النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب زکاة الخیل قال في ((فتاوى قاضي خان))(١): والفتوى على قولهما، وبه قطع في ((الكنز))(٢) أيضاً. وقال السرخسي(٣): قول أبي حنيفة أَوْلىُ. قال في ((النهاية)): وأجمعوا على أن الإمام لا يأخذ صدقة الخيل من صاحبها جبراً؛ لأن زكاتها لا تجب في عينها، بخلاف زكاة السائمة، فإنها جزء من عينها، وللإمام فيه حقُّ الأخذ. ولأن الخيل مَطمَعٌ لكل طامع، فلو وَلِيَ السعاة أخذ الزكاة فيها: لم یتر کوها لصاحبها. - وكان القياس عند أبي يوسف ومحمد: أن تجب الزكاة فيها؛ لأنها مأكولةٌ عندهما، وإنما تركا القياس لقوله عليه الصلاة والسلام: ((عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق، إلا أن في الرقيق صدقة الفطر))(٤). وقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس على المسلم في فرسه وعبده صدقة))(٥) . (١) ٢٤٩/١. (٢) ص ٢٠٨. (٣) المبسوط ١٨٨/٢. (٤) سنن الترمذي (٦٢٠)، ونقل تصحيحه، وينظر التعريف والإخبار ٣٥/٢. (٥) صحيح البخاري (١٤٦٣)، صحيح مسلم (٩٨٢). ١٨٢ باب زکاة الخیل ولا شيء في البغال والحمير، إلا أن تكون للتجارة. وليس في الفُصْلانِ، والحُمْلانِ، والعَجَاجيلِ صدقةٌ عند أبي حنيفة ومحمد، إلا أن یکون معها کبارٌ. إلا أن أبا حنيفة يَحملُ ما روياه على فرس الركوب، بدليل قوله: ((والرقيق، إلا أن في الرقيق صدقة الفطر))، والفطرة إنما تجب في عبد الخدمة. * قوله: (ولا شيء في البِغال والحمير، إلا أن تكون للتجارة). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس في الكَسْعة شيءٌ)(١). وهي الحمير، والبغال ملحقةٌ بها. - وقوله: إلا أن تكون للتجارة؛ لأن الزكاة حينئذ تتعلق بالمالية، كسائر أموال التجارة. * قوله: (وليس في الفُصْلان، والعجاجيل، والحُمْلان صدقةٌ عند أبي حنيفة ومحمد، إلا أن يكون فيها كبارٌ). الفُصْلان: جمع: فَصِيل، وهو أولاد الإبل. والحُمْلان: بضم الحاء، وكسرها: جمع: الحَمَل، وهم أولاد الغنم. والعجاجيل: أولاد البقر. (١) سنن البيهقي ١٩٩/٤، وفيه كلام، ينظر التعريف والإخبار ٣٥/٢، نصب الراية ٣٥٧/٢. ١٨٣ باب زکاة الخیل وقال أبو يوسف : تجب فيها واحدةٌ منها. - فإن قيل: ليست هذه المسألة من جنس الخيل، فلمَ أوردها فيها؟ قيل: لأن زكاة الخيل مختلفٌ فيها، والزكاة في هذه الأشياء مختلفٌ فيها أيضاً، فأوردها فيها. * قوله: (وقال أبو يوسف: فيها واحدةٌ منها). وقال زفر: فيها ما في الكبار، وبه قال مالك(١). وكان أبو حنيفة أوَّلاً يقول: يجب فيها ما يجب في الكبار، وبه أخذ زفر ومالك، ثم رجع، فقال: تجب فيها واحدةٌ منها، وبه أخذ أبو يوسف، والشافعي(٢)، ثم رجع، وقال: لا يجب فيها شيء، وبه أخذ محمدٌ. - وأما إذا كان فيها واحدةٌ من المُسنَّات: جُعل الكل تبعاً لها في انعقادها نصاباً، دون تأدية الزكاة، حتى لا يجزيه أَخْذُ واحدة من الصغار. وصورة المسألة: إذا اشترى خمسةً وعشرين فصيلاً، أو أربعين حَمَلاً، أو ثلاثين عِجْلاً، أو وُهب له ذلك: هل ينعقد عليها الحول؟ فعند أبي حنيفة ومحمد: لا، وعند أبي يوسف: ينعقد، حتى لو حال الحول من حین ملکه: تجب الزكاة. - وصورةٌ أخرى: إذا كان له نصابٌ سائمةٌ، فحال عليها ستة أشهر، (١) جواهر الإكليل ١١٨/١. (٢) شرح الجلال المحلي على الكنز ١٠/٢، مغني المحتاج ٣٧٥/١ -٣٧٦. ١٨٤ باب زکاة الخیل ومَن وجب عليه سِنٌّ، فلم توجد عنده: أَخَذَ المُصَدِّقُ أعلى منها، وردّ الفضلَ، أو أخذ دونَها، وأخذ الفضلَ. فتوالدت مثل عددها، ثم هلكت الأصول، وبقيت الأولاد: هل يبقى حول الأصول على الأولاد؟ فعندهما: لا، وقال: أبو يوسف: یبقی. : قوله: (ومَن وجب عليه سِنٌّ، فلم يوجد معه: أخذ المصدِّق أعلى منها، وردَّ الفضلَ، أو أخذ دونَها، وأَخَذَ الفضلَ). ظاهر هذا: أن الخيار إلى المصدِّق، وهو قول الإسبيجابي. والصواب: أن الخيار إلى صاحب المال. قال الصيرفي: الصحيح أن الخيار إلى المصدِّق: إذا كان فيه دفع زيادة؛ لأنه في مقدار الزيادة: شراء. وإلى صاحب المال: إذا أراد أن يدفع الأدنى والزيادة؛ لأنه دفعٌ بالقيمة، وفي دفع القيمة الخيارُ إلى صاحب المال، بالإجماع. - فإن وجب بنت لبون، وأراد أن يدفع بعض حِقّة: فالخيار إلى المصدِّق؛ لما في التشقيص من الضرر. - والتفاوت بين بنت المخاض وبنت اللبون: شاتان، أو عشرون درهماً. وبين بنت اللبون والحقَّة: كذلك. وبين الحِقَّة والجذعة: كذلك. ١٨٥ باب زکاة الخیل ويجوز دَفْعُ القيمة في الزكاة. وليس في العوامِلِ، والحوامِلِ، والعَلوفةِ صدقةٌ. ولا يأخذ المُصَدِّقُ خيارَ المال، ولا رُذالتَه، ويأخذ الوَسَطَ منه. وبين بنت المخاض والحِقّة: أربعُ شياه، أو أربعون درهماً. وبين بنت المخاض والجَذَعة: ست شياه، أو ستون درهماً. * قوله: (ويجوز دفعُ القيمة في الزكاة). - وكذا في النذور، والكفارات، والعُشر، وصدقة الفطر. - ولا يجوز في الهدايا، والضحايا. وقال الشافعي(١): لا يجوز. * قوله: (وليس في العوامِل، والحوامِلِ، والعَلوفةِ: صدقةٌ). يعني بالعوامل: ولو أُسِيْمت، وبالعَلوفة: ولو لم يُعمل عليها؛ لأن السبب هو المال النامي، ودليلُه الإسامة، أو الإعدادُ للتجارة، ولم يوجد، ولأن في العَلوفة: تتراكم المؤنة، فينعدم النماء فيها معنىً. * قوله: (ولا يأخذ المصدِّقُ خيارَ المال، ولا رُذالتَه): أي: ولا رديئه. : قوله: (ويأخذ الوَسَط منه)؛ لأن فيه نظراً من الجانبين؛ لأن في أخذ خياره: إضراراً بأصحاب الأموال، وفي أخذ رُذالته: إضراراً بالفقراء، فيقسمه ثلاثة أقسام: جيدٌ، ورديء، ووسطٌ، ويأخذ من الوسط. (١) المجموع ٤٢٨/٥. ١٨٦ باب زکاة الخیل ومَن كان له نصابٌ، فاستفاد في أثناء الحول من جنسه: ضَمَّه إليه، وزگَّاه به. - ولا يأخذ الرَّبَّاء، وهي التي تُربِّي ولدَها، ولا الأكولةَ، وهي التي تُسمَّن للأكل، ولا الفحل، ولا الحامل. - ويُحسب عليه في سائمته العمياءُ والعجفاء والصغيرة، ولا يأخذ منها شيئاً؛ ((لقول عمر رضي الله عنه لساعيه: عُدَّ عليهم السَّخلة ولو أتاك بها الراعي على كفه، ولا تأخذها))(١). * قوله: (ومَن كان له نصابٌ، فاستفاد في أثناء الحول مالاً من جنسه: ضمَّه إلى ماله، وزگَّاه به). سواءً كان المستفاد من نمائه، أوْ لا، وبأي وجهِ استفاده: ضمَّه، سواء كان بميراثٍ، أو هبةٍ، أو غير ذلك. - وشُرِط كونه من جنسه: إذ لو كان من غير جنسه من كل وجه، كالغنم مع الإبل: فإنه لا يُضَمُّ. - ولو كان معه نصابٌ من السائمة حال عليها الحول، فزكّاها، ثم باعها بدراهم، ومعه نصابٌ من الدراهم قد مضى عليه نصف الحول: فعند أبي حنيفة لا يَضُمُّ إليه ثمن السائمة، بل يَستأنف له حولاً جديداً. وعندهما يضمُّه، ويزكيهما جميعاً. (١) الموطأ ٢٦٥/١، سنن البيهقي ١٠٠/٤، وينظر البدر المنير ١٣ /٥٤٧. ١٨٧ باب زكاة الخيل والسائمةُ هي : التي تكتفي بالرَّعي في أكثر حولها . فإن عَلَفها نصفَ الحول، أو أكثرَ : فلا زكاةَ فيها. - وهذا إذا كان ثمن السائمة يبلغ نصاباً بانفراده، أما إذا كان لا يبلغ نصاباً: ضمَّه، بالإجماع. - وأما ثمن الطعام المعشور، وثمن العبد الذي أدى صدقة فطره: فإنه يُضمُّ، إجماعاً. - ولو باع الماشية قبل الحول بدراهم، أو بماشيةٍ: ضَمَّ الثمن إلى جنسه، بالإجماع، أي يَضمُّ الدراهمَ إلى الدراهم، والماشيةَ إلى الماشية. - وإن جعل الماشية بعد ما زكَّاها عَلوفةً، ثم باعها: ضمَّ ثمنها، إجماعاً؛ لأنها خرجت عن حكم مال الزكاة، فلم تبق نصاباً. قوله: (والسائمة: هي التي تكتفي بالرَّعي في أكثر حولها). لأن أصحاب السوائم قد لا يجدون بُدَّاً من أن يعلفوا سوائمهم في بعض الأوقات، فجُعل الأقل تابعاً للأكثر. - ثم هذا الذي ذكره من الإسامة في حق إيجاب زكاة السوائم: إنما يصح أن لو كانت الإسامة للدَّرِّ والنسل، أما إذا كانت للتجارة(١)، أو للحمل والركوب: فلا تجب فيها الزكاة أصلاً. * قوله: (فإن عَلَفَها نصفَ الحول، أو أكثر: فلا زكاةَ عليه فيها). (١) أي لا تجب فيها زكاة السائمة. ١٨٨ باب زکاة الخیل والزكاةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب، دون العفو. وقال محمد : تجب فيهما. - فإن قيل: إذا علفها نصفَ الحول، وسامت نصفَه: استوى الوجوب وعدمُه، فينبغي أن يترجَّح جانب الوجوب؛ احتياطاً؛ لأنه عبادة، ومبناها على الاحتياط. قيل: إنما لا تثبت الزكاة؛ لأنه وقع الشك في ثبوت سبب الإيجاب، والترجيحُ إنما يكون بعد ثبوت السبب. * قوله: (والزكاةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف واجبةً في النصاب، دون العَفْو، وقال محمد وزفر: تتعلق بالنصاب والعفو). وفائدته: فيما إذا هلك العفو، وبقي النصاب: يبقى كل الوجوب عندهما، وقال محمد وزفر: يسقط بقدر الهالك. كما إذا كان له تسعٌ من الإبل، حال عليها الحولُ، ثم هلك منها أربعٌ: فعليه في الباقي شاةً عندهما، وقال محمد وزفر: عليه في الباقي خمسة أتساع شاة. - وكذا إذا كان معه ثمانون من الغنم، حال عليها الحول، فهلك منها أربعون: فعليه في الباقي شاةً عندهما، وعند محمد وزفر: نصف شاة. وإن هلك ستون: فنصف شاة، وعند محمد وزفر: ربع شاة. - ولهذا قال أبو حنيفة: يُصرف الهلاك بعد العفو إلى النصاب الأخير، ثم الذي يليه، إلى أن ينتهي؛ لأن الأصل هو النصاب الأول، وما زاد علیه: تابعٌ له. ١٨٩ باب زکاة الخیل وإذا هلك المالُ بعد وجوب الزكاة : سقطت. وقال أبو يوسف: يُصرف الهلاك إلى العفو أوَّلاً، ثم إلى النصاب شائعاً. بيانه: أربعون من الإبل، حال عليها الحول، فهلك منها عشرون: ففي الباقي أربع شياه عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: فيها عشرون جزءاً من ستة وثلاثين جزءاً من بنت لبون. وقال محمد وزفر: نصف بنت لبون. * قوله: (وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة: سقطت عنه). - قيَّد بالهلاك؛ لأن الاستهلاك لا يُسقطها؛ لأن الزكاة تجب عليه بعد الحول، وهو يُمسكها على طريق الأمانة، فإذا استهلكها: ضمنها، کالودیعة. - ثم الهلاك إنما يُسقطها: إذا كان قبل مطالبة الساعي بها، أما إذا طلبها، ولم يسلِّمها إليه مع القدرة: فقد قال الكرخي: يجب عليه الضمان، وهو قول العراقيين؛ لأنها أمانةٌ طالَبَه بها مَن يَملك المطالبة، فصار كالمودع إذا طلب الوديعة، فلم يدفعها إليه مع الإمكان حتى هلكت. وقال أبو طاهر الدباس وأبو سهل: لا يضمن. قال في ((النهاية)): وهذا أقرب إلى الفقه؛ لأن وجوب الضمان يستدعي تفويتاً، ولم يوجد، فأما في مَنْع الوديعة: فقد بدَّل اليدَ، فصار مفوّتاً ليد المالك، فیضمن. ١٩٠ باب زکاة الخیل وإن قدَّم الزكاةَ على الحول، وهو مالكٌ للنصاب : جاز. وفي ((البدائع))(١): كافة مشايخ ما وراء النهر قالوا: لا يضمن ولو طلب الساعي؛ لأن المالك مخيَّرُ: إن شاء أعطاه العين أو قيمتها، فلم يلزمه تسليم العين، فصار كما قبل المطالبة. قال في ((النهاية)): والأصح عدم الضمان. * قوله: (فإن قدَّم الزكاة على الحول، وهو مالكٌ للنصاب: جاز)؛ لأنه أدی بعد سبب الوجوب. - قال في ((النهاية)): لكن بين الأداء معجَّلاً، وبين الأداء في آخر الحول فَرْقٌ، وهو أن المعجَّل: يُشترط فيه أن لا ينتقص النصاب في آخر الحول، وفي الأداء في آخر الحول: لا يُشترط. بيانه: إذا عجّل شاة عن أربعين، فحال عليها الحول، وعنده تسع وثلاثون: فلا زكاة عليه، حتى إنه إذا كان صَرَفها إلى الفقراء: وقعت تطوعاً. - وإن كانت قائمةً بعينها في يد الإمام، أو الساعي: استردها. - وأما إذا كان أداؤه في آخر الحول: وقعت عن الزكاة وإن انتقص النصاب بأدائه. - قال الخُجَندي: إنما يجوز التعجيل بشرائط ثلاث: - أحدها: أن يكون الحول منعقداً وقت التعجيل. (١) بدائع الصنائع ٢٢/٢. ١٩١ باب زكاة الخیل - والثاني: أن يكون النصاب الذي عجّل عنه كاملاً في آخر الحول. - والثالث: أن لا يفوّت أصله فیما بین ذلك. مثاله: إذا كان له أقل من مائتي درهم، أو أربعٌ من الإبل، فهذا مالٌ لا ينعقد عليه الحول، فإذا عجّل الزكاةَ، ثم كَمُل النصاب بعد التعجيل: لا يكون ما عجَّل زكاةً، ويكون تطوعاً. - وكذا إذا كان له مائتا درهم، فتصدَّق بخمسةٍ على فقير بنية الزكاة، وانتقص النصاب بمقدار ما عجّل، ولم يستفد شيئاً حتى حال الحول، والنصاب ناقصٌ: كان ما عجّل تطوعاً. - وإن استفاد شيئاً حتى كمل به النصاب قبل الحول، ثم حال الحول، والنصابُ كاملٌ: صح التعجيل عن الزكاة. - وأما إذا كان استفاد ما يكمل به النصاب بعد الحول، ثم حال الحول الثاني، ووجبت الزكاة: فما عجَّل لا ينوب عنها؛ لأن التعجيل حصل للحول الأول، ولم تجب عليه زكاة الحول الأول. - ويجوز التعجيل لنُصُبٍ كثيرةٍ إذا كان في ملكه نصابٌ واحد. وقال زفر: لا يجوز إلا عن النصاب الموجود في ملكه. حتى إنه إذا كان معه خمسٌ من الإبل، فعجَّل أربعَ شياه، ثم تمّ الحول، وفي ملكه عشرون من الإبل: فعندنا يجوز عن الكل، وعنده: لا يجوز إلا عن الخمس. ١٩٢ باب زکاة الخیل قال: لأن کل نصابٍ أصل بنفسه. ولنا: أن النصاب الأول هو الأصل في السببية، والزوائد عليه تابعةٌ له. - ولو عجّل أداء الزكاة إلى فقير، ثم أيسر قبل الحول، أو مات، أو ارتدَّ: جاز ما دفعه عن الزكاة؛ لأن الدفع صادف الفقر، فما يحدث بعده من الغنی والموت: لا يؤثر فيه. - ولو عجَّل شاةً عن خمسٍ من الإبل، فهلكت جميعُها وله أربعون من الغنم: لا تقع الشاة عنها. كذا في ((الينابيع)). - وأما تعجيل العُشر: إن كان قبل الزراعة: لا يجوز، وإن كان بعد الزراعة وبعد النبات: جاز. - فإن كان بعد الزراعة قبل النبات: جاز عند أبي يوسف. وعند محمد: لا يجوز، وهو الأظهر. - وإن عجَّل عُشرَ ثمر النخيل: إن كان بعد طلوعها: جاز، وإن كان قبله: لا يجوز. ١٩٣ باب زكاة الفضة باب زكاة الفضة ليس فيما دون مائتي درهمٍ صدقةٌ. فإِذا كانت مائتي درهم، وحالَ عليها الحولُ: ففيها خمسةُ دراهم. باب زكاة الفضة قدَّمها على الذهب؛ لأنها أكثر تداولاً فيما بين الناس، ألا ترى أن المهر، ونصاب السرقة، وقِيَم المتلفات تُقدَّر بها. ثم الفضة تتناول المضروبَ، وغيرَ المضروب، والوَرِقَ. والرِّقَةُ: تختص بالمضروب، وجمعُها: رُقوق: بضم الراء. * قال رحمه الله: (ليس في أقلّ من مائتي درهم صدقةٌ، فإذا كانت مائتي درهم): أي موزونةَ، زِنَّة كل درهم منها: أربعة عشر قيراطاً: (وحال عليها الحول: ففيها خمسة دراهم): وزن كل درهم: أربعة عشر قيراطاً. - تُبنى على هذا أحكام الزكوات، ونصاب السرقات، وتقدير الديات، والمهر، والخراج. سواء كانت الفضة مضروبةً، أو غير مضروبة، أو حُلِيَّاً، فيُجمع جميع ما في ملكه منها من الدراهم، والخواتيم، وحِلية السيف، واللِّجام، والسُّرُج، والكواكب في المصحف، والأواني، والمسامير المركبة في السكاكين، ١٩٤ باب زكاة الفضة والأسورة، والدماليج، والخلاخيل، وغير ذلك، فإن بلغت كلها وزن مائتي درهم: وجبت فيها خمسة دراهم، وإلا فلا. - ولا ينعقد عليها الحول حتى تبلغ مائتين، فإن كان وزنها دون المائتين، وقيمتها لجودتها وصياغتها تساوي مائتين: فلا شيء فيها. وأصل هذا: أن الأوزان كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفة، فمنها ما كان زِنة الدرهم: عشرين قيراطاً، وهو الذي يسمى: وزن عشرة، ومنها ما كان وزنه عشرة قراريط، وهو الذي يسمىُ: وزن خمسة، ومنها ما كان اثني عشر: قيراطاً، وهو الذي يسمى: وزن ستة. فكانوا يتصارفون بها إلى زمان عمر رضي الله عنه، فأراد أن يستوفي منهم الخراجَ، فطالبهم بالأكثر، فشقَّ عليهم، فالتمسوا منه التخفيفَ، فجَمَعَ حُسَّاب زمانه ليتوسطوا بينهم، فاستخرجوا له وزن السبعة، فجمعوا ثلاثة دراهم: وزنها اثنان وأربعون قيراطاً، فقسموها أثلاثاً، فكان كل درهم: أربعة عشر قيراطاً. - وإنما كانت السبعة وزن عشرة مثاقيل؛ لأنك إذا جمعتَ من كل صنف عشرة دراهم: صار الكل: إحدى وعشرين مثقالاً، فإذا أخذتَ ثلثَ ذلك: كان سبعةَ مثاقيل. وصورتُه: أنك تضرب كل واحد منها في عشرة، وتجمعه: يكون أربعمائة وعشرين مثقالاً، ثم تقسمها على عشرين: يصح من القسمة: أحدٌ ١٩٥ باب زكاة الفضة ولا شيء في الزيادة حتى تبلغَ أربعين درهماً، فيكونُ فيها درهمٌ. ثم في كل أربعين درهماً : درهمٌ عند أبي حنيفة. وقالا : ما زاد على المائتين : فزکاتُه بحسابها . وإذا كان الغالبُ على الوَرِقِ الفضةَ: فهي في حُكْمٍ الفضة. وعشرون مثقالاً: فثلثه سبعة. - وقال محمد بن الفضل: المعتبر في كل زمان بدرهمه، وبه أفتى جماعةٌ من المتأخرين، إلا أن الأول هو المعتبر، وهو أربعة عشر قيراطاً، وعليه إطباق كُتُب المتقدمين والمتأخرين، وهو الأظهر. - واعلم أنك متى زدت على الدرهم ثلاثةَ أسباعه، وهي ستة: كان مثقالاً؛ لأن المثقال عشرون قيراطاً، ومتى نقصتَ من المثقال ثلاثةً أعشاره، وهي ستة: كان درهماً؛ لأن الدرهم أربعة عشر قيراطاً. * قوله: (ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً، فيكون فيها درهمٌ مع الخمسة، ثم في كل أربعين درهماً درهمٌ عند أبي حنيفة). * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: ما زاد على المائتين: فزكاته بحسابه)، قلَّت الزيادة أو كثُرت، حتى لو كانت الزيادة درهماً: ففيه جزءٌ من أربعين جزءاً من درهم، وهو ربع عشره. قوله: (وإذا كان الغالب على الوَرِق: الفضةَ: فهي في حكم الفضة)؛ لأنها إذا كانت هي الغالبة: كان الغش مستهلكاً، فلا اعتبار به، ١٩٦ باب زكاة الفضة وإذا كان الغالبُ على الدنانير الذهبَ: فهو في حُكْمٍ الذهب. وإذا كان الغالبُ عليها الغشَّ: فهي في حُكْمِ العُروض، يُعتبر أن تبلغ قیمتُها نصاباً. وهو أن تكون الفضة زائدة على النصف، (وإن كان الغالبُ على الدنانير الذهبَ: فهو في حكم الذهب). : قوله: (وإذا كان الغالبُ عليها الغِشَّ: فهي في حكم العُروض)؛ لأن غلبته عليها: يُخرجها عن حكم الفضة، بدليل جواز بيعها بالفضة متفاضلاً. - وإنما تكون في حكم العروض إذا كانت بحال لو أُحرقت: لا يخلص منها نصابٌ، أما إذا كان يخلُص منها نصاب: وجب زكاة الخالص. - وإذا استوى الخالص والغشُّ: قال في ((الينابيع)): اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال: قال بعضهم: يجب خمسةٌ؛ احتياطاً، وقال بعضهم: درهمان ونصف، وقال بعضهم: لا يجب شيء. * قوله: (ويعتبر أن تبلغ قيمتُها نصاباً). ولا بدَّ فيه من نية التجارة، كسائر العروض. ١٩٧ باب زكاة الذهب باب زكاة الذهب ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقةٌ. فإذا كانت عشرينَ مثقالاً، وحالَ عليها الحولُ: ففيها نصفُ مثقال. ثم في كل أربعة مثاقيلَ : قيراطان . ولیس فیما دون أربعة مثاقيل صدقةٌ عند أبي حنيفة،. باب زكاة الذهب * قال رحمه الله: (ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب: صدقةٌ، فإذا كانت عشرين مثقالاً)، زِنَة كل مثقالٍ منها: عشرون قيراطاً، (وحال عليها الحولُ: ففيها نصفُ مثقال). قال بعض العلماء في ذلك نظماً: والفرضُ في عشرين مثقالاً ذهب نصفٌ من المثقال في الحول وَجَبْ (ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعة مثاقيل: فيكون فيها قيراطان)؛ لأن الواجب ربع العشر، والأربعة المثاقيل: ثمانون قيراطاً، وربع عشرها: قيراطان. وقد اعتبر الشرع كل دينار بعشرة دراهم، فيكون أربعة مثاقيل: كأربعين درهما، (وهذا قول أبي حنيفة). ١٩٨ باب زكاة الذهب وقالا : مازاد على العشرين : فزكاتُه بحسابها . وفي تِبْر الذهب والفضة، وحُلِّهما، والآنيةِ منهما : الزكاةُ. (وعندهما: تجب في الزيادة على العشرين بحساب ذلك). * قوله: (وفي تِبْر الذهب والفضة، وحُلِّهما، والآنية منهما: الزكاةُ). التّبْر: القطعة التي أُخرجت من المعدن، وهو غير المضروب. - وقوله: وحُلِيِّهما: قال الشافعي(١): كل حلي معدٍّ للباس المباح: لا تجب فيه الزكاة. لنا: ما روي ((أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأتين تطوفان، وعليهما سواران من ذهب، فقال: أتؤديان زكاتهما؟ قالتا: لا. قال: أتُحِبَّان أن يُسوِّركما الله بسوارَيْن من نار جهنم. فقالتا: لا، قال: فأدِّيا زكاتَهما))(٢). - وأما اليواقيت، واللآلئء، والجواهر: فلا زكاة فيها وإن كانت حُلياً، إلا أن تكون للتجارة. (١) مغني المحتاج ٣٩٠/١. (٢) سنن الترمذي (٦٣٧)، سنن أبي داود (١٥٣٦)، سنن النسائي (٢٤٧٩)، وقد تكلم في طريق الترمذي، لكن له طريق أخرى صحيحة عند غيره، كما في البدر المنیر ٢٢٥/١٤. ١٩٩ باب زكاة الذهب - وأما الآنية المتخذة من الذهب والفضة، والألجمة، وغيرها: فالزكاة فيها واجبةٌ، بلا خلاف، ولكن يختلف الحكم فيها بين الأداء من عينها، والأداء من قيمتها: فإنه إذا كان له إناء من فضة، وزنه مائتان، وقيمته ثلاثمائة، فإن أدى من عينه: تصدق بربع عشره على الفقير، فيشاركه فيه. - وإن أدى من قيمته: فعند محمد: يعدل إلى خلاف الجنس، وهو الذهب؛ لأن الجودة عنده معتبرةٌ. وعند أبي حنيفة: إذا أدى خمسةَ دراهم: جاز؛ لأن الحكم عنده مقصورٌ على الوزن. - وإن أدى من الذهب ما تبلغ قيمتُه خمسة دراهم: لم يجز، إجماعاً؛ لأن الجودة متقوِّمة عند المقابلة، بخلاف الجنس. - والأصل في هذا: أن المال الذي تجب فيه الزكاة: إن كان مما تجري فيه الربا: فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يعتبر فيه القدر، دون القيمة. وعند زفر: القيمة، دون القدر. وعند محمد: أنفع الوجهين للفقراء. بيانه: إذا كان له مائتا قفيز حنطة للتجارة، قيمتُها: مائتا درهم، حال عليها الحول، وقيمتها كذلك: فعليه خمسة أقفزة جيدة. ٢٠٠ باب زكاة الذهب فإن استقرض خمسةً أقفزة رديئة، قيمتها أربعة دراهم، فأداها عن هذه: أجزأه، وسقطت عنه الزكاة عندهما، ولا يجب عليه شيء غير ذلك؛ لأن الزيادة رباً. وقال محمد وزفر: عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب. - ولو كان له مائتا قفيز رديئة، قيمتها مائتان، فأدى أربعة أقفزة جيدة، قيمتها خمسة دراهم، فأداها عن خمسة أقفزة رديئة: لا يجوز إلا عن أربعة منها، وعليه قفيز آخر، في قول أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: لا شيء عليه غير ذلك؛ لأنه يعتبر القيمة، دون القدر. ومحمدٌ يعتبر أنفعهما للفقراء، وهنا اعتبار القدر أنفع. - ولو كان له مائتا درهم زيوف، أو نَبَهْرجة، الغالب عليها الفضة، فأدى عنها أربعةً جيدة، تبلغ قيمتها خمسة دراهم رديئة: لا يجوز إلا عن أربعة، وعليه درهمٌ آخر، عند الثلاثة. وقال زفر: لا شيء عليه غيرها. - ولو كانت الدراهم جيدةً، فأدى عنها خمسةً زيوفاً، قيمتها أربعة جيدة: سقطت عنه الزكاة عندهما؛ لأن الجودة ساقطةُ العبرة عندهما. وقال محمد وزفر: عليه أن يؤديَ الفضل. - وكذا إذا كان له قلبُ فضةٍ جيدة، وزنه مائتا درهم، وقيمته لجودته وصناعته ثلاثمائة: فعليه ربع عشره، فإن أدى خمسةً زيوفاً: أجزأه عندهما.