النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ باب صلاة المريض ومَن أُغمي عليه خمسَ صلواتٍ فما دونَها : قضاها إذا صحَّ. فإن فاتته بالإغماء أكثرَ من ذلك : لم يَقْض. - هذا إذا قدر على ذلك بعد ما ركع وسجد، أما إذا قدر بعد الافتتاح قبل الأداء: صحَّ له البناء. كذا في ((جوامع الفقه)). وقال زفر: يبني في الوجهين، على أصله في الاقتداء؛ لأن عنده: يجوز أن يقتدي الراکی بالمومئء. * قوله: (ومَن أُغمي عليه خمس صلوات فما دونها: قضاها إذا صحَّ، وإن فاته بالإغماء أكثر من ذلك: لم يقض). واعلم أن الأعذار أنواعٌ: - ممتدة جداً، كالصِّبًا، وتسقط به العبادات كلها. - وقاصرٌ جداً، كالنوم، لا يسقط به شيء من العبادات. ـ ومتردِّدٌ بينهما، وهو الإغماء: فإن امتدَّ: أُلحق بالممتد جداً، وإن لم يمتدَّ: أُلحق بالقاصر جداً، حتى يجبُ القضاء. وامتداده: أن يزيد على يوم وليلة؛ لأنه عند ذلك تدخل الفائتة في حيِّز التكرار، وفي إيجاب قضاء ذلك: حرجٌ، وهو مرفوعٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِيْنِ مِنْ حَرَجٍ﴾. الحج / ٧٨. - والجنون: کالإغماء، على الأظهر. ـ ولو شرب الخمرَ، فذهب عقلُه أكثر من يوم وليلة: لا يسقط القضاء. ٤٨٢ باب صلاة المريض - وإن أكل البنجَ، فأُغمي عليه: قال محمد: يسقط عنه القضاء متى و کثُر. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء. فمحمدٌ اعتبر البنجَ بالإغماء، وأبو حنيفة اعتبره بالخمر. - وإن أُغمي عليه بسبب الفزع من آدمي، أو سبع أكثر من يوم وليلة: لا قضاء عليه، بالإجماع. - قوله: وإن فاته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض: المعتبر عندهما في الزيادة على اليوم والليلة: بالساعات، وعند محمد: بالأوقات، أي من حيث الصلوات، فما لم تَصِرِ الصلاة ستاً: لا يسقط القضاء عنده. وفائدته: إذا أُغمي عليه عند الضحوة، ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة، فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات: فلا قضاء عليه عندهما. وعند محمد: عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على خمسٍ، والله تعالى أعلم. ٤٨٣ باب سجود التلاوة باب سجود التلاوة سجودُ التلاوة في القرآن أربعةَ عَشَرَ : باب سجود التلاوة هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه. ويقال: من باب إضافة الحكم إلى السبب، فالتلاوة سببٌ بلا خلاف. ووجه المناسبة: أن المريض إذا صلى: فقد انقاد لأمر الله، وفي التلاوة إذا سجد: فقد انقاد أيضاً لأمر الله تعالى. - وفي إضافة السجود إلى التلاوة: إشارة إلى أنه إذا كتبها، أو تهجَّاها: لا یجب علیه سجودٌ. قال رحمه الله: (سجودُ التلاوة في القرآن: أربع عشرة سجدة(١): (١) جاء في المطبوع من الجوهرة ٩٧/١ (ط باكستان)، و١٠٤/١ (ط مع اللباب) نصٌّ غريب، تضمن أن السجدات الأربع عشر في القرآن منها سبع فرض، وثلاث واجبة، وأربع سنة، وقد راجعتُ أصل الجوهرة وهو السراج الوهاج فلم أجده، وكذلك لم أجده في مخطوطات الجوهرة، إلا في نسخة (٩٧٤هـ)، ففي حاشيتها فائدة دون ربطها بالجوهرة، وفيها هذا النص، وجاء في آخره: ذكره في المحيط. اهـ، ولذا نبهتُ هنا إلى هذا، وكنتُ استشكلتُه أيام خدمتي لكتاب اللباب للميداني ٢٣١/٢، ونبهتُ هناك أن كتب المذهب نصَّتْ على وجوبها كلها، وكذلك نصَّ المؤلف هنا بعد ٤٨٤ باب سجود التلاوة في آخرِ الأعراف، وفي الرَّعدِ، وفي النَّحلِ، وفي بني إسرائيلَ، ومريمَ، والأُولىُ في الحجِّ، والفرقانِ، والثَّمل، و﴿الّمّ ل تَزِلُ﴾، وص، و﴿حَمّ﴾ السجدة، والنَّجمِ، و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾، و﴿ اقْرَأْ بِأَسْمٍ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ . في آخر الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وفي بني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل، و﴿ألم تنزيل﴾، وص، و﴿حم﴾ السجدة، والنجم، و﴿إذا السماء انشقت﴾، ﴿واقرأ باسم ربك﴾). فموضع السجود من: ص: ﴿وَحُسْنَ مَعَادٍ﴾. ص/٢٥، وفي: حم السجدة: ﴿لَا يَسْئَمُونَ﴾. فصلت/٣٨. - وهل تجب السجدة بشرط قراءة جميع الآية، أم بعضها؟ الصحيح: أنه إذا قرأ حرفَ السجدة، وقبلَه كلمةً، وبعده كلمةً: وجب السجود، وإلا: فلا. وقيل: لا يجب إلا أن يقرأ أكثر آية السجدة. - ولو قرأ آيةَ السجدة كلَّها إلا الحرف الذي في آخرها: لا يجب عليه سجودٌ. - والمستحبُّ: الجهرُ بآية السجدة إذا كانت الجماعة متهيئين للصلاة، وإلا: فالإخفاء أفضل. قليل على وجوبها. ٤٨٥ باب سجود التلاوة والسجودُ واجبٌ في هذه المواضع كلِّها، - وإن تلا بالفارسيِّ: لزم السامع وإن لم يفهم، هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يلزمه إلا إذا فهم. وروي أنه رجع إلى قولهما، وعليه الاعتماد. - وإن قرأها بالعربية: وجب على السامع، فَهِمَ أو لم يفهم، إجماعاً. - وفي الحج سجدةٌ واحدةٌ عندنا، وهي الأُولىُ. وعند الشافعي(١): سجدتان. - وسجدة ص عندنا سجدة تلاوة، وعنده رحمه الله: سجدة شكر، فلا يسجدها عنده إذا تلاها في الصلاة. أما السجدة الثانية من الحج: فليست عندنا سجدة تلاوة؛ لأنها مقرونةٌ بالركوع، وذلك أمرٌ بالصلاة، دون السجدة. * قوله: (والسجود واجبٌ في هذه المواضع): يعني عملاً، لا اعتقاداً. - ويجب على التراخي، لا على الفور. وقال مالك(٢)، والشافعي(٣): سُنَّةٌ. (١) مغني المحتاج ٢١٤/١. (٢) جواهر الإكليل ١/ ٧١. (٣) مغني المحتاج ٢١٤/١. ٤٨٦ باب سجود التلاوة على التالي والسامع، سواءٌ قَصَدَ سماعَ القرآن، أو لم يَقْصِد . وإذا تلا الإمامُ آيَةَ سجدةٍ : سجدها، وسَجَد المأمومُ معه. * قوله: (على التالي، والسامع، سواء قَصَدَ سماعَ القرآن أو لم يقصد). - كان التالي طاهراً، أو محدثاً، أو جنباً، أو حائضاً، أو نفساء، أو كافراً، أو صبياً، أو سكراناً، فذلك كله يوجب على السامع السجود. وقيل: يشترط أن يكون الصبي يعقلُ. - ولو سمعها من نائم، أو مغمىً عليه، أو مجنون: ففيه روايتان: أصحهما: لا یجب. وفي ((الفتاوى)): إذا سمعها من مجنون: يجب، وكذا من النائم: الأصح الوجوب أيضاً. - وهل يجب على النائم: فيه روايتان. - ولو كان السامع ممن لا تجب عليه الصلاة، كالحائض، والنفساء، والصبي، والمجنون، والكافر: لا يجب عليهم، سواء تلَوْا، أو سمعوا. ۔ ولو تلاها وهو أصمُّ: یجب عليه. - ولو تلاها، ثم سمعها من آخر، أو سمعها، ثم تلاها وهو في مجلس واحد: لم يجب عليه إلا سجدة واحدة إذا لم يتغير المجلس. - وإن سمعها من الصدى: لا يجب عليه شيء. * قوله: (وإذا تلا الإمامُ آيةَ سجدةٍ: سجدها، وسجد المأمومُ معه). ٤٨٧ باب سجود التلاوة وإن تلا المأمومُ: لم يسجدِ الإمامُ، ولا المأمومُ. - سواء سمعها منه، أم لا. - وسواء كان في صلاة الجهر، أو المخافتة، إلا أنه يستحب أن لا يقرأها في صلاة المخافتة. - فإن سمعها رجلٌ خارجَ الصلاة، ثم دخل مع الإمام في تلك الركعة بعد سجود الإمام لها: لم يجب عليه سجودٌ. - وإن أدركه في الركعة الثانية أو الثالثة: لم يجب عليه أيضاً عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد. - ونظيره: لو أدرك الإمامَ في الركعة الثالثة من الوتر في الركوع في رمضان: يصير مدركاً للقنوت، حتى لا يأتي به في الركعة الأخيرة. - ولو سمعها من الإمام أجنبيٌّ ليس معهم في الصلاة، ولم يدخل معهم في الصلاة: لزمه السجودُ؛ لأنه قد صح له السماع، وهو ممن يصح منه السجود. کذا في ((شرحه)). قوله: (وإن تلا المأمومُ: لم يلزم الإمامَ، ولا المؤتمَّ السجودُ)، يعني لا في الصلاة، ولا بعد الفراغ منها عندهما. وقال محمد: يلزمهم بعد الفراغ؛ لأن السبب قد تقرر، ولا مانع، بخلاف حالة الصلاة؛ لأنه يؤدي إلى خلافِ موضوع الإمامة، أو التلاوة؛ لأن التالي كالإمام للسامع في سجود التلاوة. ٤٨٨ باب سجود التلاوة - ومعنى قولنا: خلاف موضوع الإمامة: وذلك على تقدير أن يسجد التالي أولاً، فيتابعه الإمام، فينقلب التابع متبوعاً، والمتبوع تبعاً. وإن لم يتابعه الإمام: كان مخالفاً لإمامه أيضاً. - ومعنى قولنا: أو التلاوة: أي على تقدير أن يسجد الإمام أولاً، فيتابعه التالي، وهذا خلاف موضوع سجدة التلاوة، فإن التالي إمامُ السامعين، فينبغي أن يتقدم سجودُ التالي. قال عليه الصلاة والسلام للتالي: ((كنتَ إمامَنا، لو سجدتَ لسجدنا))(١)، قاله لرجل تلا عنده آیةً سجدة، فلم یسجد. ولهما: أن المقتدي محجورٌ عليه عن القراءة؛ لنفاذ تصرف الإمام عليه؛ لأن قراءةَ الإمام له قراءةً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان له إمامٌ: فقراءةُ الإمام له قراءة)(٢). وذلك دليل الولاية عليه، والولاية: دليلُ الحَجْر عليه. ولأن الشارع مَنَعَه عن القراءة، والمحجور: لا حكمَ لتصرفه. (١) مصنف ابن أبي شيبة (٤٣٩٦)، قال ابن حجر في الفتح ٥٥٦/٢: رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وحديث ابن عجلان: حسن. اهـ، سنن البيهقي ٣٢٤/٢. (٢) موطأ محمد (مع التعليق الممجد) ص٩٤، سنن الدارقطني ٣٢٥/١، سنن البيهقي ١٥٩/٢، نصب الراية ٦/٢، وقد بيَّن صحة الحديث، وتكلم عنه بطول ابنُ الهمام في فتح القدير ٢٩٥/١، وينظر التعريف والإخبار ١٦٨/١. ٤٨٩ باب سجود التلاوة وإن سمعوا وهم في الصلاة آيةً سجدةٍ من رجلٍ ليس معهم في الصلاة : لم يسجدوها في الصلاة، وسجدوها بعد الصلاة. فإن سجدوها في الصلاة : لم تُجْزهم، ولم تفسدْ صلاتُهم. بخلاف ما إذا سمعها من الجنب والحائض؛ لأنهما ليسا بمحجورین، بل منهيين، والتصرفات المنهيُّ عنها: يُعتدُّ بها، ويُعتبر حكمها. * قوله: (وإن سمعوا وهم في الصلاة آيةَ سجدةٍ من رجلٍ ليس معهم في الصلاة: لم يسجدوها في الصلاة). لأنها ليست بصلاتيّة، فيكون إدخالُها فيها: منهياً عنه، وهي وجبت كاملةً، فلا تتأدى بالمنھيِّ. * قوله: (وسجدوها بعد الصلاة)؛ لصحة التلاوة من غير حَجْر. * قوله: (فإن سجدوها في الصلاة: لم تُجْزهم)؛ لنقصانها، يعني أنها ناقصةً؛ لمكان النهيِّ، فلا يتأدى بها الكامل. ولأنها ليست بصلاتية، وغيرُ الصلاتية: لا تؤدى في الصلاة، فيتمكن النقصان بأدائها في الصلاة، وما وجب بصفة الكمال: لا يتأدى بالناقص. * قوله: (ولم تَفسد عليهم الصلاةُ) ؛ لأنها من أفعال الصلاة. وفي ((النوادر)): تفسد، وهو قول محمد، والأول قولهما، وهو الأصح. - ولو قرأ الإمامُ آيَةَ السجدة التي سمعها من الأجنبي في الصلاة قبل فراغه منها: سجدها في الصلاة، وأجزأته عنهما جميعاً. ٤٩٠ باب سجود التلاوة ومَن تلا آيةَ سجدةٍ خارج الصلاة، فلم يسجدها حتى دخل في الصلاة، ثم تلاها، وسجد لها : أجزأته السجدةُ عن التلاوتين. - ولو قرأ الإمامُ آيَةَ سجدةٍ، فسمعها رجلٌ ليس معهم في الصلاة، فدخل معه بعد ما سجدها الإمامُ: لم يكن عليه أن يسجدها؛ لأنه صار مدركاً لها بإدراك الركعة. - قال في ((النهاية)): هذا إذا أدرك الإمامَ في آخر تلك الركعة التي تلا فيها السجدة، أما إذا أدركه في الركعة الثانية: لم يصر مدركاً للركعة التي قبلها، ولا ما تعلَّق بها من القراءة والسجدة، فيلزمه أن يسجدها خارج الصلاة. وقيل: تصير صلاتيةً، فلا يلزمه أن يسجدها خارج الصلاة. - وأما إذا لم يدخل معه في الصلاة: فإنه يجب عليه أن يسجدها؛ لتحقق السبب. قوله: (ومَن تلا آيةَ سجدة، فلم يسجدها حتى دخل في الصلاة، فتلاها، وسجد لها: أجزأته السجدةُ عن التلاوتَيْن)؛ لأن الثانية أقوى؛ لكونها صلاتيةً، فاستتبعت الأُولى. وكونها سابقاً: لا ينافي التبعية، كسُنَّة الظهر الأُولى للظهر. وفي ((النوادر)): يسجد أُخرى بعد الفراغ؛ لأن للأُولىُ قوةَ السبق، فاستوتا. ٤٩١ باب سجود التلاوة قلنا: للثانية قوة اتصال السجدة بالتلاوة، فترجَّحت على الأُولى، فاستتبعتها. - وهذا إذا دخل في الصلاة قبل أن يتبدل المجلس، أما إذا تبدل: لم تُجْزه سجدة الصلاة عن التلاوتين. وهذا الذي ذكره الشيخ: هو رواية كتاب الصلاة(١). وفي ((النوادر)): لا يسقط ما وجب خارج الصلاة، بل يسجدها بعد الصلاة؛ لأنه حين اشتغل بالصلاة: تبدَّل المجلس، كما لو اشتغل بالأكل. ولا يمكن جَعْلُ الأُولى تبعاً؛ لأن السابق لا يكون تبعاً للأَحق، ولا يمكن جعل الثانية تبعاً؛ لأنها أقوى، فوجب اعتبار كلِّ واحدٍ سبباً، فالصلاتية تؤدى فيها، والأولى تؤدى بعد الفراغ من الصلاة، إلا أن الأول هو الظاهر؛ لأن المتلوَّ آيةٌ واحدةٌ، والمكانُ واحدٌ، والثانية أكمل؛ لأن لها حُرمتين: حرمة التلاوة، وحرمة الصلاة. - ثم على رواية كتاب الصلاة في قوله: أجزأته السجدة عن التلاوتين: فلو لم يسجدها في الصلاة حتى فرغ منها: سقطت عنه السجدتان جميعاً(٢). وفي رواية ((النوادر)): ما وجب خارج الصلاة: لا يسقط. (١) أي من كتاب الأصل، للإمام محمد. (٢) لأن سجدة التلاوة الصلاتية لا تُقضى خارج الصلاة، وتلك تبعٌ لها. ٤٩٢ باب سجود التلاوة وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها : سَجَدَ لها، ولم تُجْزِه السجدةُ الأُولىُ. قوله: (وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها: سجد لها، ولم تجزئه السجدة الأولى)؛ لأن الصلاتية أقوى، فلا تنوب الأُولى عنها. - ولو تلا آيةَ سجدة في الصلاة، فسجدها، ثم سلّم، وأعاد تلك الآية: فعليه أن يسجد أخرى. وفي ((نوادر)) الصلاة: لا تجب عليه أخرى. ووفّق أبو الليث بينهما فقال: إذا تكلّم بعد السلام: تجب عليه سجدة أخرى؛ لأن الكلام يقطع حكمَ المجلس، وإن لم يتكلم: لا تجب عليه أخرى، وهذا هو الصحيح. - ولو قرأ آيةَ سجدة في الركعة الأولى، فسجد، ثم قام، فأعادها في تلك الركعة ثانياً: لم تلزمه أخرى، بالإجماع. - وإن أعادها في الركعة الثانية: تلزمه أخرى عند محمد، وهو استحسانٌ، وعند أبي يوسف: تكفيه الأُولى وهو القياس؛ لأن التحريمة تجمع أفعال الصلاة، فتصير كلها كالمحل الواحد. ولمحمد: أن السجود من موجَب التلاوة، وكل ركعة تتعلق بها تلاوةٌ، ولا تنوب عنها تلاوةٌ في غيرها، فكذا إذا تعلّق بها سجودٌ: لا ینوب عنه سجودٌ في غيرها. ٤٩٣ باب سجود التلاوة ومَن كرَّر تلاوةَ آيةٍ سجدةٍ واحدةٍ في مجلسٍ واحدٍ : أجزأته سجدةٌ واحدةٌ . - قال في ((الفتاوى)): هذا الاختلاف إذا كانت الصلاة بركوع وسجود، أما إذا صلى بالإيماء: لا تجب أخرى. - وكذا لو أعادها في الثالثة، والرابعة. * قوله: (ومَن كرَّر تلاوةَ آيةِ سجدةٍ واحدةٍ في مجلسٍ واحد: أجزأته سجدةٌ واحدة). والأصل: أن مبنى السجدة على التداخل؛ دفعاً للحرج، فإذا تلا آية سجدة، فسجد، ثم قرأ تلك الآية في ذلك المجلس مراراً: يكفيه تلك السجدة عن التلاوات الموجودة بعد السجدة. - وقوله: في مجلس واحد: احترازاً عما إذا تبدَّل المجلس. والتبديل: يكون حقيقة، ويكون حكماً: فالحقيقة: ظاهرٌ. والحكمُ: كما إذا كان في مجلس بيعٍ، فانتقل إلى مجلسِ نكاح، أو أَكَلَ كثيراً أو شَرِبَ كثيراً وهو في مكانه، أو أرضعت المرأةُ ولدَها، أو امتشطت، أو اشتغل بالحديث، أو عمل عملاً يعلم أنه قاطعٌ لما قبله: فإنه يقطع حكم المجلس. - وأما إذا كان العمل قليلاً، كما إذا أكل لقمةً أو لقمتين، أو شرب جُرعةً أو جُرعتين، أو تكلم كلمةً أو كلمتين، أو خطا خطوةً أو خطوتين: ٤٩٤ باب سجود التلاوة فإنه لا يقطع المجلس. وإنما يختلف المجلس بالأكل حتى يشبع، أو بالشُّرب حتى يُروى، أو بالعمل أو بالكلام حتى يكثُر. كذا قال التُّمُرْتاشي. - وإن اشتغل بالتسبيح، أو التهليل، أو القراءة: لا ينقطع حكم المجلس. - ولو قرأها وهو قاعدٌ فقام، أو قائمٌ فقعد، أو نام قاعداً: لا ينقطع حكم المجلس. - ولو قرأها، ثم ركب على الدابة، ثم نزل قبل السير: لم ينقطع أيضاً. - ولو قرأها، فسجد، ثم قرأ القرآن بعد ذلك طويلاً، ثم أعاد تلك السجدة: لا تجب عليه أخرى. - ولو قرأها مراراً في الدَّوْس(١)، أو تسدية الثوب(٢)، أو دوران الرَّحى: يتكرر الوجوب، وهو الصحيح؛ للاحتياط. - وكذا المنتقل من غصن إلى غصن: يتكرر به الوجوب، في الأصح. - ولو قرأها في المسجد الجامع في زاوية، ثم تلاها في زاوية أخرى منه: كفَتْه سجدةٌ واحدةٌ؛ لأن المسجد مع تباعد أطرافه يُجعل كبقعة واحدة في حق الصلاة، فأَوْلى أن يكون كذلك في حق السجدة؛ لأنها دونها. (١) أي دَوْس الحَبِّ لفصل قشره. (٢) أي صنع الثوب بإلقاء السدى يميناً وشمالاً. ٤٩٥ باب سجود التلاوة - ولو تلاها في السباحة: يتكرر الوجوب. وقيل: إن كان في حوضٍ صغير: لا يتكرر. - وإن قرأها وهو ماشٍ: تلزمه لكل قراءة سجدة؛ لأن المكان قد اختلف. - وإن قرأها في البيت، أو في السفينة: سائرةً كانت أو واقفةً: كفَتْه سجدةٌ واحدة. - بخلاف الدابة فإنه إذا كرَّرها عليها وهي تسير: إن كان في الصلاة: كفَتْه سجدةٌ واحدة، وإن كان في غير الصلاة: تكرَّر عليه الوجوب. - ولو قرأها في مكان، ثم قام، فركب الدابة، ثم قرأها مرةً أخرى قبل أن تسير: فعليه سجدةٌ واحدة، يسجدها على الأرض. - ولو سارت، ثم تلاها: تلزمه سجدتان. - وكذا إذا قرأها راكباً، ثم نزل قبل أن تسير، فقرأها: فعليه سجدة واحدة، يسجدها على الأرض. - ولو قرأ آيةَ سجدة في الصلاة، فسجد لها، ثم فسدت صلاتُه، ووجب عليه قضاؤها: لا يجب عليه إعادة السجدة. - والمرأةُ إذا قرأت آية السجدة في صلاتها، فلم تسجدها حتى حاضت: سقطت عنها. ٤٩٦ باب سجود التلاوة - ولو سمع آيةَ سجدةٍ من رجل، وسمعها من آخر في ذلك المكان، ثم قرأها هو: أجزأته سجدة واحدة؛ لاتحاد الآية والمكان. - ولو قرأ آيةَ سجدة ومعه رجلٌ يسمعها، ثم قام التالي، وذهب، ثم عاد، فقرأ تلك الآية ثانياً، ثم قام، فذهب هكذا مراراً: فإنه تجب على التالي لكل مرة سجدةً على حِدَة، وأما السامع: فتكفيه سجدةً واحدة؛ لأنه اختلف مجلس التالي، ولم يختلف مجلس السامع. - وكذا الجواب إذا كان التالي مكانَه، والسامعُ يذهب ويجيء، ويسمع: تجب على التالي سجدةً واحدة، وعلى السامع لكل مرة سجدة. - ولو قرأ آية سجدة، فسجد، ثم نام مضطجعاً: انقطع حكم المجلس، وإن نام قاعداً: لم ينقطع. - ولو قرأ آيةَ سجدة على الدابة، فسجدها عليها: جاز. قال الحَلواني: هذا في راكبٍ خارجَ المصر، أما إذا كان في المصر: لا يجزئه عند أبي حنيفة. - ولو قرأ آية سجدة راكباً، فلم يسجدها حتى نزل، ثم ركب بعد دلك، فسجدها على الدابة: أجزأه عندنا. وقال زفر: لا يجزئه؛ لأنه لما نزل: وجبت عليه بغير إيماء، فصار كما إذا تلاها على الأرض، فلم يسجدها حتى ركب: لا يجزئه إن سجدها على الدابة، كذا هذا. ٤٩٧ باب سجود التلاوة ومَن أراد السجودَ: كَبَّر ولم يرفع يديه، وسجد، ثم كَبَّر، ورَفَعَ رأسَه، . ولنا: أنها وجبت عليه بالإيماء، فإذا أداها على الوجه الذي وجبت: أجزأه. - وكذا على هذا الاختلاف: إذا قرأها عند طلوع الشمس، ولم یسجدها حتى أداها عند الغروب. - ولو قرأ القرآن كله في مجلس واحد: لزمه أربع عشرة سجدة؛ لاختلاف الآيات. [كيفية سجود التلاوة : ] * قوله: (ومَن أراد السجود: كَبَّر، ولم يرفع يديه، وسجد، ثم کبَّر، ورفع رأسَه)؛ اعتباراً بسجدة الصلاة. كذا في ((الهداية))(١). - وفيه إشارةٌ إلى أن التكبير سنةٌ، وليس بواجب؛ لأنه اعتبره بسجدة الصلاة، والتكبير فيها ليس بواجب. - ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثاً، هو المختار. وبعض المتأخرين استحسنوا أن يقول فيها: سبحانَ ربِّنا إن كان وعدُ ربنا لمفعولاً. - وإن لم يذكر فيها شيئاً: أجزأه. (١) ٨٠/١. ٤٩٨ باب سجود التلاوة ولا تشهُّدَ عليه، ولا سلامَ. - ولو ترك التكبيرة التي يُحرم بها: أجزأه عندنا، خلافاً للشافعي(١). - ولا تجوز سجدة التلاوة إلا بما تجوز به الصلاة من الشرائط: من الطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة إذا تلاها على الأرض. - ولا يتيمم لها، إلا أن لا يجد الماء، أو يكون مريضاً. - فإن تكلم فيها، أو قهقه، أو أحدث متعمِّداً، أو خطأً: فعليه إعادتها. - وإن سجدت امرأةٌ إلى جنب رجل مقتديةً به: لم تُفسِد عليه وإن نوی إمامتها. قوله: (ولا تشهُّدَ عليه، ولا سلامَ)؛ لأن ذلك للتحليل، وهو يستدعي سبق التحريمة، وهي منعدمةٌ؛ لأنه لا إحرامَ لها. - فإن قلتَ: كيف تكون التحريمة منعدمةٌ وقد قال: ومَن أراد السجود كَبَّر، والتكبيرُ للتحريمة؟ قلتُ: ليس هو للتحريمة، بل لمشابهتها بسجدة الصلاة، والتكبير في سجدة الصلاة إنما هو للانتقال، فكذا هذا، انتقالٌ من التلاوة إلى السجود. [سجدةُ الشكر : ] مسألةٌ: سجدةُ الشكر لا عبرةَ بها عند أبي حنيفة، وهي مكروهةً (١) مغني المحتاج ٢١٦/١. ٤٩٩ باب سجود التلاوة عنده، لا يثاب عليها، وتَرْكُها أَوْلى(١). وبه قال مالك(٢). وعندهما: سجدةُ الشكر قُربةٌ يُتاب عليها. وبه قال الشافعي(٣)، وأحمد (٤). - وصورتها عندهم: أن مَن تجدَّدت عنده نعمةٌ ظاهرةٌ، أو رزقه الله مالاً، أو ولداً، أو وجد ضالةً، أو اندفعت عنه نقمةٌ، أو شُفي له مريضٌ، أو قَدِمَ له غائبٌ: يُستحب له أن يسجد لله شكراً، مستقبل القبلة، يحمد الله فيها، ويسجد، ثم يكبر أخرى، فيرفع رأسه، كما في سجدة التلاوة. (١) حرَّر ابن عابدين ٦٠٨/٤ قول الإمام أبي حنيفة في سجدة الشكر، فقال: ((نقل في ((المحيط)) عنه أنه قال: لا أراها واجبة؛ لأنه لو وجبت: لوجبت كلَّ لحظة؛ لأن نِعَم الله تعالى على عبده متواترة، وفيه تكليف ما لا يُطاق. ونقل في ((الذخيرة) عن محمد عن الإمام: أنه كان لا يراها شيئاً، واختلفوا في معنى قوله، فقيل: لا يراها سُنَّة، وقيل: شكراً تاماً، وقيل: أراد الجواز ونفيَ الوجوب، وقيل: نفي المشروعية، وأن فعلَها مكروهٌ، لا يُثاب عليه، بل تركُهُ أَوْلَى، وعزاه في المصفَّى إلى الأكثرين، والأظهر: أنها مستحبة، والمعتمد أن الخلاف في سنيتها، لا في الجواز)). اهـ، وفي الدر المختار: سجدة الشكر مستحبة، به يفتى. اهـ، وهو أيضاً ما رجحه الطحطاوي على المراقي ص ٤٠٨. (٢) جواهر الإكليل ١/ ٧١. (٣) مغني المحتاج ٢١٨/١. (٤) الروض المربع ص٧٦. ٥٠٠ باب سجود التلاوة - وفائدة الخلاف بينهم: في انتقاض الطهارة إذا نام فيها. وفيما إذا تيمَّم لها: هل تجوز به الصلاةُ عند أبي حنيفة رحمه الله؟ ينتقض وضوؤه بالنوم فيها، ولا يجوز عنده أن يصلي بتيممه لها. وعند أبي يوسف ومحمد: لا ينتقض وضوؤه بالنوم فيها، ويجوز أن يصليَ بالتيمم لها، كما في سجدة التلاوة؛ لأنها معتبرةٌ عندهما.