع قدرته عليه، (١) سنن ابن ماجه (٢٥٠٠)، المحلى ٩١/٩، سنن البيهقي ١٠٨/٦، وقال: ليس بثابت، قال في التلخيص الحبير ٥٦/٣: إسناده ضعيف جداً. ٣٨٨ كتاب الشفعة وسكت ساعةً: بطلت شفعتُه؛ لأن الغائب يقدر على الطلب، كما يقدر عليه الحاضرُ. - وإن أُخبر بكتابٍ، والشفعةُ في أوله أو وسطه، وقرأ الكتابَ إلى آخره قبل الطلب: بطلت شفعتُه، على هذا عامةُ المشايخ، وهذا على اعتبار الفور. وعن محمد: له مجلس العلم. - ولو قال بعد ما بلغه البيع: مَن اشتراها؟ أو بكم بيعت؟ ثم طلبها: فهو على شفعته. - ثم إذا بلغه العلم: لم يجب عليه الإشهادُ حتى يُخبره رجلان أو رجلٌ وامرأتان، أو واحدٌ عدلٌ، وهذا عند أبي حنيفة؛ لأنه يعتبر في الخبر أحدَ شرطي الشهادة: إما العدد، أو العدالة. - وقال زفر: حتى يُخبره رجلان عدلان، أو رجلٌ وامرأتان عدول، کالشهادة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجب عليه الإشهاد إذا أخبره واحدٌ، سواء كان حراً أو عبداً، صبياً كان أو امرأةً، عدلاً كان أو غيرَ عدل، إذا كان الخبر حقاً، فإن لم يُشهِد عند ذلك: بطلت شفعته. - وأما في المخيَّرة إذا بلغها التخييرُ: لم يُعتبر في المخبِر أحدُ شرطي الشهادة، إجماعاً. ٣٨٩ كتاب الشفعة ثم ينهض منه، فيُشهِد على البائع إن كان المبيع في يده، أو على المبتاع، أو عند العقار. ــ وكذا المشتري إذا قال للشفيع: قد اشتريتُ، فسكت: بطلت شفعته، إجماعاً وإن لم يكن في المشتري أحدُ شرطي الشهادة. * قوله: (ثم ينهض منه): أي من المجلس، (فُيُشهِد على البائع إن كان المبيع في يده): أي لم يُسلِّمه إلى المشتري، (أو على المبتاع، أو عند العقار(١))، وهذا طلبُ التقرير والإشهاد. وحاصله: إذا كان المبيعُ لم يُقبض: فالشفيع بالخيار: إن شاء أشهد على البائع؛ لأن للبائع فيه حقاً ما دام في يده، وإن شاء أشهد عند المشتري؛ لأن الملك له، وإن شاء عند العقار؛ لأنه عينُ المبيع، وحقه متعلَّقٌ به. - فإن كان البائع قد سلَّم المبيعَ: فلا معنىً للإشهاد عليه؛ لأنه بالتسليم: خرج من الخصومة، وصار كالأجنبي؛ لعدم الملك والید. - ويصح الإشهاد على المشتري وإن لم يكن في يده، وفي ((الكتاب)) إشارةٌ إليه، حيث قال: أو على المبتاع: مطلقاً، ولم يقيده بقوله: إن كان المبيع في يده. (١) توجد زيادة هنا في نسخ القدوري، وهي: ((العقار، فإذا فعل ذلك: استقرَّت شفعتُه، ولم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة وأبي يوسف)). اهـ، وينظر اللباب ٢٦٦/٣. ٣٩٠ كتاب الشفعة فإذا فعل ذلك : استقرَّت شفعتُه، ولم تَسقط بالتأخير عند أبي حنيفة. وقال محمد : إن تركها شهراً بعد الإشهاد : بطلت شفعته. - وقوله: أو عند العقار: هذا إذا جَمَعَهم موضعٌ واحدٌ، بأن كانوا في مصرٍ واحد، أما لو كان الشفيع مع المشتري في المصر، فذهب إلى البائع، أو إلى العقار: بطلت شفعته. - وكذا لو كان البائع والمشتري معاً، فذهب إلى العقار: بطلت الشفعة أيضاً. - وإن كان الشفيع عند البائع، والدارُ في يد المشتري، فذهب إلى المشتري، وأَشهَد علیه: لا تبطل. قال الخُجَندي: إذا كانت الدارُ في يد البائع: لم يُقض للشفیع بها حتى يكون البائع والمشتري حاضرين، أما حضور البائع؛ فلأن اليد له، وأما حضور المشتري؛ فلأن الملك له. - فإذا قُضي له بحضرتهما: نَقَدَ الشفيعُ الثمنَ إلى البائع، وتكون عهدتُه عليه، ويبطل البيع الذي جرى بينه وبين المشتري. - وإن كانت الدار مسلَّمةً إلى المشتري: فحضرة البائع هنا ليس بشرط؛ لأنه لا يدَ له ولا ملكَ، وإنما يُشترط حضور المشتري خاصة. - فإذا قُضي له بالشفعة: نَقَدَ الثمنَ إلى المشتري، وتكون عهدتُه عليه، ولا يبطل البيع بين البائع والمشتري. * قوله: (وقال محمدٌ: إن تركها شهراً بعد الإشهاد: بطلت شفعتُه). ٣٩١ كتاب الشفعة والشفعةُ واجبةٌ في العقار وإن كان مما لا يُقْسَمِ، كالحمَّامِ، والرحى، والبئرٍ، والدُّوْرِ الصغار. ولا شفعةَ في البناء، والنخلِ إذا بِيع دون العَرْصة. ولا شفعةَ في العروض، والسفن. - يعني إذا تركها من غير عذر، أما إذا كان لعذر: لم تسقط؛ لأن ذلك لیس بتفريط. قال في ((المستصفى)): والفتوى على قول محمد،. وفي ((الهداية))(١): الفتوى على قولهما، وهو ظاهر المذهب؛ لأن الحق متى ثبت واستقرَّ: لم يسقط، إلا بإسقاطه بالتصريح، كما في سائر الحقوق. * قوله: (والشفعةُ واجبةٌ في العقار وإن كان مما لا يُقسَم، كالحمَّام، والبئر، والبيت الصغير)، سواء كان سُفْلاً أو عُلواً. - (ولا شفعةَ في البناء، والنخلِ إذا بيع دون العَرْصة)؛ لأنه منقولٌ، لا قرار له. - وهذا بخلاف العُلو، حيث يُستحق بالشفعة، وتُستحق به الشفعة في السُّفل، إلا إذا لم يكن طريقُ العلو فيه، فأما إذا كان طريق العلو فيه: كان استحقاق الشفعة بالشركة في الطريق، لا بالمجاورة، فلم يكن نظيرَ البناء والنخل؛ لأن العلو بما له من القرار: التحق بالعقار. * قوله: (ولا شفعةَ في العروض، ولا في السُّفُن). (١) ٢٨/٤. ٣٩٢ كتاب الشفعة والمسلمُ والذمِّيُّ في الشفعة سواء. وقال مالكٌ(١): تجب الشفعة في السفن؛ لأنها تُسكن كالعقار. ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا شفعة إلا في رَبْعٍ، أو حائط))(٢). ولأن السفن منقولةٌ كالعروض، ولا شفعةً في المنقول؛ لأن الملك فیه لا يدوم، كدوامه في العقار. * قوله: (والمسلمُ والذميُّ في الشفعة سواءً). - وكذا المكاتَبُ المأذونُ، والباغي والعادلُ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير. والذي يأخذها للصغير أبوه، أو وصيُّه، أو جدُّه، أو وصيُّه، أو القاضي أو مَن نصبه القاضي؛ لأنها تَثبت لزوال الضرر، ودَفْعُ الضرر عن الصغير واجبٌ. - فإن لم يطلبوها للصغير، أو سنّموها بالقول: سقطت، ولا تجب له إذا بلغ عندهما. وقال محمدٌ وزفر: لا تسقط، وله المطالبة بها بعد بلوغه؛ لأن في إسقاطها ضرراً بالصغير، فلا يجوز، كالبراءة من الدين، والعفو عن القصاص. (١) جواهر الإكليل ١٥٨/٢. (٢) قال في التلخيص الحبير ٥٥/٣: البزار بسند جيد، وينظر في المعنى نفسه صحيح مسلم (١٦٠٨). ٣٩٣ كتاب الشفعة وإِذا مَلَكَ العقارَ بعوضٍ هو مالٌ: وجبت فيه الشفعةُ. ولا شفعةَ في الدار التي يَتزوَّجُ الرجلُ عليها، أو يُخالِعُ المرأةَ بها، .. ولهما: أن مَن مَلَكَ الأخذَ بها: مَلَكَ تسليمَها، ولأن الولي لو أخذها بالشفعة، ثم باعها بمثل الثمن: جاز، فإذا سلَّمها: فقد بقيَ الثمنُ على ملك الصغير، وأسقط عنه ضمانَ الدَّرَك، فكان أولى بالجواز. والجواب عن قولهم: كالبراءة من الدين، والعفو عن القصاص: أن هناك إسقاطاً للحقِّ من غير عوض، وهنا حصل له عوضٌ، وهو تبقية الثمن على ملكه، فافترقا. - وإن لم يكن للصغير أبٌ، ولا وصيٌّ، ولا جدٌّ، ولا نَصَبَ القاضي له ولياً: فهو على شفعته إلى أن يبلغ. * قوله: (وإذا مَلَكَ العقارَ بعوضٍ هو مالٌ: وجبت فيه الشفعة). - إنما قال: مَلَكَ: ولم يقل: اشترى؛ لأنه تجب الشفعة في الهبة بشرط العوض، ولم يكن هناك شراء. * قوله: (ولا شفعةً في الدار يتزوج الرجلُ عليها، أو يخالع امرأتَه بها)؛ لأن الشفعة إنما تجب في مبادلة المال بالمال، وهذه الأعواض لیست بمال. - وإن تزوجها على دار على أن تَردَّ عليه ألفاً: فلا شفعة في جميع الدار عند أبي حنيفة؛ لأن معنى البيع فيه تابعٌ، ولا شفعة في الأصل، فكذا في التبع. ٣٩٤ كتاب الشفعة أو يستأجرُ بها داراً، أو يُصالِحُ بها عن دمٍ عمدٍ، أو يُعتِقُ عليها عبداً، أو يصالحُ عنها بإنكارٍ، أو سكوتٍ، فإن صالح عنها بإقرار : وجبت فيها الشفعة . وعندهما: تجب في حصة الألف؛ لأنه مبادلةً مالية في حقه. * قوله: (أو يستأجر بها داراً، أو يصالِحُ بها عن دمٍ عمدٍ)؛ لأن بدلها لیس بعین مال. * قوله: (أو يُعتق عليها عبداً). صورته: أن يقول لعبده: أعتقتُك بدارٍ فلان، فوهبها صاحبُها للعبد، فيدفعها العبدُ إلى السيد: فلا شفعة فيها؛ لأنها عوضٌ عن العتق، وهو لیس بمال. * قوله: (أو يصالِحُ عنها بإنكارٍ أو سكوت)؛ لأن المدعى عليه يزعم أنها لم تَزُل عن ملكه، وأنه لم يملكها بالصلح. - وإنما دفع العوض لافتداء اليمين، وقطع الخصومة، وأما إذا صالح عليها: وجبت الشفعة؛ لأن في زعم المدعي أن ما يأخذَه عوض عن حقه. ـ ومَن ملك داراً على وجه المعاوضة: وجبت فيها الشفعة. * قوله: (فإن صالَحَ عنها بإقرار: وجبت فيها الشفعة)؛ لأنه معترِفٌ بالملك للمدعي، وإنما استفادها بالصلح، فكانت مبادلةً. ٣٩٥ كتاب الشفعة وإذا تقدَّم الشفيعُ إلى القاضي، فادَّعىُ الشراءَ، وطَلَبَ الشفعةَ: سأل القاضي المدَّعى عليه، فإن اعترف بملكه الذي يشفع به، وإلا: كلَّفه بإقامة البينة على ملكه. قوله: (وإذا تقدم الشفيعُ إلى القاضي، فادعى الشراءَ، وطلب الشفعةَ: سأل القاضي المدعى عليه، فإن اعترف بملكه الذي يشفع به، وإلا: كلَّفه بإقامة البينة على ملكه). أبهم المدعى عليه؛ لأنه متردِّد بين البائع والمشتري، إذ البائع هو الخصم إذا كان المبيع في يده، أو المشتري إذا قبض، والظاهر أن المراد منه: المشتري؛ بدليل قوله بعد هذا: استَحلف المشتري. - وقوله: سأل القاضي المدعى عليه: أي سأله عن الدار التي يشفع بها؛ لجواز أن تكون قد خرجت من ملك الشفيع، وهو يقدر على إقامة البينة بذلك، فإن اعترف المدعى عليه أنها في ملكه: ثبتت له الشفعة؛ لأنه اعترف بما يستحق عليه به الشفعة، وإن أنكر: كُلِّف المدعي إقامةَ البينة أن الدار التي يَشفع بها في ملكه يوم البيع. فإن قال المدعى عليه: هذه الدار التي ذكرها في يده، ولكنها ليست ملکه: فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا: لا يُقضى له بالشفعة، حتى يقيم البينةَ أنها ملكه. وعن أبي يوسف: أنه إذا أقرَّ له باليد: كان القول قولَ الشفيع إنها ملكه. ٣٩٦ كتاب الشفعة فإن عجز عن البينة : استَحلف المشتري بالله : ما يعلم أنه مالِكٌ للذي ذَگره مما یَشفعُ به. فإن نَكَلَ عن اليمين، أو قامت للشفيع بينةً: سأله القاضي : هل ابتاع أم لا؟ - فإن باع الشفيعُ دارَه التي يَشفع بها بعد شراء المشتري، وهو يعلم بالشراء أو لا يعلم: بطلت شفعته. - فإن رجعت إليه، بأن رُدَّت عليه بعيب، بقضاء أو بغير قضاء، أو بخيار رؤية: لم تَعُدَّ الشفعة؛ لأنها قد بطلت. - وإذا باع الدارَ على أنه بالخيار ثلاثاً، ثم اختار الفسخَ: فهو على شفعته؛ لأن ملگه لم يَزُل عنها. - فإن طلب الشفعةَ في مدة الخيار: فذلك منه نقضٌ للبيع، وله الشفعة. - وقوله: وإلا كلَّفه إقامةَ البينة: ليس معناه: أنه يلزمه ذلك؛ لأن إقامة البينة من حقوقه، وذلك موقوفٌ على اختياره، وإنما معناه: أنه يسأله: هل له بينةٌ أم لا؟ ومعناه: كلَّفه إقامةَ البينة أن الدار التي يشفع بها ملكُه. * قوله: (فإن عَجَزَ عن البينة: استحلف المشتري بالله: ما يَعلم أنه مالكٌ للذي ذَكَرَه مما يشفع به). يعني إذا طلب الشفيعُ استحلافَه. وإنما استحلفه على العلم؛ لأن الملكَ فعلُ الغير. * قوله: (فإن نَكَلَ عن اليمين، أو قامت للشفيع بيِّنةٌ): ثبت ملكُ الدار التي يشفع بها. * قوله: (سأله القاضي): أي سأل المدعى عليه: (هل ابتاع، أم لا؟ ٣٩٧ كتاب الشفعة فإن أنكر الابتياعَ: قيل للشفيع: أقمِ البينةَ، فإن عَجَزَ عنها : استَحلف المشتري بالله: ما ابتاع، أو : بالله : ما يستحق عليَّ في هذه الدار شفعةً من الوجه الذي ذَكَرَه. فإن أنكر الابتياعَ: قيل للشفيع: أقم البينةَ)؛ لأن الشفعة لا تجب إلا بعد ثبوت البيع. * قوله: (فإن عَجَزَ عنها: استَحلف المشتري بالله: ما ابتاع، أو: بالله: ما يَستحقُّ عليك في هذه الدار شفعةً من الوجه الذي ذَكَرَه). - فإن أقرَّ : استُحقت عليه الشفعة. - والأجودُ إذا كانت الشفعة بالخلطة: أن لا يُستحلف بالله ما ابتاع؛ لجواز أن يكون قد ابتاع، وسلّم الشفيع الشفعة. - وإن كانت بالجوار: أن يُستحلف على نفس الابتياع؛ لئلا يتأول عليه أنه ممن لا يستحق عليه الشفعة بالجوار. * قوله: من الوجه الذي ذَكَرَه: أي من الوجه الذي قاله الشفيع: إني اشتريت، أو حصلتْ لي بالهبة والعوض. ويحتمل أن تكون الهاء في: ذَكَرَه: راجعةً إلى السبب، أي لا يستحق عليَّ الشفعة بالسبب الذي ذكره، وهو الخلطة في بعض المبيع، أو في حق المبيع، أو بالجوار. - وإن قال المشتري للقاضي: حَلَّف الشفيعَ أنه يطلب طلباً صحيحاً، وأنه طلبها ساعةَ عِلْمه بالشراء من غير تأخير؛ لاحتمال أنه إنما طلبها بعد سكوته، أو قيامه من المجلس: فإنه يُحلِّفه. ٣٩٨ كتاب الشفعة وتجوز المنازعةُ في الشفعة وإن لم يُحضِرِ الشفيعُ الثمنَ إلى مجلس القاضي . وإذا قضى القاضي له بالشفعة : لزمه إحضارُ الثمن. وللشفيع أن يَرُدَّ الدارَ بخيار العيب، والرؤية. * قوله: (وتجوز المنازعةُ في الشفعة وإن لم يُحضِرِ الشفيعُ الثمنَ إلى مجلس القاضي)؛ لأن الثمن إنما يجب بعد انتقال الملك إليه، ولا ينتقل إلا بالرضا من المشتري، أو القضاء من الحاكم. * قوله: (فإذا قضى له القاضي بالشفعة: لزمه إحضارُ الثمن)، وهذا ظاهرُ رواية ((الأصل)). وعن محمد: أنه لا يقضي حتى يُحضِرِ الشفيعُ الثمنَ؛ لأن الشفيع قد يكون مفلساً، فيتعجل ملك المشتري، ويتأخر عنه الثمن. - وإذا قضى القاضي بالدار للشفيع: فللمشتري أن يَحبسها حتى يستوفي الثمن من الشفيع. - وإن طلب الشفيعُ أجلاً في تسليم الثمن: أُجِّل يومين أو ثلاثةً، فإن سلَّم، وإلا: حَبَسَه القاضي في السجن حتى يدفع الثمن، ولا ينقض الأخذَ بالشفعة؛ لأن ذلك بمنزلة البيع والشراء، فلا يَفسخُه بعد نفوذ حكمه بذلك. * قوله: (وللشفيع أن يَردَّ الدارَ بخيار العيبِ، والرؤيةِ)؛ لأنه بمنزلة المشتري، فإن كان المشتري قد رآها، وأبرأ البائعَ من العيب: لا يَبطل ٣٩٩ كتاب الشفعة وإن أَحضر الشفيعُ البائعَ، والمبيعُ في يده: فله أن يخاصمه في الشفعة . ولا يسمع القاضي البينةَ حتى يَحْضُرَ المشتري، فيفسخ البيعَ بِمَشْهَدٍ منه، ويقضي بالشفعة على البائع، ويَجعل العهدةَ عليه. خيارُ الشفيع في الرد بالعيب. * قوله: (وإذا أحضر الشفيعُ البائعَ، والمبيعُ في يده: فله أن يُخاصمه في الشفعة)؛ لأن اليد له، (ولا يَسمع القاضي البينةَ حتى يَحضُرَ المشتري، فيفسخ البيعَ بمَشهدٍ منه، ويقضي بالشفعة على البائع، ويَجعل العهدةَ عليه)؛ لأن المبيع إذا كان في يد البائع: فحقُّه متعلِّقٌ به؛ لأن له حَبْسه حتى يستوفي الثمن. - وإنما لم يَسمع البينةَ حتى يَحضُر المشتري؛ لأن الملك له. - وإن كانت الدار قد قُبضت: لم يُعتبر حضورُ البائع؛ لأنه قد صار أجنبياً لا يدَ له، ولا ملك. * قوله: فيفسخ البيعَ بمَشهدٍ منه: صورة الفسخ: أن يقول: فسختُ شراءَ المشتري خاصةً، ولا يقول: فسختُ البيع؛ لئلا يبطلَ حق الشفعة؛ لأنها بناءً على البيع، فتتحول الصفقةُ إليه، ويصير كأنه المشتري منه. - ولهذا يرجع بالعهدة عليه، أي على البائع، بخلاف ما إذا كان قد قبضه المشتري، وأخذه من يده، حيث تكون العهدة على المشتري. والعهدةُ هي: ضمانُ الثمن عند استحقاق المبيع. ٤٠٠ كتاب الشفعة وإذا ترك الشفيعُ الإشهادَ حين عَلِمَ بالبيع، وهو يَقْدِرُ على ذلك: بطلت شفعته. وكذلك إن أَشهد في المجلس، ولم يُشهِد على أحد المتبايعين، ولا عند العقار. وإن صالَحَ مِن شفعته على عوضٍ أَخَذَه: بطلت الشفعةُ، ويَرُدُّ العوض. * قوله: (وإذا ترك الشفيعُ الإشهادَ حين عَلِمَ، وهو يقدر على ذلك: بطلت شفعتُه)، يعني بهذا طلبَ المواثبة. - وإنما قال: وهو يقدر على ذلك: لأنه لو حال بينه وبين الإشهاد حائلٌ: فهو على شفعته. قوله: (وكذلك إن أشهد في المجلس، ولم يُشهِد على أحدٍ المتبايعين، ولا عند العقار). يعني بقوله: أشهد في المجلس: طَلَبَ المواثبةَ. : قوله: (فإن صالح من شفعته على عوضٍ) من دراهم أو عَرْض: (أَخَذَه: بطلت شفعتُه، وردّ العوضَ)؛ لأنه يصير بقبول العوض مُعرِضاً عنها، ولا یکون له من العوض شيء. ــ وكذا إذا قال المشتري للشفيع: اشتر مني، ولا تخاصمني فيها، فقال: اشتریتُ: بطلت شفعته.