النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب الصوم والنفلُ كلُّه يجوز بنيّةٍ قبل الزوال. وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلالَ في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأَوْه : صاموا. وإن غُمَّ عليهم : أكملوا عِدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يوماً، ثم صاموا. - وجزاء الصيد، وفدية الحلق، وصوم المتعة والقران: ملحَقةٌ بالكفارات. * قوله: (والنفلُ كلّه): يعني مستحبه، ومكروهه: (يجوز بنيةٍ قبل الزوال): أي قبل نصف النهار. * قوله: (وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلالَ في اليوم التاسع والعشرين من شعبان): أي یجب. وكذا ينبغي أن يلتمسوا هلالَ شعبان أيضاً في حق إتمام العدة. قوله: (فإن رأوه: صاموا، وإن غُمَّ عليهم: أكملوا عدةَ شعبان ثلاثين يوماً، ثم صاموا)؛ لأن الأصل بقاء الشهر، فلا يُنتقل عنه إلا بدلیل، ولم یوجد. - ولا يُصام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن صام يوم الشك: فقد عصى أبا القاسم))(١). فإن صامه بنية رمضان: فلا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز. (١) سنن الترمذي (٦٨٦)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٢٣٣٤). ٢٦٢ كتاب الصوم - وإن صامه بنية واجبٍ آخر، من نذرٍ أو كفارة أو قضاء رمضان: فكذلك أيضاً لا يجوز. ولا يسقط الوجوب عن ذمته؛ لجواز أن یکون من رمضان، فلا يكون قضاء بالشك. - وأما صومه بنية التطوع: إن كان عادته أن يتطوع، كما إذا كان من عادته أن يصوم الاثنين والخميس، فوافق ذلك اليوم يومَ الشك: فلا بأس أن يصومه بنية التطوع. وإن لم تكن عادته ذلك: یکره له أن يصومه. وذهب بعضهم إلى أنه لا بأس أن يصومه الخواصُّ، والمفتون، ويأمرون العوامَّ بالتلوُّم إلى نصف النهار، ثم بالإفطار، قالوا هذا هو المختار. وذهب محمد بن سلمة إلى أن الأفضل الإفطار؛ لما روي ((أن علياً كرَّم الله وجهه كان يضع كوزاً فيه ماء بين يديه يوم الشك، فإذا استفتاه مستفتٍ: شرب منه بين يدي المستفتي))(١). ويروى أن عائشة كانت تصومه تطوعاً. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يُصام اليوم الذي يُشك فيه إلا تطوعاً)(٢). (١) لم أقف عليه. (٢) مسند الإمام أبي حنيفة برواية الحصكفي ص١١٠ (مع تنسيق النظام)، بلفظ: «أن رسول الله صلی الله عليه وسلم نهى عن صيام اليوم الذي يشك فيه)). ٢٦٣ کتاب الصوم ومَن رأى هلالَ رمضان وحدَه: صام وإن لم يَقبَلِ الإمامُ شهادتَه. وإذا كان في السماء عِلَّةٌ: قَبِلَ الإمامُ شهادةَ الواحدِ العَدْلِ في رؤية الهلال، رجلاً كان أو امرأةً، حرَّاً كان أو عبداً. : قوله: (ومَن رأىُ هلالَ رمضان وحدَه: صام وإن لم يَقبل الإمامُ شهادتَه)؛ لأنه متعبَّدٌ بما عَلِمَه. - فإن أفطر: فعليه القضاء، دون الكفارة. وقال زفر: عليه الكفارةُ. - وهذا إذا ردَّ الإمامُ شهادتَه، أما إذا لم يشهد عند الإمام، وصام، ثم أفطر: فقد اختلفوا في وجوب الكفارة، والأَوْلى: أن لا تجب؛ لاحتمال الخطأ في رؤیته. ألا ترى أنه لو أكمل ثلاثين يوماً، ولم يرَ الهلالَ: لم يُقطر؛ لغلبة الخطأ، وأما القضاء: فيجب. - فإن أكمل هذا الرجل ثلاثين يوماً: لم يُقطر إلا مع الإمام؛ لجواز أن يكون اشتبه عليه، فرأى ما ليس بهلال، فظنَّه هلالاً. - فإن أفطر: فعليه القضاء، دون الكفارة؛ اعتباراً للحقيقة التي عنده، وأما القضاء: فللاحتياط. * قوله: (فإن كان بالسماء علَّةٌ): أي غُبارٌ أو سحابٌ: (قَبِلَ الإمامُ شهادةَ الواحدِ العدلِ في رؤية الهلال، رجلاً كان أو امرأةً، حراً كان أو عبداً). ٢٦٤ کتاب الصوم - وإطلاق هذا الكلام: يتناول المحدودَ في القذف إذا تاب، وهو ظاهرُ الرواية؛ لأنه خبرٌ. وعن أبي حنيفة: لا تقبل؛ لأنه شهادةً من وجه، بدليل أنه يُشترط حضوره إلى القاضي. - وفي ((الخُجندي)): شهادةُ المحدود في القذف تُقبل في هلال رمضان، ولا تُقبل في هلال الفطر والأضحى. - ولا يُشترط في هذه الشهادة لفظ الشهادة، ولا حكم الحاكم، بل العدالة، لا غير؛ لأنه أمرٌ دينيٌّ، فأشبه الأخبار، حتى لو شهد عند الحاكم، وسمع رجلٌ شهادته عند الحاكم، وظاهره العدالة: وجب على السامع أن يصوم؛ لأنه قد وجد الخبر الصحيح. - وهل يستفسره؟ قال أبو بكر الإسكاف: إنما يُقبل إذا فسَّر، بأن قال: رأيتُه خارج المصر في الصحراء، أو في البلد بين خَلَل السَّحاب، أما بدون التفسير: فلا يُقبل. كذا في ((الذخيرة)). وفي ظاهر الرواية: يُقبل بدون هذا. - ولو تفرَّد واحدٌ برؤية الهلال في قريةٍ ليس لها قاضٍ، ولم يأت مصراً لیشهد، وهو ثقةً: فإن الناس يصومون بقوله. - ولو رآه الإمامُ وحدَه، أو القاضي: فهو بالخيار: بين أن ينصب مَن يشهد عنده، وبين أن يأمر الناس بالصوم. ٢٦٥ کتاب الصوم فإن لم يكن في السماء عِلَّةٌ: لم تُقْبَلِ الشهادةُ حتى يراه جَمْعٌ كثيرٌ، يقعُ العلمُ بخبرهم. - بخلاف ما إذا رأى الإمامُ وحدَه، أو القاضي وحدَه هلال شوال: فإنه لا يخرج إلى المصلى، ولا يأمر الناس بالخروج، ولا يُقطر، لا سرَّاً ولا جهراً. وقال بعضهم: إن تيقَّن: أفطر سراً. - وكذا غير القاضي إذا رأى هلال شوال: فهو على هذا، فإن أفطر: كان عليه القضاء، دون الكفارة. - وإذا ثبت أن شهادة الواحد مقبولة في هلال رمضان مع الغيم، وصاموا بشهادته ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلالَ: هل يفطرون؟ فعندهما: لا يفطرون، ويصومون يوماً آخر. وقال محمد: يفطرون. وقال ابن سماعة: قلت لمحمد: فقد إذاً أفطروا بشهادة واحد؟ قال: إني لا أتهم المسلمَ. - ولو صاموا بشهادة شاهدين: أفطروا عند إكمال العدة، بالإجماع. * قوله: (وإن لم يكن بالسماء عِلَّةٌ: لم تُقبل الشهادةُ حتى يراه جمعٌ كثيرٌ يقع العلمُ بخبرهم). لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة: يوهِم الغلطَ، بخلاف ما إذا كان غيمٌ؛ لأنه قد ينشقُّ الغيم عن موضع الهلال، فيتفق للواحد النظر. ٢٦٦ كتاب الصوم ووقتُ الصوم : من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. والصومُ هو : الإمساكُ عن الأكلِ، والشربِ، والجِماع نهاراً، . - وقوله: جمعٌ كثير: قال في ظاهر الرواية: لم يُقدَّر فيه تقديرٌ. وعن أبي يوسف: خمسون رجلاً، مثل القسامة. وقيل: أكثرُ أهلِ المَحِلَّةِ. وقيل: في كل مسجدٍ واحد أو اثنان. والصحيح: أنه مفوَّضٌ إلى رأي الإمام. - وسواء في ذلك هلال رمضان، أو شوال، أو ذي الحجة. * قوله: (ووقتُ الصوم: من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأُشْرَبُواْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ ﴾. البقرة/ ١٨٧. * قوله: (والصوم هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهاراً). هذا هو حدُّ الصوم. - فإن قلتَ: هذا الحدُّ ينتقض طرداً، وعكساً: أما طرداً: ففي أكل الناسي وجِماعه: فإن صومه باقٍ، والإمساك فائتٌ. وأما عكساً: فهو في الحائض والنفساء، فإن الإمساك موجودٌ، والصوم فائتٌ. ٢٦٧ كتاب الصوم مع النية. فإن أكل الصائمُ، أو شربَ، أو جامَعَ ناسياً: لم يُقْطِر، ولا قضاءَ عليه، ولا كفارة. قلنا: لا نسلم بأن الإمساك معدومٌ في الناسي، فإن الإمساك الشرعي موجودٌ في أكل الناسي؛ لأن الشارع أضاف الفعلَ إلى الله، حيث قال: ((فإن الله أطعمه وسقاه))(١)، فيكون الفعل معدوماً من العبد، وهو الأكل، فلا ينعدم الإمساك. وأما الجواب في الحائض: فقد قالوا: ينبغي أن يُزاد في الحد، بأن يقال: بإذن الشرع. * قوله: (مع النية)؛ لأن الصوم في حقيقة اللغة هو: الإمساك، إلا أنه زِيد عليه: النية في الشرع؛ لتتميز بها العبادة من العادة، قال عليه الصلاة والسلام ((الأعمال بالنيات))(٢). * قوله: (فإن أكل الصائم، أو شرب، أو جامع ناسياً: لم يُقطر، ولا قضاءَ عليه، ولا كفارةَ). والقياس أن يفطر: وهو قول مالك(٣)، لأنه قد وُجد ما يضاد الصوم، فصار كالكلام ناسياً في الصلاة. (١) صحيح البخاري (١٩٣٣)، صحيح مسلم (١١٥٥). (٢) صحيح البخاري (١، ٦٦٨٩)، صحيح مسلم (١٩٠٧). (٣) جواهر الإكليل ١٥٠/١. ٢٦٨ كتاب الصوم ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام للذي أكل وشرب ناسياً: ((تِمَّ على صومَك، فإنما أطعمك الله وسقاك))(١). بخلاف الكلام ناسياً في الصلاة؛ لأن هيئة الصلاة مذكّرةٌ، فلا يُعتبر النسيان فيها، ولا مذكّر في الصوم. - وقيَّد بقوله: فإن أكل الصائم: إذ لو أكل قبل أن ينويَ الصوم ناسياً، ثم نوئ الصوم: لم یجزه. - وقيّد بقوله: ناسياً: إذ لو أكل مُكرَها، أو جومعت المرأة مكرَهةً، أو و نائمةً، أو صُبَّ الماءَ في حلق النائم: فسد صومه. خلافاً لزفر في المكرَه، وللشافعي(٢) رحمه الله فيهما. - قال في ((الهداية))(٣): وإن أكل مخطئاً أو مكرهاً: فعليه القضاء عندنا. فالمخطئء هو: أن يكون ذاكراً للصوم، غيرَ قاصدٍ للشرب، كما إذا تمضمض وهو ذاكرٌ للصوم، فسَبَقَ الماءُ إلى حلقه. - وإن أكل ناسياً، فذكَّره إنسانٌ، فقال له: إنك صائمٌ، أو هذا رمضان، فلم يتذكر، ثم تذكر بعد ذلك: فسد صومه عند أبي يوسف؛ لأن النسيان ارتفع حین ذُكِّر. (١) تقدم قريباً ص ٢٦٧. (٢) كنز الراغبين (شرح الجلال المحلي) ٥٨/٢. (٣) ١٢٢/١. ٢٦٩ کتاب الصوم وعند زفر والحسن بن زیاد: لا يفسد صومه؛ لأن نسیانه على حاله ما لم یتذکر. - وإن رأى صائماً يأكل ناسياً: هل يسعه أن لا يذكّره؟ إن رأى فيه قوةً يُمكنه أن يُتَمَّ الصيام إلى الليل: ذكّره، وإلا: فلا. والمختار أنه يذكره. كذا في ((الواقعات)). - وإن سبق الذبابُ إلى حلقه: لم يفسد صومه. - وإن تثاءب، فرفع رأسه، فوقع في حلقه قطرة من المطر: فسد صومه. - وإن دخل حلقَه غبارُ الطاحونة، أو غبارُ الهَدَسِ(١)، وأشباهُه، أو الدخانُ، أو ما سطع من غبار التراب بالريح، أو بحوافر الدواب: لم يفسد صومه؛ لأن هذا لا یمکن الاحترازُ منه. - ولو رمى إلى صائم بحَبَّة عِنَبٍ، أو غيرِها، فوقعتْ في حلقه: أفطر. كذا في ((إيضاح)) الصيرفي. - وقوله: أو جامع ناسياً: لم يفطر: فإن ذَكَرَ، فنزع من ساعته: لم يفطر. - وكذا لو جامع قبل الفجر، فلما طلع الفجر: نزع من ساعته. - ولو جامع ناسياً، فتذكر، فبقيَ ولم ينزع: فعليه القضاء، دون الكفارة. (١) الهَدَس: محركة: هو شجر الآس، في لغة أهل اليمن قاطبة. تاج العروس ٢٧/١٧ (هدس). ٢٧٠ كتاب الصوم فإن ظنَّ ذلك يُقْسِدُ صومَه، فأكل بعد ذلك متعمِّداً: فعليه القضاء، ولا كفارةً علیه. وإن نام فاحتلم، - ولو خشي المجامع طلوعَ الفجر، فنزع، فأمنى بعد الفجر: لم يفطر. - وفي «الخُجندي)»: إذا جامع ناسياً، فتذكر، فنزع من ساعته، أو طلع الفجر وهو مخالطٌ، فنزع: قال محمد فيهما: لا يفطر. وقال زفر فيهما: يفطر. وقال أبو يوسف في الناسي: لا يفطر، وفي الآخر: يفطر. والفرق لأبي يوسف: أن آخر الفعل يُعتبر بأوله، وفي الفجر: أوله عمدٌ: فيفسد صومُه، وفي النسيان: أوله مع النسيان: فلا يفسد. ومحمدٌ يقول: هذا يسيرٌ لا يمكن الاحتراز عنه، فُيُستثنى، كانتزاع الناسي بعد ما تذكر. - (فإن ظن ذلك يُفسد صومه فأكل بعد ذلك متعمداً: فعليه القضاء، ولا كفارةَ عليه). * قوله: (فإن نام، فاحتلم: لم يُقطر)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: و ((ثلاثٌ لا يُفطِّن الصائم: القيء، والحجامةُ، والاحتلام))(١). (١) سنن الترمذي (٧١٩)، سنن أبي داود (٢٣٧٦) وفي سنده كلام، ينظر التعريف والإخبار ١١٨/٢، وضعَّفه ابن الملقن في البدر المنير ٤٥٦/١٤. ٢٧١ كتاب الصوم أو نَظَرَ إلى امرأةٍ فأنزل، أو ادَّهن، أو احتجم، أو اكتحل، أو قَبَّل: لم يُفْطِر. وإن أنزل بقُبلةٍ، أو لَمْسٍ : فعليه القضاء، ولا كفارةَ عليه. ولأنه لم توجد صورة الجماع، ولا معناه، وهو الإنزالُ عن شهوةٍ بالمباشرة. * قوله (أو نَظَرَ إلى امرأة فأنزل: لم يُفطر)، سواءٌ نظر إلى الوجه، أو إلى الفرج، أو إلى غيرهما؛ لما بيَّنَّا أنه لم يوجد منه صورة الجماع، ولا معناه، فصار کالمتفكّر إذا أمنى. - ولو أصبح في رمضان جنباً: فصومه تامٌّ. * قوله: (أو ادَّهن: لم يُقطر)، سواء وَجَدَ طعمَ الدهن في حلقه أوْ لا. * قوله: (أو احتجم، أو اكتحل)، سواء وَجَدَ طعمَ الكحل، أوْ لا: فإنه لا يُفطر. * قوله: (أو قبَّل: لم يُفطر)، يعني إذا لم يُنزل؛ لعدم المنافي صورةً ومعنىً، ويعني بالمعنى: الإنزال. * قوله: (فإن أنزل بقُبلة، أو لَمْسٍ: فعليه القضاء، دون الكفارة)؛ لوجود معنى الجماع، وهو الإنزال عن شهوة بالمباشرة. وأما الكفارة: فتفتقر إلى كمال الجناية؛ لأنها عقوبةٌ، فلا يُعاقب بها إلا بعد بلوغ الجناية نهايتها، ولم تبلغ نهايتها؛ لأن نهايتها: الجماع في الفرج. - وإن لَمَسَ من وراء حائل: إن وَجَدَ حرارةَ البدن، وأنزل: أفطر. وإن لم يجد حرارةَ البدن: لا يُقطر وإن أنزل إذا كان الحائل صفيقاً. ٢٧٢ كتاب الصوم ولا بأس بالقُبلة إذا أَمِنَ على نفسه، ويكره إن لم يأمَن. - وعلى هذا حرمة المصاهرة. - ولو قبَّلت الصائمةُ زوجَها، فأنزلت: أفطرت. - وكذا إذا أنزل هو. - وإن أمذى، أو أمذت: لا يفسد الصوم. - وإن عمل امرأتان بالسَّحْقَ: إن أنزلتا: أفطرتا، وعليهما الغُسل، وإلا : فلا. - وإن عالج ذَكرَه بید امرأته، فأنزل: أفطر. - وإن نظر إلى فرج امرأته، فأنزل: لم يُفطر ما لم يمسها. - وإن استمنى بكفه: أفطر إذا أنزل. - وإن أتى بهيمةً، فأنزل: أفطر، وإن لم يُنزل: لم يفطر. - وإن مسَّ فرجَ بهيمة، فأنزل: لا يفطر. كذا في ((الذخيرة)). * قوله: (ولا بأس بالقُبلة إذا أَمِنَ على نفسه): أي من الجماع، أو الإنزال. * قوله: (ويكره إن لم يأمَن). وعن سعيد بن جبير رحمه الله: أن القبلة تُفسد الصومَ وإن لم يُنزل، قاسه على حرمة المصاهرة. ٢٧٣ كتاب الصوم وإن ذَرَعه القيءَ: لم يُفطِر. ولنا: قول عائشة رضي الله عنها: «کان رسول الله صلی الله عليه وسلم يُقُبِّلُ وهو صائم))(١). وعن أنس قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القُبْلة للصائم، فقال: كريحانة أحدكم يَشمُّها))(٢). - وأما القبلة الفاحشة: فتكره على الإطلاق، بأن يمضغ شفتيها. - والجماع فيما دون الفرج: كالقبلة. وقيل: إن المباشرة تكره وإن أَمِنَ، على الصحيح، وهو أن يمس فرجُه فرجها. * قوله: (وإن ذَرَعَه القيءُ: لم يُقطر): أي سَبَقَه بغير صُنْعه، سواء كان مِلْءَ الفم، أو أكثر، بالإجماع. - ثم إذا عاد إلى جوفه، أو شيء منه بعد ما خرج بنفسه: فأبو يوسف يعتبر ملء الفم، ومحمدٌ يعتبر الصنع. - ثم مِلء الفم: له حكم الخارج، وما دونه: ليس بخارج؛ لأنه يمكن ضبطه. (١) صحيح مسلم (١١٠٧). (٢) لم أقف على هذا اللفظ، لكن تُنظر أحاديث تقبيل الصائم في التعريف والإخبار ١٢٥/٢، نصب الراية ٢٥٣/٤. ٢٧٤ کتاب الصوم وفائدته تظهر في أربع مسائل: - إحداها: إذا كان أقلّ من ملء الفم، وعاد، أو شيء منه: لم يُقطر، إجماعاً، أما عند أبي يوسف: فلأنه ليس بخارجٍ؛ لأنه أقل من ملء الفم، وعند محمد: لا صُنْعَ له في الإدخال. - والثانية: إن كان ملءَ الفم، وأعاده، أو شيئاً منه: أفطر، إجماعاً، أما عند أبي يوسف: فلأن ملءَ الفم يُعدُّ خارجاً، وما كان خارجاً إذا أدخله جوفه: أفطر، ومحمد يقول: قد وُجد منه الصُّنْع. - والثالثة: إذا كان أقلّ من ملء الفم، وأعاده، أو شيئاً منه: أفطر عند محمد؛ لوجود الصنع، وهو الإدخال، وعند أبي يوسف: لا يفطر؛ لعدم الملء. - والرابعة: إذا كان ملء الفم، وعاد بنفسه، أو شيء منه: أفطر عند أبي يوسف؛ لوجود الملء. وعند محمد: لا يفطر؛ لعدم الصنع، وهو الصحيح؛ لأنه لم توجد صورة الفطر، وهو الابتلاع بصُنعه، ولا معناه؛ لأنه لا يُتَغذّى به، ولأنه كما لا يمكن الاحتراز عن خروجه: فكذا لا يمكن الاحتراز عن عوده، فجعل عفواً. قال فخر الإسلام: قول محمد أصح فيما إذا قاء ملء الفم، ثم عاد بنفسه: أن صومه لا يفسد، وقول أبي يوسف أصح فيما إذا كان أقل من ملء الفم، ثم أعاده: أنه لا يفسد. ٢٧٥ كتاب الصوم وإن استقاء عامداً مِلءَ فِيه : فعليه القضاء. و ومَن ابتلع الحصاةَ، أو الحديدَ، أو النواةَ : أفطر، وقضىُ. - وإن ذرعه القيء أقلّ من ملء الفم، ثم عاد بنفسه: لا يفطر، إجماعاً، فعند محمد؛ لعدم الصنع، وعند أبي يوسف؛ لعدم الملء. وإن أعاده: لم يفطر عند أبي يوسف، ويفطر عند محمد. * قوله: (وإن استقاء عامداً مِلْءَ فِيه: أفطر، وعليه القضاء، ولا كفارة عليه). وإن كان أقلّ: لم يُقطر عند أبي يوسف؛ لأنه يُعدُّ داخلاً، ولهذا لا ينقض الوضوء، وعند محمد: يُقطر؛ لوجود الصُّنْع. فإن عاد: لا يُقطر عند أبي يوسف؛ لعدم سَبْق الخروج، ولا يتأتّى قول محمد ها هنا؛ لأنه قد أفطر بخروجه. : قوله: (ولا كفارةَ عليه)؛ لعدم صورة الفطر. - وإن استقاء عامداً أقلّ من ملءٍ فِيه: أفطر عند محمد، وقال أبو يوسف: لا يُقطر؛ لعدم الخروج حكماً. * قوله: (ومَن ابتلع الحصا، أو الحديد: أفطر، وقضىُ، ولا كفارةً عليه). ذَكَرَه بلفظ الابتلاع؛ لأن المضغ لا یتأتی فیه. وإنما أفطر؛ لوجود صورة الفطر. ولا كفارةً عليه؛ لعدم المعنى، وهو قضاء شهوة البطن. ٢٧٦ كتاب الصوم وقال مالك(١): عليه الكفارة؛ لأنه مفطرٌ غير معذور، فكانت جنايته ها هنا أظهر، إذ لا غرض له في هذا الفعل سوى الجناية على الصوم، بخلاف ما يُتغذَّئ به. قلنا: عدم دعاء الطّبْع إليه: يغني عن إيجاب الكفارة فيه زاجراً. - كما لا يجب الحد في شرب الدم، والبول، بخلاف الخمر. - ولو ابتلع نواةً يابسةً، أو قشر الجوز: لا كفارة عليه. - وإن ابتلع جوزةً يابسةً: لا كفارة عليه أيضاً، إلا أن يمضغها حتى يصل إلىُ لُبِّها: فحينئذ تجب الكفارة. - وإن أكل قشرَ البطيخ اليابس: لا كفارة عليه. وإن كان رطبا طرياً: فقد قيل: فيه الكفارة. - وإن أكل ورق الشجر: إن كان مما يؤكل: ففيه الكفارة، وإلا: فلا. - وإن ابتلع حبةَ عنبٍ من غير مضغ: إن لم يكن معها تُفْروقُها(٢). فعليه الكفارة. وإن كان معها: اختلفوا فيه: قال بعضهم: لا تجب؛ لأنها لا تؤكل معها هكذا، وقال بعضهم: تجب. (١) الشرح الصغير ٢٤٥/١. (٢) الثُّفروق: كعصفور: قِمَع التمرة، والمراد هنا أصل حبة العنب من العنقود. ينظر تاج العروس ١٢١/٢٥ (ثفرق). ٢٧٧ كتاب الصوم ومَن جامع عامداً في أحد السبيلين، أو أَكَل أو شَرِب ما يُتُغذّى به، أو يُتداوى به : فعليه القضاء، والكفارةُ، وينبغي أن يقال: إن وصل تُفْروقُها إلى الجوف أوَّلاً: فلا كفارة، وإن وصل اللُّبُّ أوَّلاً: وجبت الكفارة. - وإن ابتلع حبةَ حنطةٍ: فعليه الكفارة، وإن مضغها: فلا كفارة. كذا في ((الفتاوى)). * قوله: (ومَن جامع عامداً في أحد السبيلين، أو أكل، أو شرب ما يُتَغْذَّى به، أو يُتداوى به: فعليه القضاءَ، والكفارةُ)؛ لأن الجناية متكاملةٌ؛ لقضاء الشهوة. ولا يشترط الإنزالُ؛ اعتباراً بالاغتسال؛ لأن قضاء الشهوة يتحقق دونه، وإنما هو شِبَعٌ، والشِّبَعُ لا يُشترط، كمن أكل لقمةً، أو تمرةً: تجب الکفارة وإن لم يوجد الشبع، کذلك هذا. - وإن جامع ميتةً، أو بھیمةً: فلا کفارة، أنزل أو لم ينزل. - وإن أَكرهتِ المرأةُ زوجَها على الجماع، بحيث لا يستطيع دفعَها عن ذلك، فجامعها مكرهاً: ذكر في ((فتاوى سمرقند)): أن عليه، وعليها الكفارة؛ لأن الجماع منه لا يُتصوّر إلا بعد الانتشار واللذة، وذلك دليل الاختيار، وعنده يزول الإكراه. والأصح: أنه لا تجب عليه الكفارة؛ لأنه مكرَهُ، والانتشار مما لا ٢٧٨ كتاب الصوم یملكه، وعلیه الفتوى. - وإن أكرهها هو على الجماع: فلا كفارة عليها، إجماعاً؛ لأن الكفارة تجب بالجناية الكاملة، وهذه ليست بجناية؛ لأن الإكراه يرفع المأثم، والكفارة تجب لرفع المَأَثَم، ولا إثمَ ها هنا. - وهذا كله إذا ابتدأ الجماع وقد نوى الصوم ليلاً، أما إذا طلع الفجر قبل أن ينويَ، ثم نوى بعد ذلك، وجامع: لم تلزمه الكفارة عند أبي حنيفة. وهو المراد بما ذكره صاحبُ ((المنظومة))(١): إذا نوى الصومَ من النهار لا یجب التكفيرُ بالإفطار لأن الناس اختلفوا في صحة الصوم بنيةٍ من النهار، والاختلافُ يورث شُبهةً، والكفارةُ تَسقط بالشبهة. - ولو جامع امرأتَه مكرَهةً، لا كفارةَ عليها، فإن طاوعته في وَسَطْ الجماع، لا كفارةَ أيضاً؛ لأنها طاوعته بعد ما صارت مفطرة. - ولو طاوعت زوجَها، أو غيرَه في رمضان، ثم حاضت في ذلك اليوم: سقطت الكفارةُ، على الأصح. - وكذا إذا مرضت. وقال زفر: لا تسقط عنها. (١) المنظومة في الخلاف، لنجم الدين النسفي ص ٦٥. ٢٧٩ كتاب الصوم - وكذا إذا جامع الرجل امرأته، ثم مرض في ذلك اليوم: سقطت عنه الكفارة. - وإن سافر: لا تسقط ؛ لأن السفر باختياره. - وإن جرح نفسَه، فمرض منه، حتى صار لا يقدر على الصوم: لا تسقط عنه. - قوله: ما يُتغذَّى به: اختلفوا في معنى التغذي: قال بعضهم: هو أن يَميل الطبعُ إلى أكله، وتنقضي به شهوة البطن. وقال بعضهم: هو ما يعود نفعُه إلى صلاح البدن. وفائدته: فيما إذا مضغ لقمةً، ثم أخرجها، ثم ابتلعها: فعلى القول الثاني: تجب الكفارة، وعلى الأول: لا تجب. - وعلى هذا: الورق الحبشي، والحشيشة، والقطاط إذا أكله: فعلى القول الثاني: لا تجب الكفارة؛ لأنه لا نفع فيه للبدن، وربما يضره، ويُنقص عقله، وعلى القول الأول: تجب؛ لأن الطبع يميل إليه، وتنقضي به شهوةُ البطن. - ولو أكل قوائم الذّرَة الذي يسمونه: المضَّار: قال الزَّنْدَوِيستيُّ: أرى أن عليه الكفارةَ؛ لأن فيه حلاوةً، ويُلتَذُّ به. كذا قال الصيرفي في ((إيضاحه)). ٢٨٠ کتاب الصوم - وإن أكل الطينَ: فعليه القضاء، دون الكفارة، إلا إذا أكل الطينَ الأرمنيَّ: فعليه الكفارة. كذا في ((العيون)). - وإن أكل الملحَ: إن كان قليلاً: وجبت الكفارة، وإن كان كثيراً: فلا كفارة. - وإن أكل لحم الميتة: إن كان قد صار فيه الدودُ وأنتن: فلا كفارة، وإن لم يدوِّد، ولم يُنتن: ففيه الكفارة؛ لأنه إنما حُرِّمت، وكرهت لأجل الشرع، لا لأجل الطبع، فصارت كأكل الطعام المغصوب، والمثرود بمرقة نجسة. - وإن شرب دماً: فلا كفارة. - وإن أكل لحماً نيئاً: فلا كفارة. - وإن خَرَجَ من بین أسنانه دمٌ، فابتلعه: إن کان الدم غالباً على الريق، أو كانا سواء: أفطر، ولا كفارةَ عليه، وإن كانت الغلبة للريق: لا يفطر. - وإن أكل لحماً بين أسنانه: إن كان قليلاً: لا يُقطر، وإن كان كثيراً: أفطر، ولا كفارةً علیه. وقال زفر: يُقطر في الوجهين؛ لأن للفم حكمَ الظاهر، حتى لا يفسد صومه بالمضمضة. ولنا: أن القليل: بمنزلة ريقه. - وأما إذا أخرجه بيده، ثم ابتلعه: أفطر، إجماعاً.