النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الحج
ويصلي الإمامُ بالناس المغربَ والعشاءَ بأذانٍ، وإقامةٍ .
ومَن صلى المغربَ في الطريق : لم تُجْزه عند أبي حنيفة ومحمد.
* قوله: (ويصلي الإمامُ بالناس المغربَ والعشاءَ بأذانِ وإقامةٍ)؛ لأن
العشاء في وقته، فلا يُفْرِدُ له إقامةً، بخلاف العصر بعرفة، فإنه مقدَّمٌ على
وقته، فأُفرد بالإقامة؛ لزيادة الإعلام.
- وينوي المغربَ هنا أداءَ، لا قضاء.
- وصفته: أنه إذا غاب الشفق: أذَّن المؤذِّن، وأقام، فيصلي الإمام
بالناس المغربَ، ثم يُتبعها العشاءَ بذلك الأذان والإقامة.
ولا يتطوَّعُ بينهما، ولا يتشاغلُ بشيء.
- فإن تطوع بينهما، أو تشاغلَ بشيءٍ: أعاد الإقامةَ.
- ولا تُشترط الجماعةُ لهذا الجمع عند أبي حنيفة؛ لأن المغرب
مؤخَّرَةٌ عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة؛ لأن العصر مقدَّمٌ على وقته.
* قوله: (ومَن صلى المغربَ في الطريق وحدَه: لم تُجْزِه عند أبي
حنيفة ومحمدٍ)، وعليه إعادتُها ما لم يطلع الفجر.
وقال أبو يوسف: تُجزئه، وقد أساء.
- ولو خشي أن يَطلع الفجرُ قبل أن يصل إلى المزدلفة: صلى
المغربَ، لأنه إذا طلع الفجر: فات وقت الجمع، فكان عليه أن يقدم
الصلاة قبل الفوات.
- وقوله: لم تُجزه عند أبي حنيفة: يعني أنها موقوفةً، فإن أعادها
بالمزدلفة قبل طلوع الفجر: كانت المعادة هي الفرض، وانقلبت المغرب

٣٦٢
کتاب الحج
فإذا طلع الفجرُ: صلىُ الإمامُ بالناس الفجرَ بغَلَس، ثم وقف، ووَقَف
الناس معه، فدعا.
والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا بطنَ مُحَسِّر.
* ثم أفاض الإمامُ والناسُ معه قبل طلوع الشمس، حتى يأتوا مِنىً.
الأُولى نافلةً، وإن لم يُعِدها حتى طلع الفجر: انقلبت إلى الجواز.
- فإن صلى المغربَ والعشاءَ وحدَه: أجزأه، والسُّنَّةَ أن يصليَهما مع
الإمام.
* قوله: (فإذا طلع الفجر: صلى الإمامُ بالناس الفجر بغَلَسٍ).
إنما قدَّم صلاة الفجر هنا؛ لأجل الاشتغال بالوقوف، كتقديم العصر
بعرفة.
* قوله: (ثم وقف، ووقف الناسُ معه، فدعا)، إلى أن يُسفروا جداً،
ويتضرعون في الدعاء، كما قلنا في عرفة.
- وهذا الوقوف بمزدلفةَ عندنا واجبٌ، وليس بركن، حتى لو تركه
بغير عذر: يلزمه دمٌ.
* قوله: (والمزدلفةُ كلَّها موقفٌ، إلا بطنَ مُحَسِّر)، وهو وادٍ بأسفل
مزدلفة، عن يسارها، وقف فيه إبليسُ متحسِّراً.
[الإفاضة من المزدلفة إلى منىّ : ]
* قوله: (ثم أفاض الإمامُ والناسُ معه قبل طلوع الشمس، حتى يأتوا
منىَ).

٣٦٣
كتاب الحج
فيبتدئُ بجَمْرة العَقَبَةِ، فيرميها من بطن الوادي بسَبْعٍ حَصَيَاتٍ ...
الإفاضة مع الإمام سُنَّةٌ.
- ولو أفاض قبله: لا يلزمه شيء، بخلاف الإفاضة من عرفة. كذا في
((الوجيز)).
- ويقول: اللهم إليك أفضتُ، ومن عذابك أشفقتُ، وإليك رغبتُ،
31
ومنك رَهِبْتُ، فاقبل نُسُكي، وعظم أجري، وارحم تضرعي، واقبل
توبتي، واستجب دعوتي، ويلبي في أثناء دعائه.
[رمي الجِمَار :]
قوله: (فيبتدئُ بجَمْرة العَقَبة، فيرميها من بطن الوادي بسبع
حَصَيَات).
- ويستحب أن يغسل الحصى. كذا في ((المستصفى)).
- ويجعلَ مكةَ عن يساره، ومنىّ عن يمينه، ويرميَ من أسفل إلى
أعلى.
- ويستحب أن يأخذ حصى الجِمَار من المزدلفة، أو من الطريق.
- ولا يرمي بحصاةٍ أخذها من عند الجمرة؛ لما روي في الحديث ((أن
ما قُبِل من الحصىُ: يُرفع))(١).
(١) أخرج الفاكهي في أخبار مكة ٢٩٢/٤ عدة آثار بأسانيد صحيحة عن عمر
بن الخطاب وابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهم بألفاظ مختلفة بهذا المعنى،
ولها حكم الرفع، وكذلك الأزرقي في أخبار مكة ١٧٦/٢، وابن أبي شيبة في

٣٦٤
كتاب الحج
ولأنها حصاةُ مَن لم يُقْبَل حجُّه، فيُتَشاءُمُ به.
- ولو رمى بها: جاز، وقد أساء.
- ووقتُ الرمي في هذا اليوم: بعد طلوع الشمس، ويمتد إلى الغروب
عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: إلى الزوال، وما بعده قضاء.
- وإن أخَّره إلى الليل في هذا اليوم: رمى، ولا شيء عليه.
- وإن أخَّرِه إلى الغد: رمى، وعليه دم.
- ولو رمى جمرة العقبة بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس يوم
النحر: جاز عندنا، والأفضل بعد طلوع الشمس.
- ويجوز أن يرميَ بكل ما كان من جنس الأرض، بشرط وجود
الاستهانة، حتى لا يجوزُ بالفَيْروزَج، والياقوت.
- ولهذا لو أخذ كفّاً من تراب، ورمى به مكانَ حصاة: جاز عندنا.
- وكذا يجوز أن يرميَ بالطين.
المصنف ٦٧٧/٨، والبيهقي في السنن ١٢٨/٥، وقال النووي في المجموع
١٣٨/٨: قال البيهقي: المرفوعان ضعيفان.

٣٦٥
كتاب الحج
مثلَ حصىُ الخَذْف.
وقال الشافعي(١): لا يجوز إلا بالحجر.
- وقوله: من بطن الوادي: يعني من أسفله إلى أعلاه.
- وينبغي أن يقع الحصى عند الجمرة، أو قريباً منها، حتى لو وقع
بعيداً: لم يجز.
وحدُّ القُرب والبُعد: أن الثلاثةَ أذرع: في حدِّ البعيد، وما دونه: قريبٌ.
وفي (الهداية))(٢): مقدار الرمي: أن يكون بين الرامي وبين موضع
السقوط خمسة أذرع؛ لأن ما دون ذلك: يكون طَرْحاً.
- ولو طَرَحَها طَرْحاً: أجزأه؛ لأنه رميٌ إلى قدميه، وفيه أدنى رمي،
إلا أنه مسيء؛ لمخالفة السُّنّة.
۔ ولو وضعها وضعاً: لم يُجْزه؛ لأنه ليس برمي.
۔ ولو رمی بالذهب أو الفضة أو البعر: لا يجوز؛ لأنه ليس من جنس
الأرض.
- ولو رمىُ بسبع حَصَيَات دفعةً واحدةً: أجزأه عن حصاة واحدة، لا
غیر.
· قوله: (مثل حصىُ الخَذْف).
(١) المجموع ١٧٠/٨.
(٢) ١/ ١٤٧.

٣٦٦
کتاب الحج
ویکبِّرُ مع كل حصاة.
الخَذْف: صغار الحصى، قيل: إنه مقدار الحِمِّصة، وقيل: مقدار
النواة، وقيل: مقدار الأنملة.
- ولو رمىُ بأكبر من حصىُ الخَذْف أو أصغر منه: أجزأه، إلا أنه لا
پرمي بالكبار؛ خشية أن یتأذئ به غيره.
- ولو رمى، فوقعت الحصاة على رأس رَجُل، أو على ظهر بعير، ثم
وقعت هي بنفسها على الجمرة: أجزأه.
- وإن أخذها الرجل، ووضعها: لم يجز.
- وكيفية الرمي: أن يأخذ الحصاة بطرف إبهامه ومسبِّحته ويرميَ بها.
وفي ((الهداية))(١): يضع الحصاة على ظهر إيهامه اليمنى، ويستعين
بالمسبِّحة، وصحح في ((النهاية)) الوجهَ الأول.
* قوله: (ويكبِّر مع كل حصاة).
- ولو سبَّح مكان التكبير: أجزأه؛ لحصول الذِّكر.
ويروى ((عن سالم بن عبد الله أنه رمى الجمرة بسبع حصيات من بطن
الوادي، يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر، اللهم اجعله حجاً مبروراً،
وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً.
(١) ١/ ١٤٧ .

٣٦٧
كتاب الحج
ولا يقفُ عندها.
ويقطعُ التلبيةَ مع أول حصاةٍ .
وقال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي جمرة
العقبة من هذا المكان، ويقول كلَّما رمى بحصاةِ مثلَ ما قلتُ))(١).
* قوله: (ولا يقفُ عندها).
والأصل: أن كل رمي بعده رميٌّ: فإنه يقفُ عنده، وكلّ رمي ليس
بعده رمي : فإنه لا يقف عنده.
- ولا يرمي من الجمار يوم النحر إلا جمرة العقبة، لا غير.
* قوله: (ويقطع التلبيةَ مع أول حصاة).
- فإن حلق قبل أن يرميَ جمرة العقبة: قطع التلبية؛ لأنه قد حلّ من
الإحرام، والتلبيةُ لا تثبت عند التحلل، وإنما يُؤتى بها في مطلق الإحرام،
ولهذا قلنا: إن المحصر يقطع التلبية إذا ذبح هدیَه؛ لأنه قد أُبیح له التحلل
كما بعد الرمي.
- فإن زار البيتَ قبل الرمي والحلق والذبح: قطع التلبيةَ عند أبي حنيفة
ومحمد؛ لأن التلبية يُؤتى بها في مطلق الإحرام، ولم يبق الإحرام إلا من
النساء، فيكون بمنزلة المعتمر، والمعتمرُ يقطعها إذا استلم الحجر.
وعن أبي يوسف: أنه يلبي ما لم يحلق، أو تزولُ الشمس من يوم
النحر؛ لأن إحرامه بحاله، بدلالة عدم إباحة النساء.
(١) عزاه العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٢/ ٢٠٠ لابن أبي شيبة (٣٠٢٦٦).

٣٦٨
كتاب الحج
ثم یذبحُ إن أحبَّ.
ثم يحلقُ، أو یقصِّرُ، والحلقُ أفضل،
- وأما إذا ذبح قبل أن يرمي: قطع التلبية؛ لأنه تحلل بالذبح، فهو كما
لو تحلَّل بالحلق.
* قوله: (ثم يذبح إن أحبّ).
هذا دليلُ عدم الوجوب، فإذا أراد أن يذبح: قدَّم الذبحَ على الحلق.
* قوله: (ثم يَحلق، أو يُقصِّر، والحلقُ أفضل)؛ ((لأن النبي صلى الله
عليه وسلم دعا للمحلَّقين ثلاثاً، وللمقصِّرين مرةً))(١).
ولأن الله تعالى ذَكَرَ المحلِّقين في القرآن قبل المقصِّرين.
ولأن الحلق أكملُ، كما في قضاء التَّفَث، وفي التقصير: بعض
تقصير، فأشبه الاغتسال مع الوضوء.
- ويكفي في الحلق: ربع الرأس؛ اعتباراً بالمسح، وحلقُ الكل أفضل.
- والتقصير: أن يأخذ من رؤوس شعره مقدارَ الأنملة.
- فإن كان برأسه قُروحٌ، أو علةٌ لا يستطيع أن يُمِرَّ المُوسى، ولا يَصل
إلى تقصيره: فقد حلّ، بمنزلة مَن حلق، ولا شيء عليه.
- ولو لم يكن على رأسه شعراً: أمَرَّ الموسى على رأسه.
وهل هو مستحب، أو واجبٌ؟
(١) صحيح البخاري (١٧٢٧)، صحيح مسلم (١٣٠١).

٣٦٩
كتاب الحج
وقد حَلَّ له كلَّ شيءٍ إلا النساء.
* ثم يأتي مكةَ من يومه ذلك، أو من الغد، أو من بعد الغد، فيطوفُ
بالبيت طوافَ الزيارة سبعة أشواط.
قال بعضهم: مستحب، وقال بعضهم: واجب.
- ولو قلَّم أظفارَه قبل الحلق: فعليه دمٌ.
وروى الطحاوي أنه لا دمَ عليه عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنه قد أُبيح
له التحلل. کذا في «الوجیز)).
* قوله: (وقد حلّ له كل شيء، إلا النساء).
وكذا توابع الوطء، كاللمس والقُبلة لا يحل له.
وقال مالك(١): إلا النساء والطِّيب.
- ولو طاف للزيارة قبل الحلق: لم يَحلّ له الطيبُ والنساء، وصار
بمنزلة مَن لم يطف. كذا في ((الكرخي)).
[الإفاضة من منىّ إلى مكة : ]
* قوله: (ثم يأتي مكةَ من يومه ذلك، أو من الغد، أو من بعد الغد،
فيطوف بالبيت طوافَ الزيارة سبعة أشواط).
ويسمى طواف الإفاضة، وطواف يوم النحر، والطواف المفروض.
- ووقته: أيام النحر.
(١) جواهر الإكليل ١ / ١٨٢.

٣٧٠
كتاب الحج
- وأول وقت الطواف: بعد طلوع الفجر من يوم النحر؛ لأن ما قبله
من الليل: وقتٌ للوقوف بعرفة، والطوافُ مرتَّبٌ عليه.
- وأول هذه الأيام: أفضلُها، كما في التضحية.
- ولا بدَّ من النية في الطواف، ولا يفتقرُ إلى التعيين، حتى لو طاف
هارباً من عدوٍّ أو سبع أو طالباً لغريم ولا ينوي الطوافَ؛ لا يجزئه عن طوافه.
بخلاف الوقوف بعرفة، حيث يصح من غير نية.
والفرق: أن الوقوف ركنُ عبادة، وليس بعبادة مقصودة، والطواف
عبادةٌ مقصودة، ولهذا يُتَنفَّل به، فلا بدَّ من اشتراط النية فيه؛ لأن جهة
النية لتعيينه، حتى لو طاف يوم النحر طوافاً كان أوجبه على نفسه: کان عن
طواف الزيارة، كما في صوم رمضان.
وإن شئتَ قلتَ: لأن الوقوف ركنٌ يقع في نفس الإحرام، فنية الحج
تشتمل عليه، وطوافُ الزيارة يُؤدَّى بعد التحلل، فوجودُ النية في الإحرام:
لا يغني عن النية في الطواف؛ لأنها لا تشتمل عليه.
- قال في ((النهاية)): الأمور الأربعة: وهي الرمي، والذبح، والحلق،
والطواف تُفعل في أول أيام النحر على الترتيب، وضابطه: (رذحط)،
فالراء: الرمي، والذال: الذبح، والحاء: الحلق، والطاء: الطواف.
- ويجب على الطائف أن يكون ساترَ العورة، طاهراً من الحدث

٣٧١
كتاب الحج
والنجس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الطوافُ بالبيت صلاةٌ، فأقلَّوا فيه
من الكلام)) (١).
- فإن أخلَّ بالطهارة: كان طوافه جائزاً عندنا.
وقال الشافعي(٢): لا يُعتدُّ بطوافه.
- وتكلم أصحابنا المتأخرون في أن الطهارة هل هي واجبةٌ، أو سنةٌ؟
فقال ابن شجاع: سنةٌ.
وقال أبو بكر الرازي: واجبةٌ.
- والدليل على أنها ليست بشرط في الطواف: أن الطواف ركنٌ من
أركان الحج، فلم تكن الطهارة من شرطه، كالوقوف.
- وإن طاف وفي ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم: كره له ذلك، ولا
شيء علیه.
- وإن طاف وقد انكشف من عورته قدرُ ما لا تجوز معه الصلاة:
أجزأه الطواف، وعليه دم.
(١) سنن النسائي ٢٢٢/٥، وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٤٢٣/٤،
مسند أحمد ٤١٤/٣، وبلفظ: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام)):
في سنن الترمذي (٩٦٠)، المستدرك ٤٩٥/١، وله عدة طرق يتقوى بها. ينظر البدر
المنير ٤١١/٤، نصب الراية ٥٧/٣.
(٢) مغني المحتاج ٤٨٥/١.

٣٧٢
كتاب الحج
والفرق: أن النجاسة لم يُمنع منها لمعنىّ يختص بالطواف، وإنما مُنع
منها؛ لأنه تلويثٌ للمسجد، ولا كذلك الكشف؛ لأنه ممنوعٌ منه لمعنىً
يختص بالطواف، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يطوفنَّ بالبيت
مشركٌ، ولا عُريان))(١).
وإذا اختص المنهيُّ عنه بالطواف: أوجب نقصانَه، فكان عليه جبرانُه.
- ولو طاف زحفاً على دُبُره: إن كان غيرَ قادر على المشي: أجزأه،
ولا شيء عليه، وإن كان قادراً: فعليه الإعادةُ ما دام بمكة، وإن رجع إلى
بلده: فعلیه دمٌ.
- وكذا إذا طيف به محمولاً: إن كان لعلةٍ: أجزأه، وإن كان لغير علة:
تجب عليه الإعادةُ، أو الدم.
- وهل يجزىء الحاملَ عن طوافه؟
قال الخُجَندي: يجزئ ذلك عن الحامل والمحمول جميعاً، وسواء
نوى الحاملُ الطوافَ عن نفسه وعن المحمول، أو لم ینوه.
- ولو أوجب على نفسه الطوافَ زحفاً: فعليه أن يطوف ماشياً، فإن
طاف زحفاً كما أوجبه: أجزأه.
- وإذا أُقيمت الصلاة وهو يطوف، أو يسعى: يتركه، ويصلي، ثم
يبني عليه بعد الفراغ من الصلاة.
(١) صحيح البخاري (١٦٢٢).

٣٧٣
كتاب الحج
فإن كان سعى بين الصفا والمروة عَقِيبَ طواف القدوم: لم يَرْمُل في
هذا الطواف، ولا سعيَ عليه.
فإن لم يكن قدَّم السعيَ : رَمَلَ في هذا الطواف، وسعىُ بعده على ما
قدَّمناه، وقد حلَّ له النساءُ أيضاً.
* قوله: (فإن كان سعى بين الصفا والمروة عَقِيب طواف القدوم: لم
يَرمُل في هذا الطواف، ولا سعيَ عليه).
لأن السعي لم يُشرع إلا مرةً واحدة، وكذا الرَّمَل ما شرع إلا مرةً
واحدة في طوافٍ بعده سعي.
- ولو طاف تطوعاً في إحرام الحج، وسعى بعده: لم يجب عليه
السعي في طواف الزيارة.
- واعلم أن السعي: هو بعد هذا الطواف؛ لأنه واجبٌ، والواجب
يترتب بعد الفرض، لكن لما كان هذا يومٌ فيه جمعٌ من المناسك: رُخِّص
في تقديمه بعد طواف القدوم؛ تيسيراً، ومِن شَرْط جواز تقديمه مع طواف
القدوم: أن يكون في أشهر الحج.
* قوله: (وإن لم يكن قدَّم السعيَ: رمل في هذا الطواف، وسعى
بعده، على ما قدَّمناه)؛ لأن هذا وقت السعي.
وإنما رُخِّص له في تقديمه: لما ذكرنا، والأفضل تأخيره إلى هذا
الطوف. کذا في (شرحه)).
* قوله: (وقد حلَّ له النساء أيضاً).

٣٧٤
كتاب الحج
وهذا الطوافُ هو المفروضُ في الحج.
ویکره تأخیره عن هذه الأيام.
فإن أخَّرِه عنها : لزمه دمٌ عند أبي حنيفة.
- وكذا إذا طاف أكثرَه: حلَّ له النساءُ؛ لأن للأكثر: حكمَ الكل.
* قوله: (وهذا الطواف هو المفروض في الحج)، إذ هو المأمور به
في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. الحج/٢٩.
- والركن في هذا الطواف: أربعةُ أشواط، وما زاد عليها: واجبٌ لتتمة
الركن، هو الصحيح؛ لأن الشوط الواحد مفروضٌ بالكتاب، والستة الباقية
احتمل أن النبي عليه الصلاة والسلام فَعَلَها بياناً للكتاب، واحتمل أنه
فَعَلَها ابتداءً، فجعلناه في النصف: بياناً للكتاب، وجعلنا النصفَ واجباً؛
عملاً بالاحتمالين. كذا في ((الوجيز)).
؛ قوله: (ويكره تأخيره عن هذه الأيام)، يعني أيام النحر؛ لأنه مؤقَّتٌ
بها، وأفضلُها أولها.
* قوله: (فإن أخَّرَه عنها: لزمه دمٌ عند أبي حنيفة).
قال في ((الينابيع)): إلا أن تكون امرأةً حائضاً أو نفساءَ: فتؤخِّر الطوافَ
حتى تمضيَ أيامُ النحر، ثم تطوف بعد ذلك، ولا يجب عليها شيء.
- وكذلك إن أخَّر الحلق، يعني إذا أخَّرَه عن أيام النحر: يلزمه دمٌ
أيضاً عند أبي حنيفة.

٣٧٥
كتاب الحج
* ثم يعودُ إلى منىًّ، فیقیمُ بها.
فإذا زالت الشمسُ من اليوم الثاني من أيام النحر: رمى الجِمَارَ
الثلاثَ، يبتدئُ بالتي تلي المسجدَ، ..
والأصلُ عند أبي حنيفة: أن الحلق يختص بزمانٍ، وهو أيام النحر،
وبمكانٍ، وهو الحرم، فإن فُقِد منهما شيء: لزمه دمٌ.
وعند أبي يوسف: لا يختص بهما.
وعند محمد: يختص بمكانٍ، وهو الحرم، ولا يختص بزمان.
وعند زفر: یختص بزمانٍ، ولا يختص بمکان.
وهذا الخلاف في حق التضمين بالدم، أما في حق التحلَّل: فلا
يتوقف، بالاتفاق، أي إنه يحصل به التحلل أينما كان.
[العودة بعد طواف الزيارة إلى منىَّ: ]
*قوله: (ثم يعود إلى منىَ، فيقيم بها).
يعني بعد طواف الزيارة، إذا فرغ منه يرجع من ساعته إلى منىً،
ويبيتُ بها، فإن بات بمكة: فقد أساء، ولا شيء عليه.
: قوله: (فإن زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر: رمى
الجمار الثلاث).
۔ ولو رماهنَّ قبل الزوال: لا يجوز.
: قوله: (يبتدئ بالتي تلي المسجدَ)، يعني مسجدَ الخَيْف.

٣٧٦
کتاب الحج
فَيَرْمِیها بسبعٍ حَصَیَاتٍ، یکېرُ مع كل حصاةٍ.
ويقفُ عندها، ويدعو .
ثم يرمي التي تليها مثلَ ذلك، ويقفُ عندها.
ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، ولا يقفُ عندها.
الخَيْف: ما انحدر من الجبل، وارتفع عن مسيل الماء. كذا في
((الصحاح)).
* قوله: (فيرميها بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة)، وذلك بعد أن
يصلي الظهر.
- قوله: يكبِّر مع كل حصاة: أي يقول: بسم الله، والله أكبر، ويرفع يديه
عقيب كل حصاة، ويدعو الله بحاجته، ويجعل باطن يديه نحو السماء، كما
في سائر الأدعية، ويَبلُغ بهما حَذْوَ مَنكبيه، وهذا قول أبي يوسف.
وفي ظاهر الرواية: يجعل باطنَ كفيه نحو الكعبة. ذكره الخُجندي في
باب صفة الصلاة.
* قوله: (ويقف عندها): أي عند الجمرة، (ويدعو)؛ لأنه رميٌ بعده
رميٌّ، فكان من سنَّه الوقوف بعده.
- ويستحب أن يرميَ هذه الجمرة، والثانيةَ ماشياً.
* قوله: (ثم يرمي التي تليها مثل ذلك، ويقفُ عندها)؛ لما تقدم.
: قوله: (ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، ولا يقف عندها)؛ لأنه رميٌ
ليس بعده رميٌ.

٣٧٧
کتاب الحج
فإذا كان من الغد : رمىُ الجِمَارَ الثلاثَ بعد زوال الشمس كذلك.
والأصل: أن کل رمي بعده رميٌّ: فإنه يقف بعده، وکل رمي لیس
بعده رميٌّ: فإنه لا يقف بعده؛ لأن العبادة قد انتهت.
* قوله: (فإذا كان من الغد: رمى الجمارَ الثلاث بعد الزوال كذلك).
أي يفعل كما فعل بالأمس، فيقف عند الأُوليَيْن، ولا يقف عند جمرة
العقبة.
[بيان أوقات الرمي : ]
أوقات الرمي أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده:
ففي الأول: وقتٌ مكروه: وهو ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
ومسنونٌ: وهو ما بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
ومباحٌ: وهو ما بعد الزوال إلى الغروب.
وما بعد ذلك إلى طلوع الفجر: مكروهٌ.
- وفي اليوم الثاني، والثالث: من طلوع الفجر إلى الزوال: لا يجوز.
وما بعده إلى الغروب: مسنونٌ.
ومِن بعد الغروب إلى طلوع الفجر: مكروهٌ.
فإن رمى بالليل قبل طلوع الفجر: جاز، ولا شيء عليه.
- وأما اليوم الرابع: فعند أبي حنيفة: من طلوع الفجر إلى الغروب، إلا
أن ما قبل الزوال: مكروهٌ، وما بعده: مسنونٌ.

٣٧٨
کتاب الحج
فإذا أراد أن يتعجَّلَ النَّفْرَ: نَفَر إلى مكة.
وإن أراد أن يقيم : رمى الجمار الثلاثَ في يوم الرابع بعد زوال
الشمس.
وعندهما: وقته: ما بعد الزوال، ولا يجوز قبله؛ قياساً على اليوم
الثاني والثالث.
وأبو حنيفة قاسه على اليوم الأول.
- فإذا غربت الشمس يومَ الرابع: لا يجوز أن يرميَ بالليل؛ لأنه قد
مضى وقت الرمي، فسقط فعلُه، ويجب عليه دمٌ للسقوط. ذكره
الخُجندي.
* قوله: (فإذا أراد أن يتعجل النفرَ: نَفَرَ إلى مكة، وإن أراد أن يقيم:
رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس).
النَّفْرُ: بسكون الفاء: وهو الرجوع.
فاليوم الأول: يسمى يوم النحر، والثاني: يوم القَرِّ: بالقاف؛ لأن
الناس يَقِرُّون فيه، واليوم الثالث: النفر الأول.
- وإنما يجوز النفر فيه قبل طلوع الفجر من يوم الرابع، أما إذا طلع
الفجر: تعیَّن علیه الرمي.
ويوم الرابع: يسمى يوم النفر الثاني.
ويوم الرابع: هو يوم الثالث عشر، فمتى طلع الفجر فيه وهو بمنىًّ:
لزمه الوقوف للرمي؛ لدخول وقت الرمي.

٣٧٩
كتاب الحج
فإن قدَّم الرميَ في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر : جاز عند
أبي حنيفة .
- والأفضل أن يقيم بمنىَّ؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف حتى
رمى الجمار في اليوم الرابع))(١).
- وأما قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. البقرة/ ٢٠٣،
وهما اليوم الثاني والثالث من أيام النحر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخََّ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أي تأخر إلى اليوم الرابع.
* قوله: (فإن قدَّم الرميَ في هذا اليوم): يعني يومَ الرابع (قبل الزوال
بعد طلوع الفجر: جاز عند أبي حنيفة)، وهو استحسانٌ؛ لأنه لما ظهر أثر
التخفيف في هذا اليوم في حق الترك: فلأن يظهر في جوازه في الأوقات
کلها أولى.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز الرمي فيه إلا بعد الزوال.
- ويكره أن يبيت ليالي منىً إلا بمنىّ، ((وكان عمر رضي الله عنه
يؤدِّب علىْ تَرْك المُقام بها))(٢). كذا في ((الهداية)) (٣).
(١) سنن أبي داود (١٩٦٧)، قال المنذري في مختصر السنن ٤١٦/٢: حديثٌ
حسنٌ، كما في نصب الراية ٨٤/٣.
(٢) قال في نصب الراية ٨٧/٣: غريب.
(٣) ١/ ١٥٠ بتصرف يسير.

٣٨٠
كتاب الحج
ويكره أن يقدِّم الإنسانُ ثَقَلَه إلى مكة.
ویقیمُ بها حتى يرمي.
فإذا نَفَرَ إلى مكة : نزل بالمُحَصَّب.
فإن بات في غيرها متعمداً: لا يلزمه شيء عندنا؛ لأنه وجب ليسهل
عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من أفعال الحج، فتَرْكه لا يوجب الجبر.
كذا في ((النهاية)).
* قوله: (ويكره أن يقدِّم الإنسانُ ثَقَلَه إلى مكة، ويقيمُ حتى يرمي).
تَقَله: بفتح الثاء والقاف، وهو: متاعه وخَدَمه، وقد روي ((أن عمر
رضي الله عنه كان يمنع من ذلك، ویؤدِّب عليه))(١).
ولأنه يوجب شُغْل قلبه، فيمنعه من إتمام سُنَّة الرمي.
- وكذا يكره للإنسان أن يجعل شيئاً من حوائجه خلفَه ويصلي، مثل
الثَّعل، وشِبْهه؛ لأنه يُشغِل قلبَه، فلا يتفرغ للعبادة على وجهها؛ لأن قلبه
حیثُ رَحْله ومتاعه.
* قوله: (فإذا نفر إلى مكة نزل بالمُحَصَّب)، وهو الأَبْطح، يعني إذا
فرغ من رمي الجمار، ومضى إلى مكة: أتى وادي الأبطح، ووقف فيه
ساعةً على راحلته يدعو.
(١) قال في نصب الراية ٨٨/٣: غريب، وقال: روى ابن أبي شيبة في مصنَّفه
(١٥٦٢٧) قال عمر رضي الله عنه: من قدَّم ثقله من منی لیلة نفر: فلا حج له.