النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب الشهید
۔ والارتثاثُ: أن یأكل، أو یشرب، أو يتداوى،
وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((السيف محَاءٌ للذنوب))(١).
ثم البيع إنما يصح من العاقل المميز، ولهذا يُغسَّل الصبيُّ والمجنون؛
لأنه لا يصح بيعهما، وكذا إذا ارتُثَّ؛ لأن الارتثاث بمنزلة امتناع البائع عن
تسليم المبيع.
* قوله: (والارتثاثُ: أن يأكلَ، أو يشربَ، أو يتداوى)؛ لأنه نال
بعضَ مرافقِ الحياة.
وشهداءُ أُحُد ماتوا عِطاشاً والكأسُ تُدار عليهم؛ خوفاً من نقصان
الشهادة، ((يُروى أنهم طلبوا ماءً، فكان الساقي يطوف عليهم، وكان إذا
عرض الماءَ على إنسانٍ منهم: أشار إلى صاحبه، حتى ماتوا كلُّهم
عطاشی))(٢).
۔ فإن أوصى:
إن كان بأمور الآخرة: لم يكن مرتئاً عند محمد، وهو الأصح؛ لأنه
من أحكام الأموات.
وعند أبي يوسف: يكون مرتثاً؛ لأنه ارتفاقٌ.
وإن كان بأمور الدنيا: فهو مرتثٌّ، إجماعاً.
(١) تقدم قريباً ص ١٣٧.
(٢) قال العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٤٢٨/١: قال مخرجو أحاديث
الهداية: لم نجد هذا. اهـ

١٤٢
باب الشهيد
أو يبقى حياً حتى يمضيَ عليه وقتُ صلاة وهو يعقلُ،
وجه قول محمد: ما روي ((أن سعد بن الربيع أُصيب يوم أُحُد، فلما
فرغ من القتال: سأل عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: مَن يأتيني بخبر
سعد بن الربيع، فقال رجلٌ : أنا يا رسول الله.
ثم جعل يسأل عنه، فوجده في بعض الشِّعاب وبه رَمَقٌ، فقال له: إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقرئك السلامَ، ففتح عينيه، ثم قال:
أَقْرِىء رسولَ الله مني السلام، وأخبِرْه أن بي كذا وكذا طعنةً، كلها
أصابت مقاتلي، وأقرِئ المهاجرين والأنصارَ مني السلام، وقل لهم: إن
بي جراحات كلها أصابت مقاتلي، فلا عُذْرَ لكم عند الله إن قُتِل رسول الله
صلى الله عليه وسلم وفيكم عينٌ تَطُرُفُ، ثم مات، فكان من جملة
الشهداء، فلم يُغسَّل، وصُلِّي عليه))(١).
* قوله: (أو يبقى حياً حتى يمضيَ عليه وقتُ صلاة وهو يَعقل)؛ لأن
تلك الصلاة تصير ديناً في ذمته، وذلك من أحكام الأحياء.
وعن أبي يوسف: أنه شَرَطَ أن يبقى ثلثي نهار.
- قال في ((المنظومة))(٢): في مقالات أبي يوسف:
أو انقضىُ ثلثا نهارٍ وهو حيّ
ويُغسل المقتول إن أوصى بشَيْ
وما تمام اليوم شرطاً يا بُنَيّ
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٢٤٨/٣، وينظر التعريف والإخبار ٤٢٩/١.
(٢) للنسفي ص ٤٣٢، وفي المطبوع منها: وإن قضى: بدل: أو انقضىُ.

١٤٣
باب الشهید
أو يُنْقَلَ من المعركة وهو حيٌّ، وبه أثرُ الجراحة -، وصُلِّي عليه.
ومَن قُثِلَ في حدٍّ أو قصاصٍ : غُسِّلَ، وصُلِّيَ عليه.
ومَن قُتِل من البُغاة، أو قُطَّاعِ الطريق: لم يُفَسَّل، ودُفِنَ، ولم يُصلَّ
عليه .
وعن محمد : يوماً وليلة.
- وفي ((نوادر بشر عن أبي يوسف)): إذا مكث في المعركة أكثر من يوم
وليلة حياً، والقوم في القتال، وهو يعقل أوْ لا يعقل: فهو شهيدٌ.
- والارتثاث لا يعتبر إلا بعد تصرُّم القتال.
* قوله: (أو يُنْقَل من المعركة وهو حيٌّ، وبه أثرُ الجراحة - وصُلِّيَ
عليه)؛ لأنه نال به بعضَ مرافق الحياة.
- إلا إذا حُمل من مَصرعه كي لا تطأه الخيولُ؛ لأنه ما نال شيئاً من
الراحة.
- وهذه الأحكام كلها في الشهيد الكامل، وهو الذي لا يُغسَّل، وإلا
فالمرتثَّ شهيدٌ، إلا أنه غيرُ كاملٍ في الشهادة حتى إنه يُغسَّل.
* قوله: (ومَن قُتل في حدٍّ، أو قصاصٍ: غُسِّل، وصُّلِّي عليه)؛ لأنه
لم يُقُتل ظلماً، وإنما قُتِل بحقٍّ.
* قوله: (ومَن قُتِلَ من البُغاة، أو قُطَّاع الطريق: لم يُغْسَّل، ودُفن،
ولم يُصلّ عليه)؛ عقوبةً له.
یروی ذلك عن أبي يوسف.

١٤٤
باب الشهید
ومَنْ قَتَلَ نفسَه : غُسِّلَ، وصُلِّيَ عليه.
وعن محمد: يُغسَّل، ولا يصلى عليه.
13
- أما إذا أُخذ الباغي، وأُسر: يُغسَّل، ويصلى عليه، وإنما لم يُصلّ
عليه إذا قُتل في المعركة.
- (ومَن قَتَلَ نفسَه) خطأً، بأن أراد ضربَ العدوِّ، فأصاب نفسَه:
(يُغسَّل، ويصلى عليه).
- وأما إذا قَتَلَ نفسه عمداً:
قال بعضهم: لا یصلی علیه.
وقال الحلواني: الأصح عندي أنه يصلى عليه.
وقال الإمام أبو علي السُّغدي: الأصح أنه لا يصلى عليه؛ لأنه باغ
على نفسه، والباغي لا يصلى عليه.
وفي فتاوى ((قاضي خان))(١): يُغسَّل ويصلى عليه عندهما؛ لأنه من
أهل الكبائر، ولم يحارِب المسلمين.
وعن أبي يوسف: لا يصلى عليه؛ لما ((روي أن رجلاً نحر نفسه، فلم
يصلِّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم))(٣).
(١) ١٨٦/١.
(٢) صحيح مسلم (٩٧٨).

١٤٥
باب الشهيد
وهو محمولٌ عند أبي حنيفة على أنه أَمَرَ غيرَه بالصلاة عليه.
- وأما مَن قَتَلَه السبع، أو مات تحت هَدْمٍ: فإنه يغسَّل، ويصلى عليه،
والله أعلم.

١٤٦
باب الصلاة في الكعبة
باب الصلاة في الكعبة وحولها
الصلاةُ في الكعبة جائزةٌ، فرضُها، ونفلُها.
فإن صلَّى الإمامُ فيها بجماعةٍ، فجَعَلَ بعضُهم ظهرَه إلى ظهر الإمام:
جاز.
ومَن جعل منهم ظهرَه إلى وجهِ الإمام : لم تَجُزْ صلاتُه.
باب الصلاة في الكعبة
هذا من باب إضافة الشيء إلىْ ظَرْفه.
- ووجه المناسبة: أن قَتْل الشهيد أمانٌ له من العذاب، وكذا الكعبة
أمانٌ أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾. آل عمران/ ٩٧.
* قال رحمه الله: (الصلاةُ في الكعبة جائزةٌ، فرضُها، ونفلُها).
وقال مالك(١): يجوز فيها النفل، ولا يجوز فيها الفرض.
- وسمِيت الكعبة؛ لارتفاعها ونتوئها، ومنه: الكعب في الرِّجل،
وكُعوب الرُّمح، وجاريةٌ كاعبٌ.
* قوله: (فإن صلى الإمامُ فيها بجماعةٍ، فجَعَلَ بعضُهم ظهره إلى ظهر
الإمام: جاز، ومَن جعل منهم ظهرَه إلى وجه الإمام: لم تجُزْ صلاتُه).
(١) جواهر الإكليل ٤٥/١.

١٤٧
باب الصلاة في الكعبة
فإن صلىُ الإمامُ في المسجد الحرام: تَحلَّق الناسُ حولَ الكعبة،
وصلَّوْا بصلاة الإمام.
هذا على أربعة أوجه:
١- إن جعل وجهه إلى ظهر الإمام: جاز.
٢ - وإن جعل ظهرَه إلى ظهره: جاز أيضاً.
٣- وإن جعل وجهَه إلى وجهه: جاز أيضاً، إلا أنه يكره إذا لم يكن
بينهما سترة.
٤- وإن جعل ظهره إلى وجه الإمام: لم يجز؛ لتقدُّمه على إمامه.
* قوله: (وإذا صلىُ الإمامُ في المسجد الحرام: تحلّق الناسُ حول
الكعبة، وصلَّوْا بصلاة الإمام).
- وإن كان: وتحلَّق: بالواو(١): فهو من صورة المسألة، وجوابها: فمَن
كان(٢).
وإن كان بدون الواو: فهو جواب: إذا: ويكون هذا بياناً للجواز،
ويكون قوله: فمَن كان: للاستئناف.
- قال في ((البدائع)) (٣): إذا صلىُ في جوف الكعبة، وتوجه إلى ناحيةٍ
منها: ليس له التوجه إلى ناحية أخرى حتى يسلُّم.
(١) هناك نُسخ من القدوري بالواو، ونُسخ بدون واو.
(٢) أي كما سيأتي في المتن: فمن كان منهم أقرب.
(٣) بدائع الصنائع ١٢١/١. ط المكتبة الشاملة.

١٤٨
باب الصلاة في الكعبة
فمَن كان منهم أقربَ إلى الكعبة من الإمام : جازت صلاُه إذا لم يكن
في جانب الإمام.
ومَن صلى على ظهر الكعبة : جازت صلاتُه، ويكره.
* قوله: (فمَن كان منهم أقربَ إلى الكعبة من الإمام: جازت صلاتُه
إذا لم يكن في جانب الإمام)؛ لأن التقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد
الجانب.
* قوله: (ومَن صلى على ظهر الكعبة: جازت صلاتُه، إلا أنه يكره)؛
لما فيه من تَرْك التعظيم.
وقد ورد النهي عنه، وهو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ((أن
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبعة مواضع: المجزرة،
والمَزْبَّلة، والمَقبَّرة، والحمَّام، وقوارع الطريق، ومَعَاطِن الإبل، وفوق
ظهر بيت الله))(١).
وزاد في ((خزانة)) أبي الليث: وبطن الوادي، والإصطبل، والطاحونة.
- وكل ذلك تجوز الصلاة فيه، وتکره.
- والمقبُّرة: بضم الباء، وفتحها.
وكذلك: المزيَّلة.
(١) سنن الترمذي ١٧٨/٢ (٣٤٦)، وقال: ((هذا حديث ليس إسناده بذاك
القوي))، وصححه أحمد شاكر في تعليقه، سنن ابن ماجه ٢٤٦/١ (٧٤٦، ٧٤٧)،
وضعَّفه النوويُّ في المجموع ١٥١/٣، وينظر نصب الراية ٣٢٣/٢.

١٤٩
باب الصلاة في الكعبة
وكذلك : إن صلىُ علىُ هَدَفٍ أعلى منها .
- والمزبلةُ: موضع طَرْح السِّرْجين، والزِّبْل، والأرواث.
- (وكذلك إن صلى على هَدَفٍ أعلى منها(١))، والله أعلم.
(١) هذه الجملة مثبتةٌ في نسخة القدوري ٦١١هـ، ونسخة خلاصة الدلائل
ص٥٣، ولم أقف عليها في نسخ الجوهرة.
والمعنى: وكذلك تجوز الصلاة على هدف أعلى من الكعبة، كالصلاة على جبل
أبي قبيس، إذ الهدف - بفتحتين -: كل شيءٍ عظيم مرتفع، مثل الجبل، وكثيب
الرمل، والبناء. اهـ من المصباح المنير (هدف)، وذلك لأن الواجب في حقه هو
استقبال هواء البيت، لا البناء.

١٥٠
کتاب الزكاة
کتاب الزكاة
كتاب الزكاة
المشروعاتُ خمسةٌ: اعتقاداتٌ، وعباداتٌ، ومعاملاتٌ، وعقوباتٌ،
و كفاراتٌ.
- فالاعتقادات خمسةً: الإيمان بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه،
واليومِ الآخر.
- والعبادات خمسةٌ: الصلاةُ، والصومُ، والزكاةُ، والحجُّ، والجهادُ.
- والمعاملات خمسةً: المعاوضات، والمناكحات، والمخاصمات،
والأمانات، والشركات.
- والعقوبات خمسةُ مَزَاجِر: مَزْجرةُ قتلِ النفس، كالقصاص، ومزجرةٌ
أخذ المال، كالقطع في السرقة، ومزجرة هَتْك السَّتَر، كالجلد والرجم،
ومزجرة ثَلْب العِرض، كحد القذف، ومزجرةُ خَلْع البَيْضة، كالقتل على الرِّدة.
- والكفارات خمسةٌ: كفارةُ القتل، وكفارةُ الظِّهار، وكفارة الإفطار،
وكفارة اليمين، وكفارةُ جنايات الحج.
* وترجع العبادات الخمس إلى ثلاثة أنواع:
- بدنيْ مَحْضٌ، كالصلاة والصوم والجهاد.

١٥١
كتاب الزكاة
الزكاةُ واجبةٌ .
ـ وماليّ مَحضٌ، كالزكاة.
- ومركَّبٌ منهما، كالحج.
- فكان ينبغي أن يكون الصومُ قبل الزكاة، إلا أنه اتَّبِع القرآنَ، قال الله
تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. البقرة/ ٤٣.
- ثم تفسير الزكاة يرجع إلى وصفين محمودَيْن: الطهارة، والنماء.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾. التوبة / ١٠٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ,﴾. سبأ/٣٩.
فيجتمع للمزكي: الطهارةُ من دَنَس الذنوب، والخَلَفُ في الدنيا،
والثوابُ في الآخرة.
* قال رحمه الله: (الزكاةُ واجبةٌ): أي فريضةٌ محكَمةٌ، ثبتت فرضيتها
بالكتاب، والسُّنَّة المتواترة، والإجماع المتواتر.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَزَةَ﴾.
وأما السُّنَّة: فقوله عليه الصلاة والسلام: ((بُنِيَ الإسلام على خمس)) (١)،
وذكر منها الزكاة.
والإجماعُ منعقدٌ على فرضيتها من لدن رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى يومنا هذا.
(١) صحيح البخاري (٨)، صحيح مسلم (١٦).

١٥٢
كتاب الزكاة
- والزكاةُ في اللغة هي: النَّماء، وهي سببٌ للنَّماء في المال بالخَلَف
في الدنيا، والثواب في الآخرة.
وقيل: هي عبارةٌ عن التطهير، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّ﴾
الأعلى / ١٤ : أي مَن تطهَّر من الذنوب.
- وفي الشرع: عبارةٌ عن إيتاء مالٍ معلومٍ، في مقدارٍ مخصوص.
وهي عبارةٌ عن فعل المزكِّي، دون المال المؤدَّى عند المحققين من
أهل الأصول؛ لأنها وُصفت بالوجوب، والوجوب إنما هو من صفات
الأفعال، لا من صفات الأعيان.
وعند بعضهم: هي اسمٌ للمال المؤدّى؛ لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ﴾.
- وهل وجوبها على الفور، أم على التراخي؟
قال في ((الوجيز)): على الفور عند محمد، حتى لا يجوز التراخي من
غیر عذر.
- فإن لم يؤدِّ: لا تُقبل شهادتُه؛ لأنها حقٌّ للفقراء، وفي تأخير الأداء عنهم:
إضرارٌ عليهم، بخلاف الحج: فإنه عنده على التراخي؛ لأنه حقٌّ لله تعالى.
وقال أبو يوسف: وجوب الزكاة على التراخي، والحجِّ: على الفور.
قال: لأن الحج أداؤه معلومٌ، في وقتٍ معلوم، والموتُ فيما بين
الوقتين لا يُؤمَن، فكان على الفور، والزكاةُ يقدر على أدائها في كل وقت.

١٥٣
كتاب الزكاة
على الحرِّ، المسلمِ، البالغ، العاقلِ، إذا مَلَكَ نصاباً ملكاً تاماً، وحالَ
عليه الحولُ.
* قوله: (على الحرِّ، المسلمِ، العاقلِ، البالغ).
اعلم أن شرائط الزكاة ثمانيةٌ: خمسةٌ في المالك:
وهو أن يكون حراً، بالغاً، مسلماً، عاقلاً، وأن لا يكون لأحدٍ عليه
دینٌ.
وثلاثةٌ في المملوك: وهو أن يكون نصاباً كاملاً، وحولاً كاملاً، وكون
المال إما سائماً، أو للتجارة.
* قوله: (إذا مَلَكَ نصاباً)؛ لأن الزكاة وجبت لمواساة الفقراء، وما
دون النصاب: مالٌ قليلٌ لا يحتمل المواساة، ولأن مَن لم يملك نصاباً:
فقيرٌ، والفقيرُ محتاجٌ إلى المواساة.
قوله: (ملكاً تاماً).
يُحتَرز عن ملك المكاتب والمديون، والمبيع قبل القبض؛ لأن الملك
التام هو: ما اجتمع فيه الملك واليد، وأما إذا وُجد الملك، دون اليد،
كملك المبيع قبل القبض، والصداق قبل القبض، أو وُجد اليدُ، دون
الملك، كملك المکاتب والمدیون: لا تجب فيه الزكاة.
* قوله: (وحالَ عليه الحولُ).
إنما شُرِط ذلك؛ ليُتمكَّن فيه من التنمية.
وهل تمام الحول من شرائط الوجوب، أو من شرائط الأداء؟

١٥٤
کتاب الزكاة
وليس على صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا مكاتَبٍ زكاةٌ.
فعندهما: من شرائط الأداء، وهو الصحيح، يؤيده جواز تعجيل الزكاة.
وعند محمد: من شرائط الوجوب.
: قوله: (وليس على صبيٍّ، ولا مجنون، ولا مكاتبٍ زكاةٌ).
- فإن قيل: لمَ ذَكَرَ الصبيَّ والمجنونَ وقد عُرفا بقوله: على البالغ
العاقل؟
قلنا: ذَكَره؛ للبيان من جهة النفي والإثبات، كما في قوله تعالى:
﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. البقرة/ ٢٢٢.
- وإنما لم تجب على الصبي؛ لأنه غير مخاطَبٍ بأداء العبادة، ولهذا
لا تجب عليه البدنية(١)، كالصلاة والصوم والجهاد، ولا ما يَشوبُها المال،
كالحج، بخلاف العُشر: فإنه مؤنة الأرض.
ولهذا يجب في أرض الوقف، ويجب على المكاتب، فوجب على
الصبي؛ لأنه ممن تجب عليه المؤنة، كالنفقات.
- وكذا المجنون لا زكاةَ عليه عندنا إذا وُجد منه الجنون في السَّنَة
كلها، فإن وُجدت منه إفاقةٌ في بعض الحول: ففيه اختلافٌ، والصحيح
عن أبي حنيفة أنه يشترط الإفاقة في أول السنة وآخرها وإن قلّ: يُشترط في
أولها؛ لانعقاد الحول، وفي آخرها؛ ليتوجه عليه خطاب الأداء.
(١) أي العبادات البدنية.

١٥٥
کتاب الزكاة
ومَن كان عليه دَيْنٌ يُحيطُ بماله : فلا زكاةَ عليه.
وعن أبي يوسف: تعتبر الإفاقة في أكثر الحول؛ لأن للأكثر حكم الكل.
وعند محمد: إذا وُجدت الإفاقة في جزءٍ من السَّنَة، قلَّ أو كثُر:
وجبت الزكاة، سواء كانت من أولها أو وسطها أو آخرها، كما في
الصوم، فإنه إذا أفاق في بعض شهر رمضان: لزمه صوم الشهر كله وإن
قلَّت الإفاقةُ.
- وأما المكاتب: فلا زكاةَ عليه؛ لأنه ليس بمالكٍ من كل وجه؛
لوجود المنافي، وهو الرق، ولأن المال الذي في يده دائرٌ بينه وبين
المولىُ: إن أدى مال الكتابة: سُلِّم له، وإن عجز: سُلِّم لمولاه، فكما لا
يجب على المولى فيه شيء: فكذا لا يجب على المكاتب.
* قوله: (ومَن كان عليه دَيْنٌ يُحيط بماله: فلا زكاةَ عليه).
لأن ملكه فيه ناقصٌ؛ لاستحقاقه بالدَّين، ولأنه مشغولٌ بحاجته
الأصلية، فاعتُبر معدوماً، كالماء المستحَقِّ بالعطش؛ لأجل نفسه، أو
لأجل دابته.
- ومعنى قولنا: بحوائجه الأصلية: أن المطالبة به متوجِّهةٌ عليه، بحيث
لو امتنع من الأداء: يُهَان ويُحبس، فصار في صَرْفه إزالةُ الضرر عن نفسه،
فصار كعبد الخدمة، ودار السكنى، بل أَوْلِىُ، فَنَقَص ملكُ النصاب،
وانعدم الغنى.
- قال في ((النهاية)): كل دينٍ له مطالِبٌ من جهة العباد: فإنه يمنع

١٥٦
کتاب الزكاة
وجوبَ الزكاة، سواء كان الدين للعباد، أو لله تعالى، كدين الزكاة.
فالذي له مطالِبٌ من جهة العباد: كالقرض، وثمن المبيع، وضمان
المتلَف، وأرش الجراحة، والمهر.
وسواء كان الدين من النقود، أو المكيل، أو الموزون، أو الثياب، أو
الحيوان.
وسواء وجب بنكاحٍ، أو خلع، أو صُلح عن دم عمد، وهو حالٌّ أو
مؤجَّلٌ.
- والنفقةُ إذا قُضي بها: منعت الزكاة، وإن لم يُقْض بها: لا تمنع.
- وهذا كله إذا كان الدين في ذمته قبل وجوب الزكاة، أما إذا لَحقه
الدين بعد وجوب الزكاة: لم تسقط الزكاة؛ لأنها قد ثبتت في ذمته
واستقرَّت، فلا يُسقطها ما لحقه من الدین بعد ثبوتها.
- قال الصيرفي رحمه الله: وأجمعوا أن الدين لا يمنع وجوب العُشر.
- قوله: يحيط بماله: الإحاطةُ ليست بشرط، حتى لو كان لا يحيط به:
لا تجب أيضاً، وإنما معناه: يمنعه أن يبلغ نصاباً، حتى لو كان الدين
درهماً واحداً في المائتين: منع الوجوب.
ولو كان له أربعون مثقالاً، وعليه أحدٌ وعشرون مثقالاً: لا تجب عليه
الزكاة وإن لم يكن محيطاً، لكن لمَّا لم يبق الباقي نصاباً: جُعل كأنه
معدومٌ.

١٥٧
کتاب الزكاة
ولأن المديون ملكُه في النصاب ناقصٌ، لا يفيده ملكه له، فإن
لصاحب الدين أن يأخذه من غير قضاء، ولا رضاً، وذلك آية عدم
الملك، كما في الوديعة والمغصوب ودين الزكاة والعُشر.
- والخراجُ يمنع الزكاة بقدره؛ لأن له مطالباً من جهة الآدمي.
- وسواء في ذلك زكاة الأموال الظاهرة والباطنة.
خلافاً لزفر في الباطنة، هو يقول: ليس للإمام حق المطالبة في
الباطنة، فهو دینٌ لا مطالب له من الآدميين.
قلنا: بلى للإمام حق المطالبة إذا علم من أصحاب الأموال عدم
الإخراج، فإنه يأخذها منهم، ويسلِّمها إلى الفقراء.
- وسواء كانت الزكاة عليه في مالٍ قائم، أو زكاة مال قد استهلكه.
وعن أبي يوسف: أنه يفرِّق بين دين زكاة المال المستهلك، وبين
العین.
وهذا كما إذا كان له مائتا درهم، حال عليها الحولُ، فوجبت فيها
خمسةُ دراهم، فلم يُخرجْها حتى حال عليها حولٌ آخرُ: لم يجب للثاني
شيء، ومَنعت الزكاةُ الواجبةُ للحول الأول.
ولو كان لمَّا حال الحول عليها: استهلك المالَ، وبقيت الزكاة في
ذمته، ثم إنه استفاد مائتي درهمٍ أخرى، وحال عليها الحول: تجب الزكاة
عنده، وعندهما: لا تجب

١٥٨
كتاب الزكاة
وإن كان مالُهُ أكثرَ من الدَّيْن : زكّى الفاضلَ إذا بلغ نصاباً.
والفرق له: أن دين العين استُحقَّ به جزءً من المال، وما في الذمة:
ليس بمُستحَقِّ به جزء منه، فبقيَ ديناً لا مطالب له من العباد.
- وفي هذا إشارةً إلى أنه لا يطالِب به الإمامُ عنده بعد ما يصير ديناً،
وعندهما: يطالب به، فلا تجب الزكاة؛ لأن له مطالباً.
- قال في ((النهاية)): ودينُ الزكاة مانعٌ حالَ بقاء النصاب؛ لأنه ينتقص
به النصاب، وكذا بعد الاستهلاك.
خلافاً لزفر فيهما، ولأبي يوسف في الثاني.
فقوله: خلافاً لزفر فيهما: أي في النصاب الذي وجب فیه دینُ الزكاة،
وفي النصاب الذي وجب فيه دينُ الاستهلاك: فإنه لم يَجعل هذين الدينين
مانعَيْن للزكاة؛ لأنه لا مطالب لهما من جهة العباد، فصار كدين النذور،
والكفارات، وهما لا يمنعان الوجوبَ، بالإجماع.
* قوله: (وإن كان مالُه أكثرَ من الدَّيْن: زكَّى الفاضلَ إذا بلغ نصاباً)؛
لفراغه عن الحاجة.
- وإن لَحِقَه في وسط الحول دينٌ يَستغرق النصابَ، ثم برىء منه قبل
تمام الحول: فإنه تجب عليه الزكاةُ عند أبي يوسف؛ لأنه يجعل الدين
بمنزلة نقصان النصاب.
وقال محمد: لا يجب؛ لأنه يجعل ذلك بمنزلة الاستحقاق.

١٥٩
کتاب الزكاة
وليس في دُور السكنىُ، وثيابِ البدن، وأثاثِ المنزل، ودوابٌ
الركوب، وعبيدِ الخدمة، وسلاحِ الاستعمال : زكاةٌ.
ولا يجوز أداءُ الزكاة إلا بنيّةٍ مقارنةٍ للأداء، أو مقارِنةٍ لعَزْل مقدار
الواجب .
- وإن كان الدين لا يستغرق النصابَ، ثم برىء منه قبل تمام الحول:
فإنه تجب الزكاة عندهم جمیعاً، إلا زفر، فإنه يقول: لا تجب.
- رجلٌ وهب لرجل ألفَ درهم، فحال عليها الحولُ عند الموهوب
له، ثم رجع فيها الواهب: فلا زكاةً على الموهوب له؛ لأنه استُحقَّ عليه
عينُ النصاب.
* قوله: (وليس في دُوْر السُّكنىُ، وثيابِ البدن، وأثاثِ المنزل،
ودوابِّ الركوب، وعبيدِ الخدمة، وسلاحِ الاستعمال: زكاةٌ).
لأنها مشغولةٌ بحوائجه الأصلية؛ لأنه لا بدَّ له من دارٍ يسكنها، وثیابٍ
يلبسها.
- وكذا كتب العلم إن كان من أهله، فإن لم يكن من أهله: لا يجوز
صرف الزكاة إليه إذا كانت تساوي مائتي درهم.
وسواء كانت الكتب فقهاً أو حديثاً أو نحواً.
- وفي ((الخُجَندي)): إذا كان له مصحفٌ قيمتُه مائتا درهم: لا تجوز له
الزكاة؛ لأنه قد يجد مصحفاً يقرأ فيه.
و
* قوله: (ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء، أو مقارنةٍ لعزل
مقدار الواجب).

١٦٠
كتاب الزكاة
ومَن تصدَّق بجميع ماله، ولا ينوي الزكاةَ : سقط فرضُها عنه.
لأن الزكاة عبادة، فكان من شرطها: النية، كالصلاة والصوم.
والأصل في النية: الاقترانُ، إلا أن الدفع يتفرق، فاكتُفي بوجودها
حالةَ العزل؛ تيسيراً، كتقديم النية في الصوم.
- وقوله: مقارنة للأداء: يعني إلى الفقير، أو إلى الوكيل، فإنه إذا وكّل
في أداء الزكاة: أجزأته النية عند الدفع إلى الوكيل.
فإن لم ینو عند التوکیل، ونوی عند دفع الو کیل: جاز.
- ويجوز للوكيل بأداء الزكاة أن يدفع إلى أبيه(١)، وزوجته إذا كانوا
فقراء. كذا في ((الإيضاح)).
- وفي ((الفتاوى)): إذا دفعها(٢) إلى ولده الصغير أو الكبير، وهم
محتاجون: جاز.
- ولا يجوز أن يأخذ لنفسه منها شيئاً، فإن قال له صاحبُ المال:
ضَعْها حيث شئتَ: له أن يأخذ لنفسه.
·قوله: (ومَن تصدَّق بجميع ماله ولا ينوي الزكاةَ: سقط عنه
فرضها)، يعني إذا تصدّق به على فقير.
- وكذا إذا نوى تطوعاً.
- وإن نوى عن واجبٍ آخر: يقع عما نوى، ويضمن الزكاة.
(١) أي والد الوكيل.
(٢) أي الوكيل.