النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
کتاب الحج
ثم طاف بالبيت سبعة أشواطٍ، لا يَرْمُلُ فيها، وهذا طوافُ الصَّدَر،
وهو واجبٌ إلا على أهل مكة،
-
ويُقال له: خَيْف بني كنانة، والنزولُ به سُنَّةٌ عندنا؛ ((لأن النبي عليه
الصلاة والسلام نزل به قصداً))(١).
[طواف الوداع : ]
* قوله: (ثم يدخلُ مكةَ، فيطوفُ بالبيت سبعة أشواط لا يرمُل فيها)؛
لأنه لا سعي بعده.
- ورُخِّص للنساء الحیَّض في تَركه.
- ولا یسعی بعده؛ لأن السعي لا يتكرر.
- ويصلي ركعتي الطواف بعده؛ لأن خَتْم كل طواف بركعتين، سواء
كان الطواف فرضاً أو نفلاً. كذا في ((النهاية)).
قوله: (وهذا الطواف: طوافُ الصَّدَر)، ويسمىُ: طواف الوداع:
بفتح الواو، وطوافُ آخرِ عهدٍ بالبيت؛ لأنه يودِّع البيتَ، ويَصدُر عنه.
- ويدخل وقتُه إذا حلَّ له النفر الأول.
* قوله: (وهو واجبٌ، إلا على أهل مكة)؛ لأنه يجب لمفارقة البيت
وتودیعه، وهم لا يفارقونه، ولا يَصدُرون عنه.
(١) صحيح مسلم (١٣١٠)، وينظر نصب الراية ٨٨/٣.

٣٨٢
كتاب الحج
ثم يعودُ إلى أهله.
- وكذا مَن كان في حكم أهل مكة، من أهل المواقيت، ومَن دونها
إلى مكة؛ لأنهم في حكم أهل مكة؛ بدليل جواز دخولهم مكةَ بغير إحرام.
- وإنما كان طواف الصدر واجباً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن
حجَّ هذا البيت: فليكن آخرُ عهده به الطواف)) (١)، والأمر للوجوب.
- فإن تشاغل بمكة بعد طواف الصدر: فليس عليه طوافٌ آخر.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا أقام بعده إلى العشاء(٢): استُحب له أن يطوف
طوافاً آخر؛ ليكون مودِّعاً للبيت من غير فاصلة.
- ومَن نفر، ولم يطف للصدر: فإنه يرجع ما لم يتجاوز الميقات، فإن
ذَكَرَ بعد مجاوزته المیقات: لم یرجع، ويلزمه دم.
فإن رجع: رجع بعمرة، ويبتدئ بطوافها؛ لأنه تعيَّن عليه بالإحرام،
فإذا فرغ من عمرته: طاف للصدر، وسقط عنه الدم.
* قوله: (ثم يعود إلى أهله).
في هذا إشارة إلى كراهة المجاورة، وقد صرَّح به في ((المستصفى))،
(١) صحيح البخاري (١٧٥٥)، صحيح مسلم (١٣٢٧).
(٢) هكذا: ((العشاء)): في نسخ، وكذلك في البحر الرائق ٣٧٧/٢، ومناسك
علي القاري ص٣٥٦، وفي نسخ أخرى: ((العشر))، وما أثبته هو الصواب، والمراد:
استحباب التعجيل بطواف الصدر عند النفر، إذ المراد بالصدر عند الحنفية: هو
الرجوع عن أفعال الحج، ويجوز في أيام النحر وبعدها. ينظر البحر العميق ١٩١٩/٤.

٣٨٣
كتاب الحج
فإن لم يدخل المُحْرِمُ مكةَ، وتوجَّه إلى عرفاتٍ، ووقف بها على ما
قدَّمناه : فقد سَقَط عنه طوافُ القدوم، ولا شيء عليه لتر که.
ومَن أدرك الوقوف بعرفةَ مابين زوال الشمس من يوم عرفة، إلى طلوع
الفجر من يوم النحر : فقد أدرك الحجَّ.
فقال: تكره المجاورة بمكة عند أبي حنيفة؛ لخوف المَلَل، وقلة الحُرمة،
وسقوط الهيبة، وخوف الوقوع في الذنب، فإن الذنب فيها عظيمُ القُبح،
أقبح منه في غيرها.
وعندهما: لا تكره المجاورة، بل هي أفضل.
* قوله: (فإن لم يدخل المُحرِمُ مكةَ، وتوجَّه إلى عرفات ، ووقف بها
على ما قدَّمناه: فقد سقط عنه طوافُ القدوم)؛ لأنه إنما يلزمه لدخول
مكة، ولم يدخل، كما لا تلزمه تحيةُ المسجد إذا لم يدخله.
* قوله: (ولا شيءَ عليه لتَرْكه)؛ لأنه سُنَّةٌ، وبترك السُّنَن لا يجب
الجابر.
* قوله: (ومَن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة
إلى طلوع الفجر من يوم النحر: فقد أدرك الحجّ)، سواء كان عالماً بها، أو
جاهلاً.
- ولو وقف قبل الزوال: لم يُعتدَّ به.
وقال مالك(١): وقت الوقوف: من طلوع الشمس من يوم عرفة.
(١) بل المالكية يقولون إنه يبدأ من الزوال. المعونة ٥٨٠/١، الشرح الكبير

٣٨٤
کتاب الحج
ومَن اجتاز بعرفة وهو نائمٌ، أو مغمىًّ عليه، أو لم يَعلم أنها عرفةُ :
أجزأه ذلك عن الوقوف.
- قال في ((الهداية))(١): إذا وقف بعد الزوال، فأفاض من ساعته: أجزأه
عندنا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن وقف بعرفة ساعةً من ليلٍ أو
نهار: فقد تمَّ حجه))(٢).
- إلا أنه إذا وقف من النهار: وجب عليه أن يمدَّ الوقوفَ إلىُ بعد
الغروب، فإن لم يفعل: فعليه دم.
- وإن وقف بعد الغروب: لم يجب عليه امتدادٌ.
* قوله: (ومَن اجتاز بعرفة وهو نائمٌ، أو مغمىً عليه، أو لم يَعلم أنها
عرفة: أجزأه ذلك عن الوقوف).
وهذا إذا أحرم وهو مُقيقٌ، ثم أُغمي عليه حال الوقوف: فإنه يجزئه
الوقوف، إجماعاً؛ لأن ما هو الركنُ قد وُجد، وهو الوقوف، فلا يمنعه
الإغماء والنوم، كركن الصوم، وإنما اختلّ منه النية، وهي ليست بشرطِ
لکل رکن.
٣٦/٢، وما ذكره المؤلف هو قول الحنابلة. كشاف القناع ٤٩٤/٢، المغني ٤٣٣/٣.
(١) ١/ ١٥١.
(٢) سنن الترمذي (٨٩١)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (١٩٤٥)،
وصححه النووي في المجموع ٢٦١/٤.

٣٨٥
كتاب الحج
** والمرأةُ في جميع ذلك كالرجل، غير أنها لا تَكشفُ رأسَها،
وتكشفُ وجهها .
- وإن أُغمي عليه قبل الإحرام، فأهلَّ عنه أحدٌ من رُفقته أو غيرهم،
ووقَّفه بالمناسك كلها: أجزأه عند أبي حنيفة، خلافاً لهما. كذا في
(الوجیز)).
- ولو ضاق على المُحرم وقت العشاء، بحيث لا يتسع لأربع ركعات،
ولم يصلّ العشاء، وكان يَخشى إذا اشتغل بالصلاة: فاتَه إتيانُ عرفة
للوقوف: فإنه يترك الصلاة، ويذهب إلى عرفة؛ لأن أداء فرض الصلاة
وإن كان آكد: ففي فوات الحج مشقةٌ عظيمةٌ؛ لأنه يَحتاج في قضائه إلى
مالٍ خطيرٍ، وسفرٍ بعيدٍ، وعامٍ قابلٍ، بخلاف فوت الصلاة، فإن قضاءها
يسيرُ، والله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ﴾. البقرة/ ١٨٥.
[أحكامٌ خاصة بحج المرأة : ]
* قوله: (والمرأةُ في جميع ذلك: كالرجل)؛ لأنها مخاطَبةٌ كالرجال.
* قوله: (غيرَ أنها لا تكشفُ رأسَها)؛ لأنها عورةٌ، والإحرام لا يبيح
كشف العورات، ولهذا قالوا: إن لها أن تلبس المَخيطَ والخمارَ والخُفَّ.
* قوله: (وتكشفُ وجهَها)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إحرام
المرأة في وجهها))(١).
(١) تقدم ص٣٣٤.

٣٨٦
كتاب الحج
ولا ترفعُ صوتَها بالتلبية.
ولا تَرْمُلُ في الطواف، ولا تسعىُ بين المِيلين الأخضرَیْن.
ولا تحلقُ رأسَها، ولكن تُقْصِّر.
ولو سدلتْ شيئاً على وجهها، وجافَتْه: جاز؛ لأنه بمنزلة الاستظلال
بالمَحْمِل.
* قوله: (ولا ترفعُ صوتَها بالتلبية)؛ لأن صوتها عورةٌ.
: قوله: (ولا تَرمُلُ في الطواف)؛ لأنه لا يُؤمَن أن ينكشف بذلك
شيء من بدنها.
: قوله: (ولا تسعىُ بين المِيلين الأخضرَيْن): أي لا ترمُلُ في بطن
الوادي؛ لأن ذلك لإظهار الجَلَد، والمرأةُ ليست من أهله.
: قوله: (ولا تحلقُ رأسَها، ولكن تُقصِّر)؛ لأن الحلق في النساء
مُثلةٌ، كحلق اللحية في الرجال.
- ولا تستلمُ الحجرَ بحضرة الرجال؛ لأنها ممنوعةٌ من مماسَّتهم، والله
تعالى أعلم.

٣٨٧
باب القران
باب القِرَان
القِرَانُ عندنا أفضلُ من التمتع والإفرادِ .
باب القِران
هو مشتقٌّ من: اقتران الشيء بالشيء، في اللغة.
وفي الشرع: عبارة عن الجمع بين إحرام العمرة والحج وأفعالِهما في
سفرٍ واحد.
وكان ينبغي أن يُقدِّم القرانَ؛ لأنه أفضل، إلا أنه قدَّم الإفرادَ؛ من
حيث الترقي من الواحد إلى الاثنين، والواحدُ قبل الاثنين.
* قال رحمه الله: (القِرَانُ عندنا أفضلُ من التمتع، والإفرادِ).
وقال الشافعي(١): الإفرادُ أفضل.
وقال مالك(٢): التمتعُ أفضل من القران.
لنا: ما روى («أنس بن مالك قال: كنت آخذاً بزِمام ناقة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وهي تَقْصَعُ بجِرَّتها، ولُعابُها يسيل على كتفي، وهو
(١) مغني المحتاج ٥١٤/١.
(٢) بل المالكية يرون أفضلية الإفراد. جواهر الإكليل ١/ ١٧١.

٣٨٨
باب القِرَان
يقول: لبيك بحجة وعمرةٍ معاً)) (١). كذا في ((النهاية)).
ولأن في القران زيادة نسك، وهو إراقة الدم، قال عليه الصلاة
والسلام: ((أفضل الحج: العَجُّ والثَّجُّ)(٢).
ولأن فيه استدامةَ الإحرام بهما من الميقات إلى أن يفرغ منهما، ولا
کذلك التمتع.
- والمراد من قوله: أفضل من الإفراد: أي من إفراد كل واحدٍ منهما
بإحرامٍ على حِدَة، لا أن يكون المراد: أن يأتيَ بأحدهما، لا غير؛ لأنه إذا
لم يأت إلا بأحدهما: فالقرانُ أفضل بلا خلاف، إذ لا يشك أحدٌ أن الحج
وحده، أو العمرة وحدها: لا يكون أفضل منهما جميعاً.
وهذا كما يقال في صلاة النفل: إن أربعاً أفضل من اثنين عند أبي
حنيفة: يُفهم من هذا بأن الإتيان بأربع بتسليمة واحدة: أفضل من الإتيان
بهن بتسليمتين، أما إذا اقتصر على اثنتين، لا غير، فلا خلاف لأحد أن
الأربع أفضل.
فعُلم بهذا: أن قوله: القرانُ أفضلُ من الإفراد، أي من إفراد الحج
والعمرة بعد الإتيان بهما جميعاً، أما إذا لم يأت إلا بأحدهما: فلا خلاف
حينئذ في أن القران يكون أفضل.
(١) صحيح البخاري (١٥٣٤).
(٢) تقدم ص٣٣٨.

٣٨٩
باب القران
وصفةُ القِرَان: أن يُهِلَّ بالعمرة والحج معاً من الميقات، ويقولَ عَقِيبَ
الصلاة : اللهم إني أريد العمرةَ والحجّ، فيسِّرْهما لي، وتقبَّلْهما مني.
فإذا دخل مكة : ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواطٍ، يَرْمُلُ في الثلاثة
الأُوَل منها، ويمشي فيما بقي على هِينتهِ.
وسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعالُ العمرة.
* قوله: (وصفة القِرَان: أن يُهِلَّ بالعمرة والحجِّ معاً من الميقات).
قدَّم العمرةَ؛ لأن الله تعالى قدَّمها بقوله: ﴿فَنَ تَمَنَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾.
البقرة/١٩٦، ولأن أفعالها مقدّمةٌ على أفعال الحج.
قوله: (ويقولَ عَقِيبَ الصلاة: اللهم إني أُريد العمرةَ والحجَّ،
فَيَسِّرْهما لي): أي اقطع موانعَهما عني.
* قوله: (وتقَبَّلْهما مني).
وفي بعض النُّسَخِ: اللهم إني أُريد الحجّ والعمرة: بتقديم ذِكْر الحج؛
تبركا بقوله تعالى: ﴿وَأَيِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. البقرة/١٩٦.
فمَن مال إلى الأول قال: لأن أفعال العمرة مقدَّمةٌ على أفعال الحج.
* قوله: (فإذا دخل مكة: ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يَرْمُل في
الثلاثة الأُوُل منها)؛ لأنه طوافٌ بعده سعيٌ، ويصلي ركعتي الطواف،
(ويمشي فيما بقي على هِنته).
* قوله: (ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعالُ العمرة.

٣٩٠
باب القران
ثم يطوفُ بعد السعي طوافَ القُدُوم، ويسعى بين الصفا والمروة
للحج، كما بيََّّا في حقِّ المفرِد.
ثم يطوف بعدها طوافَ القدوم، ويسعى بين الصفا والمروة، كما بيَّنَا
في حقِّ المفرِد).
ولا يحلق بين العمرة والحج؛ لأن ذلك جنايةً على إحرام الحج.
- فإن حلق بعد طواف العمرة وسعيها، وبين طواف القدوم: فعليه
دمان، ولا يَحِلّ من عمرته.
وفي هذا تصريحٌ بأنه تقع جنايةٌ على الإحرامين جميعاً.
- فإن طاف القارنُ وسعى أوَّلاً للحج، ثم طاف وسعى للعمرة: فالأول
للعمرة، والثاني للحج.
- فإن طاف طوافين معاً لحجته وعمرته، ثم سعى بعده سعيين:
أجزأه؛ لأنه أتى بالمستَحَق عليه، وقد أساء بتأخير سعي العمرة، وتقديم
طواف القدوم عليه، ولا دمَ عليه، إجماعاً.
أما عندهما: فظاهرٌ؛ لأن التقديم والتأخير في المناسك عندهما لا
یوجب الدم.
وأما عند أبي حنيفة: فطواف القدوم سُنَّةٌ، وتَرْكُه قطعاً لا يوجب
الدمَ، فتقديمُهُ أَوْلى. كذا في ((الهداية))(١).
(١) ١/ ١٥٥.

٣٩١
باب القرآن
وإذا رمى الجمرةَ يوم النحر : ذَبَحَ شاةً، أو بقرةً، أو بدنةً، أو سُبْعَ
بدنة، أو سُبْعَ بقرةٍ، فهذا دمُ القران.
: قوله: (وإذا رمى جمرة العقبة يوم النحر: ذبح شاةً، أو بدنةً، أو
بقرةً، أو سُبُعَ بدنةٍ، أو سُبُع بقرةٍ، وهذا دمُ القران).
- فإن قيل: فما الأفضل: سُبُعُ بدنة، أو شاة؟
قيل: أيهما كان أكثر لحماً: فهو أفضل؛ لأن بالكثرة: تَكثُر منفعةٌ
المساکین.
- فلو أن القارن حَلَقَ أوَّلاً، ثم ذبح: فعليه دمٌ عند أبي حنيفة؛ لأن
عليه أن يذبح، ثم يحلق.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا شيء عليه؛ لأن التقديم والتأخير عندهما
لا يوجب الدم.
- وكذا لو ذبح قبل الرمي: يجب عليه دمٌ عند أبي حنيفة. كذا في
((الخُجندي)).
- قوله: وهذا دمُ القران، وهو دمُ نسكٍ عندنا، شكراً لله تعالى على
توفيق الجمع بين العبادتين، لا دمُ جَبْرٍ، حتى يجوزُ الأكل منه عندنا؛ لأنه
وجب شكراً لله تعالى، لا لارتكاب محظور، كالأضحية.
وعند الشافعي(١): دمُ جبر، حتى لا يجوزُ الأكلُ منه عنده.
(١) المجموع ١٧٦/٧.

٣٩٢
باب القِرَان
فإن لم يكن له ما يذبحُ: صام ثلاثةَ أيامٍ في الحج، آخرُها يومُ عرفةَ.
فإن فاته الصومُ حتى أتى يومُ النحر : لم يُجْزِه إلا الدم.
* قوله: (فإن لم يكن له ما يذبحُ: صام ثلاثةَ أيام في الحج، آخرُها
يوم عرفة).
- ولا يجوز صومُها إلا بنيةٍ من الليل، كسائر الكفارات.
- وهو مخيَّرٌ في الصوم: إن شاء تابعه، وإن شاء فرَّقه.
- ويجوز أن يصوم الثلاثةَ الأيامَ قبل يوم السابع من ذي الحجة إذا كان
قد أحرم بالعمرة، ولا يجوز قبل إحرام العمرة، ولا بعد يوم عرفة.
والأفضل أن يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية ويومَ عرفة؛ لأن الصوم
بدلٌ عن الهَدي، فيستحب تأخيره إلى آخر وقته؛ رجاء أن يقدر على الهدي،
كما يُستحب تأخيرُ التيمم إلى آخر الوقت؛ رجاءَ أن يقدر على الماء.
* قوله: (فإن فاته الصومُ): أي صوم الثلاثة الأيام، (حتى دخل يوم
النحر: لم يُجزه إلا الدم)، أي دم القران.
فإن لم يقدر على الهدي، وتحلل: فعليه دمان: دمٌ للقران، ودم
للتحلل قبل الهدي.
- وإن قدر على الهدي في خلال صوم الثلاثة، أو بعدها قبل يوم
النحر: لزمه الهدي، وسقط عنه حكم الصوم.
- وإن وَجَدَ الهديَ بعد ما حلق، قبل أن يصوم السبعةَ في أيام الذبح
أو بعدها: فلا هديَ عليه؛ لأن التحلل بعد حصول المقصود بالحلق لا
يغيِّر حكم الخَلَف.

٣٩٣
باب القران
ثم يصومُ سبعةَ أيامٍ إذا رجع إلى أهله.
وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج : جاز.
وإن لم يدخل القارنُ مكةَ، وتوجه إلى عرفاتٍ: فقد صار رافضاً
لعمرته بالوقوف،
* قوله: (ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله)، يعني بعد ما مضت
أيام التشريق؛ لأن الصوم فيها منھيٌّ عنه.
- وليس صوم السبعة بدلاً عن الهدي، فإنه يجوز صومُها مع وجود
الهدي. كذا قال الجرجاني.
- وإن لم يحِلّ حتى مضت أيام النحر، ثم وجد الهديَ: فصومه تامٌّ،
ولا هديَ عليه؛ لأن الذبح مؤقتٌ بأيام النحر، فإذا مضت: فقد حصل
المقصود، وهو إباحةُ التحلل، فصار كأنه تحلل، ثم وجد الهدي.
: قوله: (وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج: جاز عندنا)، يعني
بعد مضيٌّ أيام التشريق.
وعند الشافعي(١): لا يجوز، إلا بعد الرجوع، والوصولِ إلى الوطن؛
لأنه معلّقٌ بالرجوع.
ولنا: أن معنى: رجعتم: أي فرغتم من أعمال الحج؛ لأن الفراغ سببُ
الرجوع إلى أهله، فجاز الأداء بعد وجوب السبب.
قوله: (وإن لم يَدخل القارنُ مكةَ، وتوجّه إلى عرفات: فقد صار
رافضاً لعمرته بالوقوف).
(١) مغني المحتاج ١ / ٥١٧.

٣٩٤
باب القِرَان
وبَطَل عنه دمُّ القران، وعليه دمٌ لرفض عمرته، وعليه قضاؤها.
هذا إذا توجه قبل أن يطوف لها أربعةَ أشواط، أما إذا طاف لها أربعة
أشواط، أو طاف لها، ولم يسع بين الصفا والمروة: فإنه لا يكون رافضاً،
ويكون قارناً، ودم القران على حاله واجبٌ، وعليه أن يقضيَ ما بقيَ من
طواف العمرة بعد طواف الزيارة، ویسعی.
- ثم إنه لا يصير رافضاً بمجرد التوجه، هو الصحيح من مذهب أبي
حنيفة.
والفرق له بين مصلي الظهر يوم الجمعة إذا توجَّه إليها، وبين هذا
التوجه: أن الأمر هناك بالتوجه وهو متوجّهُ بعد أداء الظهر، والتوجُّه هنا
منهيٌّ عنه قبل أداء العمرة، فافترقا.
* قوله: (وبطل عنه دمُ القران)؛ لأنه لمّا ارتفضت العمرة: صار
کالمفرد، والمفرد لا دمَ علیه.
* قوله: (وعليه دمٌ لرفض العمرة)، وهو دمُ جبرٍ، لا يجوز الأکل منه.
* قوله: (وعليه قضاؤها)، يعني بعد أيام التشريق؛ لأنه بشروعه فيها:
أوجبها على نفسه، فقد وُجد منه الوجوب، ولم يوجد منه الأداء، فلزمه
القضاء.

٣٩٥
باب التمتع
باب التمتع
التمتعُ أفضلُ من الإفراد عندنا.
باب التمتع
قدَّمَ القِرَانَ على التمتع؛ لأنه أفضل منه.
والتمتعُ في اللغة: الترفُّه.
وفي الشرع: عبارةً عن الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها، أو أكثر أفعالها،
وإحرامِ الحج وأفعاله، في أشهر الحج، من غير إلمامٍ صحيحٍ بأهله.
* قال رحمه الله: (التمتع عندنا أفضلُ من الإفراد)، هذا هو الصحيح.
وعن أبي حنيفة: أن الإفراد أفضل؛ لأن المتمتع سفره واقعٌ لعمرته،
بدليل أنه إذا فرغ من العمرة: صار مكياً في حق الميقات؛ لأنه يقيم بمكة
حلالاً، ثم يُحرِم للحج من المسجد الحرام.
والمفرد سفره واقعٌ لحجته، والحجُّ فريضةٌ، والعمرة سُنَّةً(١)، والسفر
الواقع للفرض: أفضل من السفر الواقع للسنة.
(١) سيأتي في جناية الجماع في العمرة ص٤٢٥ أن العمرة سُنَّةٌ، وكذلك هنا،
لكن سيذكر المصنف في أحكام العمرة أواخر كتاب الحج ص٤٦٩ أن العمرة واجبة،
مستدركاً على القدوري القائل بسنِّتها، ولهذا نبهتُ هنا، والمعتمد في المذهب سنِّتُها.

٣٩٦
باب التمتع
والمتمتِّعُ على وجهين : متمتِّعٌ يسوقُ الهَدْيَ، ومتمتِّعٌ لا يسوقُ الهَدْيَ.
وصفةُ التَّمتُّعِ : أن يبتدىءَ من الميقات، فيُحرِمَ بعمرةٍ، ويدخلَ مكةَ،
فيطوفَ لها، ويسعىُ، ويحلقَ، أو يقصِّرَ، وقد حَلّ من عمرته.
وجه القول الأول: أن في التمتع جمعاً بين العبادتين، فأشبه القِران،
ثم فيه زيادة نسك، وهو إراقة الدم.
وسفرُهُ واقعٌ لحجته وإن تخللت العمرة؛ لأنها تَبَعٌ للحج، كتخلل
السُّنَّة بين الجمعة والسعي إليها.
* قوله: (والمتمتعُ على وجهين: متمتِّعٌ يسوقُ الهديَ، ومتمتِّعٌ لا
يسوق الهدي).
ـ ومعنى التمتع: الترفَقُ بأداء النسكين في سفرٍ واحد، من غير أن يُلِمَّ
بأهله بينهما إلماماً صحيحاً.
- يُحترَز عن الإلمام الفاسد، فإنه لا يمنع صحةَ التمتع عند أبي حنيفة.
والإلمام هو: النزول بأهله.
والإلمام الصحيح: إنما يكون في المتمتع الذي لا يسوق الهديَ، أما
إذا ساق الهديَّ: فإلمامُه فاسدٌ، لا يمنع صحة التمتع، خلافاً لمحمد.
* قوله: (وصفةُ المتمتع الذي لا يسوق الهدي(١): أن يبتدئ من
الميقات، فيُحرمَ بعمرة، ويَدخلَ مكةَ، ويطوفَ لها ويسعى، ويحلقَ أو
يُقصِّر، وقد حلّ من عمرته).
(١) هكذا نسخة الإمام الحداد من مختصر القدوري، وهي تختلف عما توافر
لدي من نسخ القدوري.

٣٩٧
باب التمتع
ويقطعُ التلبيةَ إذا ابتدأ بالطواف، ويقيمُ بمكة حلالاً .
فإذا كان يوم التروية : أحرم بالحج من المسجد،
وهذا هو تفسير العمرة.
- فإن قلتَ: لمَ لا يكون في العمرة طواف القدوم، ولا طواف
الصدر؟
قلتُ: أما طواف القدوم: فلأن المعتمر عند قدومه إلى البيت تمكَّن
من أداء الطواف الذي هو ركنٌ في هذا النسك، فلا يشتغل بغيره، بخلاف
الحج: فإنه عند قدومه لا يتمكن من الطواف الذي هو ركن الحج، فأتى
بالطواف المسنون، إلى أن يجيء وقتُ الطواف الذي هو رکن.
وأما طواف الصَّدَر: فإن معظم الركن في العمرة: الطوافُ، وما هو
معظمُ ركنٍ في النسك: لا يتكرر عند الصَّدَر، كالوقوف في الحج؛ لأن
الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظمَ الركن في النسك، وهو بعينه غير
ركن في ذلك النسك. كذا في ((النهاية)).
* قوله: (ويقطعُ التلبية إذا ابتدأ بالطواف)، يعني عند استلام الحجر؛
لأن المقصود من العمرة هو الطواف، فيقطعها عند افتتاحه.
قوله: (ثم يقيم بمكة حلالاً)، إلى وقت إحرام الحج؛ لأنه لم يبق
عليه من أفعالها شيء.
* قوله: (فإذا كان يومُ التروية: أحرم بالحج من المسجد).

٣٩٨
باب التمتع
وفَعَلَ ما يفعلُه الحاجُّ المفردُ.
وعلیه دمُ التمتع.
فإن لم يجد : صام ثلاثةَ أيامٍ في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله.
هذا الوقت ليس بلازم، بل إن شاء أحرم بالحج قبل يوم التروية، وما
تقدم إحرامه بالحج: فهو أفضل؛ لأن فيه إظهارَ المسارعة والرغبة في
العبادة. كذا في ((النهاية)).
وقوله: من المسجد: التقييد بالمسجد: للأفضلية، وأما الجواز:
فجميع الحرم ميقاتٌ.
* قوله: (وفَعَلَ ما يفعلُه الحاجُّ المفردُ)، إلا أنه لا يطوف طواف
التحية؛ لأنه لما حلّ: صار هو والمكي سواء، ولا تحية للمكي، كذلك
هذا.
- ويرمُل في طواف الزيارة، ويسعى بعده؛ لأنه أول طوافٍ له في
الحج، بخلاف المفرد؛ لأنه قد طاف للقدوم وسعى.
- ولو كان هذا المتمتع بعد ما أحرم بالحج طاف تطوعاً، وسعى قبل
أن يروح إلى منىَّ: لم يرمُل في طواف الزيارة، ولا يسعى بعده؛ لأنه قد
أتى بذلك مرة.
* قوله: (وعليه دمٌ): أي دم التمتع.
قوله: (فإن لم يجد: صام ثلاثةَ أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى
أهله).

٣٩٩
باب التمتع
وإن أراد المتمتعُ أن يسوق الهَدْيَ : أحرم، وساق هَدْیَه.
فإن كانت بَدَنةً: قلَّدها بمَزَادةٍ، أو نعلٍ،
- ويجوز أن يصوم هذه الثلاثة بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج،
بشرط أن يكون في أشهر الحج.
- ولا يجوز أن يصومها قبل إحرام العمرة، فإن صامها بعد إحرام
العمرة قبل أن يطوف لها: جاز.
[التمتع بسوق الهدي : ]
* قوله: (فإن أراد المتمتِّعُ أن يسوق الهديَ: أحرم، وساق هديَه).
وهذا هو الوجه الثاني من التمتع، وهو أفضل من الأول الذي لم يسق.
وإنما قدَّم الوجهَ الأول على هذا، مع أن هذا أفضل؛ لأن هذا وصفٌ
زائد، وتقديم الذات: أوْلى من تقديم الصفات.
- قال في ((النهاية)): إذا ساق المتمتع الهديَ: ففيه قيدٌ لا بدَّ من
معرفته، وهو: أنه في هدي المتعة إنما يصير مُحرِماً بالتقليد والتوجه إذا
حصلا في أشهر الحج.
أما إذا لم يحصلا فيها: لا يصير مُحرِماً، ما لم يُدرك الهديَ، ویسیر
معه؛ لأن تقليد هدي المتعة في غير الأشهر لا يُعتدُّ به، ويكون تطوعاً،
وهديُ التطوع ما لم يدركه، ويسير معه: لا يصير مُحرماً.
قوله: (فإن كانت بدنةً: قلَّدها بمَزادةٍ): أي قطعة من أَدَم، (أو
نَعْلٍ)، أو شيءٍ من لِحاء الشجر.

٤٠٠
باب التمتع
وأشعر البدنةَ عند أبي يوسف ومحمد.
والتقليد: أَوْلى من التجليل؛ لأن التقليد ذُكر في القرآن، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَكَبِدَ﴾. المائدة/ ٢.
فثبتت شرعية التقليد بالكتاب والسُّنّة.
والتجليل ما ثبت إلا بالسُّنَّة، وهو غيرُ مقصودٍ للإعلام خاصةً، بل
يشاركه في ذلك معانٍ أُخَر، وهي دفع الذباب، ودفع الحرِّ والبرد.
والتقليدُ للإعلام خاصةً، من غير مشاركة.
- وصورةُ التقليد: أن يَربط على عنق بدنته قطعةً من أَدِمٍ، أو نعل،
والمعنيُّ به: أن هذا أُعدَّ لإراقة الدم، فيصير جلدُه عن قريبٍ مثل هذه
القطعة من الجلد، حتى لا يُمنَع من الماء والعلَفَ إذا عُلم أنه هديٌّ.
- وهذا إنما يكون فيما يَغيبُ عن صاحبه، كالإبل والبقر، أما الغنم:
فإنه يضيع إذا لم يكن معه صاحبُه، فلهذا لا يُقلَّد.
- والأَوْلى أن يلبيَ، ثم يقلد؛ لأنه يصير مُحرماً بالتقليد والتوجه معه،
فكان تقديم التلبية أَوْلى؛ ليكون شروعُه في الإحرام بها، لا بالتقلید.
* قوله: (ويُشعِرِ البدنةَ عند أبي يوسف ومحمد).
- ولا يُسنُّ الإشعار في غير الإبل.
- وصفتُه: أن يُطعن في أسفل السَّنَام من الجانب الأيمن بإبرة، أو
سِنَانٍ؛ حتى يخرج منه الدمُ، ثم يُلطّخَ السنام بذلك؛ إعلاماً للناس أنه
قُربةٌ لله تعالى.