النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الإجارة
- فإذا استؤجر على الحج عن الميت: جاز عن الميت، وله من الأجرة
مقدار نفقته في الطريق ذاهباً وجائياً، ويُرد الفضل على الورثة؛ لأنه لا
يجوز الاستئجار علیه.
قال في ((الهداية))(١): وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجارَ على تعليم
القرآن اليوم؛ لأنه ظهر التواني في الأمور الدينية، ففي الامتناع تضييع
حفظ القرآن. قال: وعليه الفتوى.
- وأما تعليم الفقه: فلا يجوز الاستئجار عليه، بالإجماع؛ لأنه لا يقدر
على الوفاء به.
- ويجوز على تعليم اللغة والأدب، بالإجماع.
- ولا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد؛ لأن الأجير إذا حضر الوَقْعة:
تعيَّن عليه الفعل، فلزمه ذلك.
- ولا يجوز الاستئجار على غسل الميت.
- ويجوز على حفر القبر.
- وأما حمل الميت: قال في ((العيون)): يجوز الاستئجار عليه.
وفي ((الفتاوى)): إن لم يوجد غيرُهم: لا يجوز؛ لأن ذلك واجب
علیهم، وإن وُجد غیرهم: جاز.
(١) ٢٤٠/٣.

٣٦٢
كتاب الإجارة
والغِنَاءِ، والنَّوْحِ.
ولا تجوز إجارةُ المُشَاع عند أبي حنيفة إلا من الشريك،
- واختلفوا في الاستئجار على قراءة القرآن على القبر مدةً معلومة:
قال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز، وهو المختار.
: قوله: (ولا يجوز الاستئجار على الغناء، والنَّوْح).
- وكذا سائر الملاهي؛ لأنها معصية.
- ولا يجوز على القصاص في النفس عندهما، وقال محمد: يجوز.
- وأما الاستئجار على القصاص فيما دون النفس: فيجوز، إجماعاً؛ لأن
المقصود منه إبانةُ العضو، وذلك يقدر عليه، بخلاف القصاص في النفس؛
لأن المقصود منه إفاتةُ الروح، وهو لا يقدر عليه؛ لأنه ليس من فعله.
- ويجوز الاستئجار على الذَّكاة؛ لأن المقصود منها قطع الأوداج،
دون إفاتة الروح، وذلك يقدر عليه، فأشبه القصاصَ فيما دون النفس.
- قال أبو يوسف: لا بأس أن يستأجر القاضي رجلاً مشاهرةً على أن
يضرب الحدود بين يديه، فإن كان غير مشاهرة: فالإجارة فاسدة؛ لأنه إذا
استأجره مشاهرةً: فالعقد يقع على المدة، عَمِلَ أو لم يعمل، والمدة
معلومة.
وإن استأجره على الضرب: فذلك مجهول، فلا يجوز.
* قوله: (ولا تجوز إجارة المُشاع عند أبي حنيفة، إلا من الشريك)،
سواء كان مما يُقسم، أو مما لا يُقسم ؛ لأنه أجَّر ما لا يقدر على تسليمه؛

٣٦٣
كتاب الإجارة
وقالا : إجارة المشاع جائزةٌ .
لأن تسلیم المشاع وحده لا يتصور.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: إجارة المشاع جائزةٌ)؛ لأن
التسلیم ممکن بالتخلية أو بالتهایؤ، فصار كما إذا آجره من شریکه، وصار
کالبيع.
- وأما رهن المشاع: فلا يجوز من الشريك وغيره فيما يحتمل
القسمة، وفیما لا يحتملها عندنا.
وقال الشافعي(١) : يجوز.
- وهبةُ المشاع فيما لا يحتمل القسمة: جائزةً، وفيما يحتملها: لا
تجوز عندنا.
وقال الشافعي(٢): تجوز.
- ووقف المشاع: جائز عند أبي يوسف، ولا يجوز عند محمد.
- ثم الإجارة متى حصلت في غير المُشاع، وطرأ الشيوعُ بعد ذلك:
فإنه لا يُبطلها، كما إذا استأجر داراً من رجلين، ومات أحدُ المؤجرين: لا
تنتقض الإجارةُ في حصة الحيِّ وإن كان مشاعاً.
- وكذا إذا آجر دارَه من رجلين صفقةً واحدة: جاز، ثم إذا مات أحدُ
(١) كنز الراغبين ٦٣/٢.
(٢) روضة الطالبين ٣٧٣/٥.

٣٦٤
كتاب الإجارة
ويجوز استئجارُ الظِّئْر بأجرةٍ معلومة،
المستأجرين: انتقضت الإجارة في حقه، وبقي في حقِّ الحيِّ جائزاً.
* قوله: (ويجوز استئجار الظُّئْر بأجرة معلومة).
لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. الطلاق/ ٦.
- واختلف المتأخرون في حكم هذا العقد: فمنهم مَن قال: إن العقد
يقع على المنافع، وهي خدمةُ الصبي، والقيامُ به، واللبَنُ على طريق التبع؛
لأن اللبنَ عينٌ من الأعيان، لا يُستَحَقُّ بالإجارة إلا على طريق التبع،
کالصِّبْغ في الثوب.
ومنهم: مَن قال: إن العقد يقع على اللبن، والخدمةُ تَبَعُ، بدليل أنها
لو أرضعتْه في المدة بلبن شاة: لم تَستحق الأجرة.
والأول أصح.
- ولا يجوز استئجار الزوجة على إرضاع ولدها.
- وكذا المطلقة الرجعية.
- وأما المبتوتة: فيجوز، على الأصح.
- ويجوز استئجار الزوجة لتُرضع ولده من غيرها.
- وإن استأجرها لترضع ابنها من مال الولد، وللولد مالٌ: جاز؛ لأن
المانع من استئجارها أنها مستحقة للنفقة على الزوج، وأجرةُ الرضاع
تجري مجرى النفقة، فلا تستحقها من وجهين، وإذا كان العقد يقع

٣٦٥
كتاب الإجارة
ويجوز بطعامها، وکِسْوتِها .
وليس للمستأجر أن يَمنع زوجَها من وطئها .
للصغير: فلا نفقةً لها عليه، فجاز استئجارها كالأجنبية.
* قوله: (ويجوز بطعامها، وكِسوتها) عند أبي حنيفة وإن لم يوصف
من ذلك شيء، ويكون لها الوَسَط.
- وهي تجري مجرى النفقة من وجهِ، وهذا استحسان.
والقياس: أن لا يجوز، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن ذلك
مجهولٌ، والأجرة إذا كانت مجهولةً: لم تصح الإجارة، كما لو استأجرها
للطبخ أو الخبز.
ولأبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمؤْلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾.
البقرة/ ٢٣٣، وهذا مذكورٌ في المطلقات، وذلك لا يكون إلا على وجه
الأجرة، ولأن الجهالة في هذا لا تُفضي إلى المنازعة؛ لأن في العادة
التوسعةَ على الأظار؛ شفقةً على الأولاد.
بخلاف الخَبْزِ والطَّْخِ، فإن الجهالة فيها تُفضي إلى المنازعة.
- فإن سمى الأجرة دراهمَ، ووَصَفَ جنسَ الكسوة، وأجلها،
وذَرْعها: فهو جائزٌ، بالإجماع.
- وليس للظئر أن تؤجر نفسَها من غيرهم؛ لأنها في حكم الأجير
الخاص.
* قوله: (وليس للمستأجر أن يمنع زوجَها من وطئها)؛ مخافة الحبل؛

٣٦٦
كتاب الإجارة
فإن حَبِلت : كان لهم أن يفسخوا الإجارةَ إذا خافوا على الصبيِّ من
لبنها .
لأن الوطء حقٌّ له، ألا ترى أن له أن يفسخ الإجارة إذا لم يعلم به؛ صيانةً
لحقّه، إلا أن للمستأجر أن يمنعه من غشيانها في منزله؛ لأن المنزل حقُّه.
- وليس لهم أن يحبسوا الظئرَ في منزلهم إذا لم يَشرطوا ذلك عليها.
- ولها أن تأخذ الصبيَّ إلى منزلها؛ لأنهم استحقّوا عليها العمل، ولم
يستحقوه في مكانٍ مخصوص، وهي مؤتمَنَةٌ عليه، وعلى كسوته، وحُلِيِّه،
فإن سُرق من ذلك شيء: لم يلزمها ضمانه؛ لأنها أجيرٌ خاصٌّ.
* قوله: (فإن حَبِلت: كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على
الصبي من لبنها)؛ لأن لبن الحامل يَضرُّ بالصبيِّ، فكان ذلك عذراً في
الفسخ.
ــ وكذا إذا مرضت: لهم أن يفسخوا الإجارة؛ لأن لبنَ المريضة يَضرُّ
بالصبي.
- ولها أيضا أن تفسخ؛ لأن المرض عذرٌ.
- وللزوج أن يُخرجها من الرضاع إن لم تكن تسلمت الأجرة.
- وقد قالوا في الظئر إذا كانت ممن يُشينها الإرضاعُ: فلأهلها أن
يفسخوا ذلك؛ لأنهم يُعيَّرون به، ألا ترى أنه يقال في المَثَل: ((تموت
الحرة، ولا تأكل بثديها))(١).
(١) ينظر فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، للبكري ٢٨٩/١.

٣٦٧
كتاب الإجارة
وعليها أن تُصلح طعامَ الصبيِّ.
وإن أرضعته في المدة بلبنٍ شاةٍ : فلا أُجرةَ لها.
- وكذلك إذا امتنعت هي من الإرضاع: فلها ذلك إذا كان يُشينها الرضاع.
- فإن كانت الظئر سارقةً، وخافوا على متاع الصبي منها: فلهم أن
یفسخوا.
- وإن كانوا يؤذونها بألسنتهم: أُمروا بالكفِّ عنها، فإن فعلوا، وإلا:
كان لها الفسخ.
* قوله: (وعليها أن تُصلح طعامَ الصبي).
بأن تَمضغ له الطعام، ولا تأكل شيئاً يُفسد لبنَها، ويَضرُّ بالصبي.
- وعليها طبخ طعامه، وغَسْل ثيابه، وما يعالج به الأطفال من الدهن
والريحان، وغير ذلك.
- وأما طعامه: فعلى أهله.
قال في ((الهداية))(١): ما ذكره محمدٌ من الدُّهن والريحان أنه على
الظئر: فذلك من عادة أهل الكوفة.
- وفي ((شرحه)): إن جرت العادة بأنه عليها: فهو عليها، وإن لم تجر
بذلك: فهو على أهله.
* قوله: (فإن أرضعته في المدة بلبن شاة: فلا أجرَ لها)؛ لأن هذا
(١) ٢٤١/٣.

٣٦٨
كتاب الإجارة
وكلُّ صانعٍ لعمله أثرٌ في العين، كالقصَّار، والصبَّاغ: فله أن يَحبس
العينَ بعد الفراغ من عمله حتى يستوفي الأجرة.
إيجارٌ(١)، وليس بإرضاعٍ، وإنما تجب الأجرة بالإرضاع.
- فإن استأجرت الظئرُ له ظئراً أخرى، فأرضعته: فلها الأجرُ؛
استحساناً؛ لأن إرضاع الثانية يقع للأولى، فكأنها أرضعته بنفسها.
وفي القياس: لا أجرَ لها؛ لأن العقد وقع على عملها.
- قال في ((الكرخي)): إذا كان الصبي لا يرضع لبنَها، أو يتقيأ منه، أو
تكون سارقةً، أو زانيةً تتشاغل بالزنا عن حفظ الصبي: فلأهله أن يفسخوا
الإجارةَ.
- وإن ضاع الصبي من بيتها، أو سقط فمات، أو سُرق شيء من ثيابه:
فلا ضمان عليها؛ لأنها مؤتمَنةٌ عليه، وقد أخذته بإذن أهله.
ءِ
* قوله: (وكلّ صانعٍ لعمله أثرٌ في العين: فله أن يَحبس العينَ بعد الفراغ
من عمله حتى يستوفيَ الأجرةَ، كالصبَّاغ، والقصَّار)، وكذلك الخياط.
- فلو حُبس، فضاع: فلا ضمانَ عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه غير متعدٍّ
في الحبس، ولا أجرة له؛ لهلاك المعقود عليه قبل التسليم.
وعندهما: يضمن؛ لأن الشيء في يده مضمونٌ قبل الحبس، فإذا
حبسه: أَوْلى أن يَضمن، لكنه عندهما بالخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمتَه غيرَ
معمول، ولا أجرة له، وإن شاء معمولاً، وله الأجرة.
(١) من أوْجَرْتُ: إيجاراً: أي صبَّ في الفم والحَلْق.

٣٦٩
كتاب الإجارة
ومَن ليس لعمله أثرٌ في العين: فليس له أن يَحبِسَها بالأجرة،
كالحمَّالِ، والملاح.
- وفي ((الذخيرة)): إن كان القصَّار يُقصِّر بالنَّشا والبَيْض، فله حق
الحبس، وإن كان يبيِّض الثوبَ، لا غير: فليس له حق الحبس.
قوله: (ومَن ليس لعمله أثرٌ في العين: فليس له أن يحبس العين،
كالحمَّال، والملاَّح).
لأن المعقود عليه نفسُ العمل، وهو غير قائمٍ في العين، فلا يُتصور
حبسه.
- وغسل الثوب: نظيرُ الحمل.
- وهذا بخلاف الآبق، حيث يكون للرادِّ حبسُه؛ لاستيفاء الجُعل،
ولا أثرَ لعمله؛ لأنه كان على شرف الهلاك، وقد أحياه، فكأنه باعه منه،
فله حقُّ الحبس.
- فإن حبس الحمَّالُ المتاعَ: فهو غاصبٌ؛ لأنه لا أثرَ لعمله، والعينُ
أمانة في يده، فإذا حبسها بدينه: صار غاصباً، كالوديعة، فإنها لا تُحبس
لأجل الدين.
- ثم إذا حَبَسَ العينَ: ضمنها ضمان الغصب، وصاحبُها بالخيار: إن
شاء ضمَّنْه قيمتها محمولةً، وله الأجر، وإن شاء غيرَ محمولة، بلا أجر.
- قال أبو يوسف: في الحمَّال إذا بلغ المنزل، فطلب الأجرة قبل أن
يضع الشيءَ من رقبته: لم يكن له ذلك حتى يضعَه؛ لأن الإنزال من تمام
العمل.

٣٧٠
كتاب الإجارة
وإذا اشتَرَط على الصانع أن يعمل بنفسه : فليس له أن يستعمل غيرَه.
وإن أطلق له العملَ : فله أن يستأجر مَن يَعْمَلُه.
وإذا اختلف الخيَّاطُ وصاحبُ الثوب، فقال صاحبُ الثوب: أمَرْتُكَ
أن تعملَه قَبَاءً، وقال الخيَّاطُ: قميصاً، أو قال صاحبُ الثوب للصبَّاغ:
أمرتُك أن تَصِغَه أحمرَ، فصبغتَه أصفرَ : فالقولُ قولُ صاحب الثوب مع
يمينه .
* قوله: (وإذا شَرَطَ على الصانع أن يَعمل بنفسه: فليس له أن يستعمل
غيرَه)، بأن قال: على أن تَعمل بنفسك، أو بيدك.
- أما إذا قال على أن تَخيطه: فهو مطلقٌ. كذا في ((المستصفىُ)).
قوله: (فإن أطلق له العمل: فله أن يستأجر مَن يَعملُه)؛ لأن
المستَحقَّ عليه عملٌ في ذمته، ويمكنُه إيفاؤه بنفسه، وبالاستعانة بغيره،
بمنزلة إيفاء الدين.
* قوله: (وإذا اختلف الخياطُ وصاحبُ الثوب، فقال صاحبُ الثوب:
أمرتُك أن تعملَه قَباءً، وقال الخياطُ: قميصاً، أو قال صاحبُ الثوب
للصباغ: أمرتُك أن تصبغَه أحمرَ، فصبغتَه أصفرَ: فالقولُ قول صاحب
الثوب مع یمینه).
لأن الإذن مستفادٌ من جهة صاحب الثوب، فكان القول قولَه، ولأنه
لو قال: لم آذن لك في العمل: لكان القول قولَه، فكذا هذا؛ لكنه يحلف؛
لأنه أنكر شيئاً لو أقرَّ به لزمه.

٣٧١
كتاب الإجارة
وإذا حَلَف : فالخياط ضامِنٌ.
* قوله: (فإن حلف: فالخياط ضامنٌ).
يعني إن شاء صاحبُ الثوبِ ضمَّنْه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذه، وأعطاه
أجر مثله، لا يُجاوز به المسمى.
- وكذا في مسألة الصَّبْغ: إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيض، وإن شاء أخذ
الثوب، وأعطاه أجرَ مثله، لا يُجاوز به المسمى. كذا في ((المستصفىُ)).
- ولو جاء إلى خياط بثوب، فقال له: انظر إلى هذا الثوب، إن كفاني
قميصاً: فاقطعه، وخِطْه بدرهم، فقال: نعم يكفيك، ثم قال بعد أن قطعه:
لا يكفيك: ضمن قيمةَ الثوب؛ لأنه لما أُدخل عليه حرفَ شرط، وهو:
إن: فقد أمره بقطعٍ موصوفٍ بشرط الكفاية، فإذا لم يكف: لم توجد الصفة
المشروطة، فضمن.
- وإن قال: انظر أيكفيني قميصاً؟ قال: نعم. قال: اقطعه، فإذا هو لا
يكفيه: لا يضمن؛ لأنه أمره بقطعٍ مطلقٍ عارٍ عن الوصف والشرط جميعاً،
وقد فعل ما أمره، فلهذا لم يضمن.
- ولو دفع إلى قصَّارِ ثوباً ليقصُرُه بأجرة معلومة، فلما كان في اليوم
الثاني جاءه صاحبُ الثوب يطلبُه منه، فجحده إياه، ثم جاءه في اليوم
الثالث، فسأَّمه إليه مقصوراً، وطلب الأجرة:
إن كان قَصَرَه قبل أن يجحده: فله الأجرة؛ لأنه قَصَرَه له على موجَب
العقد، وجَحَدَه مقصوراً، فله الأجرة، وإن قَصَرَه بعد ما جحده: فلا أجرة
له؛ لأنه قَصَرَه لنفسه.

٣٧٢
كتاب الإجارة
وإذا قال صاحبُ الثوب للصانع : عملتَه لي بغير أجرة، وقال الصانعُ :
لا، بل بأجرةٍ : فالقولُ قولُ صاحب الثوب مع يمينه عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: إن كان حَرِيفاً له : فله الأجرة، وإن لم يكن حَرِيفاً
له : فلا أجرةَ له.
وقال محمد : إن كان الصانعُ معروفاً بهذه الصنعة أنه يَعملُ بالأجرة :
فالقولُ قولُه مع يمينه بأنه عَمِله بأجرة.
قوله: (وإن قال صاحبُ الثوب: عملتَه لي بغير أجرة، وقال
الصانع: لا، بل بأجرة: فالقول قول صاحب الثوب، مع يمينه عند أبي
حنيفة)؛ لأن المنافع لا قيمة لها إلا من جهة العقد، والأصل أنه لم يجر
بينهما عقدٌ: فالقول قول صاحب الثوب؛ لأنه يُنكر تقوُّمَ عمله، والصانع
يدعیه: فكان القول للمنکر، مع یمینه.
قوله: (وقال أبو يوسف: إن كان حَرِيفاً له): أي معاملاً له: (فله
الأجرة، وإن لم يكن حريفاً: فلا أجرة له)؛ لأنه إذا كان حريفاً: فقد جرت
عادته أنه يخيط له بأجرة، فصار المعتاد كالمنطوق به، وإن لم يكن حريفاً:
فلا عادة، فالقول قول صاحب الثوب؛ لأن الظاهر معه.
: قوله: (وقال محمد: إن كان الصانع معروفاً (١) بهذه الصنعة أنه
يعمل بالأجرة: فالقول قوله إنه عَمِلَه بأجرة)؛ لأنه لمَّا فَتَحَ الحانوت لأجل
ذلك، ونَصَبَ نفسه للخياطة: جرى ذلك مجرى التنصيص على الأجر؛
(١) وفي نسخ: مُبْتَذِلاً لهذه الصنعة بالأجرة.

٣٧٣
كتاب الإجارة
والواجبُ في الإجارة الفاسدة: أجرُ المِثْل، لا يُتُجاوَز به المسمَّىُّ.
وإن قَبَضَ المستأجرُ الدارَ : فعليه الأجرةُ وإن لم يسكنها.
فإن غَصَبها غاصبٌ من يده : سقطت الأجرةُ.
اعتباراً للظاهر.
والقياس: ما قاله أبو حنيفة، وقولهما استحسان، والفتوى على قول محمد.
قوله: (والواجب في الإجارة الفاسدة: أجرةُ المثل، لا يُتجاوز بها
المسمى).
وقال زفر: له أجرة المثل بالغةً ما بلغت.
وهذا إذا كان المسمى معلوماً، أما إذا كان مجهولاً، كما إذا استأجر
على دابة، أو ثوب، أو استأجر داراً على أن يُعمِّرها، فإنه يجب أجر المثل
بالغاً ما بلغ، إجماعاً.
- وكذا إذا استأجر أجيراً ولم يُسمِّ له أجراً: يجب له أجرُ المثل بالغاً ما
بلغ.
- ثم الأجرة لا تجب في الإجارة الفاسدة بالتخلية، بل إنما تجب
بحقيقة الانتفاع، بخلاف الإجارة الصحيحة، حيث تجب الأجرةُ بالتخلية،
انتفع بها، أو لم ينتفع، إذا خُلِّي بينه وبينها.
* قوله: (وإذا قبض المستأجر الدارَ: فعليه الأجرة وإن لم يسكنها)؛
لأنه تمكَّن من الاستيفاء، فأوجب ذلك استقرار البدل.
: قوله: (فإن غصبها غاصبٌ من يده: سقطت الأجرة).

٣٧٤
كتاب الإجارة
وإِن وَجَدَ بها عيباً يَضُرُّ بالسكنىُ : فله الفسخ.
- هذا إذا غصبها قبل أن يسكنها، أما إذا غصبها بعد ما سكن فيها
مدة: سقط عنه من الأجر بحساب ذلك، ولزمه أجرة ما سكن.
* قوله: (وإن وجد بها عيباً يضرُّ بالسكنى: فله الفسخ)؛ لأنه لا يمكنه
الانتفاع بها إلا بضرر.
- وله أن ينفرد بالفسخ، ولا يحتاج إلى القضاء.
- ولو استأجر دارين، فسقطت إحداهما، أو مَنَعَه مانعٌ من إحداهما،
أو حدث في إحداهما عيبٌ يُنقِص السكنى: فله أن يتركهما جميعاً إذا كان
عَقَدَ عليهما صفقةً واحدة.
- ثم حدوث العيب بالعين المستأجرة على وجهين:
أحدهما: لا يؤثر في المنافع: فلا يثبت الخيار، كالعبد المستأجر إذا
ذهبتْ إحدى عينيه، وذلك لا يضرُّ بالخدمة، وكالدار إذا سقط منها حائط
لا يُنتفع به في سکناها: فهذا لا يُثبت الخيار.
وإن كان النقص يؤثِّر في المنافع، كالعبد إذا مرض، أو الدابةِ إذا
دَبَرَت، أو الدار إذا انهدم بعضُ بنائها: فللمستأجر الخيارُ.
- فإن بنى المؤجِرُ ما سقط: فلا خيارَ للمستأجر؛ لأن العيب زالَ.
- وتطيين الدار، وإصلاحُ ميازيبها، وما وهن من بنائها: على مالكها،
دون المستأجر.

٣٧٥
كتاب الإجارة
فإن خَرِبت الدارُ، أو انقطع شِرْبُ الضَّيْعة، أو انقطع الماء عن
الرَّحَى : انفسخت الإجارة، ولزمه بقدر ما سكنَ، أو استعمل الرحى.
ولا يُجبر على ذلك؛ لأن المالك لا يُجبر على إصلاح ملكه،
وللمستأجر أن يَخرج إذا لم يُصلح المؤجِرُ ذلك.
- وكذا إصلاح بئر الماء، والبالوعة، وبئرِ المَخرَج: على المالك
أيضاً.
- ولا يُجبر عليه إذا كان امتلأ من فعل المستأجر.
- وإذا انقضت المدةُ وفي الدار ترابٌ من كَنْس المستأجر، أو رمادٌ:
فعليه أن يرفعه؛ لأنه حدث بفعله، فصار کمتاع وضعه فيها.
- وإن أصلح المستأجر شيئاً من خلل الدار: فهو متطوِّعٌ لا يُحتسب له.
* قوله: (وإذا خربت الدارُ، أو انقطع شِرْبُ الضيعة، أو انقطع الماء
عن الرَّحِىُّ: انفسخت الإجارة(١))، يعني له فسخُها.
- وفيه إشارةٌ إلى أنه لا يُحتاج إلى الفسخ، وهو الصحيح.
ومن أصحابنا مَن قال إن العقد لا ینفسخ.
وعن محمد: أن المؤجر إذا بناها: ليس للمستأجر أن يَمنع، ولا
للمؤجر، وهذا تنصيصٌ على أنها لم تنفسخ.
(١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩ زيادة: (( ... انفسخت الإجارة، ولزمه بقدر ما
سكن، أو استعمل الرَّحِىّ)).

٣٧٦
كتاب الإجارة
وإذا مات أحدُ المتعاقدَيْن وقد عَقَدَ الإجارةَ لنفسه : انفسخت
الإجارةُ.
وإن كان عَقَدها لغيره: لم تنفسخ الإجارة.
فيكون معنى قول الشيخ: انفسخت: أي للمستأجر أن يفسخ.
- وإذا آجر دارَه، ثم باعها قبل انقضاء المدة: فالبيع جائزٌ، حتى إن
المدة إذا انقضت: كان البيع لازماً للمشتري، وليس له أن يمتنع عن الأخذ.
- ولو أن المستأجر أجاز البيعَ: جاز البيعُ، وبطلت الإجارة فيما بقي
من المدة، ولو فسخ: فإنه لا ینفسخ البيع.
- فإن كان المشتري عالِماً وقت الشراء بعقد الإجارة: فليس له أن
يطالب البائعَ بالتسليم إلى أن تمضي الإجارة، وإن لم يكن عالماً وقت
الشراء: فهو بالخيار: إن شاء نقضه بالعيب، وإن شاء أمضاه.
: قوله: (وإذا مات أحدُ المتعاقدين وقد عَقَدَ الإجارةَ لنفسه: انفسخ
العقد).
أما موت المستأجر: فلأن العقد اقتضى استحقاقَ الأجرة من ماله، فلو
بقَّيْنا الإجارةَ بعد موته: استُحقَّت الأجرة من ملك الغير.
- وإن كان المؤجر هو الذي مات، فلو بقّيْنا الإجارة بعد موته:
استُوفيت المنافعُ من ملك غيره، وهذا لا يجوز.
* قوله: (وإن كان عَقَدَها لغيره: لم تنفسخ)، مثل الوكيل، والوصي،
والأب إذا آجر لابنه الصغير، والمتولي في الوقف إذا عَقَدَ، ثم مات.

٣٧٧
كتاب الإجارة
ويصح شَرْطُ الخيار في الإجارة كما في البيع .
وتُفْسَحُ الإجارةُ بالأعذار، كمَن استأجر دكاناً في السوق ليتَّجر فيه،
فذهب مالُه، وكمَن آجر داراً، أو دكاناً، ثم أفلس، فلزمَتْه ديونٌ لا يقدر
على قضائها إلا من ثمن ما آجر: فَسَخَ القاضي العقدَ، وباعها في الدين.
- وليس هذا كمن زوَّج أمتَه، ثم مات: فإن النكاح لا يبطل، بخلاف
الإجارة؛ لأن عقد النكاح لا يقع على المنافع، وإنما يقع على ملك
الاستباحة، وذلك يُملك بالعقد.
- ولو مات أحدُ المتعاقدين وفي الأرض زرعٌ لم يُستحصد: فللمستأجر
أو ورثته أن يَدَعُوا ذلك في الأرض، ويكون عليهم ما سُمِّي من الأجرة.
ولا يُشبه هذا إذا انقضت المدة وفي الأرض زرعٌ لم يُستحصد: فإن
الزرع يُترك، وتجب أجرةُ المثل؛ لأن البدل لما وجب ولا تسميةَ في هذه
المدة: لم يكن إلا أجرة المثل.
* قوله: (ويصح شرطُ الخيار في الإجارة)، ويُعتبر ابتداء مدة الخيار
من وقت الإجارة.
* قوله: (وتُفْسَخ الإجارة بالأعذار: كمن استأجر دكاناً في السوق ليتَّجر
فيه، فذهب مالُه، وكمن آجر داراً أو دكاناً، فأفلس، ولزمته ديونٌ لا يقدر
على قضائها إلا من ثمن ما آجر: فسخ القاضي العقدَ، وباعها في الدَّيْن).
- في هذا إشارة إلى أنه يفتقر إلى قضاء القاضي في النقض، وهكذا
ذكر في ((الزيادات)).

٣٧٨
كتاب الإجارة
وكمَن استأجر دابةً ليسافر عليها، ثم بدا له من السفر : فله أن يفسخَ
الإجارةَ، فهو عُذْرٌ.
وفي ((الجامع الصغير)) (١): وكل ما ذكرنا أنه عذرٌ، فالإجارة فيه تنتقض.
وهذا يدل على أنه لا يَحتاج إلى القضاء.
- وطريق القضاء: أن يبيع المؤجِرُ الدارَ أوَّلاً، فإذا باع وهو لا يقدر
على التسليم لتعلَّق حق المستأجر، فالمشتري يرفع الأمرَ إلى القاضي،
ويلتمس منه فسخَ البيع، أو تسليمَ الدار إليه، فالقاضي يُمضي البيعَ، فينفذ
البيع، وتنتقض الإجارة.
والقاضي لا يَنقض الإجارةَ مقصوداً؛ لأنه لو نقضها مقصوداً: ربما لا
يتفق البيع، فيكون النقض إبطالاً لحقِّ المستأجر مقصوداً، وذلك لا يجوز.
كذا في ((الفوائد)).
- ولو أراد المستأجرُ أن ينتقلَ عن البلد: فله أن يَنقض الإجارة في
العقار وغيره.
- وكذا إذا أفلس بعد ما استأجر دكاناً ليبيع فيه؛ لأنه إذا أفلس: لا
ينتفع بالدكان.
- ولو استأجر عبداً للخدمة، فوجده سارقاً: فهو عذرٌ في الفسخ؛ لأنه
لا یمکنه استیفاء المنافع إلا بضرر.
* قوله: (ومَن استأجر دابةً ليسافر عليها، ثم بدا له من السفر: فهو
عذرٌ)، ولا يجبر على السفر؛ لأن في ذلك ضرراً عليه.
(١) ص٢١٥.

٣٧٩
كتاب الإجارة
وإن بدا للمُكَاري من السفر : فليس ذلك بعُذْرٍ .
- وكذا إذا مرض المكتري؛ لأنه لا يُمكنه السفر إلا بضرر.
- وكذا إذا ترك المكتري السفرَ لعذرٍ يلحقه، مثل أن يعزم على ترك
السفر في هذه السنة، أو اكترى داراً في بلد، ثم نوى السفر، وترك
المُقام: فله الفسخ.
- وللمكتري أن يستحلفه عند الحاكم؛ لأنه يجوز أن يريد الفسخ
لمعنىَ آخر غير ما أظهره.
- وإن كان وجد جمَّالاً أرخصَ من جمَّاله، أو داراً أرخص من
داره: لم يكن له أن يفسخ؛ لأنه قد رضيَ بالمقدار المذكور.
- وكذا ليس للمؤجر أن يفسخ إذا وجد زيادةً على الأجر الذي
آجرها به؛ لأنه قد رضي بالمقدار المذكور.
* قوله: (وإن بدا للمكاري من السفر: فليس ذلك بعذرٍ)؛ لأنه
یمکنه أن يقعد، ویبعث بالدواب مع أجيره أو غلامه.
- ولو مرض المؤجرُ: فكذا الجواب على رواية ((الأصل)).
- وفي ((الكرخي)): هو عذرٌ، وهو الأظهر؛ لأنه لا يعری عن ضرر،
ولأنه قد لا يرضى بخروج غيره في دوابه.
- وإن مرض الجمَّال: فظاهر رواية ((الأصل)) يقتضي أن لا يكون
عذراً.

٣٨٠
كتاب الإجارة
وقال أبو الحسن(١): هو عذر.
- وعن أبي يوسف: في امرأة ولدت يوم النحر قبل أن تطوف للزيارة،
فأبى الجمَّال أن يُقيم معها: قال: هذا عذرٌ، ونَفَضَ الإجارةَ؛ لأنها لا تقدر
على الخروج قبل الطواف، ولا يمكن أن يُلزَم الجمَّال أن يقيم مدة
النفاس، ففُسخت الإجارة؛ لدفع الضرر عنهما.
وإن كانت ولدت قبل ذلك، ولم يبق من مدة النفاس إلا كمدة
الحيض، أو أقلَّ: أُجبر الجمَّال على المُقام معها؛ لأن هذه المدة قد جرت
العادة بمُقام الحاج فيها بعد الفراغ من الحج، والله تعالى أعلم.
(١) هو الإمام الكرخي، والله أعلم، وقد تقدم النقل عنه قبل قليل.