النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب زكاة الذهب
وقال محمد وزفر: عليه أن يؤديَ الفضل.
ــ وأجمعوا على أنه إذا أدى من الذهب، أو من غيره مما سوى
الفضة: فعليه قيمة الواجب بالغاً ما بلغ، وهي سبعةٌ ونصف.
- وكذا الحكم في النذر إذا أوجب على نفسه صدقةَ قفيزٍ حنطة جيدة،
فأدى قفيزاً رديئاً: خرج عن نذره عندهما.
وقال محمد وزفر: عليه الفضل.
- فلو أوجب قفيزاً رديئاً، فأدى نصفَ قفيزٍ جيدٍ تبلغ قيمته قيمة قفيز
رديء: لا يجوز إلا عن النصف، عند الثلاثة.
وقال زفر: لا شيء عليه غيره.
- ولو أوجب شاتين، فتصدق بشاةٍ سمينة، تبلغ قيمتها قيمة شاتين:
جاز؛ لأنه لا يؤدي إلى الربا.
- وكذا في الزكاة إذا وجب عليه شاتان وسطاً، فأدى شاة سمينة تبلغ
قيمتها قيمة شاتين وسطين: أجزأه.
- وكذا إذا كان الواجب بنتَ مخاض، فأدى بعضَ بنتِ لبون: أجزأه.

باب زكاة العروض
الزكاةُ واجبةٌ في عروض التجارة، كائنةً ما كانت، إذا بلغت قيمتها
نصاباً من الوَرِق أو الذهب.
يُقَوِّمُها بما هو أنفعُ للفقراء والمساكينِ منهما.
باب زكاة العروض
أخَّرِه عن النقدين؛ لأنه يُقوَّم بهما.
والعروض: ما سوى النقدين.
* قال رحمه الله: (الزكاةُ واجبةٌ في عروض التجارة، كائنةً ما كانت
إذا بلغت قيمتُها نصاباً من الوَرِق أو الذهب).
أي سواء كانت من جنس ما تجب فيه الزكاة، كالسوائم، أو من
غیره، کالثیاب والحمیر.
* قوله: (يُقوِّمها بما هو أنفعُ للفقراء والمساكين منهما).
تفسير الأنفع: أن يُقوِّمها بما يبلغ نصاباً عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف: بما اشتراه: إن كان الثمن من النقود، وإن اشتراه
بغير النقود: قوَّمها بالنقد الغالب.

٢٠٣
باب زکاة العروض
وعند محمد: بالنقد الغالب على كل حال، سواء اشتراها بأحد
النقدین، أو بغيره.
- والخلاف فيما إذا كانت تبلغ بكلا النقدين نصاباً، أما إذا بلغت
بأحدهما: قوَّمها بالبالغ، إجماعاً.
بيانه: أنه إذا قوَّمها بالدراهم: تبلغ مائتين وأربعين درهماً، وإن قوَّمها
بالدنانير: تبلغ ثلاثةً وعشرين ديناراً:
فإنه يقوِّمها بالدراهم عند أبي حنيفة؛ لأنه يجب عليه ستة دراهم، ولو
قوَّمها بالدنانير: يجب نصف مثقال، وهو لا يساوي ستة دراهم؛ لأن قيمة
المثقال عندهم: عشرة دراهم.
- فإن كان لو قوَّمها بالدنانير: تبلغ أربعةً وعشرين، ولو قوَّمها بالدراهم:
تبلغ مائتين وستة وثلاثين: فإنه يقوِّمها بالدنانير؛ لأنه أنفع للفقراء.
- ثم المعتبر في القيمة عند أبي حنيفة: يومَ الحول، ولا يُلتفت بعد
ذلك إلى زيادة القيمة ونقصانها.
وعندهما: يومَ الأداء إلى الفقراء.
كما إذا كان معه مائتا قفيزِ حنطةٍ، حال عليها الحول، وهي تساوي
مائتين، فلم يؤدِّ زكاتها حتى نقصت قيمتُها، فصارت تساوي مائة: فإن
أدى من الطعام: أدى ربعَ عشره: خمسة أقفزة، إجماعاً.

٢٠٤
باب زكاة العروض
وإذا كان النصابُ كاملاً في طَرَفَي الحول : فنقصانُه فيما بين ذلك لا
يُسقِطُ الزكاةَ.
وإن أدى من القيمة: أدى خمسة دراهم عند أبي حنيفة، وعندهما:
درهمين ونصفاً.
- وإن كان هذا الطعام زاد بعد الحول في السعر، حتى صار يساوي
أربعمائة: فإن أدى من عينه: أدى ربع عشره، إجماعاً.
وإن أدى من القيمة: أدى خمسةَ دراهم عنده، وعندهما: عشرة دراهم.
- وهذا إذا كانت الزيادة والنقصان من حيث السعر، أما إذا كانت من
حيث الذات، بواسطة الجفاف، أو البَلَل، أو أَكَل السُّوس بعضَه، فنقص،
كما إذا ابتلَّت الحنطة بعد الحول، حتى صارت قيمتُها مائة، وقد كانت
قيمتها يومَ الحول مائتين، أو أَكَلَ السوسُ بعضَها، حتى صارت تساوي
مائة: فإن أدى من عينها: فخمسةُ أقفزة، وإن أدى من قيمتها: فدرهمان
ونصفٌ، إجماعاً.
- وإن كان التغيير إلى زيادة، بأن كانت يومَ الحول مبتلَّةً، وقيمتها
مائتان، فيبست، حتى صارت تساوي أربعمائة: فإن أدى من العين: فخمسة
أقفزة، وإن أدى من القيمة: فخمسة دراهم، إجماعاً؛ لأن المستفاد بعد
الحول: لا يُضمّ، ونقصان النصاب: يَسقط قدرُه من الزكاة.
* قوله: (وإذا كان النصاب كاملاً في طرفي الحول: فنقصانُه فيما بين
ذلك لا يُسقط الزكاة)؛ لأنه يشقُّ اعتبار الكمال في أثنائه.

٢٠٥
باب زکاة العروض
وتُضَمُّ قيمةُ العروض إلى الذهب والفضة.
وكذلك يُضَمُّ الذهبُ إلى الفضة بالقيمة؛ حتى يَتِمَّ النصابُ عند أبي
حنيفة.
أما في أموال التجارة: فظاهرٌ؛ لأن التاجر دائماً يتصرف في المال،
وتصرُّفه قد یکون رابحاً، وقد لا يكون بازدياد السعر وغلائه.
وأما في السوائم: فإنها لا تخلو عن موتٍ وولادة، وربما يَغيب بعضُها.
أما في ابتداء الحول وانتهائه: فلا بدَّ من كمال النصاب، أما في ابتدائه:
فللانعقاد، وأما في انتهائه: فللوجوب.
- وقيَّد بالنقصان: احترازاً عما إذا هلك كلّ النصاب: فإنه ينقطع
الحولُ به، بالاتفاق.
وقال زفر: لا تلزمه الزكاة، إلا أن يكون النصاب كاملاً من أول الحول
إلى آخره.
- قوله: فنقصانُه فيما بين ذلك: لا يُسقط الزكاة: معناه انتقص وبقيَ
البعض، أما إذا هلك كلّه، واستفاد نصاباً آخر: انقطع حكم النصاب الأول.
- ولو مات الرجلُ في وسط الحول: انقطع حكم الحول، ولم يَبْنِ
الوارث على ذلك الحول.
* قوله: (وتُضمُّ قيمة العروض إلى الذهب والفضة).
- وكذا يُضمُّ بعضها إلى بعض وإن اختلف أجناسها.
* قوله: (وكذلك يُضمُّ الذهب إلى الفضة بالقيمة حتى يَتَمَّ النصابُ
عند أبي حنيفة).

٢٠٦
باب زکاة العروض
وقالا : لا يُضَمُّ الذهبُ إلى الفضة بالقيمة، ويُضَمُّ بالأجزاء.
كما إذا كان معه مائة درهم، وخمسة مثاقيل قيمتها مائة درهم: فعليه
الزكاة عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يُضمُّ الذهب إلى الفضة
بالقيمة، ويُضمُّ بالأجزاء).
كما إذا كان معه عشرة دنانير، قيمتها خمسون درهماً، ومعه أيضاً
مائة درهم: وجبت عليه الزكاة عندهما؛ لكمال النصاب بالأجزاء، وكذا
عنده أيضاً؛ احتياطاً لجهة الفقراء.

٢٠٧
باب زكاة الزروع والثمار
باب زكاة الزروع والثمار
قال أبو حنيفة رحمه الله : في قليل ما أخرَجَتْه الأرضُ وكثيرِهِ :
العُشْرُ، سواء سُقِيَ سَيْحاً،
باب زكاة الزروع والثمار
المراد بالزكاة ها هنا: العُشْر، وتسميتُه زكاة: خرجت على قولهما؛
لأنهما يشترطان النصابَ، والبقاءَ، فكان نوعَ زكاةٍ.
وكذا عند أبي حنيفة؛ لمَّا كان مصرفُه مصرفَ الزكاة: سمي زكاة.
* قال رحمه الله: (قال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرِه:
العُشْرُ).
حدُّ القليل: الصاع، وما دونه: لا شيء فيه.
وقيل: حدُّه: نصف صاع.
- والمراد بالأرض هنا: العُشرية، وفيه إشارةٌ إلى أنه لا يُلتفت إلى
المالك، سواء كان بالغاً، أو صبياً، أو مجنوناً، أو عبداً، أو كانت الأرض
وقفاً على الرِّباطات، أو المساجد، أو المدارس.
* قوله: (سواء سُقِيَ سَيْحاً): السَّيْح: الماء الجاري.

٢٠٨
باب زکاة الزروع والثمار
أو سَقَتْه السماءَ، إلا الحطبَ، والقصبَ، والحشيشَ.
قوله: (أو سقَتْه السماءَ): يعني المطر، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا
و
السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾. الأنعام/ ٦.
وقال الشاعر(١):
إذا وقع السماءُ بأرضٍ قومٍ رعيناها وإن كانوا غِضَاباً
* قوله: (إلا الحطبَ، والقَصَبَ، والحشيشَ)؛ لأن هذه الأشياء لا
تُستنبت عادةً، بل تبقى على الأرض.
- وكذا السَّعَف: لا شيء فيه؛ لأنه من أغصان الشجر، والشجرُ لا
عُشرَ فیه.
- وكذا التِّبْن: لا شيءَ فيه أيضاً؛ لأنه ساق الحبوب، كالشجر للثمار،
ولأن المقصود غيرُهما، وهو الثمر والحب، وأما إذا قُصد بالشجر:
الاستغلال، كشجر السَّرْح: فإنه يجب فيه العشر.
- وأما القصب: فهو ثلاثة أنواع: قصب السكر، وقصب الذَّرِيرة،
والقصب الفارسي:
فقصب السكر، وقصب الذريرة: فيهما العُشر، والذريرة: هو قصب
السنبل.
(١) المشهور جرير بن عطية الكلبي من تميم، أشعر أهل عصره، ت١١٠هـ.
الأعلام ١١٩/٢، وقد طبع دیوانه في جزءین.

٢٠٩
باب زكاة الزروع والثمار
وقالا : لا يجب العشرُ إلا فيما له ثمرةٌ باقيةٌ،
- وأما القصب الفارسي: فلا شيء فيه؛ لأنه لا يُستنبت.
- وهذا إذا كان في أطراف الأرض، أما إذا اتخذ أرضَه مَقْصَبةً، أو
مشجرةً، أو مَنبتاً للحشيش، أو ساق إليه الماءَ، ومَنَعَ الناس منه: يجب فيه
العُشر.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العُشر إلا فيما له ثمرةٌ
باقيةٌ).
أي تبقىُ عينُهُ حولاً من غير تكلَّف، ولا تشميسٍ، مما يُقتات، كالحنطة
والشعير والذرة والدُّخن والأرز والجَاوَرْس(١) والعدس والماش واللوبيا،
وهي الدُّخن، والحمص والبرعي والهندباء والتمر والزبيب، وما أشبه ذلك
مما يُقصد به الأكل، وهو يبقى سنةً، أو يُنتفع به انتفاعاً عاماً، كالزعفران
والعُصفر والفلفل والكمَّون والخَرْدل والكُزْبرة: ففيه العشر.
- وفي السمسم: العُشر، فإن عُصر قبل أن يؤخذ منه العشر: أُخذ من
دُهنه، ولم يؤخذ من الشجيرة شيء.
۔ و کذا الزیتون على هذا.
- ويجب العُشر في الجوز واللوز والبصل والثوم، في الصحيح.
- ولا عُشرَ في الأدوية، كالسعتر والشونيز والحَلف والحَلبة.
(١) حبٌّ يُشبه الذَّرة، وهو أصغر منه. المصباح المنير (جرس).

٢١٠
باب زكاة الزروع والثمار
إذا بلغت خمسةً أَوْسُقٍ .
والوَسْقُ: ستون صاعاً بصاع النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقيل: يجب في الشونيز العُشر، وهو حبَّة السوداء.
- ولا شيء في الخِطمي والوَسِمة (١) وبزره، ولا في الأُشنان، ولا فيما
يَخرج من الخشب، كالقطران والسلب والقت والصمغ.
- ولا شيء في بزر الباذنجان والجزر، ولا في بزر القثاء والبطيخ
والدُّبَّاء والخيار؛ لأن هذه الأشياء لا تصلح إلا للزراعة، دون الأكل.
: قوله: (إذا بلغ خمسةَ أوسق، والوَسْق: ستون صاعاً بصاع النبي
صلى الله عليه وسلم).
قال في ((الصحاح)): الوٍسق: بكسر الواو(٢)، والوَسْق: مائتان وأربعون
مَنَّاً، وهو عبارة عن حِمْل جَمَل، وجملة الأوساق الخمسة: ثلاثمائة صاع.
قال الصيرفي رحمه الله: الصاع: أربعة أزيد بزُبْدِي زَبِيد السَّنقري،
فيكون الوسق: أربعة وعشرين منَّاً، فالخمسة الأوسق على هذا: أربعة
أمداد الأربع.
وعلى تخريج أن الصاع خمسةُ أرطال وثلث: مُدَّان ونصف
بالسنقري؛ لأن نسبة خمسة أرطال وثلث من ثمانية أرطال: ثلثاها، فخُذْ
ثلثي أربعة أمداد الأربع: تجده مُدَّيْن ونصفاً.
(١) بكسر السين: نبتٌ يُختضب بورقه. المصباح المنير(وسم).
(٢) وفي تاج العروس ٤٧١/٢٦: المشهور بالفتح، وفي لغة: بالكسر.

٢١١
باب زكاة الزروع والثمار
وليس في الخَضْروات عندهما عُشْرٌ.
وما سُقِيَ بغَرْبٍ، أو داليةٍ، أو سانيةٍ : ففيه نصفُ العشر
قوله: (وليس في الخَضراوات عندهما عُشرٌ).
فإن كانت للتجارة: تجب فيها زكاةُ التجارة، بالاتفاق إذا بلغت قيمتها
مائتي درهم.
والخضراوات: ما ليس له ثمرةٌ باقيةٌ، كالبُقُول، والرِّطاب.
فالبُقُول: كالكرَّاث والبقل والسلق، ونحو ذلك.
والرِّطاب: كالقِثّاء والبطيخ والباذنجان والسفرجل والرمان والتفاح،
وأشباه ذلك.
- وأما البصل: فروى محمد أن فيه العشر؛ لأنه يبقى في أيدي الناس،
ويُنتفع به انتفاعاً عاماً، ويدخل تحت الكيل.
- والعنب إن كان يجيء منه الزبيب مقدار خمسة أوسق: ففيه العشر،
وذلك بأن يُخرَص جافاً، فإن بلغ مقدار ذلك: وَجَبَ فيه العشر، أو نصفُه
إن كان يُسقى بغَرْبٍ أو دالية.
وإن لم يبلغ ذلك: فلا شيء فیه.
وعن محمد: إذا كان العنب رقيقاً لا يصلح إلا للماء، ولا يجيء منه
الزبيب: لا شيء فیه وإن کثُر.
* قوله: (وما سُقي بغَرْبٍ، أو داليةٍ، أو سانيةٍ: ففيه نصفُ العشر).

٢١٢
باب زكاة الزروع والثمار
في القولين.
الدالية: الدولاب.
والسانية: البعير الذي يُستقى به الماء.
* قوله: (على القولين) أي على اختلاف القولين: عند أبي حنيفة: لا
يشترط النصاب والبقاء، وعندهما: يشترط.
- ولو سُقي الزرع في بعض السنة سَيْحاً، وفي بعضها بالغَرْب:
فالمعتبر الأغلبُ من ذلك، كما في السوائم إذا علفها صاحبُها في الحول.
· واختلفوا في وقت وجوب العُشر في الثمار والزرع:
فقال أبو حنيفة وزفر: يجب عند ظهور الثمرة، والأمنِ عليها من
الفساد وإن لم يستحقَّ الحصاد، إذا بلغت حدًّاً يُنتفع بها.
وقال أبو يوسف: عند استحقاق الحصاد.
وقال محمد: إذا حُصدت، وصارت في الجَرِين.
وفائدته: فيما إذا أكل منه شيئاً بعد ما صار حباً جَرِيشاً، أو أطعم غيرَه
منه بالمعروف: فإنه يَضمن عُشر ما أكل وأطعم عند أبي حنيفة وزفر.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن، ويُحتسب به في تكميل
الأوسق، ولا يُحتسب به في الوجوب، يعني إذا بلغ المأكول مع الباقي
خمسة أوسق: وجب العشر في الباقي، لا غير.
- وإن أكل منها بعد ما بلغت الحصادَ قبل أن تُحصد: ضمن عند أبي
حنيفة وأبي یوسف وزفر، ولم یضمن عند محمد.

٢١٣
باب زكاة الزروع والثمار
وقال أبو يوسف: فيما لا يوسَق، كالزعفران، والقطن : يجب فيه
العُشرُ إذا بلغت قيمته قيمةَ خمسةِ أوسقٍ من أدنى ما يدخل تحت الوَسْق.
وقال محمد : يجب العشرُ إذا بلغ الخارجُ خمسةَ أمثالٍ من أعلىُ ما
يُقدَّر به نوعُه، فاعتبر في القطن : خمسةَ أحمال،
- وإن أكل منها بعد ما صارت في الجَرِين: ضمن، إجماعاً.
- وما تلف بغير صُنْعه بعد حصاده، أو سُرُق: فلا عُشر في الذاهب،
بالإجماع، ويُحسب علیه في تمام الأوسق عندهما إن کان بعد الوجوب، حتى
إن الباقي لو كان مع الذاهب خمسة أوسق: يجب العشر في الباقي، لا غير.
وعن أبي يوسف: لا يُعتبر الذاهب، ويُعتبر في الباقي خمسة أوسق،
فإن أخذ من مُتْلِفه ضمانَه: أدَّى عُشره وعُشر ما بقي.
* قوله: (وقال أبو يوسف: فيما لا يوسَق): أي لا يكال، (كالزعفران
والقطن: يجب فيه العُشر إذا بلغت قيمتُه قيمةَ خمسة أوسقٍ من أدنى ما
يدخل تحت الوَسْق).
قال صاحب ((الهداية))(١): كالذّرة في زماننا.
ونحن نقول: كالحِمِّص والدُّخْن في بلادنا(٢).
* قوله: (وقال محمد: يجب العشرُ إذا بلغ الخارج خمسةَ أمثالٍ من
أعلىُ ما يُقدَّر به نوعه، فاعتبر في القُطن خمسةَ أحمال)، كلّ حمل:
ثلاثمائة مَنٌّ.
(١) ١١٠/١.
(٢) أي بلاد اليمن.

٢١٤
باب زكاة الزروع والثمار
وفي الزعفران : خمسةَ أمناء.
وفي العسل : العُشْرُ إذا أُخِذَ من أرض العُشْرِ، قَلَّ أو كَثُر.
(وفي الزعفران: خمسة أمنان)، والمَنُّ: ستةٌ وعشرون أوقية، والأوقية:
سبعة مثاقيل، وهي عشرة دراهم.
* قوله: (وفي العسل: العُشرُ، قلَّ أو كثُر إذا أُخذ من أرض العُشر).
لما ((روي أن بني شَبَابَة - بفتح الشين - قومٌ من خَثْعم بالطائف، كانت
لهم نَحْلٌ، وكانوا يؤدون من عَسَلِها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
من كل عَشر قُرَب: قُربةً، وكان يحمي لهم واديهم.
فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه استعمل عليهم سفيان بن عبد الله
الثقفي، فأَبَوْا أن يعطوه شيئاً من العسل، فكتب إلى عمر رضي الله عنه
بذلك، فكتب إليه عمر: إن النحل ذُبابُ غَيْث يسوقه الله تعالى إلى مَن
یشاء، فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاحْمٍ لهم واديهم، وإلا: فخَلَّ بينهم وبين الناس، فدفعوا إليه حينئذ العُشر
منه))(١). كذا في ((النهاية)).
والمعنى فيه: أن النحل يأكل من أنوار الشجر، ومن ثمارها، كما قال
الله تعالى: ﴿مُّكُلِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾. النحل /٦٩.
(١) سنن أبي داود (١٦٠٠)، وفي الحديث كلام، ينظر نصب الراية ٣٩٢/٢،
التعريف والإخبار ٥٧/٢.

٢١٥
باب زكاة الزروع والثمار
وقال أبو يوسف : لا شيءَ فيه حتى يبلُغَ عشرةَ أزقاق.
وقال محمد : خمسةَ أفراق.
والفَرَقُ : سنةٌ وثلاثون رِطْلاً بالعِرَاقيِّ.
- والعسل متولِّد من الثمار، وفي الثمار إذا كانت في الأرض العشرية:
العشرُ، فكذا ما يتولَّد منها.
- وأما إذا كانت الأرض خراجيةً: لم يجب فيها شيء؛ لأن ثمارها لم
يجب فيها عشرٌ.
ــ وبهذا فارق دودَ القَزِّ: فإنه يأكل الورقَ، دون الثمار، وليس في
الأوراق شيء، فكذا ما يتولد منها، والذي يتولد من دود القز: هو
الإبریسم، ولا عُشر فيه؛ لما ذكرنا.
- ثم عند أبي حنيفة يجب العُشر في العسل، قلَّ أو كثُر؛ لأنه يجري
مجرى الثمار، والعُشر عنده يجب في قليل الثمار وكثيرها؛ لأنه لا يُعتبر
فيها النصاب.
* قوله: (وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغ عشرة أزقاق)، كل
زِقٍّ: خمسون منَّاً، ومجموعه: خمسمائة مَنٌّ.
* قوله: (وقال محمد: خمسة أفراق، والفَرَق: ستةٌ وثلاثون رطلاً
بالعراقي).
الفَرَق: بفتحتين: إناءٌ يأخذ ستة عشر رِطلاً. كذا في ((المستصفى))،
والمحدِّثون يُسكِّنون الراء.

٢١٦
باب زكاة الزروع والثمار
وليس في الخارجِ من أرضِ الخَرَاجِ عُشْرٌ.
- وإنما اعتبره بخمسة أفراق: على أصله في اعتبار خمسة أمثالٍ أعلى
ما يُقدَّر به نوعه.
* قوله: (وليس في الخارج من أرض الخراج: عُشرٌ).
يحتمل أن يرجع إلى ما يَخرج منها من العسل، ويحتمل من الحبوب
والثمار، والله أعلم.

٢١٧
باب من یجوز دفع الصدقة إلیه، ومَن لا يجوز
باب مَن يَجوز دَفْعُ الزكاة إلیه ومَن لا يجوز
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا
وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِ الْرِقَابٍ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً
مِنَ اللَّهِ وَاَللّهُ عَلِيةٌ حَكِيدٌ
٦٠
باب من يجوز دفع الصدقة إلیه، ومَن لا يجوز
لما ذَكَرَ الزكاةَ على تعدادها، وكانت لا بدَّ لها من المصارف: أورد
بابَ المصرف.
* قال رحمه الله: (قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَاُلْمَسَكِينِ
وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴾ الآية). التوبة/ ٦٠.
اللام في هذا الباب: لبيان جهة المستحِقِّ، لا للتشريك والقسمة.
و
بل كل صنفٌ مما ذكرهم الله يجوز للإنسان دفعُ صدقته كلها إليه،
دون بقية الأصناف.
ويجوز إلى واحدٍ من الصنف؛ لأن كل صنفٍ منهم لا يُحصىُ،

٢١٨
باب من يجوز دفع الصدقة إلیه، ومَن لا يجوز
والإضافة إلى مَن لا يُحصىُ: لا تكون للتمليك، وإنما هو لبيان الجهة فيه،
فيتناول الجنسَ، وهو الواحد.
ألا ترى أن مَن حلف: لا يشرب ماءَ دِجْلة، فشرب منه جرعةً واحدةً:
حنث؛ لأنه لا يقدر على شربه کله.
فعلم أن هذه الأصناف الثمانية بجملتهم للزكاة، مثل الكعبة: للصلاة،
وكل صنف منهم: مثل جزء من الكعبة، واستقبال جزء من الكعبة كاف.
- قوله تعالى: إنما: هو لإثبات المذكور، ونفيُ ما عداه، وهي حَصْرٌ
الجنس الصدقات على هذه الأصناف المعدودة، وأنها مختصة بهم،
منحصرةٌ عليهم، كأنه قال: إنما هي لهم، وليست لغيرهم.
- قوله: الآيةُ: بالرفع، والنصب:
فالرفع: على تقدير: الآيةُ بتمامها، والنصب على تقدير: أتمّ الآية.
- وعَدَلَ عن اللام إلى: في: في الأربعة الأخيرة؛ ليؤذِن بأنهم أرسخ
في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لأن: في: للوِعاء(١).
وتكرير: في: في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ﴾: يُؤذِن
بترجيح هذين على الرِّقاب والغارمين.
(١) ينظر روح المعاني ١٢٤/١٠، وقد نقل هذا النص عن الزمخشري في
تفسيره (آية ٦٠ التوبة) ٢٨٣/٢، وقيل غير هذا المعنى في: في، وفي: اللام.

٢١٩
باب من يجوز دفع الصدقة إلیه، ومن لا يجوز
فهذه ثمانيةُ أصنافٍ.
وقد سَقَطَ منها : المؤلّفةُ قلوبُهم؛ لأن الله تعالى أعزَّ الإسلامَ، وأغنىُ
عنهم.
* قوله: (فهذه ثمانيةُ أصناف، وقد سقط منها المؤلّفة؛ لأن الله تعالى
أعزَّ الإسلامَ، وأغنى عنهم).
وهم ثلاثة أصناف:
١- صنفٌ كان يؤلَّفُهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ ليُسلِموا، ويُسلمَ
قومُهم بإسلامهم.
٢- وصنفٌ منهم أسلموا، ولكن على ضعف، فيريد تقريرَهم عليه.
٣- وصنفٌ يعطيهم لدفع شرهم، مثل عباس بن مِرْداس السلمي،
وعيينة بن حصن الفَزاري، وصفوان بن أمية القرشي، والأقرع بن حابس
التميمي، وأبي سفيان بن حرب الأموي.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم خوفاً منهم؛ لأن
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يخافون إلا الله تعالى، وإنما يعطيهم
خشیةً أن یکبّهم الله على وجوههم في نار جهنم.
- فإن قيل: كيف جاز أن تُصرف إليهم وهم كفار؟
قيل: لأن الجهاد فرض على فقراء المسلمين وأغنيائهم، فكان الدفع
إليهم من مال الفقراء قائماً مقام جهادهم في ذلك الوقت، فكأنه دفعه
إليهم، ثم سقط هذا السهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٢٢٠
باب من يجوز دفع الصدقة إلیه، ومَن لا يجوز
والفقيرُ: مَن له أدنىُ شيءٍ.
والمسكينُ : مَن لا شيء له.
((فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت المؤلّفة إلى أبي بكر
رضي الله عنه، وطلبوا منه أن يكتب لهم بعادتهم: فكتب لهم، فذهبوا
بالكتاب إلى عمر رضي الله عنه ليأخذوا خطَّه على الصحيفة: فمزَّقها،
وقال: لا حاجة لنا بكم، فقد أعزَّ الله الإسلام، وأغنى عنكم، إما أسلمتم:
وإلا: فالسيف بيننا وبينكم.
فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له: أنتَ الخليفة، أم هو؟
فقال: هو إن شاء الله، وأمضى ما فعله عمر رضي الله عنه))(١).
- قوله: وقد سقط منها المؤلّفة: لأن الإجماع انعقد على ذلك.
* قوله: (والفقير: مَن له أدنىُ شيءٍ، والمسكينُ: مَن لا شيء له).
قال في ((الينابيع)): الفقير هو: الذي لا يَسأل الناسَ، ولا يطوف على
الأبواب، والمسكينُ هو: الذي يسأل الناسَ، ويطوف على الأبواب.
- فإن قيل: البداية بالفقراء: دليلٌ على أنهم أحوج.
قلنا: إنما بدأ بهم؛ لأنهم لا يسألون، فالاهتمام بهم مقدَّمٌ علىُ مَن
يسأل.
- وهذا الخلاف لا تَظهر له فائدة في الزكاة؛ لأنه يجوز الدفع إلى
(١) سنن البيهقي ٢٠/٧، وينظر التعريف والإخبار ٦٨/٢.