النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
باب الربا
فإذا بِيع المكيلُ بجنسه، أو الموزونُ بجنسه، مثلاً بمِثْل : جاز البيعُ،
وإن تفاضَلا: لم يجز.
بيانُه: إذا باعِ هَرَوياً بهَرَويٌّ، أو مَرْوياً بِمَرْوي نسيئةً: لا يجوز عندنا،
وعنده: يجوز.
- وكذا إذا باع شاةً بشاة نسيئةً: لا يجوز عندنا، وعنده: يجوز.
- وكذا إذا باع عبداً بعبد إلى أجل: لا يجوز؛ لوجود الجنسية، وهي
بانفرادها تحرِّم النَّساء.
- وأجمعوا على أن التفاضل: يَحِلّ.
* قوله: (وإذا بيع المكيل أو الموزون بجنسه، مثلاً بمثل: جاز البيع،
وإن تفاضلا: لم يجز)؛ لأن الفضل رباً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام
((الحنطةُ بالحنطة مثلاً بمثل، والفضلُ رباً، والشعيرُ بالشعير مثلاً بمثل،
والملح بالملح مثلاً بمثل، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، والذهب بالذهب مثلاً
بمثل يداً بيد، والفضلُ رباً، والفضةُ بالفضة مثلاً بمثل، يداً بيد، والفضل
رباً))(١).
- ويروى: ((مِثْلٌ بِمِثْل)): بالرفع، على معنىُ: بيع التمر بالتمر مثلٌ بمثل.
وبالنصب: على معنىُ: بيعوا التمرَ بالتمر مثلاً بمثل.
- ولو تبايعا صُبْرةَ طعام بصبرة طعام مجازفةً، ثم كِيلتا بعد ذلك،
فكانتا متساويتين: لم يجز العقد.
(١) صحيح مسلم (١٥٨٧)، وينظر نصب الراية ٣٥/٤.

١٢٢
باب الربا
ولا يجوز بيعُ الجيِّد بالرديء مما فيه الربا إلا مِثْلاً بمِثْلٍ.
فإذا عُدِمِ الوصفان : الجنسُ، والمعنىُ المضمومُ إليه: حَلِّ التفاضل
والنَّسَاء.
وإذا وُجدا : حَرُمُ التفاضلُ والنَّساء.
وقال زفر: يجوز؛ لأنه قد وُجدت المماثلة.
ولنا: أن المعتبر لجواز العقد: العلمُ بالمساواة عند العقد، فإذا لم
يُعلم ذلك: كان التساوي معدوماً أو موهوماً فيما بُنيَ أمرُه على الاحتياط،
فلا يجوز.
قوله: (ولا يجوز بيعُ الجيد بالرديء مما فيه الربا إلا مثلاً بمثل)؛
لأن الجودة إذا لاقت جنسَها فيما يثبت فيه الربا: لا قيمة لها.
* قوله: (وإذا عُدم الوصفان: الجنسُ، والمعنىُ المضمومُ إليه: حلّ
التفاضل والنّساء)؛ لعدم العلة المحرِّمة.
- والمراد بالمعنى المضموم إليه: هو الكيلُ في الحنطة، والوزن في
الفضة، يعني القدر: إما الكيل أو الوزن، وهذا كالهروي بالمَرْوي،
والجوز بالبيض؛ لعدم العلتين.
- والنّساء: بالمدِّ: التأخير.
* قوله: (وإذا وُجدا: حَرُم التفاضلُ، والنّساء)؛ لوجود العلة، مثل
الحنطة بالحنطة، والفضة بالفضة ؛ لأنه وُجد الجنسُ والمعنى المضموم إليه.

١٢٣
باب الربا
و
وإن وُجِد أحدُهما، وعُدِمَ الآخرُ: حَلَّ التفاضلُ، وحَرُمُ النَّسَاءَ.
* قوله: (وإذا وُجد أحدهما، وعُدم الآخر: حَلَّ التفاضل، وحَرُمُ النَّساء).
مثل الحنطة بالشعير، والفضة بالذهب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((إذا اختلف النوعان: فبيعوا كيف شئتم، يداً بيد، ولا خيرَ فيه نسيئةً))(١).
- واعلم أن الحنطة والشعير جنسان، يجوز بيع أحدهما بالآخر
متفاضلا.
وقال مالك: هما جنسٌ واحدٌ.
- وثمار النخيل كلُّها جنسٌ واحدٌ وإن اختلف ألوانها وأسماؤها،
كالبَرْني، والمَعْقِلي والدَّقْلي: فلا يجوز التفاضل فيها؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((التمر بالتمر مثلاً بمثل))(٢)، وهو عامٌّ.
- وثمار الكروم كلها جنسٌ واحدٌ وإن اختلفت أوصافها؛ لأن اسم
العنب يقع عليها.
- والزبيبُ جنسٌ واحدٌ وإن اختلفت أوصافه وبلدانه.
- والحنطة كلها جنسٌ واحد وإن اختلفت أوصافها.
- وإذا بيع التمر بالزبيب، أو الزبيب بالحنطة، أو التمر بالذرة: يجوز
متفاضلاً بعد أن يكون عيناً بعين، ولا يجوز نسيئةً؛ لأن الكيل جَمَعَهما.
(١) غريب بهذا اللفظ، كما في نصب الراية ٤/٤، لكن في مسلم (١٥٨٧)
وغيره: ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم)).
(٢) صحيح مسلم (١٥٨٤).

١٢٤
باب الربا
وكلّ شيءٍ نصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على تحريم التفاضل
فيه كيلاً: فهو مكيلٌ أبداً وإن تَرَكَ الناسُ الكيلَ فيه، مثلُ الحنطةِ،
والشعيرٍ، والتمرٍ، والملح.
ـ ولحومُ الغنم كلها جنسٌ واحد، ضأنها ومعزها، والنعجة والتيس،
فلو باع لحمَ الشاة بشحمها، أو بأليتها، أو بصوفها: يجوز متفاضلاً، ولا
يجوز نسيئة؛ لأن الوزن جَمَعَهما.
- ولا يجوز بيع غَزْل القطن بالقطن متساوياً وزناً؛ لأن القطن ينقص
إذا غُزِل، فهو كالدقيق بالحنطة.
* قوله: (وكلّ شيءٍ نصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على تحريم
التفاضل فيه كيلاً: فهو مكيلٌ أبداً وإن ترك الناسُ الكيلَ فيه، مثل الحنطة،
والشعير، والتمر، والملح)؛ لأن النص أقوى من العُرف، والأقوى لا
يُترك بالأدنى.
- فعلى هذا إذا باع الحنطة بجنسها متساوية وزناً، أو الفضةَ بجنسها
متماثلاً كيلاً: لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد وإن تعارفوا ذلك؛ لتوهُّم
الفضل على ما هو المعيار فيه، كما إذا باعه مجازفة، إلا أنه يجوز السلم
في الحنطة ونحوها وزناً؛ لوجود السلم في معلوم، ولأن المسلّم فيه لا
تُعتبر فيه المماثلة، وإنما يعتبر فيه الإعلام على وجهٍ لا يبقى بينهما منازعةٌ
في التسليم، وذلك يحصل بذكر الوزن، كما يحصل بذكر الكيل.

١٢٥
باب الربا
وكلّ ما نَصَّ على تحريم التفاضل فيه وزناً: فهو موزونٌ أبداً وإن ترك
الناسُ الوزنَ فيه، مثلُ الذهبِ، والفضة.
وما لم يَنُصَّ عليه : فهو محمولٌ على عادات الناس.
* وعَقْدُ الصرف: ما وَقَعَ على جنس الأثمان، يُعتبر فيه قَبْضُ عِوَضيه
في المجلس.
وما سواه مما فيه الربا : يُعتبر فيه التعيينُ، ولا يُعتبر فيه التقابضُ.
* قوله: (وكلَّ شيءٍ نصَّ على تحريمه وزناً: فهو موزون أبداً وإن ترك
الناسُ الوزنَ فيه، مثل الذهب والفضة)، حتى لو باع الفضة والذهب
بأمثالهما کیلاً: لا يجوز، وعن أبي يوسف: أنه يجوز.
: قوله: (وما لم ينصَّ عليه: فهو محمولٌ على عادات الناس)؛ لأنها
دلالةٌ ظاهرةٌ.
[عقد الصرف : ]
قوله: (وعقدُ الصرف: ما وقع على جنس الأثمان، يُعتبر قَبْضُه
وقَبْضُ عوضه في المجلس)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الفضة بالفضة
هاءَ وهاءَ)(١)، ومعناه: يداً بيد، أي خُذ، والقصر فيه: خطأ.
* قوله: (وما سواه مما فيه الربا: يُعتبر فيه التعيين، ولا يُعتبر فيه
التقابضُ).
(١) صحيح البخاري (٢١٣٤)، صحيح مسلم (١٥٨٦).

١٢٦
باب الربا
ولا يجوز بيعُ الحنطة بالدقيق، ولا بالسَّويق.
وهذا كمَن باع حنطةً بحنطة بأعيانهما، أو شعيراً بشعير: فإن التقابض
في المجلس لا يُعتبر فيهما، ولا يَضرُّهما الافتراقُ من المجلس قبل
ءِ
التقابض، ويَقبض كلّ واحدٍ منهما ما اشتراه في أيِّ وقتٍ شاء، بخلاف
الصرف.
- وهذا إذا كانا عينَيْن، أما إذا كان أحدُهما ديناً، والآخر عيناً:
إن كان العين هو المَبيعُ: جاز، ولا بدَّ من إحضار الدين، والقبضِ في
المجلس قبل الافتراق بأبدانهما؛ لأن ما كان ديناً: لا يتعين إلا بالقبض.
ولو قبض الدينَ منهما، ثم تفرقا: جاز، سواء قبض العين، أوْ لا.
- وإن كان الدين هو المبيع: لم يجز وإن أحضره في المجلس، كما إذا
قال: اشتريتُ منك قفيزَ حنطةِ جيدة بهذا القفيز: فإنه لا يجوز وإن قبض
الدين في المجلس؛ لأنه جعل الدينَ مبيعاً، فصار بائعاً ما ليس عنده.
- ومعرفة الثمن من المبيع: بدخول حرف الباء فيه.
* قوله: (ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق، ولا بالسَّوِيق).
يعني لا متفاضلاً، ولا متساوياً؛ لأن الحنطة ودقيقَها وسويقَها جنسٌ
واحدٌ، فإذا باع الحنطة بالدقيق: صار كأنه باع دقيقاً بدقيقٍ وزيادة؛ لأن
الدقيق في الحنطة مجتمعٌ، فإذا فُرِّقت أجزاؤه بالطحن: زاد.
- وعلى هذا: لا يجوز بيع الحنطة المَقلوَّة بغير المقلوَّة.
يقال: مَقلُوَّة، ومقليّة: لغتان فصيحتان.

١٢٧
باب الربا
ولا بيعُ الدقيق بالسويق.
- ويجوز بيع الدقيق بالدقيق إذا تساويا في النعومة.
- (ولا يجوز بيع الدقيق بالسويق عند أبي حنيفة)، لا متفاضلاً، ولا
متساوياً؛ لأنه لا يجوز بيع الحنطة المقلوَّة بالحنطة غير المقلوَّة.
ولا بيع السويق بالحنطة، فكذا بيع أجزائهما؛ لقيام المجانسة من
وجه، يعني أنه لا مجانسة بين الحنطة والسويق صورةً، فعرفنا المجانسةَ
باعتبار ما في الضِّمن، والذي في ضِمن الحنطة دقيقٌ، فثبتت المجانسة بين
الدقيق والسويق والحنطة؛ باعتبار ما في الضِّمن قبل الطحن.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز بيع الدقيق بالسويق؛ لأنهما جنسان؛
باختلاف المقصود؛ لأنه يُقصد بالدقيق اتخاذُ الخبز والعصائد، ولا
يحصل شيء من ذلك بالسويق، وإنما هو يُلَتُّ بالسمن والعسل، فيؤكل.
كذلك قلنا: معظم المقصود وهو التغذي يشملُهما، فلا يُبالى بفوات
البعض، كالمقلوة مع غير المقلوة، والعَلِكَة بالمسوِّسة، بكسر الواو،
والعَلكةُ: الجيدة.
يقال: حنطة عَلكة: أي جيدةٌ، تتمدد كالعلْك من غير انقطاع؛ من
جَوْدتها ولِيْنها.
والمسؤِّسة: التي أكلها السوسُ، لا تصلح للزراعة، ولا يوجب ذلك
اختلاف الجنس، فكذا الدقيق مع السويق.

١٢٨
باب الربا
ويجوز بيعُ اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد : لا يجوز إلا أن يكون اللحمُ الصافي أكثرَ مما في الشاة
من اللحم.
- ويجوز بيع الحنطة الثقيلة بالحنطة الخفيفة؛ لأن المعقود عليه:
الحنطة، دون الدقيق، وهما على أصل خلقتهما، وقد استويا في الكيل؛
فلهذا جاز.
* قوله: (ويجوز بيعُ اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
وقال محمد: لا يجوز، إلا على وجه الاعتبار).
- وهذا إذا كان اللحم والحيوان من جنسٍ واحد، كما إذا باع لحم
الشاة بالشاة، أما إذا كانا جنسين مختلفين، بأن باع لحمَ البقر بالشاة، وما
أشبهه: يجوز، بالاتفاق، كيفما كان، من غير اعتبار الكثرة والقلة.
ـ ومعنى الاعتبار هو: (أن يكون اللحم الصافي أكثرَ من اللحم الذي
في الشاة)؛ ليكون اللحمُ بمثله من لحم الشاة، والباقي: بمقابلة الرأس
والجلد والأكارع، وإن لم يكن كذلك: يتحقق الربا من حيث زيادة الأكارع
والرأس والجلد، أو من حيث زيادة اللحم.
وجه قولهما: أنه باع الموزونَ بما ليس بموزون؛ لأن الحيوان لا يوزن عادةً.
- وأما إذا كانت الشاة مذبوحةً غير مسلوخة، واشتراها بلحم شاة: فإنه
لا يجوز، إلا على وجه الاعتبار، في قولهم جميعاً، بأن يكون اللحم
المفصول أكثرَ.

١٢٩
باب الربا
ويجوز بيعُ الرُّطَب بالتمر مِثْلاً بمِثْل،
- وأراد بغير المسلوخة: غيرَ مفصولة عن السَّقْط.
- وإن اشترى شاةً حیةً بشاة مذبوحة: يجوز، إجماعاً.
أما عندهما: فلا يشكل؛ لأنها لو اشتراها بلحم: يجوز كيفما كان،
فكذا إذا اشتراها بشاة مذبوحة.
وأما عند محمد: إنما يجوز؛ لأنه بيعُ لحم بلحم، وزيادة اللحم في
أحدهما مع سقطها: بإزاء سقط الأخرى، فلا يؤدي إلى الربا.
* قوله: (ويجوز بيع الرُّطَب بالتمر مثلاً بمثل) عند أبي حنيفة؛ لأن
الرطب تمرٌ؛ ((لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أُهدي إليه رطبٌ
من خيبر: أوَ كلّ تمر خيبر هكذا))(١)، سمَّه: تمراً.
- وبيع التمر بمثله متساوياً: جائزٌ، وعندهما: لا يجوز؛ ((لأن النبي
عليه الصلاة والسلام سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص إذا جفَّ؟
فقيل: نعم. قال: فلا إذاً)(٢).
قال في ((النهاية)): تأويل الحديث أنه قيل: إن السائل كان وصياً ليتيم،
فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك التصرف منفعةً لليتيم؛ باعتبار
النقصان عند الجفاف، فمَنَعَ الوصيَّ منه؛ على طريق الإشفاق، لا على
طريق فساد العقد.
(١) صحيح البخاري (٢٣٠٢)، صحيح مسلم (١٥٩٣).
(٢) سنن الترمذي (١٢٢٥)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٣٣٥٩).

١٣٠
باب الربا
والعنبِ بالزبيب.
- فإن قيل: لو كان الرطبُ تمراً ينبغي أن يحنث فيما إذا حلف: لا
يأكل رطباً، فأكل تمراً.
قلنا: مبنى الأيمان على العرف والعادة، وفي العُرف: الرطب: غير
التمر.
- وبيع الرطب بالرطب: جائزٌ، بالإجماع، متماثلاً. كذا في ((الخُجندي)).
وفي ((شرحه)): إنما يجوز عند أبي حنيفة، أما عندهما: فلا يجوز.
۔ و کذا بیع البُسْر بالرطب: يجوز عنده، وعندهما: لا يجوز.
- ولو باع البُسرَ بالتمر متفاضلاً: لا يجوز؛ لأن البُسر تمرٌ.
* قوله: (وكذلك العنب بالزبيب)، يعني أنه يجوز بيعه مثلاً بمثل،
على الخلاف: يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز.
وقيل: لا يجوز بالاتفاق؛ اعتباراً بالحنطة المقلية بغير المقلية. كذا في
((الهداية))(١).
والفرق لأبي حنيفة بين بيع التمر بالرطب، وبين بيع العنب بالزبيب
على هذه الرواية: أن النص ورد بإطلاق لفظ التمر على الرطب في قوله
عليه الصلاة والسلام: ((أوَ كلّ تمر خيبر هكذا؟))، ولم يَرد بإطلاق اسم
الزبيب على العنب، فافترقا. كذا في ((النهاية)).
(١) ٣ / ٦٤.

١٣١
باب الربا
ولا يجوز بيعُ الزيتون بالزيت، والسِّمسِم بالشَّيْرج حتى يكون الزيتُ
والشَّيْرجُ أكثرَ مما في الزيتون والسِّمسِم، فيكونُ الدهنُ بمثله، والزيادةُ
بالنَّجِير.
* قوله: (ولا يجوز بيعُ الزيتون بالزيت، والسِّمْسِم بالشَّيْرج حتى
يكون الزيتُ والشيرجُ أكثرَ مما في الزيتون والسِّمْسم، فيكون الدهنُ
بمثله، والزيادة بالثَّجَير)، ولا خير في ذلك نسيئة.
الشيرج: السليط، والثجيرُ: العصارة.
- وإن لم يعلم مقدار ما فيه: لا يجوز؛ لاحتمال الربا.
- وكذا الجوز بدُهنه، واللبنُ بسمنه، والعنب بعصيره، والتمرُ بدُبْسه.
- واختلفوا في القطن بغَزله: فذكر في ((الذخيرة)): أنه لا يجوز بيع غَزْل
القطن بالقطن إلا متساوياً؛ لأن القطن ينقص بالغزل، وهو نظير الحنطة
مع الدقيق.
وفي ((فتاوى قاضي خان)): لا يجوز بيع الغزل بالقطن إلا متساوياً؛
لأن أصلهما واحدٌ، وكلاهما موزونٌ. كذا في ((النهاية)).
۔ وبيع الغزل بالثوب: جائزٌ على كل حال.
- قال في ((الهداية))(١): والكرباس بالقطن: يجوز كيفما كان، بالإجماع.
(١) ٣ / ٦٥.

١٣٢
باب الربا
ويجوز بيعُ اللُّحْمانِ المختلفةِ بعضِها ببعضٍ متفاضلاً.
وكذلك ألبانُ الإبلِ، والبقرِ، والغنمِ بعضِها ببعضٍ متفاضلاً، وخَلُّ
الدَّقَل بخَلِّ العنب متفاضلاً.
ويجوز بيعُ الخُبْز بالحنطة والدقيقِ متفاضلاً.
* قوله: (ويجوز بيع اللّحمان المختلفة بعضها ببعض متفاضلاً)،
يعني لحم البقر بلحم الإبل، أو بلحم الغنم.
أما لحم البقر والجواميس: جنسٌ واحدٌ، وكذا المعز مع الضأن،
والبُخت مع العِراب: لا يجوز فيه التفاضل؛ لأنها جنسٌ واحدٌ وإن
اختلفت ألوانها.
قوله: (وكذلك ألبان الإبل والبقر والغنم)؛ لأنها فروعٌ من أصول
هي أجناس، فكانت أجناساً.
- والآلية واللحم: جنسان، وشحم البطن والألية: جنسان.
* قوله: (وخلّ الدَّقَل بخل العنب)؛ للاختلاف بين أصليهما، فجاز
بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً.
ولا يجوز نسيئةً؛ لأنه قد جمعهما قَدْرٌ واحد، وهو الكيل أو الوزن.
كذا في ((النهاية)).
* قوله: (ويجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيقِ متفاضلاً)؛ لأن الخبز
بالصَّنْعة: خرج من أصله؛ لأنه دخل في العَدِّ والوزن، والحنطة مكيلةٌ.

١٣٣
باب الربا
ولا ربا بين المولى وعبده.
ولا بين المسلم والحربيِّ في دار الحرب.
- وهذا إذا كانا نقدين، أو كانت الحنطة نسيئةً، أما إذا كان الخبز
نسيئةً: قال أبو يوسف: يجوز أيضاً، وعليه الفتوى.
- ولا خيرَ في استقراض الخبز عدداً عند أبي حنيفة؛ لأنه يتفاوت
بالخَبز، والخبَّازِ، والتُّّورِ، والتقدُّمِ والتأخر، يعني في أول التنّور وآخره.
وعند محمد: يجوز؛ لتعامل الناس به.
وعند أبي يوسف: يجوز وزناً، ولا يجوز عدداً؛ للتفاوت في آحاده.
- وقال محمدٌ: ثلاثٌ من الدناءة: استقراض الخبز وزناً، والجلوس
على باب الحمَّم، والنظرُ في مرآة الحجَّام.
: قوله: (ولا ربا بين المولى وعبده)؛ لأن العبد وما في يده ملكٌ
للمولى، ومعناه إذا كان مأذوناً، ولم يكن مدیوناً.
فإن كان مديوناً: لا يجوز؛ لأن ما في يده ليس بملكٍ للمولى عند أبي
حنيفة، وعندهما: تعلق به حق الغرماء، فصار كالأجنبي، فيتحقق الربا،
کما یتحقق بینه وبین مکاتبه.
* قوله: (ولا بين المسلم والحربيِّ في دار الحرب)، هذا قولهما.
وقال أبو يوسف: يثبت بينهما الربا في دار الحرب؛ لأنه معنىً محذورٌ
في دار الإسلام، فكان محذوراً في دار الحرب، كالزنا والسرقة.

١٣٤
باب الربا
ولهما: أن المسلم إذا دخل إليهم بغير أمان: يجوز له أخذُ مال الحربي
بغير طيبة نفسه، فإذا أخذه على هذا الوجه بطيبة نفسه: كان أولى بالجواز.
- وإذا دخل إليهم بأمان: فأموالُهم مباحةٌ في الأصل، إلا ما حظره
الأمان، وقد حظر عليه الأمانُ أن لا يأخذ مالَه إلا بطِيبة نفسه، فإذا سلِّم
إليه مالَه على هذا الوجه: فقد طابت به نفسُه، فوجب أن يجوز.
- وكذا إذا دخل إليهم مسلمٌ بأمان، فباع من مسلم أسلم في دار
الحرب، ولم يهاجر إلينا: جاز الربا معه عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز؛ لأنهما مسلمان، فلا يجوز بينهما
الربا، کما لو کانا في دارنا.
ولأبي حنيفة: أن مال المسلم في دار الحرب إذا لم يهاجر إلينا باقٍ
على حكم مالهم، ألا ترى أنه إذا أتلفه متلفٌ: لم يضمن.
وأما إذا هاجر إلينا، ثم عاد إلى دارهم: لم يجز الربا معه؛ لأنه قد
أحرز مالَه بدارنا، فصار كأهل دار الإسلام.

١٣٥
باب الاستبراء
باب الاستبراء
باب الاستبراء
هذا بابٌ لم يذكره الشيخُ، وهو لا يُستغنى عنه، فنقول:
و
الاستبراء على وجهين: مستحبٌّ، وواجبٌ:
فالمستحب: استبراء البائع.
والواجب: استبراء المشتري.
١- أما استبراء البائع فنقول: إذا كان للرجل جاريةً يطؤها، وأراد أن
يُخرجها عن ملكه، ويُملِّكَها غيرَه: فالمستحبُّ له أن لا يفعل ذلك حتى
يستبرئها بحيضةٍ بعد وطئه، حتى يَعلم فراغَ رَحِمَها من الولد.
ــ وكذا إذا أراد أن يُزُوِّجها وهي أمةٌ، أو مدبرة، أو أمُّ ولد:
فالمستحب أن لا يفعل ذلك حتى يستبرئها بحیضة بعد وطئه.
- فإن زوَّجها بعد ذلك الاستبراء، أو قبل الاستبراء: فللزوج أن يطأها
بلا استبراء.
٢- وأما استبراء المشتري: فالأصل في وجوبه: قوله عليه الصلاة
والسلام في سبايا أَوْطاس: ((ألا لا تُوطَأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى

١٣٦
باب الاستبراء
تُستبرأ بحيضة))(١).
فوجب على كل مَن ملك جاريةً أن لا يَقربها حتى يستبرئها بحيضة،
سواء ملكها بالبيع، أو بالهبة، أو بالصدقة، أو بالوصية، أو بالميراث، أو
بالخلع، أو بالكتابة، أو دُفعت إليه بجنايةٍ جَنَتْها، وسواء حصل له الملك
من امرأة، أو من صغيرٍ باعها عليه أبوه، أو جدُّه، أو وصيُّه، أو اشتراها
٩
ممن لا يحلّ له وطؤها.
ــ وكذا إذا كانت بكراً لم توطأ قطَّ، فهو سواءً في وجوب الاستبراء؛
لأن سببه استحداثُ الملك، وقد حصل له.
- فإن كانت الأمة ممن تحيض: استبرأها بحيضة.
- وإن كانت ممن لا تحيض: استبرأها بشهر.
- وإن كانت حاملاً: فبوضع الحمل.
- ولا يُجتزئ بالحيضة التي استبرأها في أثنائها، ولا بالحيضة التي
حاضتها بعد الشراء، أو غيره قبل القبض، ولا بالولادة الحاصلة قبل
القبض؛ لأن السبب استحداثُ الملك واليد، والحكمُ لا يسبق السببَ.
وقال أبو يوسف: تجزيه الحيضة قبل القبض في الشراء، والميراث،
والوصية.
(١) سنن أبي داود (٢١٥٠)، المستدرك ١٩٥/٢، وسنده حسن، كما في
التلخيص الحبير ١٧٢/١، وينظر نصب الراية ٢٥٢/٤.

١٣٧
باب الاستبراء
- وليس له في مدة الاستبراء أن يُقبِّلها، ولا يَمَسَها بشهوة، ولا ينظر
إلى فرجها بشهوة، ولا يعانقها حتى يستبرئها؛ لأن هذه الأشياء من دواعي
و
الجماع، والشيء إذا حَرُم : حَرُم بدواعیه.
ألا ترى أن المُظاهِر تحرم عليه امرأتُه وطئاً واستمتاعاً.
ولأن الاستبراء لما لم يكن من أذىّ: حرم الوطء ودواعيه، كالعدة،
وليس كذلك الحيض؛ لأنه يمنع الوطء؛ لأجل الأذى، وذلك لا يوجد
في القُبلة واللمس.
- ولو ملك من الجارية نصفَها وحاضت، ثم ملك النصفَ الباقي: لا
يجتزئ بتلك الحيضة، وعليه أن يستبرئها بحیضة أخرى.
- وإذا كان الاستبراء بوضع الحمل، فوضعت: حلّ له أن يستمتع منها
بما سوى الجماع ما دامت في النفاس، كما قلنا في الحائض.
- وإذا اشترى جاريةً شراءً فاسداً، وقَبَضَها: لم يطأها وإن حاضت.
- فإن اشتراها بعد ذلك شراءً صحيحاً وقد كانت حاضت معه: لم
يعتد بتلك الحيضة.
- فإن فسخ القاضي البيعَ بينهما في البيع الفاسد، وردّها على البائع:
وجب على البائع الاستبراء؛ لأن البيع الفاسد يَملك به إذا اتصل به
القبض، وتحريمُ الوطء على المشتري: لِحَقِّ الله تعالى، فإذا عادت إلى
البائع: وجب عليه الاستبراء، كمَن باع جاريةً على رجل هي أختُه من

١٣٨
باب الاستبراء
الرضاع، ثم عادت إلى البائع: فإنه يجب عليه استبراؤها، كذا هذا.
- ولو اشترى جاريةً وهي من ذوات الحيض، فلم تحض: فعند أبي حنيفة
وأبي يوسف لا يطؤها حتى تمضيَ عليها مدةٌ لو كانت حاملاً لظهر الحمل،
وذلك ثلاثةُ أشهر، فما زاد؛ لأن الحامل إذا مضت عليها مدةٌ: ظهرتْ
علامات حملها بانتفاخ جوفها، أو بنزول لبنها، فإذا مضت هذه المدة، ولم
يتبين بها حملٌ: فالظاهر أنها غير حامل، فصار كما لو استبرأها بحيضة.
وقال محمد: لا يطؤها حتى يمضي عليها شهران وخمسة أيام.
وقال زفر: حتى تمضي عليها سنتان.
- ولو اشترى جاريةً لها زوجٌ، فقبضها، وطلَّقها زوجُها قبل الدخول
بها: فلا استبراء عليه.
- وإذا حاضت الجارية عند المشتري، ثم وجد بها عيباً، فردّها على
البائع: لم يقربها البائعُ حتى تحيض حيضةً، سواء كان الرد بقضاء أو
رضاً؛ لأن الرد بالعيب: في حكم بيع ثان، كالإقالة، ولو أقاله: لم يجز له
أن يطأها حتى يستبرئها، كذلك هذا.
- ولا بأس بالاحتيال لإسقاط الاستبراء عند أبي يوسف.
وقال محمد: يكره، والمأخوذ به قول أبي يوسف فيما إذا علم أن
البائع لم يقربها في طهرها ذلك، وقول محمد فيما إذا قَرَبَها.

١٣٩
باب الاستبراء
- والحيلة فيما إذا لم يكن تحت المشتري حرة: أن يتزوجها قبل
الشراء، ثم يشتريها.
- قال الإمام ظهير الدين: يتزوجها، ويدخل بها، ثم يشتريها، أما إذا
اشتراها قبل الدخول: فلا.
- وإن كان تحته حرة: فالحيلة: أن يزوِّجها البائع قبل الشراء، أو
المشتري قبل القبض ممن يوثَق به، ثم يشتريها ويقبضها، ثم يطلِّق الزوج؛
لأن عند وجود السبب، وهو استحداث الملك المؤكّد بالقبض إذا لم يكن
فرجُها حلالاً له: لم يجب الاستبراء وإن حلَّ بعد ذلك؛ لأن المعتبر أوان
وجود السبب، وهو استحداث الملك. كذا في ((الهداية))(١).
- وفي ((الخجندي)): الحيلة في ذلك: أن يزوِّجها البائع قبل البيع من
رجلٍ ليس تحته حرة، ثم يبيعها، ويسلمها إلى المشتري، ثم يطلقها الزوج
ءِ
قبل الدخول بها، فتحلّ للمشتري بغير استبراء.
- وإن طلقها الزوج قبل القبض، ثم قبضها المشتري: لا تحل له حتى
يستبرئها.
(١) ٤ / ٨٩.

١٤٠
باب السَّلَم
باب السَّلَم
السَّلَمُ جائزٌ في المكيلات، والموزونات، والمعدودات التي لا
تتفاوت، کالجَوْز، والبَيْضِ،
باب السَّلَم
لما ذَكَر أنواعَ البيوع التي لا يُشترط فيها قبض العوضين، أو أحدهما
في المجلس، بقي منها النوعان اللذان أحدُهما يُشترط فيه قبض أحد
العوضين في المجلس، وهو السَّلَم، والثاني: يشترط فيه قبض العوضين
جميعاً في المجلس، وهو الصرف، فشرع في بيانهما.
ثم قدَّم العقد الذي يُشترط فيه قبض أحد البدلين على الذي يُشترط فيه
قبض البدلين؛ لأن الترقّي إنما يكون من الأقل إلى الأكثر، فإن الواحد قبل
الاثنین.
* قال رحمه الله: (السَّلَمُ جائزٌ في المكيلات، والموزونات،
والمعدودات التي لا تتفاوت، كالجَوْز، والبيض).
المراد بالموزونات: غيرُ النقدين؛ لأنهما أثمانٌ، والمسلَم فيه لا يكون
إلا مُثْمَناً.