النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
کتاب الرهن
فإذا قَبَضَ المُرتِهِنُ الرهنَ مَحُوزاً، مُفرَّغاً، مميّزاً: تمّ العقد فيه.
- ثم يُكتفى في القبض: بالتخلية، وهي عبارة عن رفع المانع عن
القبض.
وهذا هو ظاهر الرواية؛ لأنه قبضٌ بحكم عقدٍ مشروع، فأشبه قبضَ
المبيع.
وعن أبي يوسف: أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل.
والأول أصح.
- واستدامة القبض واجبةٌ عندنا، خلافاً للشافعي(١)، حتى إن عنده
للراهن أن ينتفع بالرهن.
- ولا فرق بين أن يقبضه المرتهنُ، أو وكيلُه.
- ولو أن الراهن والمرتهنَ تراضيا على أن يكون الرهنُ في يد صاحبه:
لا یصح.
- ولا يسقط شيء من الدین بهلاکه.
وبعد التراضي لو أراد المرتهن أن يقبضه؛ ليحبسه رهناً: ليس له
ذلك؛ لأن الرهن لم يصح.
* قوله: (فإذا قبض المرتهن الرهنَ محُوزاً، مفرَّغاً، مميزاً: تمَّ العقد فيه).
- في هذا إشارة إلى أن اتصافه بهذه الصفة عند العقد ليس بلازم،
(١) مغني المحتاج ١٢٥/٢، ١٣٣.

١٨٢
کتاب الرهن
وما لم يقبضه: فالراهن بالخيار: إن شاء سلِّمه إليه، وإن شاء رجع
عن الرهن.
فإذا سلَّمه إليه، وقبضه : دخل في ضمانه.
يعني لو لم يكن موصوفاً بها عند العقد، واتصف بها عند القبض: يتم فيه.
- وفيه إشارةٌ إلى أنه لو لم يكن موصوفاً بها عند القبض: يكون
فاسداً، لا باطلاً؛ إذ لو وقع باطلاً: لقال: صح، فلما قال: تمَّ: دل علىُ
أنه يكون بدونها ناقصاً، والباطل: فائتُ الأصل والوصف، والفاسد:
موجودُ الأصل، فائتُ الوصف.
- وقوله: مُحُوزاً: احترازاً عن رهن الثمرة على رؤوس النخل بدون
النخل، والزرع في الأرض بدون الأرض.
- وقوله: مفرَّغاً: احترازاً عن رهن النخل بدون الثمرة، ورهن الأرض
بدون الزرع.
- وقولُه: مميزاً: احترازاً عن رهن المشاع، بأن رَهَنَ نصف عبد، أو ثلثه.
* قوله: (وما لم يقبضه: فالراهن بالخيار: إن شاء سلَّمه إليه، وإن شاء
رجع عن الرهن).
لأن اللزوم إنما هو بالقبض؛ إذ المقصود وهو الوثيقة لا يحصل قبل
القبض؛ لأن الرهن استيفاء الدين حكماً، والاستيفاء حقيقة لا يكون بدون
و
القبض، فكذا الاستيفاء حكماً.
* قوله: (فإذا سلَّمه إليه، وقَبَضَه: دخل في ضمانه).

١٨٣
كتاب الرهن
ولا يصحُّ الرهنُ إلا بدَیْنٍ مضمون.
وقال الشافعي(١): هو أمانة، ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه.
* قوله: (ولا يصح الرهن إلا بدينٍ مضمون).
- قوله: مضمون: وقع تأكيداً، وإلا فجميع الديون مضمونة.
وقيل: احترز عن ضمان الدَّرَك، مثل أن يقول: ما بايعتَ فلاناً: فعليّ
ثمنه، فأخذ من القائل رهناً بذلك قبل المبايعة: لم يجز.
قال في ((الهداية))(٢): الرهن بالدَّرَك: باطلٌ، والكفالة بالدَّرَك: جائزةً،
كما إذا كفل بما ذاب له على فلان؛ لأن الكفالة يجوز تعليقها بالخطر؛
لأن للناس بذلك تعاملاً، ولا كذلك الرهن؛ لأن في الرهن: إيفاء، وفي
الارتهان: استيفاء، فيحصل فيه معنى المبادلة، كالبيع.
أما الكفالة: لالتزام المطالبة، والتزامُ الأفعال: يصح مضافاً إلى المال،
كما في الصوم والصلاة.
- فإن أخذ رهناً بالدَّرَك، وقَبَضَه، فهلك عنده: يهلك أمانةً؛ لأنه لا
عقدَ، حیث وقع باطلاً.
- بخلاف الرهن بالدين الموعود، وهو أن يقول: رهنتُك هذا الشيء؛
لتقرضني كذا، فهلك الرهن في يده قبل أن يُقرضه: هلك بالأقل من قيمته
ومما سمى له من القرض بمقابلته؛ لأن الموعودَ جُعل كالموجود؛ باعتبار
الحاجة.
(١) مغني المحتاج ١٣٦/٢.
(٢) ٤/ ١٣٤.

١٨٤
کتاب الرهن
٠٠
ولأنه قَبَضَه بسَوْم الرهن، فكان مضموناً كالمقبوض بسَوْم البيع.
- قال في ((النهاية)): رجلٌ باع شيئاً، وسلَّمه إلى المشتري، فخاف
المشتري الاستحقاقَ، فأخذ من البائع رهناً بالثمن إن أدركه فيه دَرَكٌ: كان
باطلاً، حتى لا يملكُ حَبْسَ الرهن، سواء استُحقَّ المبيع أم لا، وإن
هلك: يهلك أمانة؛ لأن عقد الرهن عقد استيفاء.
ولهذا لا يصح رهن ما لا يُتصور منه الاستيفاء، كالمدبَّر وأمِّ الولد،
و
والاستيفاءَ لا يسبق الوجوب، وليس هناك دينٌ واجب، ولا على شرف
الوجوب ظاهراً؛ لأن الظاهر عدم الاستحقاق.
- بخلاف ما لو قبض الرهن؛ ليُقرضه عشرةَ دراهم، فقبض الرهنَ
منه، وهلك في يده قبل أن يُقرضه: فإنه يهلك مضموناً على المرتهن،
حتى يجبُ على المرتهن تسليمُ العشرة إلى الراهن بعد هلاك الرهن؛ لأن
هلاكه حصل بعد القرض حكماً؛ لما ذكرنا أن الدين الموعود جُعل
كالموجود في اعتبار الضمان.
ألا ترى أن المقبوض على سوم الشراء مضمونٌ على القابض؛ لأنه
مقبوضٌ على وجه الشراء، فيُجعل كالمقبوض على حقيقته في إيجاب
الضمان، کذلك هنا.
- وقوله: ولا يصح الرهن إلا بدين مضمون: وهو الذي لا يسقط إلا
بالأداء، أو بالإبراء.

١٨٥
کتاب الرهن
- واحتُرز بذلك عن بدل الكتابة، فإنه يسقط بدونهما، فإن للمكاتب
إسقاطَه عن نفسه بتعجيزه لنفسه، شاء المولى، أو أبى؛ لكونه غير متأكد.
- وفي ((النهاية)): إذا أخذ المولى من مكاتبه رهناً ببدل الكتابة: جاز
وإن كان لا يجوز أخذُ الكفيل ببدل الكتابة.
- وقد أُخذ على الشيخ رحمه الله في قوله: ولا يصح الرهن إلا بدين
مضمون: فإنه يصح أيضاً بالأعيان المضمونة بنفسها، كالمهر، وبدل
الخلع، والمغصوب، ولا دین فیها.
ويُجاب عنه: أن الأصل في هذه الأشياء: ما هو قيل فيه: فيه اختلافُ
المشايخ، ومذهبُ الشيخ أن الواجب القيمةُ، وردُّ العين مَخلَصٌ، وعلى
هذا القول أكثر المشايخ، فعلى هذا: هي ديونٌ.
ولأن موجَب الغصب: ردُّ العين المغصوبة إن أمكن، أو ردُّ قيمته عند
تعذّر رد العين، وذلك دَيْنٌ يمكن استيفاؤه من مالية الرهن.
وقال بعضهم: ردُّ العين أصلٌ، والقيمةُ مخلَصٌ، فعلى هذا يصح
الرهن بالدين والعين.
- وفي ((شرحه)): ما كان من الأعيان مضموناً بنفسه: جاز الرهن به،
وما كان مضموناً بغيره: لم يجز أخذُ الرهن به؛ لأنه غير مضمون.
فالمضمون بنفسه: ما يجب بهلاكه مثله: إن كان مثلياً، أو قيمته: إن
لم يكن مثلياً، وأما ما كان مضموناً بغيره: كالمبيع في يد البائع، فإنه لا

١٨٦
کتاب الرهن
وهو مضمونٌ بالأقلّ من قیمته، ومن الدَّیْن،
يجوز الرهن به؛ لأنه غيرُ مضمون ضماناً صحيحاً، ألا ترى أن بهلاكه: لا
يجب مثلُه ولا قيمته، وإنما يبطل البيع بهلاكه، فيسقط الثمن، فيصير كما
لیس بمضمون.
- فإن أعطى رهناً بالمبيع: فالرهن باطل.
- فإن هلك في يد المشتري: هلك بغير شيء، والبيع على حاله.
- وإن أعطى المؤجرُ رهناً بعقد الإجارة: فالرهن باطلٌ؛ لأنه ليس
بمضمونٍ عليه، ألا ترى أنه إذا هلك: انفسخت الإجارة.
* قوله: (وهو مضمون بالأقل من قيمته، ومن الدين)؛ لأن المضمون
بقدر ما يقع به الاستيفاء، وذلك بقدر الدین.
وقال زفر: الرهن مضمونٌ بالقيمة، حتى لو هلك وقيمته يوم رُهِن
ألفٌ وخمسمائة، والدينُ ألفٌ: رجع الراهن على المرتهن بخمسمائة.
وقال الشافعي(١): الرهن أمانةٌ، لا يسقط بهلاكه شيءٌ من الدین.
وقال القاضي شُریح یسقط جمیع الدین بهلاكه، سواء قلَّت قیمته أو كثُرت.
- وإن كان الرهن خاتماً من حديد، والدين ألفاً: سقط جميع الدين.
- وإنما يكون مضموناً عندنا بالأقل من قيمته ومن الدين: إذا هلك
بغير فعل الراهن أو المرتهن.
(١) مغني المحتاج ١٣٦/٢.

١٨٧
كتاب الرهن
فإذا هلك الرهنُ في يد المرتهن، وقيمتُه والدينُ سواءً: صار المرتهنُ
مستوفياً لدَيْنِه حُكْماً.
- فإن استهلكه المرتهن: ضمن قيمتَه كلها.
- وإن استهلكه الراهن: ضمن قيمته، وكانت رهناً في يد المرتهن كما
کان الرهن حتى يستوفي الدین.
- وكذا إذا استهلكه أجنبي: ضمن قيمته، وكانت رهناً مكانه.
- مسألة: إذا قال المرتهن للراهن عند تسليم الرهن إليه: أنا آخذه
رهناً، فإن ضاع عندي: ضاع بغير شيء، فقال له الراهن: نعم: فالرهن
جائزٌ، والشرط باطلٌ، فإن ضاع: ضاع بالمال.
· قوله: (فإذا هلك الرهن في يد المرتهن وقيمتُه والدينُ سواءٌ: صار
مستوفياً لدینه حكماً).
- حتى لو كان الرهنُ عبداً، فمات: كان كفنُه على الراهن.
- والمعتبر في القيمة: قیمتُه يوم الرهن.
- وإنما يكون مستوفياً: إذا رهن بدين، أما إذا رهن بالأعيان المضمونة
بنفسها، كالمهر في يد الزوج، أو الخلع في يد المرأة، أو المغصوب: فإنه
إذا هلك: لا يصير مستوفياً للعين، بل يجب على المرتهن غُرْمُ الأقل من
قيمة الرهن ومن العين التي رهن بها، ويستردُّ العين.
- ولو هلكت العينُ قبل الردِّ: فله أن يَحبس الرهن بضمان العين، فإذا
هلك الرهن قبل استيفاء الضمان: صار مستوفياً للضمان إذا كان في قيمته وفاء.

١٨٨
کتاب الرهن
وإن كانت قيمة الرهن أكثرَ من الدَّيْنِ : فالفضلُ أمانةٌ في يده.
وإن كانت قيمةُ الرهن أقلّ من ذلك : سقط من الدين بقَدْرها، ورجع
المرتهنُ بالفضل .
ولا يجوز رهنُ المُشَاعِ.
قوله: (وإن كانت قيمة الرهن أكثرَ من الدَّيْن: فالفاضلُ أمانةٌ)؛ لأن
المضمون بقدر ما يقع به الاستيفاء، وذلك بقدر الدین.
: قوله: (وإن كانت قيمة الرهن أقلّ من الدين: سقط من الدين
بقدرها، ورجع المرتهنُ بالفضل)؛ لأن الاستيفاء بقدر المالية.
- ولو أبرأ المرتهنُ الراهنَ من الدين، أو وهبه له، ولم يرد عليه الرهنَ
حتى هلك في يد المرتهن من غير أن يمنعه إياه: هلك أمانةً؛ استحساناً.
وقال زفر: يهلك مضموناً، وهو القياس؛ لأن هلاك الرهن يوجب
استيفاءَ الدين، فكأنه أبرأه، ثم استوفاه.
وجه الاستحسان: أن الهبة والبراءةَ لا يجوز أن يوجِبا ضماناً على
الواهب، والمبرئ لأجلهما، ألا ترى أنهم قالوا: لو استُحقَّت العين
الموهوبة وقد هلكت في يد الموهوب له: ضمن قيمتها، ولم يرجع على
الواهب بشيء، ولو وهب البائع الثمنَ للمشتري، ثم هلك المبيعُ: لم
يضمن.
* قوله: (ولا يجوز رهنُ المُشَاعِ).

١٨٩
كتاب الرهن
سواء كان فيما يحتمل القسمةَ أوْ لا، وسواء رهنه من أجنبي، أو من
شريكه؛ لأن الإشاعة تمنع استدامةَ القبض؛ لأنه لا بدَّ فيها من المهايأة.
وعند الشافعي(١): يجوز رهنُ المُشاع، كما في البيع.
ولنا: أن موجَب الرهن هو: الحبسُ الدائم؛ لأنه لم يُشرع إلا مقبوضاً
بالنص، فلو جاز في المشاع: يفوت الدوام؛ لأنه لا بدَّ من المهايأة،
فيصير كما إذا قال: رهنتُك يوماً، ويوماً لا.
- ولهذا لا يجوز فيما يَحتمل القسمةَ، وما لا يحتملها.
- وكذا ما كان في علة المُشاع، مثل ما إذا كان الرهن متصلاً بغيره،
كرهن النخل دون الثمرة، والأرضٍ دون النخل والزرع.
- ثم إذا قبض الرهنَ على الفساد، فهلك:
قال الكرخي: يهلك أمانةً، ولا يذهب من الدين شيء.
وفي ((الجامع الكبير))(٢) ما يدل على أنه يَهلك بالأقل من قيمته ومن
الدين؛ لأنه قال: كل مال هو محل للرهن الصحيح إذا رهنه رهناً فاسداً،
فهلك في ید المرتهن: يهلك بالأقل من قیمته ومن الدين.
وكل ما ليس بمحلّ للرهن الصحيح إذا رهن رهناً فاسداً: لا يكون
مضموناً، كالمدبر وأم الولد.
(١) مغني المحتاج ١٢٢/٢.
(٢) ينظر ص٥٦٦. (من طبعتي للجامع الكبير وهي قيد النشر).

١٩٠
کتاب الرهن
ولا رهنُ ثمرةٍ على رؤوس النخل، دون النخل.
ولا زرعٍ في أرضٍ دون الأرض.
ولا يجوز رهنُ النخل والأرض، دونهما.
- ولا فرق بين الإشاعة الطارئية والأصلية في منع صحة الرهن، وهو
الصحيح، وذلك مثل أن يرهن جميع العين، ثم تفاسخا في البعض، أو
يبيعَ الراهن أو وكيلُه نصفَ الرهن بإذن المرتهن، أو يُستَحقُّ نصفُه، فيبطل
الرهن في الباقي.
وعن أبي يوسف: أن الطارئ لا يؤثّر في الرهن؛ لأن حكم البقاء:
أسهلُ من حكم الابتداء، ألا ترى أن معتدة الغير لا يجوز أن تكون محلاً
للنكاح ابتداء، ويبقى النكاحُ في حقها، بأن وُطئت امرأةُ الرجل بشبهة:
تعتد لذلك الوطء، ولا يبطل النكاح، وكالشيوع الطارئ في الهبة: لا
يمنع صحتها بقاء، ويمنع صحتها ابتداء.
ولنا: أن الإشاعة إنما أثّرت في الابتداء؛ لأنها تمنع استدامة القبض
على وجه الرهن، وهذا المعنى موجودٌ في الطارئة، بخلاف الهبة؛ لأن
المشاع يقبل حكمَها، وهو الملك، فإن موجَب العقد فيها: الملك،
والقبضُ شرطُ تمام ذلك العقد، والملكُ يَقبل الشيوعَ، ولهذا يصح
الرجوع في بعض الهبة، ولا يجوز فسخُ العقد في بعض الرهن.
* قوله: (ولا رهنَ ثمرة على رؤوس النخل دون النخل، ولا زرعٍ في
الأرض دون الأرض، ولا رهنِ الأرض والنخل دونهما(١)).
(١) أي الثمرة والزرع.

١٩١
كتاب الرهن
لأن المرهون متصلٌ بما ليس بمرهون خِلقةً، فكان في معنى الشائع،
فصار الأصل: أن الموهوب إذا كان متصلاً بما ليس بمرهون: لم يجز؛
لأنه لا یمکن قبضُ المرهون وحده.
- ولو رهن النخلَ بمواضعها: جاز؛ لأن هذه مجاورةً، وهي لا تمنع
الصحة.
- ولو كان فيها ثمرٌ: يدخل في الرهن؛ لأنه تابعٌ؛ لاتصاله به، فيدخل
تبعاً؛ تصحيحاً للعقد؛ لأنه لو لم يدخل الثمرُ في رهن النخل: كان في
معنى رهن المشاع، من أن دخول الثمر في الرهن لا يكون على الراهن فيه
ضررٌ؛ لأن ملکه لا یزول عنه.
بخلاف البيع، حيث لا يدخل الثمرُ هناك في بيع النخل، إلا بالتسمية؛
لأن تصحيح عقد البيع في النخل بدون الثمار ممكن؛ لأن الشيوع الطارئ
والمقارِنَ: غيرُ مانعٍ لصحة البيع.
- قال الخُجَندي: إذا رهن أرضاً وفيها زرعٌ أو نخلٌ أو شجر، وعلىُ
الأشجار ثمرٌ، وقال: رهنتُك هذه الأرضَ، وأَطلَق، ولم يخصَّ شيئاً،
وسلَّمها إلى المرتهن: فالرهن صحيح.
- ويدخل في الرهن الزرعُ والنخلُ والكَرْمُ والرَّطْبةُ والثمر، وكلُّ ما
كان متصلاً بالأرض؛ لأنهما قَصَدا الصحةَ، ولا صحةً له إلا بدخول
المتصل بها.

١٩٢
کتاب الرهن
بخلاف البيع، فإن الزرع والثمرَ لا يدخل فيه إلا بالشرط؛ لأن البيع
یصح بدونه.
- ثم للمرتهن أن يبيع من الثمار ما يُخاف عليها الفسادُ بأمر الحاكم،
فإن باعها بغير أمره: ضمن.
- ولو رهن الأرضَ دون ما فيها من الزرع، أو النخل، أو الشجر، أو
النخل دون ما فيه من الثمر، أو الثمر دون الشجر، أو الزرع دون الأرض:
فالرهن باطلٌ.
- ولو رهن داراً فيها متاعٌ دون المتاع، وسلَّم الدار إلى المرتهن مع
المتاع، أو بدون المتاع: فإنه لا يصح.
- وكذا إذا رهنه الحانوتَ وفيه المتاعُ دون ما فيه من المتاع، أو رهنه
الجُوالَق دون ما فيها: لم يصح الرهن.
- وإن رهنه المتاعَ الذي في الدار دون الدار، أو المتاعَ الذي في
الجُوالَق دون الجُوالَق، وخلَّى بينه وبين المرتهن: صح الرهن والتسليم؛
لأن المتاع لا يكون مشغولاً بالدار والوعاء.
- ويمنع تسليمُ الدابة المرهونة بالحَمْل عليها، فلا يتم التسليم حتى
يُلقي الحِمْلَ عنها؛ لأنه شاغلٌ لها.
بخلاف ما إذا رهن الحِمْلَ، دونها، حيث يكون رهناً إذا دفعها إليه؛
لأن الدابة غيرُ مشغولة به.

١٩٣
كتاب الرهن
ولا يصح الرهنُ بالأمانات، كالودائع، والمضاربات، ومالِ الشركة.
- ولو رهن سرجاً على دابة، أو لِجاماً في رأسها، ودفع الدابة مع
السرج واللَّجام: لا يكون رهناً حتى ينزعَه منها، ثم يسلمه إليه؛ لأنه من
توابع الدابة، بمنزلة الثمرة للنخل، حتى قالوا: يدخل فيه من غير ذكر.
- قال في ((الهداية))(١): ويمنعُ التسليمَ كون الراهن أو متاعه في الدار
المرهونة.
روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا رهن داراً وهما في جوفها، وقال
الراهن للمرتهن: سلمتُها إليك: لم يتم الرهنُ حتى يقول بعد ما يخرج من
الدار: سلمتها إليك؛ لأن الراهن إذا كان فيها: فليس بمسلَم، فإذا خرج:
31
يحتاج إلى تسليمٍ جديد؛ لأنه شاغلٌ لها. كذا في ((النهاية)).
* قوله: (ولا يصح الرهنُ بالأمانات، كالودائع، والعواري، والمضاربات،
ومال الشركة).
- فإن رَهَنَ بها: فالرهن باطلٌ، لا يتعلق به ضمانٌ، كالرهن بالميتة
والدم.
- فإن أخذ بها رهناً، فهلك في يده قبل الحبس: هلك أمانةً، وإن
هلك بعد الحبس: ضمنه ضمانَ الغصب.
* وحاصله: أن الرهن عندنا على ثلاثة أضرب:
١ - رهنٌ صحيحٌ، وهو الرهن بالدين، والأعيان المضمونة بأنفسها.
(١) ٤ / ١٣٣.

١٩٤
کتاب الرهن
ويصحُّ الرهنُ برأس مال السَّلَم، وثمنِ الصرف، والمسلَم فيه.
فإن هلك في مجلس العقد : تمّ الصرفُ، والسَّلَمُ، وصار المرتهنُ ..
٢ - ورهنٌ فاسدٌ، كالرهن بالخمر والخنزير.
٣- ورهنٌ باطلٌ، كالرهن بالأمانات، والأعيان المضمونة بغيرها،
وبالدَّرَك.
فالصحيح والفاسد: يتعلق بهما الضمان، كما يتعلق بالبيع الصحيح
والفاسد.
والباطل: لا يتعلق به ضمانٌ، كالبيع بالميتة والدم.
- ولو استأجر مغنِّيّةً أو نائحةً، وأعطاها بالأجر رهناً: فهو باطلٌ.
- فإن ضاع في يدها: لم يكن عليها فيه ضمانٌ؛ لأن الإجارة باطلة،
والأجرَ غيرُ مضمون، والرهنُ إذا لم يكن في مقابلته شيء مضمون: كان
باطلاً.
- ولو تزوج امرأةً، ولم يسمِّ لها مهراً، فأعطاها رهناً بمهر مثلها: جاز.
فإن طلقها قبل الدخول: يبقى رهناً بالمتعة عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يكون رهناً بالمتعة.
* قوله: (ويصح الرهن برأس مال السلم، وثمن الصرف، والمسلَمِ
فيه.
- فإن) رَهَنَ برأس مال السلم، و(هلك الرهن في المجلس: صار المرتهن

١٩٥
كتاب الرهن
مستوفياً لحقُّه حُكْماً.
وإذا اتَّفَقَا علیُ وضع الرهن علی یدِ عَدْلٍ : جاز،
مستوفياً لرأس ماله) إذا كان به وفاءً، والسلم جائزٌ بحاله، وإن كان أكثر:
فالفاضل أمانة، وإن كان أقلَّ: كان مستوفياً بقدره، ويرجع على رب السلم
بالباقي.
- وإن لم يهلك حتى افترقا: بطل السلم، وعليه رد الرهن.
- فإن هلك في يده قبل الرد: هلك برأس المال؛ لأنه صار مستوفياً
لرأس المال بهلاك الرهن بعد بطلان عقد السلم، ولا ينقلب السلم جائزاً.
- وإن أخذ بالمسلَم فيه رهناً، ثم هلك في المجلس: صار مستوفياً
للمسلَم فيه، ويكون في الزيادة أميناً.
وإن كانت قيمته أقلَّ: صار مستوفياً بقدرها، ورجع بالباقي.
- ولو تفاسخا السلمَ، وبالمسلَم فيه رهنٌ: يكون ذلك رهناً برأس
المال، حتى إن له أن يحبسه؛ لأنه بدلُه.
وإن هلك الرهنُ بعد التفاسخ: يهلك بالطعام المسلَم فيه.
- ولا يجوز رهنُ المكاتب، والمدبر، وأمّ الولد؛ لأنه لا يتحقق
الاستيفاء من هؤلاء.
قوله: (وإذا اتفقا على وضع الرهن على يدي عَدْلِ: جاز)؛ لأن
القبض من حقوق المرتهن، فيملكُ أن يستوفيَه بنفسه أو بغيره، كسائر
حقوقه.

١٩٦
کتاب الرهن
وليس للمرتهن، ولا للراهن أخذُه من يده.
فإن هلك في يده : هلك من ضمان المرتهن.
وإنما اعتُبر رضا الراهن؛ لأن له فيه حقَّ الملك، فلا يُقبض إلا
برضاه.
قوله: (وليس للمرتهن ولا للراهن أخذُه من يده)؛ لتعلق حق
الراهن في الحفظ بيده وأمانته، وتعلَّقٍ حق المرتهن به استيفاء، فلا يملك
أحدُهما إيطالَ حق الآخر.
- ولهذا لو سلَّم العدلُ إلى أحدهما: ضمن؛ لأنه مودَع الراهن في حق
العين، ومودَع المرتهن في حق المالية، وأحدُهما أجنبيٌّ عن الآخر،
والمودَع يضمن بالدفع إلى الأجنبي.
: قوله: (فإذا هلك في يده: هلك من ضمان المرتهن)؛ لأن يد
العدل: يدٌ للمرتهن؛ لقيامه مقامه.
- وليس للعدل بيعُ الرهن إلا أن يكون مسلَّطاً على بيعه.
- والتسليط على وجهين: تسليطٌ مشروطٌ في عقد الرهن، وتسليطٌ
بعده :
١ - فإن كان مشروطاً في عقده: فلا يملك الراهنُ ولا المرتهن عَزْلَه،
ولا ينعزل أيضا بموت الراهن، ولا بموت المرتهن، وللعدل أن يبيعه بغير
مَحضَرٍ من ورثة الراهن، كما يبيعه في حال حياته بغير محضرٍ منه.

١٩٧
کتاب الرهن
- وإن مات المرتهن: فالعدل على وكالته؛ لأن عقد الرهن لا يبطل
بموتهما، ولا بموت أحدهما.
- وإذا مات العدل: انتقضت الوكالةُ، ولا يقوم وارثُه ولا وصيه
مقامه؛ لأن الموكل رضيَ برأيه، لا برأي غيره.
وعن أبي يوسف: أن وصيه يملك بيعَه. كذا في ((الهداية)) (١).
- ولو امتنع العدل من بيعه: أُجبر عليه.
- فإذا مات العدل: بطل التسليط، وليس لوصيه ولا لوارثه بيعُه.
٢ - وإن كان التسليط بعد عقد الرهن: فللراهن عزلُه، وينعزل بموته.
وللعدل أن يمتنع عن البيع، ولا يُجبر عليه، كما في سائر الوكالات.
- وإن كان مسلَّطاً على البيع وإيفاءِ الدين منه: يجوز بيعه عند أبي
حنيفة بما عزَّ وهان، وبأي ثمن كان، كالوكيل بالبيع المطلَق.
- فإن باعه بجنس الدين: فإنه يقضي ثمنه من الدین.
وإن باعه بخلاف جنسه: فإنه يبيعه أيضاً بجنس الدين، ویوفي الدین؛
لأنه مسلَّطٌ على ذلك.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يبيعه بالنقد بمثل قيمته، أو أقلّ، بقدر ما
◌ُتغابن فیه.
(١) ٤ / ١٤٢.

١٩٨
کتاب الرهن
ويجوز رهنُ الدراهم، والدنانيرِ، والمكيلِ، والموزونِ.
فإن رُهِنَت بجنسها، وهلكت: هلكت بمِثْلها من الدَّيْن وإن اختلفا في
الجَوْدة والصناعة.
- ولو قبض العدلُ الثمنَ، فهلك في يده: كان من ضمان المرتهن؛
لأنه بدلٌ عن الرهن، فكان هلاکه: کهلاك الرهن.
- وإذا أقر العدلُ أنه قبض الثمنَ، وسلَّمه إلى المرتهن، وأنكر
المرتهن ذلك: فالقول قول العدل، وبطل دينُ المرتهن؛ لأن العدل أمينٌ
فيما في يده، فالقول قولُه في براءة نفسه، ولا يُقبل قوله في إيجاب
الضمان على غيره، ولا يُصدَّق في تسليم الدين إلى المرتهن، ويصير كأن
الرهن في يده، فيسقط به الدين من طريق الحكم.
* قوله: (ويجوز رهن الدراهم، والدنانير، والمكيل، والموزون)؛
لأنه يتحقق الاستيفاء منها.
* قوله: (فإن رُهنت بجنسها، وهلكت: هلكت بمثلها من الدين وإن
اختلفا في الجَوْدة والصناعة)؛ لأنه لا معتبرَ بالجودة عند المقابلة بجنسها.
وهذا عند أبي حنيفة؛ لأن عنده يصير مستوفياً باعتبار الوزن، دون
القيمة؛ لأن اعتبار القيمة يؤدي إلى الربا.
وعندهما: يضمن القيمةَ من خلاف الجنس.
- فعلى هذا قالوا: إذا رهن قلبَ فضة، فعند الهلاك: يُعتبر الوزن،
دون الجودة عند أبي حنيفة، يعني أنه يُجعل مستوفياً دينَه بقدر وزنه؛ لأن

١٩٩
کتاب الرهن
و
عنده حالةَ الهلاك: حالةُ الاستيفاء، لا حالةُ التضمين بالقيمة، والاستيفاء
إنما يكون بالوزن، دون الجودة؛ لأن اعتبار الجودة يؤدي إلى الربا.
وقال أبو يوسف ومحمد: حالةُ الهلاك أيضاً: حالةُ الاستيفاء، كما قال
أبو حنيفة إذا لم يكن فيه ضررٌ بالراهن أو المرتهن، أما إذا كان ضررٌ: لا
يعتبر الاستيفاء.
- هذا في حالة الهلاك، أما في حالة الانكسار: فعند أبي حنيفة وأبي
يوسف: هي حالة التضمين بالقيمة من خلاف الجنس، لا حالةُ التضمين
بالدین، حتى لا یکونُ للراهن أن یترکَه بدینه.
ولا يمكن أن يُجعل مستوفياً شيئاً من دينه بقدر ما فات من الجودة؛
لأنه رباً، فمسَّت الضرورة إلى ضمان القيمة من خلاف الجنس.
ومحمدٌ يعتبر حالةَ الانكسار بحالة الهلاك، فإن كان مضموناً بالقيمة
حالةَ الهلاك: فكذا حالةَ الانكسار.
وإن كان مضموناً بالدين حالةَ الهلاك: فكذا حالة الانكسار.
بيانُه: رَهَنَ قلبَ فضةٍ وزنه عشرةٌ، بعشرةٍ، وقيمتُه عشرة، فهلك في
ید المرتهن: صار مستوفياً؛ لأنه من جنس حقه، ومثلٍ وزنه.
ولأن الاستيفاء عند أبي حنيفة باعتبار الوزن، ووزنُه مثل دينه.
وعندهما: الاستيفاء باعتبار القيمة، وهي مثلُ الدين.

٢٠٠
کتاب الرهن
- وإن انكسر، فصار تِبْراً يساوي ثمانيةً: فعند أبي حنيفة وأبي يوسف
الراهن بالخيار: إن شاء افتكّه بجميع الدين، وإن شاء ضمَّنْه قيمتَه ذهباً،
فیکون رهناً مقامه، فیکون المکسور ملكاً للمرتهن بما ضمن.
وقال محمد: لا يضمن المرتهنُ شيئاً، ويكون الراهن بالخيار: إن شاء
سلَّمه إلى المرتهن بدينه، وإن شاء افتكّه بجميع الدين؛ لأن ضمان الرهن
لا يقتضي التمليكَ، بدليل أنه لو كان عبداً، فمات: كان كفنُه على الراهن.
وهما يقولان: القلبُ صار مضموناً عليه، فإذا انكسر: ضمن قيمتَه،
کالقلب المغصوب إذا انكسر في يد الغاصب.
- وإن كانت قيمته ثمانيةً، ووزنُه عشرة، وهو رهن بعشرة، فهلك:
ذهب بالدين عند أبي حنيفة؛ لأن عنده الاستيفاء بالوزن، وفيه وفاء.
وعندهما: يغرم قيمته ذهباً، ويرجع بدينه؛ لأن الاستيفاء بالوزن: فيه
ضررٌ بالمرتهن، ولا يمكن أيضاً اعتبار الاستيفاء بالقيمة؛ لما فيه من الربا،
فصرنا إلى التضمين بخلاف الجنس.
- وإن انكسر: ضمن قيمته ذهباً، إجماعاً؛ لأن جميعه مضمون،
والانكسار يُنقصه، ولا يُستدرك حق الراهن إلا بالتضمين بالقيمة.
ولا يمكن على قول محمد هنا أن نجعله بالدين؛ لأنا إن جعلناه
بوزنه: تضرر المرتهن، ولا یمکن أن نجعله بقيمته؛ لما فيه الربا، بخلاف
الأُولى.